ابراهيم محمود
20-05-2006, 12:56 PM
بات الحديث عن العولمة تزجية للوقت عند البعض، ونوعاً من الدُّرجة أحياناً، وكأن الذي لا يكتب فيها، لا يكون حداثياً، أوأهلاً للتحاور، وهو بذلك يؤكد حساسية الموقف من العولمة، وانتشار صيتها، من حيث لم يحتسب، رغم أنه قد يتحفظ عليها: مفردةً وقيمة ومضاعفات كذلك. إذ لم يعد هناك ما لم تتم إثارته باسم العولمة هذه. فعدا عن تعريف العولمة، وما في تعريف من اختلافات، أدخل فيها ما لم يخطر على ذهن أحد أحياناً كثيرة، حيث يُذكر الدين والهواية والمزاج والفن والسياسة والمغامرة والجنس والاقتصاد والوحدة والتنوع...الخ، وهذا يعني أن العولمة ليست ما تم التباحث قيه، وأنها أيضاً ليست ولن تكون تزجية للوقت، إنما مواجهة للوقت هذا الذي يشغل المرء، مهما كان مستواه الثقافي، وموقعه الاجتماعي، ودوره في السياسة،.
فطالما أنها ووجهت من قبل الجميع، وبصور وأشكال مختلفة، فيعني هذا أن من المستحيل وضع حد لها.
العولمة التي عنت، ولا زالت تعني هنا وهناك، بأنها: العيش في العالم واحد، أو الدفع بالناس جميعاً في أن يتقبلوا نظاماً واحداً في التفكير، وفي التواصل مع بعضهم بعضاً، رغم تنوع اللغات، والزيادة الهائلة في البشرية، وكذلك رغم المساحة الهائلة في الجغرافية البشرية، ويعني هذا، كأن الحديث عن العولمة بحثاً في ما ليس موجوداً، ولعل المستجدات، التي تعلم كل المعنيين بمصائر شعوبهم، ورجالات السياسة وأصحاب القلم، ومتخذي القرارات الحاسمة، والمخاطر التي تتهددهم، وتتهدد العالم اليوم، وأشكال الفُرقة اليوم، تأكيد على أن قوىً مضادة لمجمل ما قيل، وحتى تم اتخاذه، ومن هنا فإنني أحاول التوقف قليلاً، عند مفهوم( التنوع في العولمة)، وهو المفهوم الذي يشير إلى أنه بالقدر الذي يمكن التحدث عن العالم الواحد، حيث نتحرك إليه، ثمة عوالم تتشكل داخلاً.
وَهم ُالوحدة في العولمة
منذ أكثر من عقدين من الزمن، والحديث يتنوع عن العولمة، وثمة إرادات دولية، تخص ما يسمى بالقوى العظمى، تهيب بالناس داخل مجتمعاتها ، والذين يعيشون خارج حدودها القارية والفكرية، أن العالم الذي يلغي الحدود بين الهويات، قد بات قاب قوسين أو أدنى. لقد كان هذا الإدعاء، كما لو أنه حقيقة، من أكثر الإدعاءات المعاصرة زيفاً، ومحاولة تضليل للذين اعتقدوا فعلاً،وربما بخوف ملحوظ، أنهم سيصبحون شاؤوا أم أبوا مواطني عولمة/ أي كونيين بامتياز، وسيغدو الكثير مما يُعتبر في عداد الفولكلور، والتقليد، والعلامات الفارقة للهوية، أسطورة من أساطير الأولين، لأن ثمة لغة واحدة، ستكون الأكثر انتشاراً، ومجموعة من السلوكات المستجدة، تلك التي توحد بين الذين ينتمون إلى مجتمعات متباعدة عن بعضها بعضاً، وكأن ثمة عودة إلى الزمن الذي يكون الناس فيه بلا هوية، أي متقاربون في كل شيء، أو شركاء متساوين في المكان ذاته.
عند النظر إلى العلاقات التي تشد البشر راهناً إلى بعضهم بعضاً، كما في الانتقالات السريعة لهم من مكان إلى آخر، وتنوع وسائل الاتصال الهائلة السرعة، والانترنت ، وأجهزة الترجمة المباشرة من لغة إلى أخرى أو أكثر من لغة في وقت واحد، وتبادل المعلومات المتعلقة بأحداث مختلفة، حيث لم تعد المسافة ذات قيمة في لغة عالمنا الراهن، يظهر أن العولمة قد أوتيت إمكانات، وأن ثمة أكثر ثورة كوبرنيكية، كما يقال، لصيقة بها، هي بالفعل حلم البشرية بما كانت تنشده: العيش في عالم واحد، ولكن يا له من وهم عالم صار أكثر تنوعاً من ذب قبل!
الحروب التي نشهدها بين دول مختلفة، وتلك التي تتهيأ لها، بإبراز صور التحدي، والتمزقات التي نشهدها هنا وهناك، وأشكال الخوف من المستقبل، رغم كل التطمينات العلمية الخاصة بمؤسسات ودوائر عالمية، على أن ثمة تحكُّماً بالمستقبل كذلك، والتقانة هي الضامنة لذلك، والتردي في القيم المتَّبعة، والمواجهات العنيفة التي تجعل العالم مسرحاً مفتوحاً لها، كما في حال ما يسمى أيضاً بـ( مواجهة الإرهاب)، وما يخص الدين وصلته بذلك، وما هو أبعد من هذا الزعم طبعاً، وضروب التشنج... الخ، تقول خلاف ما يتردد. إننا نتحول نحو المزيد من التنوع!
فليس ما نتابعه إعلامياً، تركيباً أو توليفاً من قبل الأجهزة الإعلامية التي تصور العالم على حافة الانفجار، لا الصور التي تبثها الأجهزة المختصة، ولا الأخبار المذاعة عبر أقنية نشرات الأخبار الخاصة، أو الانترنت، وسواها من النشرات والتقارير التي تصدرها الهيئات الدولية المتعددة ، تمارس تخويفاً للقارىء أو لهذا ( المواطن الكوني)، وتضعه في مواجهة الخوف الذي لا رادَّ له، أو لا يمكن دحره بسهولة، إن المعني بما يجري، يصعد من جانب المسؤولية الأخلاقية لكل المشتغلين في حقول الفكر والأدب والعلم والسياسة، وحتى الإعلام الذي يقال عن أنه يصور الحدث كما هو، طالما أن ثمة تربية للحدث، وأن ليس من المعقول في ظل تدهور الوضع الأمني مباشرة، في أمكنة كثيرة من العالم، مقارنة بما كان يجري قبل أقل من عقدين من الزمن ، أن يرقص المرء طرباً، لأن ثمة حدوداً تم إلغاؤها، وأن بشراً في آلاف ألسنتهم المختلفة، وفي مجموع عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم، يتم تحضيرهم للدخول في قطار العولمة الذي يقودهم إلى حيث الوحدة في المشاعر والأحاسيس.
