إشكاليات التنمية العربية ومأزق الطفولة

إشكاليات التنمية العربية ومأزق الطفولة

علي منير حرب

كثيراً ما نتساءل، ونحن نتعرض لمسألة التنمية، عن أسباب عجز بلادنا العربية في تحقيق التقدم المطلوب في هذه المسألة وبخاصة ما يتعلق منها بموضوع حقوق الطفل والمرأة والإنسان.

وعندما نشير إلى هذا الواقع المؤلم، فإننا نرتكز على مجموعة الوثائق والأرقام التي تقدمها المؤسسات الوطنية والإقليمية والدولية المعنية بهذا الخصوص، والتي تؤكد بوضوح، بأن الوطن العربي رغم محاولاته الكثيرة ما زال مقصّراً عن القيام بما هو مطلوب لتحقيق معدلات مرضية في مجال التنمية الإنسانية بالذات، سيما وأن النسب التي تمّ رصدها في السنوات العشر الأخيرة، في عدد وفيات الأطفال أو حرمانهم من التعليم والحماية الأساسية لهم، أو في التخلف عن تطبيق مبادئ الشرعات الدولية لحقوق الإنسان والمرأة، أو في معالجة آفة الأمية والفقر والبطالة، أو في المحافظة على سلامة البيئة، ما تزال مرتفعة وفوق المعدلات المأمولة، لا بل إن بعض هذه النسب قد سجّل ازدياداً عما قبل، كما هي الحال مثلاً في مسألة استفحال الفقر والأمية والبطالة، على الرغم من “ترسانة الاستراتيجيات” التي أقرّتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليكسو) لحلّ مثل هذه المشكلات.

ونظراً لاتساع مفهوم التنمية، بمعناها الشامل والمستدام، وتشابك عناصرها وتداخل غاياتها، فإنني ساقصر الحديث على جانب الطفولة وقضاياها وحاجاتها في الوطن العربي، وأحاول تلمّس مناحي التقدم التي تحققت والأسباب التي حالت أو ما زالت تحول دون تحقيق الغايات التي نطمح إليها في هذه القضية، مع يقيني الكامل بالتلازم العضوي الوثيق بين شأن الطفولة وشؤون التنمية الأخرى واستحالة الفصل بينها، إذ إن حصول أي تحوّل في أي منها، سلباً كان أو إيجاباً، لا بد أن تظهر ارتداداته واضحة على الآخر.

الأطفال ذخيرة الأمة (النموذج الغربي):

منذ أطلق المفكر الفرنسيجان جاك روسو” (1712-1778) صيحته الكبرى “إعرفوا الطفولة” ، وقضية الطفولة ما زالت من أبرز القضايا التي تحظى بالاهتمام والأولوية لدى الجميع، نظراً لما يمثله هذا الجزء من المجتمع من احتياط إنساني كبير، يرفد الوطن بالعقول والطاقات ويكوّن مخزونه المتجدّد الذي يمدّه بالحياة ويؤمن له الطاقة على الاستمرار والتطور. فالأطفال في أي مجتمع، هم عدّته المستقبلية للقيادة والبناء، وهم ثروته التي لا تضاهيها أية ثروة أخرى مهما تعاظم كمها وقيمتها. وتبرز أهمية الأطفال، من خلال ما شهدته مجموعة العلوم المتعلقة بهم منذ بدايات القرن الماضي في أوروبا والغرب عموماً، والتطور الذي حققته هذه العلوم بفضل الأبحاث والدراسات الميدانية الجادة التي قام بها العديد من علماء الاجتماع والنفس والأنتربولوجيا الاجتماعية والتربية وغيرها من العلوم التي تهدف إلى فهم أكبر لأسرار الطفولة ومحاولة تحديد الشروط والعناصر والظروف المكونة لشخصيات الأطفال والمؤثرة في أنماط سلوكهم. فراجت المؤلفات الواسعة حول نمو الأطفال وثقافة الأطفال وسلامة الأطفال وأدب الأطفال وألعاب الأطفال وغيرها مما يتناول تفاصيل هذا العالم الذي بقي لفترة طويلة غامضاً وشائكاً وغير مفهوم.

