حوار الحضارات أم الحضارة الواحدة؟

حوار الحضارات أم الحضارة الواحدة؟

إبراهيم محمود

في الآونة الأخيرة، ومنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي بصورة خاصة، بعد نشر هنتنغتون لكتابه المعروف والذي بات كلاسيكياً( صدام الحضارات) ، وأعنيه تقليدياً بالمعنى المقابل، بسبب الكم الكبير من المقالات والدراسات والتعليقات التي تناولته أو ركزت عليه، أو انطلقت منه، أو كان سبباً لظهورها وليس العكس، وفي هذه النقطة بالذات ، تبدو أهمية الكتاب كبيرة، لأن الذي تضمَّنه من معلومات وطريقة الربط فيما بينها وكذلك بنائها، هو الذي أثار ما أثاره، وأنا هنا لست بصدد مناقشة هذا الكتاب، فهو كتاب بكل معنى الكلمة، ومهما كان الموقف منه سلبياً، فإن الذي تعرض لـه من الهجوم، مثلما لاقى الكثير من الاهتمام، مهما كان موقعه، وأنى كانت الجهة التي مولته أو كانت وراءه، فقد أكد حضوره ولازال، ولأنه ، كما قلت، يضاف إلى سلسلة الكتب التي تدخل التاريخ، من خلال الاعتماد على علاقات واسعة في مداها وأبعادها، وتدخل في عداد مقومات العلاقات هذه شعوب وأمم ولغات أو ثقافات، أو بدقة أكثر، ومن خلال المشار إليه في الكتاب: الحضارات تحديداً، وما في ذلك من مفاصلة ومفاضلة، ويكون المؤلف كسواه ممن يعتمد على حضارة أو أكثر باعتبارها الأكثر أهمية في التاريخ، وكيف تكون مؤهلة أكثر للاستمرار، وما يجب القيام به أو تحقيقه لتستمر أكثر… الخ.

أعتبر أن الذين عبَّروا عن موقفهم السلبي من الكتاب، غير مختلفين عن الذين رحبوا بالكتاب في جدته، عن الذين تحدثوا عما يسمى بـ( إشكالية الكتاب)، وكأن كتاباً فعلياً يطرح في الأسواق ، لا يكون إشكالياً، كون الكتاب أي كتاب هو إشكالي بصورة أو بدرجة، لأنه ينطلق من مجموعة تصورات خاصة بمؤلف واحد هنا.

سؤالي الذي أطرحه على نفسي، وأريد إيصاله إلى المعنيين بالحضارة كمفهوم وكعلاقة، هو : هل نحن حقاً إزاء مجموعة حضارات تخص أمماً أو شعوباً معينة، أم حضارة واحدة تشترك فيها شعوب وأمم وأفراد وجماعات، ولا يستثني من ذلك حتى أولئك الذين يعيشون في غابات نائية، طالما عرفوا، وتم التحدث عنه، وأن هذه الحضارة تبدأ مع بزوغ شمس البشرية، وتستمر إلى قيام الساعة؟

سأتوقف عند السؤال الثاني، وأشدد على أن ثمة حضارة واحدة، وليس حضارات متعددة، وأن كل الذين يتحدثون عن حضارات متعددة، إنما يقيمون في تصورات تمارس تمزيقاً للحضارة الواحدة.

من أين جاءت الحضارة؟

لغوياً، تم ربط الحضارة بالحضر، أعني بالاستقرار بالمكان، ولا زال هذا الاعتقاد ساري المفعول كثيراً، إذ تُذكر الأبنية والجسور والشوارع والمكتبات والمؤسسات والمدونات الأدبية والفكرية والآثار المختلفة. حسن، في الحالة هذه، لا يتجاوز عمر البشرية عدة آلاف من السنين، كما هو معلوم، وحسن إذاً، فإن هذا التحديد يعني أن الذين كانوا رحَّلاً، أو يعيشون البداوة، أو يعيشون جماعات مستقلة متنقلة، لا ينتمون إلى الحضارة هذه، وأن التاريخ هو تاريخ هؤلاء الذين استقروا وبنوا وتركوا آثاراً تدل عليهم؟

