الطفولـة العربيـة وتنميتهـا المستدامـة

الطفولـة العربيـة وتنميتهـا المستدامـة

عبدالتواب يوسف

 

عندما قام المجلس العربي للطفل والتنمية ، كان حلما رائعا ، تحقق بعد سنين طويلة ، من عمل دؤوب ، من جهة مؤمنة بأن مستقبل امتنا العربية يعتمد بالكامل على أطفالنا ، والعمل على تنميتهم ليقودوا وطنهم العربي الكبير ، وكان هناك تعاون من قبل عدة بلدان عربية ، منها مصر والسعودية ، والأردن ، وغيرها .. وكانت البداية قوية ، لان الجميع توقعوا أن يكون هذا المجلس بمثابة “يونيسيف” عربي ، غرار “ألا يكسو” أي منظمة الثقافة العربية ، وهى بدورها تمثيل اليونسكو العالمي .. وكان مخططا للمجلس الوليد أن يبدى الاهتمام بصحة الأطفال ، وتعليمهم ، والى حد كبير يكون التركيز على ثقافتهم ، التى هي حجر الأساس فى التنمية .. ووجد المجلس مساندة كبيرة من عدد لا بأس به من المثقفين العاملين فى الميدان واجتذب إليه كثيرين من خارج المجال ، إيمانا بالفكرة أو تطلعا لشيء آخر وكانت حماسة صاحب مشروع المجلس ، واضحة ، خاصة وانه لقي مساندة كبيرة من بلد المقر الذي تم الاتفاق عليه ، وعلى أن يكونالقاهرة” ، وكانت البداية مفرحة ، وبهيجة ، وانطلاقة ضخمة تجاه الهدف النبيل الذي قام من اجله المجلس ، وعقد اضخم مؤتمر لثقافة الطفل العربي ، جمع ممثلين لا غلب الدول العربية ، وكان مؤتمرا فريدا وفذا ، واذكر أن الذين حضروا افتتاحه تجاوزوا الألف ، من بينهم صاحب المشروع ، وعدد كبير من المسئولين فى دولة المقر ، على أعلي مستوى ، منهم رئيس الوزراء وسبعة من وزرائه ..

ومرت فترة ليست بطويلة ، كنا ننتظر خلالها تفعيل توصيات ذلك المؤتمر الكبير ، وتنفيذ ما قدر ، إلا أن ذلك المؤتمر الكبير ، وتنفيذ ما قدرة إلا أن ذلك لم يحدث ، وبدلا من أن تقوم للمجلس فروع فى البلاد العربية ، وجد نفسه فى قارب بمجداف واحد ، يمضى وئيدا ، بطيئا ، وسط تيارات محلية ، وطنية ، لا تنسق عملها معه ، بل أصبحت أشبه بالبديل والمنافس ، وتخلى الكثيرون ، بل الأغلبية ، وربما الجميع عنه ، وصار صاحبه يعمل وحده ، ويتحمل المسئولية كاملة ، وتلقى على كل الأعباء ، وما من مساندة أو مساهمة من أحد ، اللهم إلا مجموعة من العاملين يؤدون دورهم بكل طاقتهم ! ‍‍‍‍‍‍‍‍

ولم يكن امامة غير سبيلين : أن يغلق أبوابه ، وينفض اليد منه ، أو أن يمضى فيه ، دون أن تنبت للمجلس أجنحة تطيير به ، وتحلق .. وهو بحق رجل لا يعرف الفشل ، ولا يطيقه ، وعلى مدى سنين العمر – إطالة الله – مثابر ، مناضل ، مكافح ، يعمل بكل طاقته فى مشروعاته ، معتمدا على الله ، وعلى إيمانه بأن الله ل يضيع اجر من احسن عملا ، لذلك أبقي على العمل ، منتظرا المساندة والمساعدة ، ولم تصل قط ، وكان يحاول خلال ذلك أن يختار من ينهض بالعمل ، ويقون به ، ولم يحقق اغلبهم ما كان مطلوبا منه ، ودقق البعض ، وكنا نود لو أننا أعطينا لكل ذي حق حقه ، إلا أننا معنيون كثيرا بالموضوع ، وليس بالأشخاص ، الذين ما كان فى استطاعتهم وفق الظروف العامة الخروج بالمجلس من عنق الزجاجة التى وضع فيها ، ومع كل تغيير كان هناك تساؤل :

هل تمضي السفينة ، أم يكون هذا هو آخر ربان لها ؟

غادر المجلس مقره الأول ، الذي منح له من جانب بلد المقر ، واحتضنه مكان لصاحب فكرته ، و مؤسسه ، والذي يحمل وحده أعباءه .. و الرائع أن العمل استمر و لم يتوقف ، بل المدهش ، و الغريب أن تصميما وضع لبناء مقر جديد ، ضخم وشامخ ، يرضي الطموحات و التطلعات المشروعة بل و والمأموله ، من مجلس يكرس نفسه لمهمة جليلة الشأن ، رائعة الهدف ، نعرف جميعا أهمية دوره و رسالته و مهمته .. وتم البناء.