ولم تتوقف هذه الجهود المختلفة عند حدها العلمي الموضوعي فقط، بل تعدته لتشمل النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتعلقة بالطفولة، حيث أصبحت قضية العناية والرعاية والحماية التي يجب أن تتوفر للأطفال الشغل الشاغل للمؤسسات والهيئات الحكومية والأهلية، من أجل إنقاذ الأطفال من براثن الفقر والجوع والمرض وتأمين الفرص المناسبة لتعليمهم وتربيتهم وتنشئتهم ضمن ظروف صحية سليمة، مما يساعد على نموهم ومنحهم الحصانة اللازمة لمواجهة الحياة والقدرة على أداء دورهم فيها والمساهمة في دفع حركة التنمية المتوخاة للمستقبل، حيث تبلور كل ذلك فيا يعرف “بحقوق الطفل الطبيعية“.

وقد تمكّنت دول العالم المتقدم من تسجيل قفزات نوعية هامة في مجال حقوق الأطفال، سواء فيما يتعلق بسنّ القوانين أو تطبيق الأنظمة والقواعد التي تؤمن الرعاية الكاملة للطفولة، كما قامت بتوفير مجموعة كبيرة من التقديمات والتسهيلات التي خصصت بها الأطفال والأسرة على الصعيد الصحي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والثقافي وغيرها، واستطاعت بفعل سياساتها المتوالية والناشطة بهذا الخصوص، والممتدة متواصلة منذ لحظة الحمل حتى إتمام الدراسات الجامعية العليا وتوفير أفضل الفرص للعمل والانتاج، أن تجعل من موضوع الطفولة همّ وثقافة المجتمع كله إبتداء من الأبوين ومروراً بشرطي السير ووصولاً إلى بائع الحلوى والألعاب، حيث تتجنّد جميع أجهزة الدولة لخدمة الطفل والطفولة. حتى أضحى أطفال هذا العالم بما يتمتعون به من حقوق وما يرفلون به من مكتسبات نموذجاً يتطلع إليه أطفال العالم النامي الذين ما زالوا بحاجة ماسة إلى أبسط هذه الحقوق.

خطوات عربية على الطريق:

إستلحاقاً لمشروع النهضة العربية المتردّد والمنكفئ المطروح منذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأت إرهاصات التنمية منذ منتصف القرن الماضي تدخل أروقة السياسة العربية كما أخذ الحديث عنها يجول في أوساط الجمعيات الأهلية ويشكّل جزءاً من مناقشات وتوصيات المؤسسات الإقليمية العربية المعنية بشؤون الصحة والتربية والثقافة والتنمية عموماً.
وأخذ هذا الاهتمام بالنمو بفعل توسّع حركة التفاعل والاتصال مع الغرب من جهة والمساعدات والمبادرات التي قدمتها الهيئات الغربية للدول العربية ومؤسسات المجتمع المدني بهذا الخصوص من جهة أخرى، سواء كان ذلك عن طريق المساعدات المالية المباشرة أو تمويل ورعاية إقامة الندوات والمحاضرات وورش العمل التدريبية ونشر الكتب التي تعمل على تعميق الوعي الاجتماعي وتدعيم فكرة خدمة التنمية وتحفيز الدول والمجتمعات على الانخراط في برامج الحقوق الطبيعية المختلفة للإنسان.

وبلغت هذه العملية -الاتصال والتفاعلذروتها في ظل التقدم التكنولوجي الهائل للاتصالات وإزالة العوائق أمام نقل المعلومات والمعارف والصور إلى أبعد نقطة على سطح الأرض.