في هذا التحديد المصطنع، بالمقابل، يمكن القول، أن الذين كان لهم حضور في البناء التاريخي للحضارة في زمن ما، ومن ثم توقفوا لأسباب تاريخية أو سياسية أو حروب مدمرة، أو غيرها من الأسباب الأخرى، صاروا متخلفين، وأن الذين نشهد تطورهم، ولا أقول تقدمهم، لأن في مفردة( التقدم) ما يشير إلى تفضيل قيمي، كما هو عالم اليوم، هم الذين يمثلون الحضارة الفعلية، وبذلك تكون دائرة المعنى ضيقة ومحدودة، وفي الحالة هذه:
سوف تخرج شعوب وأمم كثيرة من الدائرة تلك . ولن يشار البتة إلى تلك الجماعات التي كان لها صدى تاريخي، وانزوت في أمكنة معزولة، باعتبارها عبئاً على الحضارة، والمعتبرين أهليها.

وسوف يعطى حق أكثر لهؤلاء الذين يفكرون هكذا، في التعبير عما آلت إليه البشرية الآن من مصير مقلق.

هنا يمكنني القول، كتأكيد على علاقة مغيّبة، وعبر مثال جلي: ليس الذي أوجد قبائل من الهنود الحمر، هو كلود ليفي شتراوس المعروف عالمياً كأثنوغرافي، وحتى كانثروبولوجي أيضاً، إن قبائل الهنود الحمر تلك، هي التي أوجدته، وألهمته ليكتب فيها وعنها الكثير، في ( الفكر البري) وغيره، وهذا ينطبق على سواه، من نظرائه في حقله التخصصي.

إن ما ذكرت، يشكل بعداً عميقاً في أعماق مأساة التفكير المسيء إلى ذاته، والذي يمارس فصلاً تعسفياً بين الشعوب والجماعات والأمم، من خلال أمثلة ووقائع راهنة، وهو الفصل الذي نجد منعكسه السلبي في حروب العصر، وفي الاستعداد، ربما لحروب قد تودي بالبشرية، إذا ما دخلت( لا قدر الله)، في حرب كونية جديدة، من خلال الاحتياطي الكبير في الأسلحة الفتاكة والسريعة التدمير لكل ذي نبض أو حياة، وكذلك في تلك التصورات التي تشير إلى أحقية طرف في العيش أكثر من سواه، من خلال ما هو عليه الآن، وهو فصل آخر، تعسفي كثير، يبرر لمن يعنيه بالقيام بأدوار غاية في السلبية، من خلال تهديد الجوار، أو الآخرين، حيث ستبقى الجماعات المعتبرة هامشية في أعماق الغابات، الناطقة عما جرى تالياً، شهوداً على حضارة أودت بنفسها، من خلال الحرب المشار إليها، فيما لو اشتعلت.

هنا، وحتى أكون واضحاً، لنفسي، وليس لسواي، أقول: إن هذا القول يشمل حتى أولئك الذين يردون على هؤلاء بأن حضارة اليوم( ماذا تعني هنا : حضارة اليوم، حيث يبدو اليوم ومنذ سنوات طويلة كما لو أنه أطول من هاتيك السنين، كونه لم ينته بعد؟)، لا تستحق أن تكون حضارة، وذلك بالرجوع إلى ماض معين، وأن الماضي هذا، لا زال حقيقة تاريخية، أي أن حضارة ذلك التاريخ الماضي لما تزل موجودة، من خلال مؤثراتها الكثيرة، إنه وقوع آخر في مصيدة التفريق والتفضيل.

إنني أجد صوتي في أكثر الناس بعداً عن التجمعات البشرية، مثلما أستلهم أفكاري من مصادر عدة، حيث يكون المنقطع عما يسمى بـ( ركب الحضارة) الآن، صوتاً غير مسموع، داخل مسيرة الحضارة الواحدة للبشرية جمعاء. هنا تدخل الأديان والمعتقدات والأمم والملل والمذاهب، الشعوب والجماعات والأمم والأفراد، باختلاف توزعاتهم الجغرافية، ودون نسيان مدى التفاوت فيما بينهم، في تدشين حضارة تعنيها في وحدتها.

