رؤوفين أفرجيل
24-04-2006, 01:21 PM
أرست السلطات الإسرائيلية في الخمسينيات الأسس العنصرية للتمييز العرقي وللقمع الجماعي للجماعة التي يُطلق عليها "الشرقيون". إنَّ قصة الخمسينيات ليست واضحة للجيل الحالي، وكلما رويت لهم عنها يقولون لي: ربما تكون مبالغاً بعض الشيء. ولكني لا أبالغ، فالمأساة التي عشتها مع والديَّ وأخي محفورة جيدًا في ذاكرتي. وها أنا ذا هنا والآن أحكي عن القدرة على البقاء في مواجهة الواقع الرهيب الذي عشته.
جاء والداي من العاصمة المغربية الرباط، حيث كنا نعيش حياة بسيطة سعيدة ورغدة في ظل الحكم الإسلامي. وقرر والداي عام 1947 الهجرة إلى إسرائيل.
وفي لقائنا الأول مع موظفي الوكالة اليهودية في أوروبا، أخذوا منا الوثائق وجوازات السفر. من هنا بدأت مسيرة القمع من جانب أولئك الذين كانوا يخدمون التوجهات الصهيونية، والنظرة العنصرية الصهيونية لليهود العرب وللعرب بشكل عام.
قضينا ستة أشهر في مخيم للاجئين في الجزائر يُطلق عليه "باب الواد" في ظروف غاية في السوء وفي حالة انتظار لا تنتهي. ونُقلنا بعد ستة أشهر من هناك إلى مدينة مرسيليا الفرنسية. ومرة أخرى كنا طوال ستة أشهر أخرى تحت رحمة نفس الموظفين. وبعد فترة أخرى أمضيناها في مرسيليا، نُقلنا إلى مدينة تولوز، حيث مكثنا هناك لمدة عام كامل ونحن في حالة من الإحباط الشديد، وتشاركنا كل الأسر من حولنا نفس المصير.
وهنا بدأت عمليات الانتقاء بزعم أننا نحمل أمراضًا ونعرِّض حياة الجمهور للخطر؛ لذلك يجب عزل بعضنا وإبقاؤهم في أوروبا، والأصحاء فقط هم الذين يمكنهم الهجرة إلى إسرائيل.
أصر والداي بشدة على عدم التفريق بين الأبناء، ولكن هذه الروح العنيدة قهرتها الظروف التي مررنا بها، فاضطررنا للانفصال عن أخي وأختي الكبيرين البالغين من العمر أحد عشر عامًا وثلاثة عشر عامًا. هاجرنا إلى إسرائيل على متن الباخرة "نجبا" في بداية الخمسينيات، أما الآخرون الذين ظلوا في فرنسا فقد أتوا إلى إسرائيل بعد ذلك بعامين.
ولسذاجتنا كنا نعتقد أن هذا الكابوس سينتهي هنا، وسيأتي الخلاص في صهيون [أرض فلسطينٍ]. فها نحن قد وصلنا إلى هنا، والداي وإخوتي الأربعة وأنا بسنوات عمري السبع، إلى ذلك المكان الذي يُطلق عليه "دولة اليهود". رست الباخرة على الرصيف في ميناء حيفا، وصعد موظفو الوكالة اليهودية مع موظفي وزارة الصحة على سلم الباخرة حاملين اسطوانات على ظهورهم وقاموا برش جميع الحاضرين بمادة تسمي "دي. دي. تي". وقد أغرقونا حتى النخاع بهذه المادة وكنا نبدو وكأننا انتهينا للتو من طلاء إحدى القاعات بمادة الجير. في تلك الفترة لم يكن يتحدث إلينا أحد، ولم يشرحوا لنا ماهية هذا الإجراء والسبب الذي يدعو للقيام بذلك. كنا كقطيع من الأبقار يُساق إلى المرعى.
طُلب منا على الفور خلع ملابسنا والبحث في أكوام من مخلفات ملابس الجيش الأمريكي. ارتدينا كل ما وجدناه مناسباً لنا من ثياب. لا أعرف هل أضحك أم أبكي، ولكني أعرف أنني ارتديت سروالاً يزيد عن مقاسي بأربع قياسات.