وكان من نتيجة ذلك أن بادرت الدول العربية إلى إقرار الكثير من التشريعات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والمرأة والطفل، كما أقدم بعضها على إجراء التعديلات على أنظمتها وقوانينها الداخلية بما يتناسب مع هذه المستجدات. كما أدى ذلك أيضاً إلى تنشيط حركة البحث العلمي وتشكيل الجمعيات واللجان المهتمة بشؤون الإنسان بعامة. فانتشرت في مختلف الأقطار العربية التجمعات المعنية بحقوق المرأة وحقوق الطفل ورعاية الطفولة وحقوق الإنسان الخ

لا يعني كل هذا إن العالم العربي كان غافلاً عن هذه الشجون، أو إنها مستجدة على ساحته، إنما يعني ببساطة تامة إن ما حققته الدول المتقدمة بهذا الصدد كان حافزاً هاماً من حوافز الاستنهاض لدينا للانطلاق نحو إعادة الاعتبار للدعوات الإصلاحية التي أطلقها المتنورون والمثقفون، ودعت إليها الأديان السماوية جميعاً، والتي ظلت في بلادنا سجينة الأفكار والشعارات والخطابات دون أن تتحول إلى وقائع ومنجزات، إلا في نطاق ضيّق ومحدود.

وبقيت معاناة الأطفال عندنا شاخصة على امتداد الأوطان العربية مع بعض الاختلافات والتباينات في نسبها ونوعيتها بين دولة وأخرى تبعاً للظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

فما هي الأسباب التي تقف وراء عجز بلادنا عن اللحاق بركب الدول الأخرى في الالتفات إلى أطفالها بما يتناسب مع أهميتهم وموقعهم ودورهم المستقبلي المنشود؟

أسباب المعوّقات:

مع قناعتنا التامة بأن الأسباب السياسية هي بامتياز على رأس المعوّقات التي تعرقل عملية التنمية الشاملة في الوطن العربي وتحرم أطفاله من حقوقهم الأساسية والطبيعية، فإنه لا يمكننا أن نغفل بعض الأسباب الأخرى الاقتصادية والاجتماعية التي تساهم هي أيضاً بتعميق هذه المشكلات وجعلها أكثر تعقيداً، والتي يمكننا من خلالها تفسير انخفاض معدلات النمو أو التباطؤ في رفعها بشكل لافت.

1-الأنظمة السياسية العربية وحوائط الجليد:

كثيرة هي الأوصاف التي تطلق على أنظمة الحكم العربية، سواء تلك النابعة من صميم المجتمع الوطني أو الوافدة من خارجه، وتتقاطع جميعها عند نقاط الحريات والفساد وفقر التنمية.

فهي أنظمة ذات أوجه زائفة ما بين إدعاء الديموقراطية في الظاهر وهيمنة أهل السلطة على كل مؤسسات الوطن الدستورية والتشريعية والقضائية، ورازحة تحت نزوات احتكار الحكم بالتوريث تارة وبالتمديد والتجديد والاستفتاءات المركّبة تارة أخرى.

وهي أنظمة منفصلة عن شعوبها وبعيدة عن أبسط هموم مواطنيها وحاجاتهم الأساسية ومنهوكة دائماً باجتراح الذرائع والظروف والأساليب التي تضمن لها التجذّر في مقاعد الحكم.

والمواطن العربي، تحت وطأة هذه الأنظمة، وبفعل القهر والمعاناة، فريسة لليأس والهجرة مهموم بتأمين قوت يومه ومقعد دراسي لتعليم أطفاله ودواء لمرضهم.

مثل هذه الأنظمة المصابة بفقر الدم المزمن في مجال الحرية والتنمية، هي بالضرورة مرتع لاستفحال أوبئة الفساد، وحاضن خصب لكل أشكال التخلف، ولا يمكن الاطمئنان على مستقبل الطفولة في ظلها كما لا يمكن المراهنة عليها في رسم أو نجاح أية خطة تنموية صادقة وفعّالة من أجل حقوق الأطفال، اللهم إلاّ في الشعارات الجوفاء التي ما عادت صامدة لحفظ ماء الوجه أمام أنظار العالم ومسامعه.

2-إنعدام الشعور بالأمان:

تعيش معظم أقطار الوطن العربي فيما بينها، حالة من النزاع السياسي الدائم مرة بحجة تسوية الحدود والمناطق المتنازع عليها وأخرى بحجة التدخلات وحبك المؤامرات، وقد بلغ هذا النزاع حد الذروة بالاجتياح العسكري. (الاجتياح العسكري العراقي للكويت، النزاعات المحتدمة بين المغرب والجزائر، رسم الحدود والصراع على الجزر في الخليج، مسألة وضع القوات السورية في لبنان).