لدي إحساس كباحث أن ثمة شروخاً قد تزايدت، وصدوعاً قد برزت بين البشر المنتمين إلى القارة الواحدة، والمجتمع الواحد، ليس بسبب المحاولات الرامية إلى التقريب فعلاً بين أفرد المجتمع البشري، بقدر ما أن محاولات تتم في الأعماق، تواجه المرء بما يفكر ويتأمل عكسياً، وهو في بيته.
أزعم مباشرة هنا، أن الأحاديث التي كانت تدور منذ عقدين من الزمن( بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، خصوصاً)، حول نهاية التاريخ الوشيكة، وتلاشي الايديولوجيات، وشبح الحرب الباردة، قد جلبت معها أكثر من حرب باردة، وبداية تاريخ، من الصعب جداً التكهن بمآلاته، وذلك من خلال التركيز على الأمن، ومفهوم( الإرهاب)، والاحتياطات الاحترازية الكبيرة المتخذة بدوافع أمنية، في المطارات ومحطات السفر وحتى في أمكنة التجمع العامة، و هذا سبب معقول، ولو في حده الأدنى، للبحث في العولمة الجالبة للتعاسة، بالصورة التي يروَّج لها، وليس السعادة !
ماذا وراء العولمة كشعار؟
ماذا الذي تقدمه العولمة من إغراءات؟
إنها تقول للعالم أجمع: سوف تدخلون المدينة الفاضلة التي وعِدتم بها منذ أزمنة سحيقة!
ماذا يتطلب للدخول في هذه المدينة المنتظرة تاريخياً؟
ربما كان الجواب: تحملوا بعض الأعباءات، والتي تتلخص في تنازلات ، لا تكلفكم الكثير، مقابل الوعود المنجزة، تخلوا عن اعتباركم منتمين إلى أرومات مختلفة، تحرروا من فكرة التمايز القومي والمذهبي والثقافي، ذُوبوا في الثقافة المنتظرة، ثقافة العولمة التي تتكفل بإخراجكم من ظلمة الاختلافات التي لم تعد مجدية، إلى نور الألفة ووحدة المصير، وكذلك السعادة، في أن تكونوا مواطنين كونيين!
هذه هي الخطوط العريضة للعولمة التي قيل فيها الكثير، وفي الوقت نفسه، أبدت الكثير من المقاومة لمجمل المحاولات، تلك التي سعت إلى اعتبارها نهاية ثقافة، شاهدة على مآس ٍ كبيرة، وبداية ثقافة تبشر الجميع بالألفة والإيلاف.
يا لهذا الشعار الكبير والصارخ في آن!
إذ يمكن إيراد عشرات الأمثلة، تلك التي تري مدى العنف الذي أفرزته جملة الكتابات والمحاولات التي تمارس دعاية باسم العولمة، وخطاطتها، ما يجعلها ادعاء وليس حقيقة يمكن التعويل أو الاطمئنان إليها.
تُرى كيف نفسر الحروب والنزاعات التي تتم باسم الدين والقومية، في أمكنة مختلفة من العالم؟ نعم ، لقد انهار الاتحاد السوفييتي الذي كان يرمي إلى جعل نفسه، قدوة البشرية من خلال إيديولوجيته الكليانية: الشيوعية، ولكن ثمة من يريد الحلول محله، ولو باسم آخر، حيث العولمة في إهابها الأمريكي، مهما رؤيت وساعتها، تشير إلى هذه الإيديولوجية، إذ لا يمكن تفسير مفهوم ( القطب الأوحد)، إذا كان ذلك صحيحاً في واقعه، إلا من هذا الباب، نعم، ليست أمريكا، كما تسمى، أو الولايات المتحدة الأمريكية، في نزعها إلى أن تكون راعية السلام العالمي، وخاتمة على كل قرار ذي شأن دولي، وما يجري من مفاوضات بين دولتين، وما يمس الأمن العالمي ( في الخليج، ووضع الكرد، والمشروع النووي الإيراني...الخ)، إلا أنها الاتحاد السوفييتي معكوساً بصورة ما، وكما هو جار ٍ الآن، فإن المحاولات الحثيثة لجعل العالم قرية، ليست أكثر من إضفاء جملة من المزايا التي تبتغيها أمريكا بالذات، أو في الحد الأقصى: وجود نوع من الشراكة الضيقة، تلك التي تكونها دول أوربية محدودة وأمريكا لتقاسم العالم، باعتباره مرسوماً وفق مقتضيات الشراكة هذه.
في ضوء ذلك، ألا يمكننا اعتبار مسعى شعوب ودول، إلى التركيز على تواريخ خاصة بها، لا بل والتشديد على أنها متميزة بمقومات خاصة بها، إلى درجة الانغلاق، وتشكيل حدود من المحافظة والردع لثقافاتها، في أمريكا وأوربا بالذات وأفريقيا ومجموعة أكبر من الدول الآسيوية، وما يمكن تسميته بـ( الوثبة الدينية)، وإن كانت هذه النهضة: الوثبة تحمل في تضاعيفها الكثير من المخاوف، من جهة تشكيل جبهات مضادة للعولمة باعتبارها حرباً على دين دون آخر، ولا يخفى ما للاسلام من حضور ( مهدّد) للدول التي تعتبر نفسها ممثلة الديمقراطية الفعلية في العالم، إلا أن النظر في ثقافات الشعوب التي تدين بالاسلام، تذهب بالاسلام بعيداً، باعتباره ستاراً مانعاً، يحمي، على الأقل، جوانب لصيقة بالحياة اليومية للشعوب التي تدين بالاسلام، وفي الوقت نفسه، تحتفي بالكثير مما يدخل في عداد الفولكلور والعادات والتقاليد وحتى اللهجات الشعبية، تلك التي تشكل في الصميم علامات فارقة لجماعات تعرّف بذاتها من خلال اعتبارات قومية أو فاصلة لها عن غيرها.