وجدت نفسي - وأنا الطفل الذي اعتادت أمي على وضع قبعة جميلة فوق رأسي وأن تلبسني حُلة من قماش فاخر - أرتدي أسمالاً من مخلفات الجيش الأمريكي.
نُقلنا من هناك في شاحنات إلى معسكر مهاجرين في برديس حنا، بينما كانت في الخلفية آلاف الخيام المتراصة خلف بعضها كأننا في قاعدة عسكرية، وكان المعسكر محاطاً بأسلاك شائكة، وكان هناك حارس مسلح يقف عند المدخل. كان كل من يدخل إلى المعسكر لا يُسمح له بالخروج إلا بتصريح من موظف الوكالة اليهودية.
ولا تنسَ أننا ونحن تسعة أشخاص - والداي وإخوتي الأربعة واثنان من أعمامي وأنا - كنا نقيم في خيمة مصنوعة من المشَّمع مساحتها تسعة أمتار مربعة.
وبعد الإقامة لمدة طويلة في مدينة الخيام في برديس حنا في ظروف معيشية متدنية في البرد والمطر والطين، ونحن نتطلع يوميًا إلى الخروج من هناك، تسرب خبر لمجموعة من الناس يفيد بأن هناك مكاناً خالياً في القدس، وأن هناك منازل هجرها العرب وأن ثمة إمكانية أخيراً للحصول على مأوى.
وبدون طرح أسئلة هربنا من معسكر المهاجرين خلسة دون أن نبلغ موظفي الوكالة اليهودية، وخرجنا إلى الطريق الرئيسي حيث كانت في انتظارنا شاحنات تم استئجارها لهذا الغرض، وتوجهنا إلى حي مُسرارا بالقدس. كان حي مُسرارا في القدس واقعاً على خط التماس بين الجيش الأردني والجيش الإسرائيلي. بموجب اتفاقيات رودس(1) عام 1949 تمَّ الاتفاق على أنه في إطار الهدنة التي وقعت عليها إسرائيل والأردن سيتم نزع السلاح من المنطقة الممتدة بطول خط التماس في القدس بين الجانب الغربي والشرقي من المدينة وإخلاؤها من أي وجود عسكري. سُميت هذه المنطقة حسب الاتفاق باسم "المنطقة العازلة". ودخلنا، نحن الفارون من معسكر الخيام، إلى هذه المنطقة الخالية بكل ما تعنيه الكلمة، بعد أن تكبدنا العناء في الطريق إلى هنا، وبعد أن فقدنا استقلالنا وحريتنا وأمننا الشخصي.
عندما وطأت قدماي حي مسرارا أدركت في هذه السن الصغيرة أن عالمي لم يعد ذلك العالم الذي جئت منه. وتوقفت عن الحلم كطفل، وتوقفت عن الإحساس بدفء أحضان أبي وأمي. لقد تحولت إلى مجرد إنسان يسعى للبقاء.
لم أكن أعرف حتى عام 1967 أن هناك أحياء ذات نمط يختلف عن ذلك النمط الذي أعيش فيه. لقد عشت حياتي في الجحيم الذي يُطلق عليه حي مسرارا. لماذا أصف هذا الحي بأنه جحيم؟ كطفل، كانت هناك لحظات جميلة في حياتي، عندما كنت ألعب مع باقي الأطفال في الحي ومع العرب من وراء الجدار... ولكني كطفل، كنت لاأزال غير قادر على مواجهة الجحيم الذي مر به والداي، الذي يتمثل في الرعاية اليومية لجميع الأبناء. وكان استمرار هذا الجحيم يتمثل في عدم وجود عمل ولا رياض أطفال ولا مدارس، فمن أين لهم بالقدرة على إطعام الأسرة؟ هكذا تولَّد وضع كان فيه كل شخص مسؤول عن نفسه. دخلت، وأنا ذلك الصبي الصغير، إلى المنطقة العازلة. وجدت أصدقاء يشاركونني اللعب. أقمنا هناك معسكرًا للأطفال. كنت أبيع المواد الخام التي عثرت عليها في مبانٍ مهجورة في المنطقة. عرضت حياتي للخطر لأن المنطقة كانت مُلغمة. كثيرًا ما فقد أصدقائي هناك ساقًا أو ذراعًا، وكان منهم من فقد حياته. وكان من حسن حظي – أو ربما من سوء حظي - أنني لم أُصب.