تعيش معظم أقطار الوطن العربي، في تركيباتها العرقية والدينية والمذهبية والطبقية، حالة قبلية جاهلية دائمة من الغزو والاجتياح، الكبير فيها يتربص بالصغير ويتحين الفرص للاعتداء عليه. فشكلت هذه التركيبات قنابل موقوتة، إنفجر أكثرها حروباً أهلية دموية متوحشة، وما زال بعضها الآخر ينتظر اللحظة المناسبة. (الحرب الأهلية في لبنان، الحرب الأهلية في السودان، العمليات العسكرية في الجزائر، الحروب الانفصالية في أندونيسيا والعراق، النزاع القبلي في اليمن).

عانت وتعاني بعض الأقطار العربية أوضاعاً حربية صعبة ومخيفة إنعكست آثارها جليةّ على دول الجوار من ناحية وعلى الوطن العربي كله من ناحية أخرى (الاحتلال الصهيوني لفلسطين، الحروب العربية الاسرائيلية، الاجتياح الاسرائيلي لجنوب لبنان، حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، الاحتلال العسكري للعراق، الحرب المعلنة ضد الإرهاب وإسقاطاتها الأمنية على دول الشرق الأوسط).

هذه الأوضاع الأمنية البالغة الصعوبة، كان لها أكبر الأثر في إحداث الخراب والتدمير للمنشآت ومراكز الخدمات والبنى التحتية في الدولة، كما طال الموت بسببها آلاف المواطنين وشرّد وهجّر الكثيرين من مناطقهم ومنازلهم ومن بينهم الأطفال الأبرياء الذين قتلوا أو أصيبوا أو حرموا من التعليم والغذاء والأمن، وأعاق أيضاً حركة التنمية وعطّل مسارها وألغاها من برنامج الأولويات وأخضع مؤسسات الوطن كلها إلى ضرورات الأمن والسيادة.

3-تشويه دور المجتمع المدني:

في ظلّ غياب الدور الرسمي لمؤسسات الدولة، وتعطّل فعاليته للأسباب المذكورة، كان يمكن أن تقوم مؤسسات المجتمع المدني “الجمعيات والأحزاب والنقابات والهيئات والأندية وغيرها” بسدّ الكثير من الثغرات في مجال التنمية وتعويض المجتمع ما فقده بسبب السياسة. ولكن ومع الاعتراف بما قدمته بعض هذه المؤسسات من تضحيات وخدمات تستحق الإشادة في هذا المجال، إلاّ أن أغلبها أفسدتها السياسة أيضاً وحوّلتها إلى عجلات في مركبة أهل النظام كما جيّرت جهودها وإمكاناتها لخدمة الطبقة الحاكمة والترويج لها، فغرق أكثرها في همّ الاستفادة من خيرات الدولة والوصول إلى المناصب السياسية بدل الوصول إلى قلوب الناس ونبض الشارع المحموم أصلاً بويلات السياسة وأمراضها. فانحسرت بذلك الآمال المعقودة على دور المجتمع في تصويب الشطط السياسي والارتقاء بمستوى الحيّز الاجتماعي المطلوب من النخبة المثقفة والواعية والفاعلة.

4-هدر الثروات وضياعها:

من المعروف، إن الامكانات الاقتصادية تعتبر من دعائم نجاح أية خطة تنموية في المجتمع. حتى أننا كثيراً ما نرجع أسباب القصور في تنفيذ هذه الخطط إلى العجز الاقتصادي وعدم توفّر الأموال اللازمة لها.
فهل كانت مجتمعاتنا العربية فقيرة ومعدمة إلى الحدّ الذي أصابها بفقر التنمية؟!.. سؤال مشروع قد يصحّ طرحه -مع التحفظ- على بعض البلدان العربية، وقد يبدو سخيفاً وغريباً للبعض الآخر.