ويبقي السؤال : إلى متي؟

و المجلس العربي للطفولة و التنمية – فيما أعرف – قد يكون الهيئة العربية الوحيدة التي ينهض بها المجتمع المدني ، و يدير نشاطها ، الذي يعتمد علي جهة أهلية ، وليست حكومية ، وهو الاتجاه الجديد الذي يرى فيه العالم السبيل للنهوض بالمجتمعات ، بعيدا عن الإدارات الحكومية وسيطرتها بر وتينها وسلبياتها على العمل ، ونجاح المجلس يعنى أننا نأخذ بالاتجاهات الحديثة ، ونواكب وتجارى الاتجاهات العالمية المتقدمة ، اعتمادا على المنظمات الأهلية غير الحكومية ، وهو ما يأخذ به رئيس المجلس فى عمله على مدى سنين طويلة .

وهو بكل المقاييس رائد فى هذا المجال – ومعنى أن يتعثر مشروعة هذا أننا غير قادرين على أن نمضى على طريق التقدم إلا من خلال الحكومات ، ودلاله على اعتمادنا بالكامل عليها ، وما من هامش صغير تنطلق من خلاله الهيئات الأهلية ، والمجتمع المدني ، والهيئات والمنظمات غير الحكومية ..

وعندما أتطلع حولي باحثا عن الجمعيات الأهلية التطوعية العاملة فى مجال الأطفال أراها قليلة ، بل نادرة على مستوى الوطن العربي ، وقد كان لي شرف إنشاء جمعية ثقافية للأطفال ، بمعونة عدد من الأصدقاء المخلصين للقضية ، وكان ذلك قبل ما يزيد على ثلث القرن ، وقد نضيف مواردنا ، ولم نجد من الأجيال الجديدة مساندة حقيقية ورغبة فى مواصلة العمل ، لذلك توقف عمل الجمعية ..

وقد قامت على أثرها جمعيات أخرى ، أظنها بالعشرات ، منها “الجمعية العربية لحق الطفل فى اللعب ” وقد أسسها أناس أراهم اقرب ما يكونون الى فدائيين فى مجال العمل الاجتماعي ، وقد تحمسوا لمشروعاتهم حماسة كبيرة ، إلا أن الريح لم تأت بما تشتهى السفن ، وتعثر الكثير منها ، بل اغلبها ، وترك الأمر فى مصر الى إدارات حكومية ، حاولنا فى فترة سابقة أن نعددها ، وان نجمعها معا فى إطار تعاوني ، ولم يتحقق فى هذا الاتجاه إلا اقل القليل ، وراحت كل جمعية تعمل بشكل منفرد ، بل لقد أكد اجتماع ستليها انهم لا يعرفون بعضهم البعض ، فما بالكم بتعاونها ، والسير معا نحو الهدف المشترك ..

ومن هنا يأتى حرصنا على المجلس العربي للطفولة والتنمية منارة ، تفكر القدرة على الانطلاق قدما نحو العمل من خلال المؤسسات الأهلية .

قامت الأمم المتحدة ، ومنظماتها ، وقامت الجامعة العربية ، ونهضت منظمة اليونسكو العربي ، ولم يقم اليونسيف العربي الذي كنا نطمح فى أن يكون المجلس العربي هو البديل ، وتخلى الكثيرون عن منارة ضخمة ، وهيئة كان يمكن أن تنهض بما نتطلع إليه ، غير إنها لن نستطيع أن تمضى وحدها ..

