المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حروب المياه .. لا بد أن يدفع الثمن شخص ما !


ميشيل روكار
16-04-2006, 02:04 PM
ما هو الأمر الأكثر أهمية من المياه بالنسبة إلى مستقبل البشرية والحياة بصورة عامة على كوكب الأرض؟ إن المياه تتوافر في الطبيعة بغزارة، ولسوف تستمر حياة البشر على كوكب الأرض أكثر من عشرة آلاف عام قبل أن يشرعوا في التساؤل بشأن المياه.
نحن نسحب المياه، ونستخدمها، ثم نتخلص منها في كثير من الأحوال، بإعادتها إلى الأنهار والمحيطات. ولكن قد تنتهي بنا الحال قريباً إلى العجز عن إيجاد ما يكفي لتغطية احتياجاتنا من المياه العذبة التي تشكل ما لا يتجاوز 3 في المائة من إجمالي المياه المتاحة على كوكبنا. وحين أتذكر الحروب التي كان بمقدورنا أن نخوضها بسبب النفط، فإنني لأرتعد فرقاً حين أتصور إلى أين قد يقودنا الافتقار إلى المياه. وبينما تتمتع أمريكا اللاتينية فيما يبدو بكمية وفيرة من المياه العذبة، فإن الموقف مختلف تمام الاختلاف في أماكن أخرى من العالم. ففي أوروبا اقتربت الوفرة من المياه العذبة إلى حدودها الدنيا، كما أصبحت ندرة المياه العذبة تشكل قضية ملحة بالفعل، في إفريقيا، وسط آسيا، والصين.

في غضون العشرين أو الثلاثين عاماً الماضية بدأنا ندرك حجم المشكلة، وذلك بفضل مبادرات مثل المنتدى العالمي للمياه، الذي عقد اجتماعه الرابع في آذار (مارس) الماضي. ولكن ما يدعو للأسف أن المنتدى لم يتحول بعد إلى هيئة رسمية، ولا يمتلك سلطة اتخاذ القرار حتى الآن. لكن توفير الساحة اللازمة للفكر والحوار عاد علينا بفائدة واحدة عظيمة على أقل تقدير: وهي تتلخص في إيجاد قدر أعظم من الوعي بشأن القضايا المتعلقة بالمياه بين عامة الناس وصناع القرار.
تشكل مسألة إدارة المياه تحدياً غاية في الصعوبة، والخبرة هنا مسؤولة عن قدر كبير من النجاح. وتؤكد الممارسة الفعلية أن الحكومات على المستويات المحلية تقدم أكثر أشكال إدارة المياه كفاءة، حتى مع أن الأنظمة لا بد أن تكون على نطاق وطني بالضرورة. لكن هذا يعد جزءاً من العمل الذي لا يتقبله إلا عدد ضئيل من الحكومات الوطنية.

كما أن أغلب الدول لا تبدي استعداداً للشروع في حوار حقيقي بشأن السياسات المتعلقة بالمياه مع مؤسسات المجتمع المدني. وعلى أحد المستويات المتطرفة من الاستبعاد، على سبيل المثال، سنجد أن القرارات المتصلة بإدارة المياه تتخذ إلى حد كبير بواسطة رجال، على الرغم من أن النساء في أغلب أنحاء العالم هن اللاتي يستخدمن المياه. فضلاً عن ذلك، فقد باتت التداخلات ثابتة ومحتومة بين القطاعين العام والخاص. والأمر يتطلب مزيجاً بارعاً من الأنظمة الرسمية والتعاقدات الخاصة. لكن الاستجابة ليست واحدة من جانب كل السلطات.