أما بالنسبة للدول التي تصنّف فقيرة أو محدودة الموارد الاقتصادية، فقد حظيت، وخلال سنوات طويلة، على دعم مالي كبير من جهات دولية وعربية مختلفة، بغرض شؤون التنمية المتعددة، دون أن تظهر آثار هذا الدعم على المرافق الأساسية لأهدافها إلا بشكل آني وضيّق. فلا أقيمت المدارس ولا شقت الشوارع ولا بنيت المستشفيات ولا افتتحت المعامل والمصانع. ولو أمكن استثمار واستخدام هذه المعونات والهبات الطائلة بالصورة السليمة والشفافة، وفي مواضعها الحقيقية، لوجدنا أن الكثير من هذه المجتمعات قد تحولت فعلاً إلى مجتمعات نامية ولما بقيت في خانة التخلف والبؤس.

أما بالنسبة للدول المصنفة غنيّة أو متوسطة، فإن الطفرة الاقتصادية التي نعمت بها منذ أوائل السبعينيات بفضل النفط أو الثروات الطبيعية أو الموارد الاقتصادية الأخرى، وأثرها الذي بدا واضحاً على دخل الفرد ومستوى الحياة الاجتماعية والخدمات المتعددة، بقيت في جانبها الاستهلاكي الرفاهي السطحي، كما ظلّت محدودة ومقتصرة على فئة أو طبقة معيّنة، ولم تتمكن من أن تحدث الثقوب المرجوة لتوسيع آفاق التغيير والتحديث في البنية الفكرية والثقافية، التي تطال الجوهر الإنساني والحاجات الأساسية والملحّة لخلق حالة تنموية ملموسة، كما لم تتمدد غيومها لتشمل بغيثها وخيراتها الرقعة الأوسع والأشمل من مناطق الوطن وأبنائه، فتتحول بالتالي إلى عملية إنمائية شاملة بشقها الاجتماعي الأهم. حتى بات من المألوف، وهنا وجه الغرابة، أن تصفعك الأرقام المالية الخيالية لعقود بعض الصفقات، والمستوى “الفاجر” من البذخ والثراء، وانتشار العمران ، إلى جانب الأرقام المخيفة لأعداد الوفيات والمعوزين والمتسوّلين والمحرومين من التعليم وجيوش العاطلين عن العمل وتقليص المساحات الخضراء وإنعدام المرافق والحدائق والمسارح والمكتبات الخاصة بالأطفال.

5-تقلّص الوعي الأسري:

ما زال الكثير من مجتمعاتنا العربية يخضع لمعايير التقليدية والعادات الموروثة في النظرة إلى الأطفال والتعامل معهم، وعلى الرغم مما أحرزه البعض من تعليم واطلاع، فإن الوعي الأسري اللازم للطفولة وطبيعة المخاطر التي يمكن أن تلحق بالأطفال ما زال قاصراً ودون الأهمية المطلوبة، سواء في مرحلة الحمل أو بعدها. وبالتالي فإن التعليم بقي في نطاقه المعرفي البسيط ولم يتحول إلى ثقافة أسرية عند الآباء والأمهات، بحيث يتم استثماره في تحصين الجنين ورعاية الطفل القادم من خلال قواعد أساسية. أضف إلى ذلك أن الكثير من أسس السلامة النفسية والجسدية، كما أن الكثير الكثير من المعارف المطلوبة حول نمو الأطفال والعناصر المكوّنة لشخصياتهم والمحددة لأنماط سلوكهم، ما زالت غائبة لدى أغلبية الأسر. الأمر الذي يعتبر معوّقاً مركزياً من معوّقات التنمية الطفولية ويعرّض أطفالنا إلى المزيد من المخاطر والتشوّهات. “لذا تتعالى نداءات المعنيين وهي تدعو إلى التزام الأسس والمبادئ العلمية في الاتصال بالاطفال من أجل بناء ثقافة للأطفال تستطيع أن تؤدي وظائف إيجابية في الطفولة” . وذهبت أدراج الرياح الأصوات الداعية إلى “تثقيف الأطفال قبل الولادة” و”تثقيف الأطفال قبل عشرين سنة من ولادتهم“.