إن العودة إلى الأصول، لدى العديد، وربما الكثير من الشعوب، والأنظمة التي تعزز مواقعها، من خلال عملية العودة هذه، سواء بتدبير منها، أو لأنها تتلمس في ذلك حمية لهاووقاية من التهافت، لا تدخل في حيّز ( الفكر الرجعي)، أو رفض الحداثة وما وراء الحداثة هذه، وإنما، ومن خلال المتابعة اليومية، وعلى الصعيد الوجداني الشعبي، إيماءة إلى أن الهوية التي تخص كل شعب من هذه الشعوب، أو جماعة من هذه الجماعات التي تنزع إلى تأكيد تمايزها، تعنيها في حقيقة أمرها، وتجدد حداثة خاصة بها، حين تكون الحداثة تلك، وما هو أبعد منها، تعريضاً لأمنها الثقافي والقيمي ، لهويتها بالذات للانهيار، إذ ما تكونه الحداثة تعزيزاً لقيم حضارية، على مستوى عالمي، في الحالة المذكورة، تكون تهميشاً أو إنهاء لهذه الشعوب والجماعات، طالما أنها تنسلخ عن ثقافات خاصة بها، لا تستطيع العيش بدونها، أو لأنها لا تجد في دنيا العولمة المقترحة المكانة التي تقيها من التلاشي، وفي الحالة هذه، ماذا ينفع الدول التي تشكل أعضاء ًفي مجتمع العولمة، وفي الصدارة، تكون دولاً محدودة ومعدودة ، هي التي تستلم دفة قيادة العالم، وفي الوقت ذاته، لا تعلم أي مصير مؤلم ينتظرها، لأنها تكون منقادة تماماً؟
إنني عندما أتحدث عن الأصول، وما في الأصول من ردة ظاهرة على الحداثة، وحتى ثقافة العولمة، فليس لأنني أصنف نفسي من أنصار الأصول( أصولياً تحديداً)، حيث غالبية كتاباتي، إن لم تكن كلها، تشهد على أنني من بين أكثر المعنيين بالثقافة المعارضة، بوجه ما، لما هو أصولي، ولكنها الأصولية التي تمنع المجتمع من التقدم، المجتمع الذي يبصر مستقبله في ماضيه عموماً، وكأن ما هو قادم يهدد بنية الثقافة هذه. إن المجتمع الذي يتخلى عن أصوله ثقافة عامة: شعبية، وخاصة: نخبوية معينة، حتى بالنسبة للدول التي تعتبر نفسها المعنية بالعولمة ، بما فيها الولايات المتحدة، من خلال ثقافة تجمع بين مكوناتها الاجتماعية والتاريخية والتاريخية، لا يعود مجتمعاً فعلياً، وإنما متحركاً على عجلة مجتمع آخر، لا توافق بين حمولته الاجتماعية أو الثقافية، وخاصية عجلة المجتمع الحامل، ولعل هذا التشبيه، يفصح عن علاقة يراد لها أن تقوم بين الدول، نوعاً من العقد العالمي، أو الكوني، وهي في محتواها ومغزاها، تهيء لعنف عالمي، متعدد الأوجه، كما هو ملحوظ هنا وهناك.
هنا، لم يعد ممكناً الحديث عن الذين يتَّبعون خط سير العولمة تصاعدياً، باعتبارهم ثوريي اليوم، ولا الذين يعادونهم أو يعارضونهم بصيغ شتى، بصفتهم رجعيي اليوم بالمقابل، أو أصوليين تسمية غير موفَّقة، إذ في الخلافات الكبرى التي تتم حول موضوع معين، ولا أظن العولمة موضوعاً يستهان به، يؤخذ بالاعتبار الذين يكونون أكثرالمتحمسين لها، مثلما يتم التعامل مع المعارضين لها، باعتبارهم مؤثرين في مصير البشرية، داخل قطار العالم المندفع، ليس إلى الأمام طبعاً، وإنما إلى أكثر من جهة، عندما ندقق في المستجدات التي نشهدها داخل العولمة وفي محيطها.
إن أصحاب الياقات المزركشة، والبذلات الأنيقة، جديرون فعلاً بالاحترام، حيث يتم التعريف بهم رجال أعمال، ومهندسي شركات، وأصحاب مشاريع كبرى، ومالكي مفاتيح مستقبل، يعد البشرية بالكثير من الآمال المرتقبة، وكذلك القدرة على إحداث تغيرات في رؤوس الذين يشكلون زبائنهم أو من تتم مخاطبتهم، حيث تنعقد مؤتمرات ، وتدار ندوات، وتُسمى برامج، وتُذكر أسماء كونها طليعة مجتمعاتها، وتتم الدعاية لها، عبر وسائل الإعلام السمعية والبصرية، وعلى الأصعدة كافة، ولكن دون أن ننسى أن الذين يظهرون في ثياب مهلهلة، ووجوه شاحبة، وقامات واهنة، ولكنها تشكل قوة كبيرة، في إثارة المشاكل، سواء في القيام بمظاهرات، أو مسيرات، أو خلق بلبلة في قلب المدن الكبرى وليس على هامشها فقط، واعتبار ما تقوم به، وإن لم تتم تغطية نشاطاتها، باعتبارها مؤتمرات وندوات، على طريقتها، وأن كل حديث جار ٍ عن المستقبل، وعن الوعود الخيّرة، تكون المشاهد المجسّدة في هؤلاء، بمثابة النقيض لتلك العولمة، وأن ثمة رؤوساً مدبرة لما يجري هنا، لا يجوز أن نستهين بها.
في العولمة المعتمدة هذه، يمكن الحديث عن الديمقراطية، عبر ذلك التفاوت الفظيع بين الذين يملكون ثروات هائلة، وعبر مكاتب تقع في أبراج محلقة، ينظرون إلى مجتمعاتهم، كما لو أنهم واثقون من أنفسهم، يتحكمون بحركة المجتمع، والناس فيه، وليس من أحد بقادر على الوقوف في وجههم، والذين ينامون في المحطات الكبرى أو على الأرصفة وفي الحدائق العامة، أو في أكواخ تفتقد الحد الأدنى من شروط الحياة، ويكفي أن نتحدث عن المآسي التي تعيشها البشرية، وما في المآسي هذه تلك، من قيم مهدورة انسانياً، تشير إلى منابع عنف كثيرة، حتى تبدو العولمة جنحة أو انحرافاً في التاريخ، وأن التوقف عندها، ومعاينتها من الداخل ضرورة أخلاقية مستعجلة.