والحقيقة أن تعدد المحاورين الرسميين يؤدي على نحو محتوم إلى تعدد الأنظمة الخاصة بإدارة المياه في ظل مستويات شديدة التفاوت من الكفاءة. وعلى هذا فإن مبادرات مثل المنتدى العالمي للمياه تعمل بصورة محتمة على تسليط الضوء على الحوارات الدائرة بشأن العناصر اللازم توافرها لإدارة المياه بصورة طيبة، علاوة على توضيح بعض المفاهيم المفيدة.
كانت أسطورة مجانية المياه من بين ضحايا هذه الحوارات. فالمياه لها ثمن، ولا بد أن يدفع هذا الثمن شخص ما، سواء المستخدمون النهائيون أو دافعو الضرائب. ومن الممكن بطبيعة الحال أن نتصور تقاسم التكاليف بين عدة أطراف، ولكن لم يعد من الممكن توفير المياه بالمجان.
كان آخر منتدى عالمي للمياه قد ناقش قضيتين من المنتظر أن تكونا من بين القضايا المهمة التي تواجه صانعي القرار خلال الأعوام المقبلة. تتعلق القضية الأولى بما يسمى "الحق في المياه". والحقيقة أن إلحاح الحاجة إلى المياه، حيث يعجز ما لا يقل عن مليار نسمة من سكان الأرض عن الوصول إلى المياه الصالحة للشرب، وحيث يعيش ملياران آخران دون نظام صرف صحي لائق، فضلاً عن العدد الهائل من الأمراض المترتبة على ذلك، يؤكد الحاجة الماسة إلى الاعتراف بمثل هذا الحق الأساسي من حقوق الإنسان. وأثناء فعاليات المنتدى تم التوصل إلى إجماع مفاده أن مثل هذا الحق لن يكون منطقياً إلا من خلال صياغته بطريقة تجعل الكيانات التي تتولى صناعة القرار، سواء كانت شركات مياه أو حكومات محلية، تتحمل واجبها الأكيد في احترام هذا الحق.

في هذا السياق، لن يتسنى إلا للدولة أن تضطلع بمثل هذه المسؤولية. لكن المسؤوليات المعترف بها التي تضطلع بها الدول في كفالة الحق في الحصول على المياه، لا ينبغي أن تحولها إلى السلطة الوحيدة المسؤولة عن تحمل التكاليف. فالدولة لا بد أن تضطلع بتأمين الأنظمة الفعالة في إدارة المياه بحيث تغطي الاحتياجات الأساسية للجميع، لكن التوازن الذي قد يحققه مثل هذا النظام ما زال يحتاج إلى تعريف واضح. والحقيقة أن هذه الشكوك فرضت على المنتدى أن يتجنب الإقرار بالحق الرسمي في الحصول على المياه في قراره النهائي.
أما القضية الثانية فترتبط بالدور الذي تضطلع به السلطات المحلية. وعلى الرغم من المركزية السياسية والإدارية التي تتسم بها أغلب الدول المشاركة في المنتدى، إلا أنها تمكنت من التوصل إلى إجماع واسع النطاق على أن أكثر أنظمة إدارة المياه كفاءة لا بد أن تكون وثيقة الصلة قدر الإمكان بمصادر المياه ومستخدميها. ولقد كان الاتفاق على هذا الرأي بمثابة إنجاز حقيقي فيما يتصل بمستقبل سياسات إدارة المياه في العالم.
بطبيعة الحال، عادت النزاعات بين الحكومات أو السلطات المحلية وبين الشركات الخاصة إلى البروز من جديد. وعلى نحو لا مفر منه، كانت الإشارة متكررة إلى الافتقار الشديد إلى الموارد والسبل اللازمة للتعامل مع هذه القضية. ومما لا يثير الدهشة أن الافتقار إلى التضامن بين من يملكون المياه ومن لا يملكونها، كان أمراً واضحاً جلياً أثناء فعاليات المنتدى.
بينما نتشبث جميعاً بمصيرنا المشترك فيما يتصل بالمياه، فلسوف نمر بفترة من التجربة والخطأ في محاولاتنا الرامية إلى إيجاد حلول ناجحة. ولكن مما يبدو أن البشرية قد تمكنت بالفعل من إحراز المزيد من التقدم في القضايا المرتبطة بمياه الشرب، مقارنة بالتهديدات الأخرى التي تواجه العالم، مثل تغير المناخ.