المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفقر الذي لا يتوقف ...


ابراهيم محمود
20-05-2006, 01:43 PM
ما هو الفقر؟ سؤال، ما إن يُطرح، حتى تتعدد الإجابة الواحدة من جهة الذين تتنوع اختصاصاتهم ومواقفهم الاجتماعية، ونظرتهم الثقافية إليه، وبحسب المجتمع الذي يعيش فيه هؤلاء، فهناك المنظور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأدبي والتاريخي... الخ.
دخل الفرد، موقعه الاجتماعي، حجم الموارد الطبيعية، طبيعة الأسعار وما إذا كانت ثابتة أم تتعرض للتغيير، أي السياسية السعرية للبلد، من هم الذين تنتشر نسبة الفقر في وسطهم أكثر، كيف ينعكس الفقر في الأدب، وماذا يبرز فيه، وبالمقابل، كيف يكون الغنى هنا، لبتم تحديد الفقر كذلك.... الخ.

لكن، مهما كان الموقف من الفقر هذا، فإن مالا يختلف عليه اثنان، هو أنه ظاهرة تاريخية واجتماعية واقتصادية قديمة، وأنه منتشر في المجتمعات، فليس هناك مجتمع، مهما كانت درجة التقدم الاقتصادي فيه، إلا ويكون الفقر موجوداً، إنما دون أن نغفل عن حقيقة هنا، وهي أن لكل مجتمع حداً معيناً يفصل بين الفقر والغنى، أي ما يكون فقراً في مجتمع ما، قد يكون غنى في مجتمع آخر، بحسب نسبة المداخيل الموجودة. فالفقر مفهوم غير ثابت من حيث التعريف، ويتأثر بجوانب أخلاقية، وبالدولة وطبيعة النظام فيها، والذين يديرون شؤونها.

هل يعني هذا، أنه يصعب تعريف الفقر؟لا أظن أن الموضوع ينحصر في هذا الجانب ! إن أبسط ما يمكن قوله، هو كون الفقر حالة تردٍّ في وضع مجموعة غير ثابتة من أفراد مجتمع ما، لا يستطيعون تأمين ما يلزم ضرورةً لحياتهم، وأنهم في ضوء ذلك، قد يتعرضون لضغوط وردود أفعال، قد تدفع بهم، خصوصاً إذا زادت حدة الفقر، إلى القيام بأعمال أو تصرفات( اضطرابات، إثارة قلاقل، احتجاجات، مظاهرة، مواجهات مختلفة...الخ)، ضد من يُعتبرون المسؤولين عن أمنهم الاجتماعي والاقتصادي، أو باختصار: ضد من يهتم بوضعهم في المجتمع.

الذي لا يستطيع تأمين قوته اليومي، الذي يعجز عن القيام بعمل يضمن لـه حياة كريمة، الذي يتعرض للجوع، لأن ليس لديه من يعيله، إذا كان مصاباً مثلاً، ولا جهة تحرص عليه، الذي يفتقد الامكانات التي تؤمن لـه العمل الذي بدوره يبعد عنه ما يسمى بـ( شبح الفقر)، كل ذلك داخل في عداد الفقر وكيفية انتشاره بصور مختلفة.

لماذا يوجد الفقر؟

يقول السياسي: لأن هناك من يعطي مجالاً لـه، من خلال تفاوت الفرص الموجهة في المجتمع، فيعمل أفراد دون آخرين، انطلاقاً من اعتبارات لا علاقة لها بالكفاءات والقدرات العقلية والجسمية، هنا الحديث يطال المحسوبيات، أي وجود أولي أمر، يهمهم من هم مقرَّبون منهم بمعان ٍ كثيرة، ووفق علاقات تخص مكانتهم الاجتماعية والوظيفية، بينما الاقتصادي يشدد مباشرة على أن استغلالاً قائماً هو الذي سبب الفقر والمزيد منه.

الأخلاقي يقول: لأن الرحمة غير موجودة، حيث الغني لا يتعاطف مع أخيه الفقير، ولعل وجود مؤسسات اجتماعية يديرها أغنياء في المجتمع، لـه دور ليس في القضاء على الفقر، إنما في تخفيف حدته.