في محيط العولمة هذه، ومن خلال ما يتردد باسمها، بالوسع الحديث عن التسامح ! تُرى هل من حضور للتسامح، هل من اعتبار معين لأهمية الاختلاف، للتنوع الثقافي والاجتماعي، لتلك الرومانسية التي تمكّن الناس من النظر بعيداً في الطبيعة، على أنهم امتدادا لها، مثلما هم خلصاء أو مخلصون، لمعتقدات وتصورات تخص صور تديُّن مختلفة، تأكيداً على أن التخلي عن كل ذلك إفقار عالمي للانسان عموماً، ولمَن هو مندفع على خطى العولمة.
ليس التسامح هنا، أن يغفر أحدنا تلك الهفوة التي يرتكبها سوانا، إنما أن ندرك حجم الأخطار الكبيرة التي تسببها المشاريع الكبرى التي تتمثل في أولئك الذين يعتبرون أنفسهم بشراً من نوع آخر، أن نعيش تسامحاً داخل الذات، وهو أن ما نُقدم عليه، عندما نكون أصحاب قرارات نافذة، أننا قادرون على التراجع عن هذه القرارات، وأن ثمة من ينتظرنا، وقد غيَّرنا خط سيرنا، دون أن يطالبوا منا، ودون أن نعلمهم أننا أخطأنا، أو حتى أخذنا برأيهم، تجسيداً لأخلاق لها صدى عالمي، بعيداً عن ضغوطات نعتبرها، ونحن في مركز القرار، أنها تخص رعاعاً.
إذاً نحن في مواجهة عالم جامح، كما يسميه أنطوني جيدنز، في كتابه ( عالم جامح : كيف تعيد العولمة تشكيل حياتنا؟)، ذلك العالم الذي يتحرك على الحافة، وتبدو البشرية في حالة نزاع مع تاريخها وقيمها وذاتها، والمطلوب هنا، هو المزيد من التروي والانضباط، والإصغاء إلى تلك الأصوات التي تظهر، كما لو أنها نشاز، باعتبارها ، تمثل جانباً من الحقيقة الكونية، ولديها الكثير من الإمكانات المتاحة التي تجنب البشرية الويلات كذلك.
وقفة جانبية
إذا كان العالم ينحو إلى أن يكون قرية صغيرة، وهو المشروع الدعائي الذي قيل فيه الكثير، وبلغات مختلفة، القرية التي تشكل ( صندوق العجائب)، يكون النظر في فحوى القرية هذه، ومن خلال مثال صغير مفيداً، أو ذي مغزى، وكيف أن حقيقة القرية العالمية التي يقال فيها الكثير، تتضمن الكثير من الترهات.
أثناء جولتي في العديد من المدن الأوربية الكبرى ( باريس، برلين، بروكسل، فيينا.. الخ)، لاحظت بشراً ينتمون إلى أعراق كثيرة، حيث تكون القارات كلها، كما هي الأعراق كلها، ماثلة للعيان، موجودة في كل مدينة من المدن هذه، وكأن كل مدينة تلخص العالم وتتبناه من خلال حركة الأجسام ذات الإيقاعات المختلفة، وتلك الترددات الصوتية الماثلة في تلك اللغات الهائلة التنوع، ممن يتكلمونها، بوصفها هربوا أو قدموا من بلادهم، أو من قرى بعيدة، تكون على مشارف العالم، وداخل غابات نائية، وصاروا مواطنين في الدول هذه.
لم يعد التفريق ممكناً للوهلة الأولى، ولكن ليس ممكناً الحديث عن هذا الكم الكبير من الوجوه والألسن، دون التفكير في تلك الجهات المؤسساتية، أو أقسام البوليس التي خصصت لكل وافد أو مقيم أو متجنس بجنسية البلد، ملفاً كاملاً، وما يمثله الجبل الضخم من الملفات، داخل أجهزة كمبيوترية وغيرها، وكيفية إدارة معلومات خاصة بهؤلاء وبلدانهم، وكيف يتم التعامل معهم عند الضرورة الطارئة.
هذا من جهة ، ومن جهة ثانية، وهو المؤثر أكثر، تذكر القرية العالمية المحققة داخل كل مدينة، تشهد على هذا التنوع الذي يميل تدريجياً نحو الوحدة، من خلال الثقافة المسيطرة، بتلك الحديقة الخاصة بالحيوانات( دون نسيان الاختلاف قيمياً طبعاً، اختلاف البشر عن ذوات الأربع)، فالحيوانات التي توضع في أقفاص أو أمكنة معزولة عن بعضها بعضاً، تحت زعم الحفاظ عليها من الانقراض، فإن ثمة جريمة طبيعية وبيئية تُرتكب، لا تتوقف أبداً، وهي أن الحيوانات تلك، تفقد مع الزمن الكثير من مقوماتها الحيوانية الخاصة بالصراع من أجل البقاء، وباعتبارها حيوانات تعيش في بيئة ، أو في أحضان الطبيعة، ووحدها الطبيعة هذه قادرة على تنظيم شؤونها، حيث تندفع حيواناتها في الاتجاهات كافة، عبر علاقات مقررة بذكاء من نوع خاص طبيعياً، وليس الانسان الذي يزعم أنه أسس ما يسمى بـ( حديقة الحيوانات) من أجل الحيوان بالذات، دون أن يدرك أن ثمة إطاحة بالتوازن البيئي تحدث هنا.
بالمقابل، نشهد داخل المدينة المذكورة، ذلك التمادي في القضاء على التنوع الأقوامي والثقافي، حيث أن الذين يعيشون داخل المدينة تلك، ملزمون مع الزمن، إلى التخلي التدريجي عن الكثير مما كان يميزهم، وأنهم فيما بعد تدريجيين، سينسون أنهم كانوا منتمين إلى أمكنة أخرى، دون أن يتم نسيانهم من قبل الذين آووهم، وأن كل ذلك ينعكس سلباً على تلك القدرات التي يمكن للانسان أن يبرزها في ذاته، وهو محمول بتلك الخصال المختلفة، إن في المجال اللغوي أو على الصعيد الإبداعي والفني، وفي التواصل الاجتماعي والقيمي.