لا يعود البحث في من ساهم أكثر في بناء الحضارة أكثر من سواه، طريقة تفكير رشيدة، ولا اسلوباً قويماً، لمعرفة حقيقة البشرية، وما يجب أن يقوم به أو يقوله حكماؤها، وأقول( حكماؤها)، لأنهم ضالة البشرية في تنوعها وابداعها المشتركين معاً، أن نفكر معاً، هو أن نشدد على وحدة الحضارة، لا على تقسيمها، والمؤسف أن ما يجري، وفي سباق محموم، بين الذين آ لوا على أنفسهم عهداً في أن يبرزوا مزاياهم القيمية أكثر من غيرهم، واتهام غالبية البشرية بالتخلف، وأنها عالة عليهم، كما نشهد ذلك في دول مختلفة من الغرب وفي أمريكا الدولة، وبين الذين استنفروا قواهم، وأبدوا المزيد من الانزعاج والحدة في الرد على هؤلاء، بأن حضارتهم هي في الأصل مزيفة أو مصطنعة، كما هو جار في الكثير من مجتمعاتنا وتلك المحيطة بنا، والذين يحاولون التوفيق، وكأنهم باحثون عن الحل الوسط، أو إصلاح ذات البين الحضاري، إن جاز التعبير، يكلف البشرية الكثير، على حساب تلك القدرات والطاقات التي تدخل، ويجب أن تكون في خدمة الحضارة الواحدة تماماً.

لا ترتد الحضارة إلى شخص من مفهوم اعتباري. إن المهندس الذي يقف وراء بناء ناطحة سحاب، أو سفينة عملاقة، على صعيد القيمة، لا يختلف عن ذلك الذي يبحث عن صيد وفير ، يكون ضمان عيش لـه ولأولاده في أعماق غائبة نائية، أو الذي لا زال يعتمد المحراث وسيلة للفلاحة، والمنجل وسيلة للحصاد.

هنا، يمكن لأحدهم، أن ينبري غاضباً: هذا ليس بعدل، إذ ماذا تخسر البشرية، إذا مات ذلك الصياد، وحتى ذلك المعتمد على المحراث أو المنجل، خلاف الآخر: المهندس الذي تكون فائدته أشمل وأعم بما لا يقاس؟

تبدأ المشكلة الخلافية من هذه المقارنة البسيطة، ولا تنتهي بقدر ما أنها تتفعل، لتكبر، مثلما هي كرة الثلج المتدحرجة، مثلما هي الدائرة المائية التي تستحيل دوائر بسبب حجرة مرمية في الماء.
حسن بالمقابل،أتساءل هنا: أليس قول هذا كهذا، يعني تفضيلاً، وأن تفضيلاً كهذا، كان تبريراً لأي تهديد مستخدم من قبل طرف ضد آخر، وهو تبرير تعتمده سلطة ضد أناس أبرياء مسالمين فيها باعتبارهم همجاً ، أو شعباً بكامله من الخارج، بصفته متخلفاً، أي يستحق التنكيل دون أي شعور بذنب أو توبيخ أخلاقي؟

ألم يقل كانط ذات يوم: إن كانت سعادة البشرية، تكمن في قتل طفل، فهو في حقيقته عمل لا أخلاقي، ولكن ألمانيا النازية، وجدت تبريرها النازي في قتل الملايين من الأبرياء، شعوباً وأمماً، لمجرد تصنيفهم إلى بشر دون بشر؟ أليست النظريات الشمولية، هي التي تقف وراء أكثر الأعمال امبريالية في التفكير واللامساواة الأخلاقيين؟

يورد الأثنوغرافي- الأنتروبولوجي شتراوس في كتابه ( الأناسة البنيانية)، كيف أن الاسبان عندما غزوا أمريكا، كانوا يلاحقوا أهاليها، للتأكد مما إذا كانوا يملكون أرواحاً، وبالمقابل كان الأهالي هؤلاء، يغطسون أسرى من البيض في الماء، للتأكد مما إذاكانت جثثهم عرضة للتفسخ أم لا. إن ذلك يقوم على عقليتين متشابهتين، عقلية النفي للآخر، ولكن بالدرجة الأولى تلك العقلية التي ترتبط بجماعة تجد نفسها أكثر كمالاً، وأنها أوتيت مزايا ربانية أحياناً، تخوّلها في أن تتصرف كما تريد في من حولها، انطلاقاً من المزعم نفسه.