في المجمل العام: يوجد الفقر، ومن خلال الحالات التي ذكرنا، لأن ثمة عوامل عديدة تساعد على ظهوره وبقائه في المجتمع، أي مجتمع هنا:
إن الطبيعة قد تلعب دوراً في هذا المجال، عندما تكون فقيرة بمواردها، فلا يجد الناس ما يقتاتون به، خصوصاً عندما تكون الزيادة العددية من جهة، وتلك التحولات على البيئة بالذات، حيث يتغير المناخ، ويزداد سوءاً، وينعكس ذلك مباشرة على وضع الأفراد، كما نشهد ذلك في أوقات انتشار المجاعات والأوبئة، تلك التي تلعب العوامل الجوية والتغيرات العاصفة في البيئة دوراً ملحوظاً ، في تحديد مصائر الناس من جهة تعرضهم للإفقار.

وقد يكون الناس الموجودون، أو من يمثلهم، مسؤولين عن هذا الفقر، بسبب العبث في الطبيعة بالذات، وعدم القيام بتنظيم عملية استثمارها، واستغلالها، بصورة تضمن عمراً أطول، ونتاجاً أوفر من المواد، لا يكون الفقر طارقاً أبوابهم، إن الوعي البيئي، وسياسة ضبط التعامل مع الطبيعة الموجودة، يشكلان عنصرين مؤثرين في الحفاظ على وضع مستقر للأفراد وكذلك للجماعات هنا وهناك.

للدولة دور كبير في الجانب هذا، وذلك من خلال النظر في أوضاع الناس، وكيفية الاضطلاع على الأوضاع هذه، والاهتمام بهم، من جهة توظيفهم، وتأمين ما يلزم، حتى إذا كانوا عاطلين عن العمل، كما في البطالة المقنعة في الدول الأوربية مثلاً، فالفرد الذي لا يعمل، يكون ثمة دخل محدد ، مادي مخصَّص لـه عند الدولة، يحميه من الوقوع بين براثين الفقر، والتعرض لمن يستغله، أو تحريضه للقيام بأعمال تمس أمن الدولة مباشرة.

يعني ذلك أن الدولة، ومن خلال مؤسساتها ودوائرها، أو القائمين على سير أمورها، تتحمل المسؤولية الكبرى عن الفقر وانتشاره، لأنها، كما يقال راعية أمنهم ومصالحهم ومصائرهم كذلك، وهي من خلال أجهزتها المختصة، تكون في مواجهة كل الاحتمالات والتحديات، التي تخص دورها في ضبط الأوضاع، وفي الحيلولة دون ظهور اضطرابات أو أحداث شغب، من قبل الذين يدركون التأثير الكبير للفقر المسبب ليس للجوع فقط، وإنما إلى تغيير نظرة الناس إلى راعيتهم المطلقة هنا، ومن يهتمون بأمرها.

للقيم المنتشرة والأعراف والتقاليد، أي ما أسميه بجملة الأخلاقيات العامة، دور مؤثر، يؤخذ بعين الاعتبار في الحد من الفقر، أو تطويقه بشكل ما، فوجود أفراد مقتدرين، قد لا يكونون موظفين في الدولة، إنما هم رجال أعمال، أو يمتلكون إمكانات مادية واضحة، يعرفهم المجتمع، أو لهم نفوذ ملحوظ في المجتمع، قد يكونون أصحاب شأن في الدولة، بصورة غير مباشرة، عندما يساهمون في تقديم مساعدات منتظمة، وهي تزداد أحياناً بحسب المناسبات والظروف، والأوضاع الاجتماعية، لمجموعة من الأفراد، وبشكل منظم، تكون الدولة ذاتها بحاجة إليهم، إنما شريطة ألا يكون هؤلاء منطلقين من دوافع، تقلل من هيبة الدولة، أو لغايات سياسية أو سواها، كأن تغير علاقاتهم في الموقف السياسي لمن يساعدونهم مثلاً .

على الصعيد العام، يوجد الفقر، لأنه لا مجال للحديث عن مجتمع، يكون الجميع فيه على الدرجة ذاتها من ناحية الإمكانات المادية والمعنوية. إن الاختلاف في الطاقات والقوى العقلية، والانتشار في البيئة، في أمكنة دون أخرى، وتحدي الظروف، ومدى قابلية التعامل مع التحديات المختلفة هذه، محفزات ومسببات أيضاً، لأن يظهر الناس في النتيجة متفاوتين في دخولهم، وفي استعدادهم للعمل، وفي الموقف مما هم عليه، ومن واقعهم.

ولعلنا إذا أردنا القيام بدراسة تاريخية عن الفقر، في العالم، وما يتطلبه ذلك من إمكانات كثيرة لهذا الغرض، وكيف هو الموقف من الفقر، لتبين لنا أن الناس كانوا في صراع مع أنفسهم، ومع الطبية، وفيما بينهم بدرجات مختلفة، وأن الذي أبعدهم عن بعضهم بعضاً، وأدى ذلك إلى التفاوت في المداخيل، ومن ثم إلى التغيير في أفكارهم، وفي نظرة كل منهم إلى الآخر، وإلى واقعه، والحياة من حوله أيضاً.