إن مسيرة البشرية تحت راية العولمة الخفاقة، تبدو في المدى المنظور، وبالصورة التي تظهر بها، جالبة مصائب، ولا أظن أن ثمة أصواتاً تُعدم، وسط الاندفاع الحاصل بشرياً، وهي تنذر بالويل مما يلي، وأن ما يعاش اليوم، يميل إلى التنامي، أي إلى المزيد من الانفجار، بحيث تكون القيم الكبرى الخاصة بالانسان، كالديمقراطية والحرية والعدالة والحق واحترام الرأي... الخ، بدورها مهدَّدة في الصميم، وأن ليس بالامكان التخلي عن التنوع الثقافي والاجتماعي، إذا أريد للبشرية أن تكون أكثر سعادة، وأكثر حرصاً على مستقبلها، مع وضع التصور المسبق عما يجعل البشرية وحدة أكثر فائدة، ومن خلال مراكز قرار موزعة في أمكنة كثيرة من العالم، لأن ذلك يشكل صمام الأمان لصالح الجميع، أي لصالح عولمة من نوع مختلف، عولمة التنوع تحديداً!
فطالما أنها ووجهت من قبل الجميع، وبصور وأشكال مختلفة، فيعني هذا أن من المستحيل وضع حد لها.
العولمة التي عنت، ولا زالت تعني هنا وهناك، بأنها: العيش في العالم واحد، أو الدفع بالناس جميعاً في أن يتقبلوا نظاماً واحداً في التفكير، وفي التواصل مع بعضهم بعضاً، رغم تنوع اللغات، والزيادة الهائلة في البشرية، وكذلك رغم المساحة الهائلة في الجغرافية البشرية، ويعني هذا، كأن الحديث عن العولمة بحثاً في ما ليس موجوداً، ولعل المستجدات، التي تعلم كل المعنيين بمصائر شعوبهم، ورجالات السياسة وأصحاب القلم، ومتخذي القرارات الحاسمة، والمخاطر التي تتهددهم، وتتهدد العالم اليوم، وأشكال الفُرقة اليوم، تأكيد على أن قوىً مضادة لمجمل ما قيل، وحتى تم اتخاذه، ومن هنا فإنني أحاول التوقف قليلاً، عند مفهوم( التنوع في العولمة)، وهو المفهوم الذي يشير إلى أنه بالقدر الذي يمكن التحدث عن العالم الواحد، حيث نتحرك إليه، ثمة عوالم تتشكل داخلاً.
وَهم ُالوحدة في العولمة
منذ أكثر من عقدين من الزمن، والحديث يتنوع عن العولمة، وثمة إرادات دولية، تخص ما يسمى بالقوى العظمى، تهيب بالناس داخل مجتمعاتها ، والذين يعيشون خارج حدودها القارية والفكرية، أن العالم الذي يلغي الحدود بين الهويات، قد بات قاب قوسين أو أدنى. لقد كان هذا الإدعاء، كما لو أنه حقيقة، من أكثر الإدعاءات المعاصرة زيفاً، ومحاولة تضليل للذين اعتقدوا فعلاً،وربما بخوف ملحوظ، أنهم سيصبحون شاؤوا أم أبوا مواطني عولمة/ أي كونيين بامتياز، وسيغدو الكثير مما يُعتبر في عداد الفولكلور، والتقليد، والعلامات الفارقة للهوية، أسطورة من أساطير الأولين، لأن ثمة لغة واحدة، ستكون الأكثر انتشاراً، ومجموعة من السلوكات المستجدة، تلك التي توحد بين الذين ينتمون إلى مجتمعات متباعدة عن بعضها بعضاً، وكأن ثمة عودة إلى الزمن الذي يكون الناس فيه بلا هوية، أي متقاربون في كل شيء، أو شركاء متساوين في المكان ذاته.
عند النظر إلى العلاقات التي تشد البشر راهناً إلى بعضهم بعضاً، كما في الانتقالات السريعة لهم من مكان إلى آخر، وتنوع وسائل الاتصال الهائلة السرعة، والانترنت ، وأجهزة الترجمة المباشرة من لغة إلى أخرى أو أكثر من لغة في وقت واحد، وتبادل المعلومات المتعلقة بأحداث مختلفة، حيث لم تعد المسافة ذات قيمة في لغة عالمنا الراهن، يظهر أن العولمة قد أوتيت إمكانات، وأن ثمة أكثر ثورة كوبرنيكية، كما يقال، لصيقة بها، هي بالفعل حلم البشرية بما كانت تنشده: العيش في عالم واحد، ولكن يا له من وهم عالم صار أكثر تنوعاً من ذب قبل!
الحروب التي نشهدها بين دول مختلفة، وتلك التي تتهيأ لها، بإبراز صور التحدي، والتمزقات التي نشهدها هنا وهناك، وأشكال الخوف من المستقبل، رغم كل التطمينات العلمية الخاصة بمؤسسات ودوائر عالمية، على أن ثمة تحكُّماً بالمستقبل كذلك، والتقانة هي الضامنة لذلك، والتردي في القيم المتَّبعة، والمواجهات العنيفة التي تجعل العالم مسرحاً مفتوحاً لها، كما في حال ما يسمى أيضاً بـ( مواجهة الإرهاب)، وما يخص الدين وصلته بذلك، وما هو أبعد من هذا الزعم طبعاً، وضروب التشنج... الخ، تقول خلاف ما يتردد. إننا نتحول نحو المزيد من التنوع!
فليس ما نتابعه إعلامياً، تركيباً أو توليفاً من قبل الأجهزة الإعلامية التي تصور العالم على حافة الانفجار، لا الصور التي تبثها الأجهزة المختصة، ولا الأخبار المذاعة عبر أقنية نشرات الأخبار الخاصة، أو الانترنت، وسواها من النشرات والتقارير التي تصدرها الهيئات الدولية المتعددة ، تمارس تخويفاً للقارىء أو لهذا ( المواطن الكوني)، وتضعه في مواجهة الخوف الذي لا رادَّ له، أو لا يمكن دحره بسهولة، إن المعني بما يجري، يصعد من جانب المسؤولية الأخلاقية لكل المشتغلين في حقول الفكر والأدب والعلم والسياسة، وحتى الإعلام الذي يقال عن أنه يصور الحدث كما هو، طالما أن ثمة تربية للحدث، وأن ليس من المعقول في ظل تدهور الوضع الأمني مباشرة، في أمكنة كثيرة من العالم، مقارنة بما كان يجري قبل أقل من عقدين من الزمن ، أن يرقص المرء طرباً، لأن ثمة حدوداً تم إلغاؤها، وأن بشراً في آلاف ألسنتهم المختلفة، وفي مجموع عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم، يتم تحضيرهم للدخول في قطار العولمة الذي يقودهم إلى حيث الوحدة في المشاعر والأحاسيس.