ونحن فى عصر يتحدث كثيرا عن المجتمع المدني ، ويساند العمل الأهلي ، ولا يريد للحكومات أن تنهض بكل شيء إذ للتقدم جناحان : أحدهما الحكومة والثاني الهيئات الأهلية ، ونقف فى دهشة أمام هذه المؤسسة الرائعة الفريدة ، والتي أصبحت غير قادرة على أن تحلق وتحقق الهدف منها ، فى غياب المساندة من الهيئات الأهلية التى هي واحدة منها ، والمساعدة الحكومية من حكومات تدعم وتساعد مؤسسات اقل منها شأنا ، أو حكومات غير قادرة على أن تعين وتساعد نفسها .. والسؤال ، عرب :

هذه مؤسسة لا تستهدف الربح ، قامت على أكتاف صاحبها وحده ، ولا نريد لها إلا أن تمضى وتبقى من أجل الطفولة ، والمستقبل ، هل يستمر أمرها على هذه الصورة ؟

نعرف يقينا أن المؤسسات والهيئات والشركات تقوم فى هذا الزمن مستهدفة كسبا ماليا ، لكننا أمام مجلس لا يستهدف ربحا ماديا ، بل كل ما يبغيه ويسعى إليه أن ينهض بأطفال الأمة ، الذين فيهم مستقبلها ، انه ربح معنوي ضخم ، وتحمل أعباءه إنسان مؤمن به ، وذلك فوق الطاقة إذا كان مجلسا للتنمية ، بقدر ما هو للطفولة ، وليس باستطاعته تنمية ذاته ، ولا قدرة له على أن ينمو ويكبر من تلقاء نفسه .. ومثله لا يمكن أن يمضى وحده ، بفضلفاعل خير“..

ولن يناشد الحكومات أن تقف بجانية ، إذ من الواضح إنها باتت وسط هذه الظروف غير قادرة على أن تقف بجانب نفسها ، كما انه من العيب ترك المجلس يناشد ذوى الإحسان أيد يمدوا لهم يده .. وكارثة ومأساة أن يترك تعصف به الريح .

واحد مثلى لا يمكنه أن يكون مثبطا للهمم ، وقد أعطيت الطفولة عمرا باكملة ،وارفض أن أكون متشائما بشأن مثل هذه المؤسسة ، ومثلى مطالب ليس بعرض المشكلة فحسب ، بل عليه أن يقدم حلا ، وينتظر من الآخرين أن يدلوا برأيهم فى هذا الحل ، واقتراح حلول جديدة ، نفتح لها الأبواب إذ أننا أمام مشكلة حقيقية أننا أمام مشروع ، ومجلس ، وجد ليبقى ، ويؤدى رسالته ، بل أتصور أن تعثرة يعنى تعثر مستقبل الآمة .. وابنائها ، وتوقفه – لا قدر الله – بمثابة كارثة عولمتة ومن هنا جدير بالجميع إن يفكروا له ومعه .. ومن هذا المكان أناشد الجميع المشاركة فى إيجاد الحل .

وما اقترحه هنا نموذج قائم فى كل أنحاء العالم ونحن نعرف أن القوى المادية والقوى البشرية هما السبيل لنجاح أي مشروع ، فى هذا الزمن ، وربما فى كل زمن .. وفى بلد صاحب المشروع مؤسسة فذة ، رفيعة المستوى ، قامت لتكريم اسم كريم ، نعتز به ، ونذكره بالخير ، ومهمة هذه المؤسسة تخليد اسمه ، من خلال المشروعات الرائعة والبديعة التى تقدم بها .. فهي تقدم جوائز سنوية للامة العربية بمثابة نوبل العالمية ..ويتطلع إليها كل عربي فى مجاله : طب ، وعلم ، وأدب ويعتز بها الحاصلون عليها : عربا كانوا أم غير عرب ، وأنا واحد منهم وتتصدر سيرتي الذاتية ، بل لعلها الشيء الوحيد الذي أرتضى وضعة فى بطاقتي الشخصية .. ونفخر بأن يكون خالد الذكر علما عليها .. ولا تكتفى المؤسسة بهذه الجائزة ، بل أنها تصدر مجلة تحمل أسمه الكريم ، وهى ذائعة الصيت ، واسعة الانتشار فى كل أرجاء الوطن العربي .. وبجانب ذلك للمؤسسة قسم ضخم للأبحاث والدراسات أظنه يتجاوز ما عند جامعتنا فى عمله وانتاجة ، ونعرف عن يقين فله ما لدينا فى هذا المجال أمام ما يوجد لدى العالم من مراكز .. وهناك مكتبه ضخمة للمؤسسة ، وأخرى للأطفال ، لديها أضخم جهاز لترميم الوثائق والأوراق ، كما أن نشاطها – بحمد الله – واسع ، ولا شك أن كثيرين لابد وان يتساءلوا :

من أين لها أن تنفق على كل هذا ؟
هل تحصل على ميزانيتها من الدولة ؟

أن أعباءها تتجاوز الملايين ، ولابد من مصدر ومنبع ثابت ودائم ، يمدها بالدعم المادي ..
الذي نقلوه الى أن خزينة الدولة لا تتحمل قط شيئا من هذه الأعباء المالية ، لكن المؤسسة حين قامت منحت قطعة أرض ، ومبلغا من المال ، غالبا تحملته الدولة عن طيب خاطر ، فيما قالوا ، وفاء للراحل الكريم ، وقيل أن الأبناء تحملوا جانبا ، لا أدرى بالضبط التفاصيل ، وهى لا تعنينا كثيرا .. فقط نحن إمام نموذج قابل للتطبيق : هدف سامي ، نسعى لتحقيقه بفكر مفتوح ، ونية طيبة ..