يكون الفقر هنا، تعبيراً عن وضع مقدَّر يعيشه الفرد، لا يملك ما يمكنه من العيش مطمئناً، لأن الجوع يهدده، ولأنه محكوم بظروف معينة، ليس لديه ما يحثه على التحرك، ليتجنب غائلة الجوع، ومن النادر القول، بأن هناك من يريد العيش فقيراً، حيث حديثنا هنا ، لا يتعلق بالموقف الأخلاقي من الفقر، وما يكونه الزهاد في المجتمع، إن المثار هنا، هو كيف أن الفقر الذي ينتشر، يكون محكوماً بعوامل لها صلة بالمجتمع ذاته، وأنه في حدود انتشاره، يصطحب معه، مثلما يستجر وراءه مجموعة من المؤثرات التي تعرض للمجتمع لحالة عدم الاستقرار.

يعني ذلك أن مجتمعاً مشهوداً لـه بالفقر، لا يمكنه أن يتماسك من الداخل، كما أنه غير مضمون من التعرض لعواقب وخيمة تطاله في أكثر أجهزته ورموزه خطورة وقيمة، كلما ازدادت وتائره حدةً.
إن مجتمعاً يفتقر إلى التنمية، وإلى تلك السبل التي تبقي التنمية هذه في تصاعد مستمر من جهة الإغناء وتوسيع قاعدة العمل، واستحداث الوظائف، وتشغيل الناس وتوعيتهم بطرق شتى، يكون فقيراً، أي يميل شيئاً فشيئاً إلى التفكك من الداخل، ليفقد بالتالي الاسم الذي يُعرف به، وهو المجتمع، بسبب تنامي الفقر فيه.

مواجهة الفقر

عندما يقول الغني: أنا غني إذاً أنا موجود، مستعرضاً بذلك قوته ونفوذه في المجتمع، وعلى أعلى المستويات، معتداً بنفسه، وبقدراته التي تكفل له التحرك في الجهات كافة، وبحسب غناه، وكذلك معرفته لمفاصل الحركة في مجتمعه، لا بُد أن يُسمع نقيضه في الطرف الآخر، وهو يقول : أنا فقير إذاً أنا موجود، مستعرضاً بدوره، تلك القدرات الذاتية، التي قد يوظفها في خدمة من يراه جديراً بأداء دور أو أكثر في المجتمع، إنما ضداً على ما ينسبه الغني إلى نفسه، وضد مسلكه وموقعه في المجتمع، حيث الأمان الذي يستوجبه عمله، يكون متعرضاً للخطر، والطريق الذي يسلكه في هناءة بال، قد يغدو مسدوداً، وعمله الذي ينظمه كالمعتاد، قد يختل توازنه، وكل ذلك بسبب الآخر الذي يقول بينه وبين نفسه: أنا الغريق ، فما خوفي من البلل!

هنا، تبدو المسألة دقيقة، ومن الجهتين، لأن لكل منهما، ما يدفع به إلى الحركة، إلى العيش، وتأكيد الذات، ولكن الاثنين هنا يتواجهان، كلما بعدت المسافة بينهما، فيظهر الغني وكأنه سبب فقر الفقير، كما هو معروف قديماً، ويبرز الفقير شبحاً يتهدد الغني، كلما رام تحركاً، وتوسيع دائرة عمله أو أعماله.

هل من مواجهة للفقر؟
دائماً تُقدم مقترحات، وتوضع إجراءات، وتنعقد مؤتمرات وندوات، تخص التنمية ومكافحة البطالة، وكيفية تطويق الفقر، أي بالمقابل، كيفية فتح المجال للناس في أن يغتنوا هنا، وليس مواجهة الغنى، حيث أرى أن مكافحة الفقر، يجب أن تتم بالتناظر مع مكافحة الغنى، فأن نبحث في أسباب الفقر، هو أن ندقق في أسباب الغنى أيضاً، فكل منهما يقود إلى الآخر، أو يعرّف به مكانة وقيمة.