إن الذي يجد تبريراً، مهما كانت بساطته، للنيل من أي كان، سيجد نفسه ، ذات يوم، معداً للنيل، وبأكثر الطرق دماراً واستهتاراً بلقيمة الانسانية، من كل الذين يعتبرهم خلافه، حتى لو كانوا أكثر المقربين منه. أو ليست النزاعات والصراعات بين الأخوة في التاريخ، وهي قائمة إلى يومنا هذا، والحروب التي تشتعل تبيد بشراً، أو هي في حالة كمون، مصدرها في الأصل، ذلك التبرير المفتعل، والذي يعطي الحق لطرف ضد آخر؟

إن الحضارة التي يقال فيها ما يقال، تجسد الوجه الأبرز من جملة همجيات اُرتكبت واعتمدت، ولا تزال قائمة، من جهة الذين لا يترددون عن قتل أي كان: فرداً أو جماعة أو شعب كذلك، بدعوى أن ذلك يدخل في خدمة صلاح البشرية ، أو بناء حضارتها الفعلية.

لا مناص من البحث في منحى آخر، من التوقف عند هذه الحضارة التي تقتل، عند هذه( الهمجية) المرسومة التي تُسمى وهي ليست كذلك، عند هذا المنطق الذي يحيل البشرية إلى مجموعة بشريات، رغم المعرفة المسبقة على أن ثمة أصلاً واحداً، وأن هذا الأصل الواحد، فيما لو اُحتكم إليه، سيكون بمثابة الدرع الواقي لتجنب مخاطر مستحدثة، أو ردع صاحبه عن القيام بأعمال، يكون هو ضحيتها في النهاية.

يقين الحضارة الواحدة

أن نتحدث عن تاريخ يخص البشرية، يعني ذلك أن نتحدث عن جماع حضاري، أن نشير إلى جهود حثيثة، تتعدد فيها اللغات والمحاولات والاتجاهات البحثية في التطور والتقدم معاً، لتكون هناك حضارة واحدة، ضماناً لسعادة الجميع، وليس احتكاراً لطرف ضد آخر أو آخرين، يبقى المتحضر من يتلمس في ذاته انطواء العالم الأكبر!

هنا نشدد على مفهوم الواحد، باعتباره المبدأ الأساسي لكل الأشياء، الواحد الكوني إلهياً، والواحد الكوني التالي بشرياً ، والواحد الكوني تاريخياً، ففي الحالات جميعاً ثمة نقطة كانت البداية، ثم تنوعت النقاط، ولكن دون نسيان النقطة الواحدة، حيث الواحد يتضمن ما لا نهاية له من الواحدات الجزئية، وعلى هذا شدد بارمنيدس اليوناني، بداية لمكونات الطبيعة، غير أن الواحد كان فيثاغورثياً كذلك، ففي الكون الواحد كان التنوع، مثلما الإله الواحد الأحد كان مصدر التنوع في الطبيعة والكون، مثلما كان الأولمب المكان الأعظم والأوحد للآلهة اليونانية، لكنه زيوس الأكبر هنا، مثلما في كل الأمكنة يبرز الواحد كونياً وبالمعنى الديني الذي لا ينفصل عما هو بشري، إذ طالما الواحد موجود فالتنوع حاصل فيه، وهذا يبرز حتى على الصعيد الحسابي، إذ إن المعلوم هو ارتباط الأرقام بالواحد الوحيد، ولكنه الواحد الغني، ذاك الذي يحدد القيمة للشيء، أو لما يكون، عندما نعرف مثلاً، أن الرقم (5) على سبيل المثال، ليس سوى الواحد وقد تكرر خمس مرات متتاليات وبالتساوي، وأن النصف يتضمن الواحد وقد انتقص منه، ولكنه لم يتلاش في الحالة هذه، وحتى بالنسبة للصفر الذي عُرف فيما بعد، ليس سوى الواحد وقد انعدم، إنما يالمعنى الحسابي وليس الاعتباري، كون الصفر ليس صفراً إلا في سياق علاقة، مع هذا الواحد الذي لا يمكن تجاهله، وإن تم التغاضي عنه، حيث كان ، ولا زال مثال تحليلات وشروحات ومناقشات مختلفة.