وتخليد الماضي ، والاعتزاز بالتاريخ ، أمر مطلوب والاهتمام بالطفولة والمستقبل لا يقل أهمية .. واصحاب مشروع التخليد فكروا ، ونفذوا .. قطعة الأرض الممنوحة لهم تحولت الى بناء شامخ ، تفخر إي عاصمة فى الدنيا فى وجود مثله فى قلبها النابض .. وسط المدينة .. وبما انه فى مكان حي ، ومزدحم ، فان عشرات الدنيا فى وجود مثله فى قلبها النابض .. وسط المدينة .. وبما انه فى مكان حي ، ومزدحم ، فأن عشرات من المكاتب يمكن للشركات أن تستأجر لنفسها مكانا فيها .. وهناك فندقان كبيران يحتلان رفعة كبيرة من مساحة الأرض ، ويعودان كلمة واحده على المؤسسة بالربح .. أي أن هذه الأرباح المادية الكبيرة – بأذن الله

ينفق منها على الأهداف المعنوية النبيلة : الجوائز ، والمكتبات والمجلة ، والأبحاث و
برج صار رمزا على العاصمة (الرياض) .

ومن الضروري أن تكون هناك تفاصيل أكثر واوضح ، يعرفها أصحابها ، وكل ما توصلت إليه هو إطار صغير لمشروع ضخم ، فذ ، فريد ، جدير بأن يكون موضع اعتزاز كل عربي من المحيط الى الخليج .. والسؤال :

ترى ، هل يمكن لمشروعنا الجليلالذي هو المجلس العربي للطفولة والتنمية – شيئا من
هذا القبيل ؟ هل يمكن أن يتم تحويلة ذاتيا ، وان يتحمل مسئولية نفسه بنفسه ؟ أنني هنا
متطوع ، أدلى من عندي بهذا الاقتراح ، وأطرحه دون الرجوع الى أحد ، ولا ازعم انه
حل عبقري ، بل أعتقد أن الكثير يمكن أن يساهم به العاملون فى مجال الطفولة ، ومن
يريدون التنمية لهذا المشروع ، بل وللامة قاطبة .. ولست ممن يوعز إليهم بكتابة شيء
معين ، أو فكرة بناتها ، فقد حررت قلمي منذ بدأت أخط به ، حررته ، وما كان قط إلا
متشبثا بحقه فى الحرية واراها مساوية تماما لحقه فى الحياة.

لسنا هنا جامعي تبرعات ، ولا باحثين عن صدقه .

وان كان لا عيب فى أن تكون جاريه على مثل هذا المشروع الرائع ، ولا نحن صناديق الزكاة بأن تعينة ، وصاحب المشروع بفضل الله قادر على أن يتحمل أعباءه ، وهو لم يهمس بشكوى أو يدلى برغبة من هذا القبيل .. فقط نحن نفكر معه ، ونحس أن هذه فى حد ذاتها من المسئوليات التى يجب أن تلقى على أكتافنا ، نحن الذين نعمل فى مجال الطفولة : علما ، وطبا ، وأدبا ، وتربية .. ولا أظن أن المشاركة فى التفكير تسيء أو تجرح ، لان العناية بالطفولة عمل عام ، ومؤسسة تستهدف ربحا معنويا ، يثيبت الله صاحبه خيرا فى الدنيا والآخرة ، مد الله فى عمر صاحب المشروع ، وفى المشروع ذاته .. ويتأتى هذا بأن نفكر معا ..

ومن هنا ، نناشد الجميع أن يقولوا كلمتهم وأن يضيفوا الجديد ، وأن يعقبوا قبولا ومساندة ، أو طرح فكر أفضل .. وتظن أن هذا الموقع قد انشىء لمثل هذه الأمور الحيوية ، وقد برع فيها آخرون ، ونمضى على طريقهم ..

وعلى الله قصـد السبيـل

عبـد التـواب يـوسف
كـاتب الأطفـال

  • أقسام النقاشات
    • No أقسام النقاشات
  • أقسام الدراسات
    • No أقسام الدراسات