إياد طارق الزمزمي
28-08-2004, 02:15 AM
هل من حقنا أن نقتبس آلية الديمقراطية من الغرب
اياد الزمزمي*
عند التطرق للحديث عن الديمقراطية الغربية (حكم الشعب) كنظام للحكم, فإنه من الظلم القول بأن الإسلام هو ضد الديمقراطية أو معادي للديمقراطية. إن جوهر الديمقراطية, يعني أن يختار الناس من يحكمهم ويسيس أمورهم, وألا يفرض عليهم حاكم يكرهونه, أو نظام يكرهونه, وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ, وحق عزله إذا انحرف, وألا يساق الناس إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يعرفونها ولا يرضون عنها. فإذا عارضها بعضهم كان جزاءه التشريد والتنكيل, بل يصل الأمر إلى التعذيب والتقتيل.
هذا هو جوهر الديمقراطية الحقيقية التي وجدت البشرية لها صيغاً وأساليب علمية, مثل الانتخاب, والاستفتاء, وترجيح حكم الأكثرية, وتعدد الأحزاي السياسية, وحق الأقلية في المعارضة, وحرية الصحافة, واستقلال القضاء....إلخ.
في الحقيقة إن الإسلام قد سبق الديمقراطية في تقرير القواعد التي يقوم عليها جوهره, ولكنه ترك التفصيلات لاجتهاد المسلمين وفق أصول دينهم, ومصالح دنياهم, وتطور حياتهم بحسب الزمان والمكان وتجدد أحوال الإنسان. إن الإسلام دين دنيا وآخرة على حد سواء, فالله سبحانه وتعالى للمسلم, حاضر في ذهنه الدنيوي والآخروي. لذا نجد أن المسلم دائماً يدعو بهذا الدعاء (..ربنا آتنا في الدنيا حسنة في الآخرة حسنة..) سورة , فالإسلام دين يهتم بجميع مجالات الحياة التي تفيد الإنسان, فباتالي هو دين سياسي إلى درجة كبيرة.
إن ميزة الديمقراطية أنها اهتدت إلى صيغ ووسائل تعتبر أمثل الضمانات لحماية الشعوب من تسلط المتجبرين, ولا حرج على البشرية وعلى قادتها ومفكريها, أن تفكر في ِصيغ وأساليب أخرى, لعلها تهتدي إلى ما هو أمثل. ولكن أن يتيسر ذلك ويتحقق في واقع الناس, يأتي السؤال هل من حقنا أن نقتبس من الغرب أساليب الديمقراطية لتحقيق العدل والشورى واحترام حقوق الإنسان؟
الجواب: لا يوجد شرعاً ما يمنع اقتباس فكرة نظرية أو حل علمي من غير المسلمين, فالقاعدة الشرعية تقول ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب, والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها. فلقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب بفكرة " حفر الخندق " وهو من أساليب الفرس, واستفاد صلى الله عليه وسلم أيضاً من أسرى المشركين في بدر " ممن يعرفون القراءة والكتابة " في تعليم أولاد المسلمين الكتابة, برغم أنهم مشركين.
فهذا خير البشر صلى الله عليه وسلم قد أخذ من هذه الأفكار والأساليب التي هي من غير المسلمين . إذاً من حقنا ان نقتبس من غيرنا من الأفكار والأساليب والأنظمة التي تفيدنا, ما دام أنها لا تعارض نصاً محكماً, ولا قاعدة شرعية ثابتة, بل يجب علينا أن نضيف عليه ونضفي عليه من روحنا, مما يجعله جزءاً منا, ويفقده جنسيته الأولى. فإذا نظرنا إلى نظام كنظام الانتخاب أو التصويت على سبيل المثال, فهو في نظر الإسلام شهادة للمرشح بالصلاحية. فيجب أن يتوافر في "صاحب الصوت" ما يتوافر في الشاهد من شروط بأن يكون عدلاً مرضي السيرة, كما قال تعالى: (..واشهدوا ذوي عدل منكم..) سورة الطلاق آية 2, (..ممن ترضون من الشهداء..) سورة البقرة آية 282.