لدي إحساس كباحث أن ثمة شروخاً قد تزايدت، وصدوعاً قد برزت بين البشر المنتمين إلى القارة الواحدة، والمجتمع الواحد، ليس بسبب المحاولات الرامية إلى التقريب فعلاً بين أفرد المجتمع البشري، بقدر ما أن محاولات تتم في الأعماق، تواجه المرء بما يفكر ويتأمل عكسياً، وهو في بيته.
أزعم مباشرة هنا، أن الأحاديث التي كانت تدور منذ عقدين من الزمن( بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، خصوصاً)، حول نهاية التاريخ الوشيكة، وتلاشي الايديولوجيات، وشبح الحرب الباردة، قد جلبت معها أكثر من حرب باردة، وبداية تاريخ، من الصعب جداً التكهن بمآلاته، وذلك من خلال التركيز على الأمن، ومفهوم( الإرهاب)، والاحتياطات الاحترازية الكبيرة المتخذة بدوافع أمنية، في المطارات ومحطات السفر وحتى في أمكنة التجمع العامة، و هذا سبب معقول، ولو في حده الأدنى، للبحث في العولمة الجالبة للتعاسة، بالصورة التي يروَّج لها، وليس السعادة !
ماذا وراء العولمة كشعار؟
ماذا الذي تقدمه العولمة من إغراءات؟
إنها تقول للعالم أجمع: سوف تدخلون المدينة الفاضلة التي وعِدتم بها منذ أزمنة سحيقة!
ماذا يتطلب للدخول في هذه المدينة المنتظرة تاريخياً؟
ربما كان الجواب: تحملوا بعض الأعباءات، والتي تتلخص في تنازلات ، لا تكلفكم الكثير، مقابل الوعود المنجزة، تخلوا عن اعتباركم منتمين إلى أرومات مختلفة، تحرروا من فكرة التمايز القومي والمذهبي والثقافي، ذُوبوا في الثقافة المنتظرة، ثقافة العولمة التي تتكفل بإخراجكم من ظلمة الاختلافات التي لم تعد مجدية، إلى نور الألفة ووحدة المصير، وكذلك السعادة، في أن تكونوا مواطنين كونيين!
هذه هي الخطوط العريضة للعولمة التي قيل فيها الكثير، وفي الوقت نفسه، أبدت الكثير من المقاومة لمجمل المحاولات، تلك التي سعت إلى اعتبارها نهاية ثقافة، شاهدة على مآس ٍ كبيرة، وبداية ثقافة تبشر الجميع بالألفة والإيلاف.
يا لهذا الشعار الكبير والصارخ في آن!
إذ يمكن إيراد عشرات الأمثلة، تلك التي تري مدى العنف الذي أفرزته جملة الكتابات والمحاولات التي تمارس دعاية باسم العولمة، وخطاطتها، ما يجعلها ادعاء وليس حقيقة يمكن التعويل أو الاطمئنان إليها.
تُرى كيف نفسر الحروب والنزاعات التي تتم باسم الدين والقومية، في أمكنة مختلفة من العالم؟ نعم ، لقد انهار الاتحاد السوفييتي الذي كان يرمي إلى جعل نفسه، قدوة البشرية من خلال إيديولوجيته الكليانية: الشيوعية، ولكن ثمة من يريد الحلول محله، ولو باسم آخر، حيث العولمة في إهابها الأمريكي، مهما رؤيت وساعتها، تشير إلى هذه الإيديولوجية، إذ لا يمكن تفسير مفهوم ( القطب الأوحد)، إذا كان ذلك صحيحاً في واقعه، إلا من هذا الباب، نعم، ليست أمريكا، كما تسمى، أو الولايات المتحدة الأمريكية، في نزعها إلى أن تكون راعية السلام العالمي، وخاتمة على كل قرار ذي شأن دولي، وما يجري من مفاوضات بين دولتين، وما يمس الأمن العالمي ( في الخليج، ووضع الكرد، والمشروع النووي الإيراني...الخ)، إلا أنها الاتحاد السوفييتي معكوساً بصورة ما، وكما هو جار ٍ الآن، فإن المحاولات الحثيثة لجعل العالم قرية، ليست أكثر من إضفاء جملة من المزايا التي تبتغيها أمريكا بالذات، أو في الحد الأقصى: وجود نوع من الشراكة الضيقة، تلك التي تكونها دول أوربية محدودة وأمريكا لتقاسم العالم، باعتباره مرسوماً وفق مقتضيات الشراكة هذه.
في ضوء ذلك، ألا يمكننا اعتبار مسعى شعوب ودول، إلى التركيز على تواريخ خاصة بها، لا بل والتشديد على أنها متميزة بمقومات خاصة بها، إلى درجة الانغلاق، وتشكيل حدود من المحافظة والردع لثقافاتها، في أمريكا وأوربا بالذات وأفريقيا ومجموعة أكبر من الدول الآسيوية، وما يمكن تسميته بـ( الوثبة الدينية)، وإن كانت هذه النهضة: الوثبة تحمل في تضاعيفها الكثير من المخاوف، من جهة تشكيل جبهات مضادة للعولمة باعتبارها حرباً على دين دون آخر، ولا يخفى ما للاسلام من حضور ( مهدّد) للدول التي تعتبر نفسها ممثلة الديمقراطية الفعلية في العالم، إلا أن النظر في ثقافات الشعوب التي تدين بالاسلام، تذهب بالاسلام بعيداً، باعتباره ستاراً مانعاً، يحمي، على الأقل، جوانب لصيقة بالحياة اليومية للشعوب التي تدين بالاسلام، وفي الوقت نفسه، تحتفي بالكثير مما يدخل في عداد الفولكلور والعادات والتقاليد وحتى اللهجات الشعبية، تلك التي تشكل في الصميم علامات فارقة لجماعات تعرّف بذاتها من خلال اعتبارات قومية أو فاصلة لها عن غيرها.