لا أظن الحضارة ، بعيدة في جوهرها، عن هذا الواحد، وإن لم يكن كذلك، ما علينا إلا أن نرجع إلى الإله الواحد، والانسان الأول( آدم) في الاعتبار الرمزي، وما يعنيه الأصل، الذي يحدد واحداً في مكان واحد تماماً، وتبقى العلة ليس في هذا الواحد الذي كان نتيجة للانقسام الحاصل بين مختلفين، وليس سبباً لظهور هؤلاء مختلفين تحديداً. وعلى صعيد فهم الحضارة، ثمة سؤال يُطرَح هنا، وهو : ماالذي يمنع من التوحد حول الحضارة الواحدة، طالما ثمة كون واحد حتى الآن، في كوكب واحد، وأن لا مفر من التوحد، إذ أحسسنا بحجم التحديات التي تواجه البشرية جمعاء؟ ماالذي يلغي أو يضعف فعل العلاقة الأخلاقية هذا، طالما أن ضماناً أوفر، يحرك وجدانات الناس للتحاور والتوادد أكثر فيما بعد؟ إنه التكتل داخل رذيلة الجزئي من الواحد، على حساب فضيلة التنوع الكلي في الواحد كونياً!

نتحدث عن الحضارة العربية الاسلامية مثالاً، وفي الحال نتذكر الإله الواحد الأوحد، نتذكر الحضارة الصينية ويحضر كونفوشيوس، نتذكر الحضارة الهندية، ويحضر بوذا، نتذكر الحضارات القديمة في بلاد ما بين الرافدين والنيل والشام، ويحضر إلينا عدد كبير من المعتقدات والرموز المؤلهة، نتذكر المايا والأزتك، والحضارة الأوربية، وتلك المعتقدات الكبرى التي وحدت حضارتها، لكن ما يجب التوقف عنده، وتذكره، هو جانب الوحدة في كل هاتيك الحضارات، جانب التفاعل، رغم عمق المسافات، بين حضارة وأخرى.

على الصعيد العملي، يمكن لأي كان أن يقول أن ليس من علاقة مؤكدة ين أول حضارة قامت في التاريخ،ونحن لا نستطيع تحديد كيفية ظهور العناصر الداعمة لها، في شرق الأرض أو في غربها، في شمالها أو جنوبها، وآخر حضارة يقال عن أنها الآن قائمة: أوربية أو أمريكية، هكذا، ولكن ذلك لا يمنعنا من القول بأن ليس من فصل ممكن بين الحضارة تلك الحضارة هذه، وتلك كذلك، عندما نعلم أن المكتشفات الجغرافية، والبحوث المختلفة لعلماء مختلفين الاختصاصات وعبر البحث في التحولات الحاصلة في كوكبنا الأرضي، تشير إلى وجود العلاقات المختلفة بين كل الحضارات التي عرفتها البشرية، وأن ما يميز البشرية، ومن خلال الذين يعتبرون أنفسهم ممثلين لها، ليس ما يدفع بها إلى التوحد، وإنما إلى التفرقة والانقسام، وكأن هناك رغبة قوية في تحويل الجزء إلى أجزاء أكثر ضعفاً وسبباً للمزيد من التناحر والصراع.

في الجمع بين الحضارات ، ليس بالمعنى الحسابي: إضافة أو نقصاً أو تقسيماً، وإنما من جهة التشابه في المقومات الأخلاقية، أو تلك المزايا التي تبرز دور العقل والحكمة والعلم، نجد الكثير من هذه الروابط المشتركة، إنها( أي الحضارات جميعاً)، تؤكد على أهمية الانسان، ولكنها بتأثير جملة من السياسات الردعية والمحلية الضيقة الأفق، تمارس تفضيلاً لجنس على آخر، وكأن البشرية في أصولها كانت أجناساً وأنواعاً مذ أوجد الله، أو عرفت هكذا، ثمة تصميم من قبل واضعي سياسات نافرة لما هو عام، لإبقاء الانسان الواحد مقسماً ومنقسماً على نفسه، تصميم على السلب كوحدة علاقة غير مغتفرة، حتى في النظام الفيزيائي الكهربائي القائم على السالب والموجب، والجامع بينهما حيادياً، والمغفَل قيمةً اجتماعياً وأخلاقياً، وخصوصاً في الآن الراهن،ويعني ذلك ، أن الفصل بين الحضارات، ليس فقط، لتأكيد جهة على أخرى ، إنما لإبراز حالة التمايز، وتبرير تلك التصرفات والإجراءات التي تقوم بها دول وأنظمة ضد شعوبها او دول وشعوب أخرى، وعلى هذا الأساس، تبدو الحضارة أداة لقهر بنيها وليس لتنويرهم من الداخل.