ومن شهد لغير صالح بأنه صالح, فقد ارتكب كبيرة شهادة الزور, وقد قرنها القرآن بالشرك بالله, إذ قال: (..فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور) سورة الحج آية 30. ومن شهد لمرشح بالصلاحية لمجرد أنه قريبه أو ابن بلده, أو لمنفعة شخصية, فقد خالف أمر الله تعالى: (..وأقيموا الشهادة لله..) سورة الطلاق آية 2. ومن تخلف عن أداء واجبه الانتخابي, حتى سقط الكفئ الأمين, وفاز بالأغلبية من لا يستحق, فقد كتم الشهادة التي أحوج ما تكون الأمة إليها. وقد قال تعالى: (..ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه..) سورة البقرة آية 283.
إننا من خلال إضافة هذه الضوابط والتوجيهات لنظام الانتخابات, نجعله في النهاية نظاماً إسلامياً, وإن كان في الأصل مقتبساً من عند غيرنا. والمهم الذي نريد التركيز عليه هو جوهر الديمقراطية, فهو بالطبع متفق مع جوهر الإسلام, إذا ما رجعنا إليه في مصادره الأصلية, واستمددناها من القرآن والسنة, وعمل الخلفاء الراشدين, لا من تاريخ أمراء الجور وملوك السوء, ولا من فتاوى الهالكين من علماء السلاطين.
وقد يقول القائل: إن الديمقراطية تعني حكم الشعب بالشعب, وهذا يعارض المبدأ القائل: بأن الحاكمية لله وحده. في الحقيقة إن الديمقراطية, لا تعني رفض حاكمية الله للبشر, ولكنها تعني أن يختار الشعب حكامه كما يريد, وأن يحاسبهم على تصرفاتهم, وأن يرفض أوامرهم إذا خالفوا دستور الأمة. وبعبارة إسلامية: إذا أمروا بمعصية, وأن يكون له الحق في عزلهم إذا جاروا وانحرفوا, ولم يستجيبوا لنصح وتحذير.
*باحث سياسي
email]alzamzamia@yahoo.com
اياد الزمزمي*
عند التطرق للحديث عن الديمقراطية الغربية (حكم الشعب) كنظام للحكم, فإنه من الظلم القول بأن الإسلام هو ضد الديمقراطية أو معادي للديمقراطية. إن جوهر الديمقراطية, يعني أن يختار الناس من يحكمهم ويسيس أمورهم, وألا يفرض عليهم حاكم يكرهونه, أو نظام يكرهونه, وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ, وحق عزله إذا انحرف, وألا يساق الناس إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يعرفونها ولا يرضون عنها. فإذا عارضها بعضهم كان جزاءه التشريد والتنكيل, بل يصل الأمر إلى التعذيب والتقتيل.
هذا هو جوهر الديمقراطية الحقيقية التي وجدت البشرية لها صيغاً وأساليب علمية, مثل الانتخاب, والاستفتاء, وترجيح حكم الأكثرية, وتعدد الأحزاي السياسية, وحق الأقلية في المعارضة, وحرية الصحافة, واستقلال القضاء....إلخ.
في الحقيقة إن الإسلام قد سبق الديمقراطية في تقرير القواعد التي يقوم عليها جوهره, ولكنه ترك التفصيلات لاجتهاد المسلمين وفق أصول دينهم, ومصالح دنياهم, وتطور حياتهم بحسب الزمان والمكان وتجدد أحوال الإنسان. إن الإسلام دين دنيا وآخرة على حد سواء, فالله سبحانه وتعالى للمسلم, حاضر في ذهنه الدنيوي والآخروي. لذا نجد أن المسلم دائماً يدعو بهذا الدعاء (..ربنا آتنا في الدنيا حسنة في الآخرة حسنة..) سورة , فالإسلام دين يهتم بجميع مجالات الحياة التي تفيد الإنسان, فباتالي هو دين سياسي إلى درجة كبيرة.