عندما بلغت التاسعة قمت بتشكيل عصابتي. كنا نقوم بجمع أعقاب السجائر خارج الحي ونخطط للحصول على الغذاء يومًا بعد يوم، ولتوفير الملابس وكل أنواع الخضراوات. وبين سرقة وأخرى كنت أدخر بعض المال لأودعه في حساب ببنك بويختونجر(2). لم يكن من الضروري في هذه الفترة فتح حساب بالبنك. كان المعتاد هو القيام بشراء طوابع. كان موظف البنك يقوم بإلصاقها في الدفتر، وبتقديم الدفتر كان يمكن سحب النقود من البنك. هكذا قمت بادخار كل ما حصلت عليه من مال.
كنت أعشق القراءة. تعودت في منزل والديَّ بالمغرب الجلوس يوميًا للدراسة وكنت بارعًًا في اللغة العبرية. كنت أشتري كتب، وإلى جانب كل كتاب اشتريته كنت أسرق من أربعة إلى خمسة كتب. كما كنت أسرق كتبًا من المكتبات العامة. وقد لازمتني هذه العادة لسنوات طويلة. وعندما كنت أُدعى إلى الحديث مع إخصائي اجتماعي أو ضابط صحة نفسية أو محامٍ، كثيراً ما كنت أقوم بسرقة كتب من مكاتبهم. لو أن السبيل إلى التعليم كان مفتوحًا ومتاحًا لما احتجت إلى سرقة الكتب.
وكلما تقدمنا في العمر أنا وأصدقائي، كلما تحولنا إلى أفعال أكثر جرأة، مثل السطو على المحال التجارية. فتحت جنح الظلام دخلت إلى محل لبيع الأقمشة وسرقت من هناك قماشاً على مقاسي. لم أسرق أكثر من ذلك. سرقت قماشًا إنجليزيا فصَّلت منه حلتين أو ثلاثة. وفي حادثة أخرى اقتحمت محل اسطوانات في القدس. مكثت حوالي أربع ساعات في هذا المحل. وقمت بالبحث عن الاسطوانات التي أحبها. وأتذكر أسماء المطربين الذين أخذت اسطواناتهم: جون باز وتينو روسي وأنطونيو مولينا وإيلا فيتزجيرالد وألفيس بريسلي وكذلك بعضًا من اسطوانات موتسارت وبيتهوفن وباخ. أحببت أيضًا موسيقي فيردي. وعندما تعرفت على هذه الاسطوانات ذهبت للبحث عن الكتب التي تحكي عن سيرة هؤلاء، وقمت بسرقة هذه الكتب من المكتبات المختلفة. ولم أسرق مطلقًا شيئًا لست في حاجة إليه.
حدث ذات مرة عندما كنت في الحادية عشرة من عمري أن تم ضبطي وأنا أسرق ثمار الكريز من إحدى الأشجار في حديقة منزل الأب بورج في حي رحافيا. وقد سلمتني الأسرة إلى الشرطة وتحرر لي محضر جنائي.