6-تفاقم المشكلات الأسرية:

تشهد معظم المجتمعات العربية خلخلة في أهم وأخطر مؤسساتها الإنسانية الأساسية، ونقصد بذلك الأسرة العربية التي تعاني من أمراض عدّة وعلى رأسها مشكلة الاضطراب والتفكك الذي يصيب العلاقات فيما بين أعضائها، وخصوصاً مسألة الانفصال أو الطلاق بين الزوجين، أو مسألة تعدّد الزوجات، لأسباب عديدة لسنا الآن في مجال مناقشتها، وتنعكس انعكاساً واضحاً وكبيراً على أوضاع الأطفال واستقرارهم وأمنهم النفسي والاجتماعي وتحصيلهم الدراسي.

7-تقصير البرامج التعليمية والتربوية:

مما لا شكّ فيه، أن معظم مجتمعاتنا العربية، حققت في السنوات الأخيرة، نقلات نوعية مميزة في مجال تطوير وتحديث برامجها وأدواتها التعليمية وأجهزتها البشرية التربوية، بما يمكن أن يتلاءم مع مستجدات العصر وإنجازاته. ولكن المؤسف في هذا الأمر أن تعميم الثقافة بموضوع حقوق الطفل وسلامته وحمايته، وترسيخها ضمن الخطط والبرامج المدرسية والجامعية، وتحويلها إلى مراكز إشعاع وحيوية في نطاق المؤسسة الأسري والاجتماعي، ومن ثم انصهارها في نسيج العناصر النفسية والذهنية والسلوكية للأطفال والآباء، كل ذلك لم يزل دفين الكتب والمقررات دون أن يأخذ مداه الميداني العملي لتصبح مسألة حقوق الطفل أمراً مطبوعاً ومسلماً به مع مجموعة المختزنات الثقافية الأخرى المتجذرة في العقول والنفوس، والمتمثلة بالانفعالات وردات الفعل العفوية لدى أفراد المجتمع.

8-غياب دور المبدعين عن دنيا الأطفال:

من العوامل المؤثرة في تأخير عملية التنمية الطفولية، تلكؤ أو انكفاء معظم المبدعين العرب، على مختلف مجالاتهم، من التوجه للأطفال والابداع لهم، مما مكّن الانتاج الغربي، الغريب في الكثير من مفاهيمه عن عاداتنا وثقافتنا، من أن يحتلّ الساحة الأدبية والفنية المعروضة للأطفال، مع ما يمكن أن يشكله هذا الأمر من مخاطر متعددة. فمعظم أطفالنا يستمدون ثقافتهم من المنتجات الغربية، قصصاً ومجلات وأفلاماً وألعاباً وغيرها، من غير أن نشهد مبادرات فعلية لسدّ النقص الواضح بما ينسجم مع الآمال لبناء جيل متوازن في فكره وعواطفه، ولكي نؤكد بالتالي أن الأطفال هم شريحة أساسية في المجتمع تستأهل التعامل معها مثل بقية العناصر، كما يحق لها التمتع بتشجيعات متميزة في أسعار الكتب والمجلات ومراكز الثقافة الأخرى.

بانتظار المأمول:

لا أزعم أن هذه الدراسة البسيطة يمكنها أن تلمّ بكل المشكلات التي تعترض سبيل الطفولة في أوطاننا. ولكنها محاولة في دلاء هذا المشروع الإنساني الوطني الكبير، علّه يساهم في الانطلاق لوضع برنامج عملي يرمي إلى اقتراح الحلول المناسبة وتعميق الفهم المطلوب للأطفال ودفع العجلة المترددة نحو مستقبل أفضل لهم ولأوطاننا جميعاً. لأن “ما يبذل من جهود من أجلهم يؤلف مطلباً من مطالب التغير الاجتماعي المخطط الذي تعتبر التنمية إحدى صوره“.

————————————————————————
1 –
يراجع بهذا الخصوص تقارير التنمية العربية 3003، وتقارير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (اليكسو) 8/1/2005.
2 –
ثقافة الأطفال- د. هادي نعمان الهيتيسلسلة عالم المعرفة- المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب-الكويت- العدد 123مارس 1988- ص:9.
3 –
المصدر السابق، ص:105
4 –
المصدر السابق، ص:16.

  • أقسام النقاشات
    • No أقسام النقاشات
  • أقسام الدراسات
    • No أقسام الدراسات