إن ميزة الديمقراطية أنها اهتدت إلى صيغ ووسائل تعتبر أمثل الضمانات لحماية الشعوب من تسلط المتجبرين, ولا حرج على البشرية وعلى قادتها ومفكريها, أن تفكر في ِصيغ وأساليب أخرى, لعلها تهتدي إلى ما هو أمثل. ولكن أن يتيسر ذلك ويتحقق في واقع الناس, يأتي السؤال هل من حقنا أن نقتبس من الغرب أساليب الديمقراطية لتحقيق العدل والشورى واحترام حقوق الإنسان؟
الجواب: لا يوجد شرعاً ما يمنع اقتباس فكرة نظرية أو حل علمي من غير المسلمين, فالقاعدة الشرعية تقول ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب, والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها. فلقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب بفكرة " حفر الخندق " وهو من أساليب الفرس, واستفاد صلى الله عليه وسلم أيضاً من أسرى المشركين في بدر " ممن يعرفون القراءة والكتابة " في تعليم أولاد المسلمين الكتابة, برغم أنهم مشركين.
فهذا خير البشر صلى الله عليه وسلم قد أخذ من هذه الأفكار والأساليب التي هي من غير المسلمين . إذاً من حقنا ان نقتبس من غيرنا من الأفكار والأساليب والأنظمة التي تفيدنا, ما دام أنها لا تعارض نصاً محكماً, ولا قاعدة شرعية ثابتة, بل يجب علينا أن نضيف عليه ونضفي عليه من روحنا, مما يجعله جزءاً منا, ويفقده جنسيته الأولى. فإذا نظرنا إلى نظام كنظام الانتخاب أو التصويت على سبيل المثال, فهو في نظر الإسلام شهادة للمرشح بالصلاحية. فيجب أن يتوافر في "صاحب الصوت" ما يتوافر في الشاهد من شروط بأن يكون عدلاً مرضي السيرة, كما قال تعالى: (..واشهدوا ذوي عدل منكم..) سورة الطلاق آية 2, (..ممن ترضون من الشهداء..) سورة البقرة آية 282.
ومن شهد لغير صالح بأنه صالح, فقد ارتكب كبيرة شهادة الزور, وقد قرنها القرآن بالشرك بالله, إذ قال: (..فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور) سورة الحج آية 30. ومن شهد لمرشح بالصلاحية لمجرد أنه قريبه أو ابن بلده, أو لمنفعة شخصية, فقد خالف أمر الله تعالى: (..وأقيموا الشهادة لله..) سورة الطلاق آية 2. ومن تخلف عن أداء واجبه الانتخابي, حتى سقط الكفئ الأمين, وفاز بالأغلبية من لا يستحق, فقد كتم الشهادة التي أحوج ما تكون الأمة إليها. وقد قال تعالى: (..ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه..) سورة البقرة آية 283.
إننا من خلال إضافة هذه الضوابط والتوجيهات لنظام الانتخابات, نجعله في النهاية نظاماً إسلامياً, وإن كان في الأصل مقتبساً من عند غيرنا. والمهم الذي نريد التركيز عليه هو جوهر الديمقراطية, فهو بالطبع متفق مع جوهر الإسلام, إذا ما رجعنا إليه في مصادره الأصلية, واستمددناها من القرآن والسنة, وعمل الخلفاء الراشدين, لا من تاريخ أمراء الجور وملوك السوء, ولا من فتاوى الهالكين من علماء السلاطين.
وقد يقول القائل: إن الديمقراطية تعني حكم الشعب بالشعب, وهذا يعارض المبدأ القائل: بأن الحاكمية لله وحده. في الحقيقة إن الديمقراطية, لا تعني رفض حاكمية الله للبشر, ولكنها تعني أن يختار الشعب حكامه كما يريد, وأن يحاسبهم على تصرفاتهم, وأن يرفض أوامرهم إذا خالفوا دستور الأمة. وبعبارة إسلامية: إذا أمروا بمعصية, وأن يكون له الحق في عزلهم إذا جاروا وانحرفوا, ولم يستجيبوا لنصح وتحذير.
*باحث سياسي
email]alzamzamia@yahoo.com