وعندما كان عمري يزيد عن الحادية عشرة فقدت مكان عملي الأول في محطة للوقود بسبب السرقة. كان أحد جيراننا يعمل هناك كفني إصلاح سيارات. وطلب والدي الراحل من هذا الجار أن يأخذني معه للعمل هناك. بدأت العمل في المحطة تحت إشراف شاب إشكنازي يُدعى نفتالي. وصلت إلى المحطة شاحنة ضخمة محملة بالخضراوات ونزل منها أحد أعضاء الكيبوتس، وكان ذا شارب كثيف. اتجه إليَّ قائلاً: "أيها الولد اصعد إلى الشاحنة واسكب سولار بقيمة ليرتين ونصف على الخضراوات الموجودة فوق الشاحنة، ولا تنسَ أن تقوم برش السولار في جميع الأركان". فعلت ما طلبه مني. وكان قلبي يتحسر على إتلاف هذه الخضراوات. ولكني اضطررت حسب ما تقتضيه ضرورة العمل للقيام بذلك. كان سبب حسرتي أنني على مدى سنوات طويلة لم أرَ في البيت طماطم وفلفلاً بهذا الجمال. عندما نزلت من فوق الشاحنة كنت أريد أن أبكي لأنني لم أتمكن من أخذ جزء صغير من هذه الخضراوات إلى بيت والديَّ. جاءت هذه الشاحنة يقودها السائق نفسه مرة أخرى، وعندما طلب مني القيام بالعمل ذاته اتخذت قرارًا في نفسي بأن أسرق من هذه الشاحنة بعض الخضراوات وأخذها إلى المنزل. صعدت فوق الشاحنة وألقيت ناحية الأشجار طماطم وفلفلاً وخياراً. إلا أن عضو الكيبوتس خرج في هذه اللحظة من دورة المياه وضبطني متلبسًا. وصرخ في وجهي كي أنزل من فوق الشاحنة، وأخذ يلطمني وأرغمني على جمع كل ما ألقيت به من خضراوات وإعادته إلى الشاحنة. بكيت وحاولت أن أوضح له أننا عشرة من الأبناء في المنزل وليس لدينا ما نأكله. فُصلت من العمل بعد أن توجه سائق الشاحنة إلى نفتالي وهدد بأنه لن يأتي إلى هذه المحطة للتزود بالوقود إذا لم يفصلني.
وعندما أصبحت غلاماً عشت مناخ القمع في مجتمعي وأسرتي، وتأصلت بداخلي مشاعر الضحية، والشفقة الذاتية التي صاحبتني لفترة طويلة. وعندما تجرأت على سؤال الكبار بصوت عالٍ: لماذا يحدث ذلك، كانت الإجابة الوحيدة التي تلقيتها "كل شيء بيد الرب". ونظرًا لأن الواقع الصعب الذي نعيشه ليس نتيجة لفعل إنساني ولا ذنب لأحد فيه، ونظرًا لأن الرب وحده هو المسئول عن كل ما يحدث لي، نزعت إلى الاعتقاد بأن الحل بيد الرب. وكثيرًا ما بحثت عنه بكافة الطرق والوسائل. سألت المحيطين بي "أين الرب؟". ولازلت أبحث عنه حتى اليوم. ولا يبدو أنني سأقابله لأطرح عليه مزاعمي ولأخبره بمدى الخطأ في سلوكه.
المصدر: موقع المنظمة العربية
جاء والداي من العاصمة المغربية الرباط، حيث كنا نعيش حياة بسيطة سعيدة ورغدة في ظل الحكم الإسلامي. وقرر والداي عام 1947 الهجرة إلى إسرائيل.
وفي لقائنا الأول مع موظفي الوكالة اليهودية في أوروبا، أخذوا منا الوثائق وجوازات السفر. من هنا بدأت مسيرة القمع من جانب أولئك الذين كانوا يخدمون التوجهات الصهيونية، والنظرة العنصرية الصهيونية لليهود العرب وللعرب بشكل عام.
قضينا ستة أشهر في مخيم للاجئين في الجزائر يُطلق عليه "باب الواد" في ظروف غاية في السوء وفي حالة انتظار لا تنتهي. ونُقلنا بعد ستة أشهر من هناك إلى مدينة مرسيليا الفرنسية. ومرة أخرى كنا طوال ستة أشهر أخرى تحت رحمة نفس الموظفين. وبعد فترة أخرى أمضيناها في مرسيليا، نُقلنا إلى مدينة تولوز، حيث مكثنا هناك لمدة عام كامل ونحن في حالة من الإحباط الشديد، وتشاركنا كل الأسر من حولنا نفس المصير.
وهنا بدأت عمليات الانتقاء بزعم أننا نحمل أمراضًا ونعرِّض حياة الجمهور للخطر؛ لذلك يجب عزل بعضنا وإبقاؤهم في أوروبا، والأصحاء فقط هم الذين يمكنهم الهجرة إلى إسرائيل.