إن العودة إلى الأصول، لدى العديد، وربما الكثير من الشعوب، والأنظمة التي تعزز مواقعها، من خلال عملية العودة هذه، سواء بتدبير منها، أو لأنها تتلمس في ذلك حمية لهاووقاية من التهافت، لا تدخل في حيّز ( الفكر الرجعي)، أو رفض الحداثة وما وراء الحداثة هذه، وإنما، ومن خلال المتابعة اليومية، وعلى الصعيد الوجداني الشعبي، إيماءة إلى أن الهوية التي تخص كل شعب من هذه الشعوب، أو جماعة من هذه الجماعات التي تنزع إلى تأكيد تمايزها، تعنيها في حقيقة أمرها، وتجدد حداثة خاصة بها، حين تكون الحداثة تلك، وما هو أبعد منها، تعريضاً لأمنها الثقافي والقيمي ، لهويتها بالذات للانهيار، إذ ما تكونه الحداثة تعزيزاً لقيم حضارية، على مستوى عالمي، في الحالة المذكورة، تكون تهميشاً أو إنهاء لهذه الشعوب والجماعات، طالما أنها تنسلخ عن ثقافات خاصة بها، لا تستطيع العيش بدونها، أو لأنها لا تجد في دنيا العولمة المقترحة المكانة التي تقيها من التلاشي، وفي الحالة هذه، ماذا ينفع الدول التي تشكل أعضاء ًفي مجتمع العولمة، وفي الصدارة، تكون دولاً محدودة ومعدودة ، هي التي تستلم دفة قيادة العالم، وفي الوقت ذاته، لا تعلم أي مصير مؤلم ينتظرها، لأنها تكون منقادة تماماً؟
إنني عندما أتحدث عن الأصول، وما في الأصول من ردة ظاهرة على الحداثة، وحتى ثقافة العولمة، فليس لأنني أصنف نفسي من أنصار الأصول( أصولياً تحديداً)، حيث غالبية كتاباتي، إن لم تكن كلها، تشهد على أنني من بين أكثر المعنيين بالثقافة المعارضة، بوجه ما، لما هو أصولي، ولكنها الأصولية التي تمنع المجتمع من التقدم، المجتمع الذي يبصر مستقبله في ماضيه عموماً، وكأن ما هو قادم يهدد بنية الثقافة هذه. إن المجتمع الذي يتخلى عن أصوله ثقافة عامة: شعبية، وخاصة: نخبوية معينة، حتى بالنسبة للدول التي تعتبر نفسها المعنية بالعولمة ، بما فيها الولايات المتحدة، من خلال ثقافة تجمع بين مكوناتها الاجتماعية والتاريخية والتاريخية، لا يعود مجتمعاً فعلياً، وإنما متحركاً على عجلة مجتمع آخر، لا توافق بين حمولته الاجتماعية أو الثقافية، وخاصية عجلة المجتمع الحامل، ولعل هذا التشبيه، يفصح عن علاقة يراد لها أن تقوم بين الدول، نوعاً من العقد العالمي، أو الكوني، وهي في محتواها ومغزاها، تهيء لعنف عالمي، متعدد الأوجه، كما هو ملحوظ هنا وهناك.
هنا، لم يعد ممكناً الحديث عن الذين يتَّبعون خط سير العولمة تصاعدياً، باعتبارهم ثوريي اليوم، ولا الذين يعادونهم أو يعارضونهم بصيغ شتى، بصفتهم رجعيي اليوم بالمقابل، أو أصوليين تسمية غير موفَّقة، إذ في الخلافات الكبرى التي تتم حول موضوع معين، ولا أظن العولمة موضوعاً يستهان به، يؤخذ بالاعتبار الذين يكونون أكثرالمتحمسين لها، مثلما يتم التعامل مع المعارضين لها، باعتبارهم مؤثرين في مصير البشرية، داخل قطار العالم المندفع، ليس إلى الأمام طبعاً، وإنما إلى أكثر من جهة، عندما ندقق في المستجدات التي نشهدها داخل العولمة وفي محيطها.
إن أصحاب الياقات المزركشة، والبذلات الأنيقة، جديرون فعلاً بالاحترام، حيث يتم التعريف بهم رجال أعمال، ومهندسي شركات، وأصحاب مشاريع كبرى، ومالكي مفاتيح مستقبل، يعد البشرية بالكثير من الآمال المرتقبة، وكذلك القدرة على إحداث تغيرات في رؤوس الذين يشكلون زبائنهم أو من تتم مخاطبتهم، حيث تنعقد مؤتمرات ، وتدار ندوات، وتُسمى برامج، وتُذكر أسماء كونها طليعة مجتمعاتها، وتتم الدعاية لها، عبر وسائل الإعلام السمعية والبصرية، وعلى الأصعدة كافة، ولكن دون أن ننسى أن الذين يظهرون في ثياب مهلهلة، ووجوه شاحبة، وقامات واهنة، ولكنها تشكل قوة كبيرة، في إثارة المشاكل، سواء في القيام بمظاهرات، أو مسيرات، أو خلق بلبلة في قلب المدن الكبرى وليس على هامشها فقط، واعتبار ما تقوم به، وإن لم تتم تغطية نشاطاتها، باعتبارها مؤتمرات وندوات، على طريقتها، وأن كل حديث جار ٍ عن المستقبل، وعن الوعود الخيّرة، تكون المشاهد المجسّدة في هؤلاء، بمثابة النقيض لتلك العولمة، وأن ثمة رؤوساً مدبرة لما يجري هنا، لا يجوز أن نستهين بها.
في العولمة المعتمدة هذه، يمكن الحديث عن الديمقراطية، عبر ذلك التفاوت الفظيع بين الذين يملكون ثروات هائلة، وعبر مكاتب تقع في أبراج محلقة، ينظرون إلى مجتمعاتهم، كما لو أنهم واثقون من أنفسهم، يتحكمون بحركة المجتمع، والناس فيه، وليس من أحد بقادر على الوقوف في وجههم، والذين ينامون في المحطات الكبرى أو على الأرصفة وفي الحدائق العامة، أو في أكواخ تفتقد الحد الأدنى من شروط الحياة، ويكفي أن نتحدث عن المآسي التي تعيشها البشرية، وما في المآسي هذه تلك، من قيم مهدورة انسانياً، تشير إلى منابع عنف كثيرة، حتى تبدو العولمة جنحة أو انحرافاً في التاريخ، وأن التوقف عندها، ومعاينتها من الداخل ضرورة أخلاقية مستعجلة.
في محيط العولمة هذه، ومن خلال ما يتردد باسمها، بالوسع الحديث عن التسامح ! تُرى هل من حضور للتسامح، هل من اعتبار معين لأهمية الاختلاف، للتنوع الثقافي والاجتماعي، لتلك الرومانسية التي تمكّن الناس من النظر بعيداً في الطبيعة، على أنهم امتدادا لها، مثلما هم خلصاء أو مخلصون، لمعتقدات وتصورات تخص صور تديُّن مختلفة، تأكيداً على أن التخلي عن كل ذلك إفقار عالمي للانسان عموماً، ولمَن هو مندفع على خطى العولمة.