نعم، أنا على يقين كامل من أن الحضارة واحدة، وأن مقارنة بسيطة بين حضارة وأخرى، مهما تباعدت أزمنتها وأمكنتها كذلك، تكفي لتلمس الروعة الملموسة في عناصر التقارب والتشابه، وكأنها استعارت من بعضها بعضاً، حتى لو أن هناك من يقول أن ليس من علاقة معينة بين هذه الحضارة وتلك، لكن الهدف والسعي الدؤوب لترك أثر، وجملة الفنون والآداب والعلوم التي تتعزز بها، وخلفتها بالمقابل، تدفع بالمرء ليس إلى التفريق إنما إلى التقريب، وأكثر من ذلك إلى يقين كامل ، وهو أن ثمة حضارة واحدة، تغطي المعمورة جميعاً، وهي في حالة تحول وتبدل وحذف وإضافة وتفاعل مقومات مختلفة، حيث أن ما يميّز حضارة عن أخرى، لا يعني تفضيلاً إنما إغناء، وهذا لا يحدث إلا لحظة الاعتراف بالآخر، لحظة الوصول إلى ذلك اليقين بأن الانسان واحد رغم تعددية اللغات والمحطات التاريخية التي توقف فيها ، أو اختفى، ليحل آخر محله، ويتابع من النقطة التي توقف عندها.

هنا، من المؤسف القول، أن الذي ينتقد حضارة، انطلاقاً من وازع أخلاقي ضيق، إنما يعرف بجملة القيم التي يُعرف بها داخل حضارة خاصة به مجتزأة، كون كل حضارة، إذا أردنا تفصيلاً نظرياً، تتقدم بمجموعة من الصفات والخصال، تعمق جمالية الحضارة الأخرى، وإن اختلفت عنها من جهة الموقف الأخلاقي، وأن التنوع الموجود بالتالي، لا يكون سبباً للتنافر أو التنابذ ، إنما لتضافر الجهود والتجاذب الوجدانيين.

الحوار المستمر داخل الحضارة الواحدة، وليس الحضارات المختلفة


يبدأ حوار الحضارات من داخل الحضارة الواحدة، حيث إن التشرذم الحاصل في العلاقات بين الذين يعتبرون أنفسهم ممثلي شعوبهم، وما لديهم من استعداد أكثر للتنافس السلبي، وللتصارع، لتأكيد الأقوى، هو الذي يبدأ أساساً من داخل الحضارة الواحدة، تلك التي تبرز في حقيقتها أكثر من مجموعة قوى تتواجه، وتسعى كل منها إلى تأكيد تفوقها، وإسناد الحضارة إليها، وبالتالي إقامة الجدار العقلي والنفسي المصطنع والعازل فيما بينها وبين أقرب المقربين إليها داخلاً وخارجاً ثمئذ.
إن الذين يؤكدون وحدة الحضارة الكونية، واعتبارها توسعاً من الجهات كافة، وأن ليس من شهب غير قادر على إحداث تغيير فيها، وبصور مختلفة، هم الذي يمارسون هذا التنويع في الآراء، وفي ذلك النقد البناء الذي يقربهم من بعضهم بعضاً، ويلهمهم لكي يكونوا منفتحين على خارج، هو بالأساس مفتوح، طالما أن الحدود الموجودة، هي من حيث الجوهر بشرية، أي سياسية، والمهم هو معرفة أن التواصل الفكري لا يتوقف عند حدود معينة، وأن إشعاعات الحضارات تبقى قائمة، وهي تنفذ من داخل السواتر الترابية والأسوار الصينية العالية وغيرها، طالما أن ما ينتج في مجتمع ما، يتم استهلاكه أو التعرف عليه في مجتمع آخر، وكذلك تحليله ونقده أيضاً، وأن الزمن الذي تعيشه البشرية اليوم خصوصاً، يتطلب هذا التنادي الوجداني، وهذه ليست حكمة في الفراغ، أو موعظة مفرغة من مضمونها التاريخي، إنما تستمد أهميتها من وحدة الجنس البشري، أي من وحدة الحضارة البشرية، التي تكون البشرية جمعاء داخلة في قطارها المتحرك في الاتجاهات كافة، وبسرعات متفاوتة، ولكنه القطار الذي يسير على الخط نفسه، خط النفوس الحريصة على وحدة مستقبلها، وأمانها الجماعي ما بقي الدهر.

  • أقسام النقاشات
    • No أقسام النقاشات
  • أقسام الدراسات
    • No أقسام الدراسات