أصر والداي بشدة على عدم التفريق بين الأبناء، ولكن هذه الروح العنيدة قهرتها الظروف التي مررنا بها، فاضطررنا للانفصال عن أخي وأختي الكبيرين البالغين من العمر أحد عشر عامًا وثلاثة عشر عامًا. هاجرنا إلى إسرائيل على متن الباخرة "نجبا" في بداية الخمسينيات، أما الآخرون الذين ظلوا في فرنسا فقد أتوا إلى إسرائيل بعد ذلك بعامين.
ولسذاجتنا كنا نعتقد أن هذا الكابوس سينتهي هنا، وسيأتي الخلاص في صهيون [أرض فلسطينٍ]. فها نحن قد وصلنا إلى هنا، والداي وإخوتي الأربعة وأنا بسنوات عمري السبع، إلى ذلك المكان الذي يُطلق عليه "دولة اليهود". رست الباخرة على الرصيف في ميناء حيفا، وصعد موظفو الوكالة اليهودية مع موظفي وزارة الصحة على سلم الباخرة حاملين اسطوانات على ظهورهم وقاموا برش جميع الحاضرين بمادة تسمي "دي. دي. تي". وقد أغرقونا حتى النخاع بهذه المادة وكنا نبدو وكأننا انتهينا للتو من طلاء إحدى القاعات بمادة الجير. في تلك الفترة لم يكن يتحدث إلينا أحد، ولم يشرحوا لنا ماهية هذا الإجراء والسبب الذي يدعو للقيام بذلك. كنا كقطيع من الأبقار يُساق إلى المرعى.
طُلب منا على الفور خلع ملابسنا والبحث في أكوام من مخلفات ملابس الجيش الأمريكي. ارتدينا كل ما وجدناه مناسباً لنا من ثياب. لا أعرف هل أضحك أم أبكي، ولكني أعرف أنني ارتديت سروالاً يزيد عن مقاسي بأربع قياسات.
وجدت نفسي - وأنا الطفل الذي اعتادت أمي على وضع قبعة جميلة فوق رأسي وأن تلبسني حُلة من قماش فاخر - أرتدي أسمالاً من مخلفات الجيش الأمريكي.
نُقلنا من هناك في شاحنات إلى معسكر مهاجرين في برديس حنا، بينما كانت في الخلفية آلاف الخيام المتراصة خلف بعضها كأننا في قاعدة عسكرية، وكان المعسكر محاطاً بأسلاك شائكة، وكان هناك حارس مسلح يقف عند المدخل. كان كل من يدخل إلى المعسكر لا يُسمح له بالخروج إلا بتصريح من موظف الوكالة اليهودية.
ولا تنسَ أننا ونحن تسعة أشخاص - والداي وإخوتي الأربعة واثنان من أعمامي وأنا - كنا نقيم في خيمة مصنوعة من المشَّمع مساحتها تسعة أمتار مربعة.
وبعد الإقامة لمدة طويلة في مدينة الخيام في برديس حنا في ظروف معيشية متدنية في البرد والمطر والطين، ونحن نتطلع يوميًا إلى الخروج من هناك، تسرب خبر لمجموعة من الناس يفيد بأن هناك مكاناً خالياً في القدس، وأن هناك منازل هجرها العرب وأن ثمة إمكانية أخيراً للحصول على مأوى.
وبدون طرح أسئلة هربنا من معسكر المهاجرين خلسة دون أن نبلغ موظفي الوكالة اليهودية، وخرجنا إلى الطريق الرئيسي حيث كانت في انتظارنا شاحنات تم استئجارها لهذا الغرض، وتوجهنا إلى حي مُسرارا بالقدس. كان حي مُسرارا في القدس واقعاً على خط التماس بين الجيش الأردني والجيش الإسرائيلي. بموجب اتفاقيات رودس(1) عام 1949 تمَّ الاتفاق على أنه في إطار الهدنة التي وقعت عليها إسرائيل والأردن سيتم نزع السلاح من المنطقة الممتدة بطول خط التماس في القدس بين الجانب الغربي والشرقي من المدينة وإخلاؤها من أي وجود عسكري. سُميت هذه المنطقة حسب الاتفاق باسم "المنطقة العازلة". ودخلنا، نحن الفارون من معسكر الخيام، إلى هذه المنطقة الخالية بكل ما تعنيه الكلمة، بعد أن تكبدنا العناء في الطريق إلى هنا، وبعد أن فقدنا استقلالنا وحريتنا وأمننا الشخصي.
