معرض بولونيا لكتاب الطفل

معرض بولونيا لكتاب الطفل
حيث يتسابق الجميع ويتهاون العرب
عبدالواحد علواني

في مدينة بولونيا التي تقع في شمال ايطاليا/ توسكانيا بين مدينتي فلورنسة وميلانو، يقام سنويا أهم معرض لكتاب الطفل في العالم في أواخر شهر آذار وأوائل نيسان، وهو معرض ضخم تشارك فيه الاف دور النشر من كل أصقاع العالم ومن القارات الخمس، واعرض على رواد المنتدى ملاحظاتي من خلال المعارض السابقة التي استمتعت بحضورها وكانت فرصة للتعرف على أساطين هذه الصناعة العظيمة، ويكفي ابرازا لأهميتها أن أشير أن حائزي جائزة هانس اندرسن لأدب الأطفال أكثر شهرة من حائزي جائزة نوبل في عموم أوربة تقريبا وأميركا الشمالية، وهذا الأمر له دلالاته ويشير إلى الاهتمام الكبير بالناشئة، لذلك لا عجب إذ تتمكن هذه الأمم من قيادة العالم والسيطرة عليه معرفيا قبل كل شيء.

لا يمكن المقارنة بأي حال من الأحوال بين ما يتاح للطفل من وسائل في أوربة وبين ما يتاح له في معظم بلدان العالم الثالث، فهناك اختلاف في الذهنية والعقلية والمفاهيم وعلى صعد مختلفة، إضافة إلى الإمكانات التي لا ينكر دورها إلى حد ما.
ولكن مع أن كثيرا من دول العالم تفتقد هذه الإمكانات فإن بعضها استطاع أن يشكل حضورا نوعيا ملفتا إلى حد لا بأس به وذلك عبر جهود وطنية مخلصة وبنوع من التآزر بين القطاعات المختلفة، فالدول الافريقية التي حضرت معرض بولونيا في إيطاليا كان عندها ما تفاخر به الغرب بل أصبحت محطا للأنظار بسبب رغبة الناس في سبر كنه أفريقيا من خلال منتوجها الثقافي. وكذلك انعكست النشاطات الكثيفة في إطار ثقافة الطفل والرعاية الحثيثة التي بذلتها الدولة في مصر إلى ظهورها كدولة لها حضور لا بأس به عالمياً مع أن لهذا الحضور خلفيات تتعلق بالعلاقات الخاصة إلا أنها كانت قادرة على الإشارة إلى الاهتمام المحلي بثقافة الأطفال.
ومع أن الغرب يتوق إلى الاطلاع على ثقافة الآخر لتوسيع رقعة الدهشة التي يدخرها لحكايات النشء الجديد فإن هذا البحث يتجه إلى الأمم التي تعتني بثقافتها وحضورها، فمثلا كانت معظم دور النشر المشاركة من دول شرق آسيا تعمل كخلايا نحل دؤوبة، في حين فشل كتاب كبار من العالم العربي في تسويق أي عمل من أعمالهم، ومع أن الكتاب العرب الكبار ربما معدودون فإنهم ضائعون بين واقع يهملهم وآخرين يتجاهلونهم. مع أن كتاب صغار وربما ناشئون تمكنوا من عقد صفقات مجزية مع دور نشر متعددة.
ولعل في ظاهرة قصة (هاري بوتر) ما يكفي للرد على من يدعي سقوط عهد القراءة فقصة أولى لكاتبة مغمورة تطبع ملايين النسخ وتترجم إلى أكثر من ستين لغة عالمية. ومع ذلك فشل العرب في تسويق عمل واحد مع أنهم فازوا في عامي 2000و2002 بجوائز معرض بولونيا.
وتتجه ثقافة الأطفال إلى التصنيع كرافد للكلمة المقروءة لا كبديل لها، ومع أن قسما كبيرا منها يجتر ما تقادم من القصص والحكايات فأن هناك الكثير من الجديد في حين يناقش العديد من التربويين الكبار والكتاب والمسؤولين جدوى الاعتناء الشديد بثقافة الأطفال. ولعل في المفارقة الآتية بعض المضحك المبكي: في الغرب يعرف العامة أسماء حائزي جوائز أندرسن أكثر من معرفتهم أسماء حائزي نوبل، ويقدرون كتاب الأطفال ويتعهدونهم كقديسين وينظرون إلى أدب الأطفال بكثير من التبجيل والتقدير والمتابعة، في حين يشكك الكتاب والمؤسسات عندنا في انتماء دب الأطفال إلى الأدب أصلا بل إن صغار الكتاب يترفعون عن الكتابة للأطفال.
في المعارض العالمية غالبا ما نجد الفوارق الأساسية بين العالم المتقدم والحضاري والعالم النامي والمتخلف ومن أمثلة ذلك:
1)
فارق كبير في العناية والأولويات فالاهتمام بالنشء لا يقل عن الاهتمام بتحصين البلاد، في حين أننا نجد الدول النامية التي لا تهتم بثقافة الطفل تنتج انتاجا غثا لا تتوافر فيه الشروط الابداعية والفنية إلا نادرا.
2)
فارق كبير في احترام ثقافة الأطفال ومنتجيها وتواصل دائم بين المجتمع وأطراف هذا الإنتاج.
3)
يعتمد الإنتاج الغربي على لفت أنظار الأهل والأطفال، بينما المطبوعات العربية مثلا تفتقد أحيانا أدنى الشروط.
4)
تتجه القصص في الغرب عموما إلى تغطية شتى أبواب المعرفة مع التركيز على الخيال العلمي والمستقبليات والعلميات، بينما معظم إنتاجنا تعليمي ديني وتاريخي.
5)
هناك نوع من الترابط الوثيق بين الأطراف المنتجة لثقافة الأطفال بينما نفتقد الحد الأدنى عندنا.
6)
تعمل المؤسسات والشركات في إطار عمل مؤسسي بينما نحن نعاني حتى في المؤسسات العامة من عقلية التفرد والأحادية والزعامة.
في أروقة معرض بولونيا دخلت إلى جناح إحدى أفقر دول أفريقيا، هالني من رأيت من ألوان مدهشة وكتب أنيقة وكثيرة، وآلمني أن يكون جناح هذه الدولة الصغيرة أكبر من الجناح المشترك الذي تبرعت به إدارة المعرض للعرب فحضرواعلى استحياء، سألت سيدة أنيقة بضعة أسئلة، فتبين لي أنها كاتبة أطفال تحظى باحترام وتقدير كبير في بلادها والمعارض العالمية، وتبين لي أنها لم تفكر في زيارة البلدان العربية لأنها تعلم أن ثقافة الطفل رهن تجارة خاصة عشوائية وإهمال رسمي، وأعجبني منها ردها على سؤالي كيف يهتمون بثقافة الطفل وهم في ضائقة معيشية، إذ قالت: نحن ندرك الآن أن بوابتنا إلى المستقبل تبدأ من الاهتمام بالأطفال!

  • أقسام النقاشات
    • No أقسام النقاشات
  • أقسام الدراسات
    • No أقسام الدراسات