ليس التسامح هنا، أن يغفر أحدنا تلك الهفوة التي يرتكبها سوانا، إنما أن ندرك حجم الأخطار الكبيرة التي تسببها المشاريع الكبرى التي تتمثل في أولئك الذين يعتبرون أنفسهم بشراً من نوع آخر، أن نعيش تسامحاً داخل الذات، وهو أن ما نُقدم عليه، عندما نكون أصحاب قرارات نافذة، أننا قادرون على التراجع عن هذه القرارات، وأن ثمة من ينتظرنا، وقد غيَّرنا خط سيرنا، دون أن يطالبوا منا، ودون أن نعلمهم أننا أخطأنا، أو حتى أخذنا برأيهم، تجسيداً لأخلاق لها صدى عالمي، بعيداً عن ضغوطات نعتبرها، ونحن في مركز القرار، أنها تخص رعاعاً.
إذاً نحن في مواجهة عالم جامح، كما يسميه أنطوني جيدنز، في كتابه ( عالم جامح : كيف تعيد العولمة تشكيل حياتنا؟)، ذلك العالم الذي يتحرك على الحافة، وتبدو البشرية في حالة نزاع مع تاريخها وقيمها وذاتها، والمطلوب هنا، هو المزيد من التروي والانضباط، والإصغاء إلى تلك الأصوات التي تظهر، كما لو أنها نشاز، باعتبارها ، تمثل جانباً من الحقيقة الكونية، ولديها الكثير من الإمكانات المتاحة التي تجنب البشرية الويلات كذلك.
وقفة جانبية
إذا كان العالم ينحو إلى أن يكون قرية صغيرة، وهو المشروع الدعائي الذي قيل فيه الكثير، وبلغات مختلفة، القرية التي تشكل ( صندوق العجائب)، يكون النظر في فحوى القرية هذه، ومن خلال مثال صغير مفيداً، أو ذي مغزى، وكيف أن حقيقة القرية العالمية التي يقال فيها الكثير، تتضمن الكثير من الترهات.
أثناء جولتي في العديد من المدن الأوربية الكبرى ( باريس، برلين، بروكسل، فيينا.. الخ)، لاحظت بشراً ينتمون إلى أعراق كثيرة، حيث تكون القارات كلها، كما هي الأعراق كلها، ماثلة للعيان، موجودة في كل مدينة من المدن هذه، وكأن كل مدينة تلخص العالم وتتبناه من خلال حركة الأجسام ذات الإيقاعات المختلفة، وتلك الترددات الصوتية الماثلة في تلك اللغات الهائلة التنوع، ممن يتكلمونها، بوصفها هربوا أو قدموا من بلادهم، أو من قرى بعيدة، تكون على مشارف العالم، وداخل غابات نائية، وصاروا مواطنين في الدول هذه.
لم يعد التفريق ممكناً للوهلة الأولى، ولكن ليس ممكناً الحديث عن هذا الكم الكبير من الوجوه والألسن، دون التفكير في تلك الجهات المؤسساتية، أو أقسام البوليس التي خصصت لكل وافد أو مقيم أو متجنس بجنسية البلد، ملفاً كاملاً، وما يمثله الجبل الضخم من الملفات، داخل أجهزة كمبيوترية وغيرها، وكيفية إدارة معلومات خاصة بهؤلاء وبلدانهم، وكيف يتم التعامل معهم عند الضرورة الطارئة.
هذا من جهة ، ومن جهة ثانية، وهو المؤثر أكثر، تذكر القرية العالمية المحققة داخل كل مدينة، تشهد على هذا التنوع الذي يميل تدريجياً نحو الوحدة، من خلال الثقافة المسيطرة، بتلك الحديقة الخاصة بالحيوانات( دون نسيان الاختلاف قيمياً طبعاً، اختلاف البشر عن ذوات الأربع)، فالحيوانات التي توضع في أقفاص أو أمكنة معزولة عن بعضها بعضاً، تحت زعم الحفاظ عليها من الانقراض، فإن ثمة جريمة طبيعية وبيئية تُرتكب، لا تتوقف أبداً، وهي أن الحيوانات تلك، تفقد مع الزمن الكثير من مقوماتها الحيوانية الخاصة بالصراع من أجل البقاء، وباعتبارها حيوانات تعيش في بيئة ، أو في أحضان الطبيعة، ووحدها الطبيعة هذه قادرة على تنظيم شؤونها، حيث تندفع حيواناتها في الاتجاهات كافة، عبر علاقات مقررة بذكاء من نوع خاص طبيعياً، وليس الانسان الذي يزعم أنه أسس ما يسمى بـ( حديقة الحيوانات) من أجل الحيوان بالذات، دون أن يدرك أن ثمة إطاحة بالتوازن البيئي تحدث هنا.
بالمقابل، نشهد داخل المدينة المذكورة، ذلك التمادي في القضاء على التنوع الأقوامي والثقافي، حيث أن الذين يعيشون داخل المدينة تلك، ملزمون مع الزمن، إلى التخلي التدريجي عن الكثير مما كان يميزهم، وأنهم فيما بعد تدريجيين، سينسون أنهم كانوا منتمين إلى أمكنة أخرى، دون أن يتم نسيانهم من قبل الذين آووهم، وأن كل ذلك ينعكس سلباً على تلك القدرات التي يمكن للانسان أن يبرزها في ذاته، وهو محمول بتلك الخصال المختلفة، إن في المجال اللغوي أو على الصعيد الإبداعي والفني، وفي التواصل الاجتماعي والقيمي.
إن مسيرة البشرية تحت راية العولمة الخفاقة، تبدو في المدى المنظور، وبالصورة التي تظهر بها، جالبة مصائب، ولا أظن أن ثمة أصواتاً تُعدم، وسط الاندفاع الحاصل بشرياً، وهي تنذر بالويل مما يلي، وأن ما يعاش اليوم، يميل إلى التنامي، أي إلى المزيد من الانفجار، بحيث تكون القيم الكبرى الخاصة بالانسان، كالديمقراطية والحرية والعدالة والحق واحترام الرأي... الخ، بدورها مهدَّدة في الصميم، وأن ليس بالامكان التخلي عن التنوع الثقافي والاجتماعي، إذا أريد للبشرية أن تكون أكثر سعادة، وأكثر حرصاً على مستقبلها، مع وضع التصور المسبق عما يجعل البشرية وحدة أكثر فائدة، ومن خلال مراكز قرار موزعة في أمكنة كثيرة من العالم، لأن ذلك يشكل صمام الأمان لصالح الجميع، أي لصالح عولمة من نوع مختلف، عولمة التنوع تحديداً!