عندما وطأت قدماي حي مسرارا أدركت في هذه السن الصغيرة أن عالمي لم يعد ذلك العالم الذي جئت منه. وتوقفت عن الحلم كطفل، وتوقفت عن الإحساس بدفء أحضان أبي وأمي. لقد تحولت إلى مجرد إنسان يسعى للبقاء.
لم أكن أعرف حتى عام 1967 أن هناك أحياء ذات نمط يختلف عن ذلك النمط الذي أعيش فيه. لقد عشت حياتي في الجحيم الذي يُطلق عليه حي مسرارا. لماذا أصف هذا الحي بأنه جحيم؟ كطفل، كانت هناك لحظات جميلة في حياتي، عندما كنت ألعب مع باقي الأطفال في الحي ومع العرب من وراء الجدار... ولكني كطفل، كنت لاأزال غير قادر على مواجهة الجحيم الذي مر به والداي، الذي يتمثل في الرعاية اليومية لجميع الأبناء. وكان استمرار هذا الجحيم يتمثل في عدم وجود عمل ولا رياض أطفال ولا مدارس، فمن أين لهم بالقدرة على إطعام الأسرة؟ هكذا تولَّد وضع كان فيه كل شخص مسؤول عن نفسه. دخلت، وأنا ذلك الصبي الصغير، إلى المنطقة العازلة. وجدت أصدقاء يشاركونني اللعب. أقمنا هناك معسكرًا للأطفال. كنت أبيع المواد الخام التي عثرت عليها في مبانٍ مهجورة في المنطقة. عرضت حياتي للخطر لأن المنطقة كانت مُلغمة. كثيرًا ما فقد أصدقائي هناك ساقًا أو ذراعًا، وكان منهم من فقد حياته. وكان من حسن حظي – أو ربما من سوء حظي - أنني لم أُصب.
عندما بلغت التاسعة قمت بتشكيل عصابتي. كنا نقوم بجمع أعقاب السجائر خارج الحي ونخطط للحصول على الغذاء يومًا بعد يوم، ولتوفير الملابس وكل أنواع الخضراوات. وبين سرقة وأخرى كنت أدخر بعض المال لأودعه في حساب ببنك بويختونجر(2). لم يكن من الضروري في هذه الفترة فتح حساب بالبنك. كان المعتاد هو القيام بشراء طوابع. كان موظف البنك يقوم بإلصاقها في الدفتر، وبتقديم الدفتر كان يمكن سحب النقود من البنك. هكذا قمت بادخار كل ما حصلت عليه من مال.
كنت أعشق القراءة. تعودت في منزل والديَّ بالمغرب الجلوس يوميًا للدراسة وكنت بارعًًا في اللغة العبرية. كنت أشتري كتب، وإلى جانب كل كتاب اشتريته كنت أسرق من أربعة إلى خمسة كتب. كما كنت أسرق كتبًا من المكتبات العامة. وقد لازمتني هذه العادة لسنوات طويلة. وعندما كنت أُدعى إلى الحديث مع إخصائي اجتماعي أو ضابط صحة نفسية أو محامٍ، كثيراً ما كنت أقوم بسرقة كتب من مكاتبهم. لو أن السبيل إلى التعليم كان مفتوحًا ومتاحًا لما احتجت إلى سرقة الكتب.
وكلما تقدمنا في العمر أنا وأصدقائي، كلما تحولنا إلى أفعال أكثر جرأة، مثل السطو على المحال التجارية. فتحت جنح الظلام دخلت إلى محل لبيع الأقمشة وسرقت من هناك قماشاً على مقاسي. لم أسرق أكثر من ذلك. سرقت قماشًا إنجليزيا فصَّلت منه حلتين أو ثلاثة. وفي حادثة أخرى اقتحمت محل اسطوانات في القدس. مكثت حوالي أربع ساعات في هذا المحل. وقمت بالبحث عن الاسطوانات التي أحبها. وأتذكر أسماء المطربين الذين أخذت اسطواناتهم: جون باز وتينو روسي وأنطونيو مولينا وإيلا فيتزجيرالد وألفيس بريسلي وكذلك بعضًا من اسطوانات موتسارت وبيتهوفن وباخ. أحببت أيضًا موسيقي فيردي. وعندما تعرفت على هذه الاسطوانات ذهبت للبحث عن الكتب التي تحكي عن سيرة هؤلاء، وقمت بسرقة هذه الكتب من المكتبات المختلفة. ولم أسرق مطلقًا شيئًا لست في حاجة إليه.
حدث ذات مرة عندما كنت في الحادية عشرة من عمري أن تم ضبطي وأنا أسرق ثمار الكريز من إحدى الأشجار في حديقة منزل الأب بورج في حي رحافيا. وقد سلمتني الأسرة إلى الشرطة وتحرر لي محضر جنائي.
وعندما كان عمري يزيد عن الحادية عشرة فقدت مكان عملي الأول في محطة للوقود بسبب السرقة. كان أحد جيراننا يعمل هناك كفني إصلاح سيارات. وطلب والدي الراحل من هذا الجار أن يأخذني معه للعمل هناك. بدأت العمل في المحطة تحت إشراف شاب إشكنازي يُدعى نفتالي. وصلت إلى المحطة شاحنة ضخمة محملة بالخضراوات ونزل منها أحد أعضاء الكيبوتس، وكان ذا شارب كثيف. اتجه إليَّ قائلاً: "أيها الولد اصعد إلى الشاحنة واسكب سولار بقيمة ليرتين ونصف على الخضراوات الموجودة فوق الشاحنة، ولا تنسَ أن تقوم برش السولار في جميع الأركان". فعلت ما طلبه مني. وكان قلبي يتحسر على إتلاف هذه الخضراوات. ولكني اضطررت حسب ما تقتضيه ضرورة العمل للقيام بذلك. كان سبب حسرتي أنني على مدى سنوات طويلة لم أرَ في البيت طماطم وفلفلاً بهذا الجمال. عندما نزلت من فوق الشاحنة كنت أريد أن أبكي لأنني لم أتمكن من أخذ جزء صغير من هذه الخضراوات إلى بيت والديَّ. جاءت هذه الشاحنة يقودها السائق نفسه مرة أخرى، وعندما طلب مني القيام بالعمل ذاته اتخذت قرارًا في نفسي بأن أسرق من هذه الشاحنة بعض الخضراوات وأخذها إلى المنزل. صعدت فوق الشاحنة وألقيت ناحية الأشجار طماطم وفلفلاً وخياراً. إلا أن عضو الكيبوتس خرج في هذه اللحظة من دورة المياه وضبطني متلبسًا. وصرخ في وجهي كي أنزل من فوق الشاحنة، وأخذ يلطمني وأرغمني على جمع كل ما ألقيت به من خضراوات وإعادته إلى الشاحنة. بكيت وحاولت أن أوضح له أننا عشرة من الأبناء في المنزل وليس لدينا ما نأكله. فُصلت من العمل بعد أن توجه سائق الشاحنة إلى نفتالي وهدد بأنه لن يأتي إلى هذه المحطة للتزود بالوقود إذا لم يفصلني.
وعندما أصبحت غلاماً عشت مناخ القمع في مجتمعي وأسرتي، وتأصلت بداخلي مشاعر الضحية، والشفقة الذاتية التي صاحبتني لفترة طويلة. وعندما تجرأت على سؤال الكبار بصوت عالٍ: لماذا يحدث ذلك، كانت الإجابة الوحيدة التي تلقيتها "كل شيء بيد الرب". ونظرًا لأن الواقع الصعب الذي نعيشه ليس نتيجة لفعل إنساني ولا ذنب لأحد فيه، ونظرًا لأن الرب وحده هو المسئول عن كل ما يحدث لي، نزعت إلى الاعتقاد بأن الحل بيد الرب. وكثيرًا ما بحثت عنه بكافة الطرق والوسائل. سألت المحيطين بي "أين الرب؟". ولازلت أبحث عنه حتى اليوم. ولا يبدو أنني سأقابله لأطرح عليه مزاعمي ولأخبره بمدى الخطأ في سلوكه.
المصدر: موقع المنظمة العربية