فالفقر ملازم للناس جميعاً، وإنما بتفاوت، ولا أظن أن ثمة من يريد أن يكون فقيراً، ولكن ثمة كثيرين يريدون أو يكونوا أغنياء، ولهذا، فإن الاهتمام بالفقر، من جهة المعالجة، باعتباره مشكلة متعددة الأبعاد سلباً، يدفع بالمعنيين به، في المجتمع إلى التنادي فيما بينهم، عبر لقاءات مختلفة: محاضرات، حوارات مفتوحة، ندوات مشتركة: محلية وإقليمية ودولية، وفي الظل يتحرك الأغنياء خوفاً على مصالحهم، أو على مشاريعهم من أي تعرض لأذى بسبب الحالة هذه، وكان يمكن أن تتم لقاءات أو ندوات وحوارات حتى بالنسبة للغنى ذاته، ولكن يبدو أن الأخير، يشكل خطراً على الأغنياء، والتعريف بهم، لهذا يصار باستمرار إلى التركيز على الفقر، وهو الوجه الآخر للغنى، حيث أن المعني بالفقر مباشرة، ليس هو الذي يحاور أو يحاضر أو يشارك في مؤتمر، إنما من يمثله في المجتمع، أو يكون غنياً، ليكون الفقر مضاعفاً، أي وجود الفقير، وبقاء الفقيرهذا فقيراً، ومنزوع القيمة، لأن ما يمثله، ربما لا يكون التعبير عنه، كما لو أنه هو نفسه المتحدث!
لقد كان هناك تصورات لحل المشكلة، لمواجهة الفقر، كما في وجود اليوتوبيات!

اليوتوبيا، تعني ما ليس موجوداً، حيث ( توبيا) تعني المكان، و(يو) نفي المكان، وقد حفل التاريخ بيوتوبيات كثيرة، أي كيف يمكن تدشين ما اُصطلح عليه بـ( المدينة الفاضلة)، إنها المدينة التي يعيش فيها البشر مستقرين آمنين، لا يخشون خوفاً، ولا يرهبهم شبح جوع معين، عبر تكافؤ في سبل العيش والمساواة في مجمل الأمور، محاولة لتجاوز منغصات الحياة الاجتماعية، وتلك الردات التي تحصل بين الحين والآخر فيه، بسبب الفقر الذي يؤدي إلى بث روح البغضاء والتفرقة، بدلاً من المحبة والتوادد والتوحد بين أفراد المجتمع الواحد.

وإذا كانت اليوتوبيات، قد شغلت البشرية في مراحل تاريخية مختلفة، فإنها ارتبطت بالمصلحين الاجتماعيين والفلاسفة، وذوي الأفكار البعيدة المدى، وفي المجتمعات كافة، وهي في جوهرها تشكل نقداً مبطناً لما هو معاش، وفي الآن عينه، مشروعاً اجتماعياً أخلاقي الجوانب، للوقوف بأي مجتمع على قدميه، وكذلك، فإنها تبدو طريقة من طرائق التفكير ومواجهة المشكلات القائمة ، من لدن من تحدثنا عنهم وسواهم، لا يمكن نبذهم، أو التقليل من شأنهم، فهم لا يعملون من خارج المجتمع، إنما يتحركون في صميم مجتمعاتهم، وبالتفاعل معها، إلا أن ذلك لم يضع حداً لهذا المسمى بـ( الفقر)، فالبشرية تبدو على غاية من التناقض، بين ما تقوم به، وما هي عليه واقعاً، وما يتم من تخطيط ووضع قرارات ، وإنشاء أفكار، ونظريات، وحتى قوانين، يكون الواقع نفسه، وعلى أرضية العلاقات الاجتماعية والسياسية هو المحك لكل ذلك، حيث إننا نلقى حلولاً ناجعة، من خلال مجموعة القرارات والإجراءات المرسومة، أما تحويلها إلى مشاريع ووقائع ملموسة، فتتطلب إمكانات وطاقات وقدرات، وبصورة أدق مصداقية في الممارسة، ومواجهة التحديات، ومدى إيمان أصحاب هذه الإجراءات المرسومة بما هم مقبلون عليه.

هل هذا يعني من ناحية أخرى، أن الفقر في حد ذاته ليس مشكلة، لأن ليس من مجتمع إلا ويكون موجوداً فيه، وفي الحالة هذه، يكون بعداً من أبعاد المجتمع لا يمكنه التلاشي؟
ربما بدا ذلك ضرباً من ضروب اللاواقعية، في طرح الفقر كتحد للمجتمع، في جميع مستوياته، تحدي الفقير، في إمكانية تعريضه للمزيد من الفقر، وسهولة تأثره بمن يريد استغلاله، وتحويله أحياناً إلى أداة لصالح ما لا يتمناه، عندما يكون المجتمع في مجموعه مستهدفاً، وتحدي العني، في إمكانية تعرضه لمشاكل جمة، في مشاريعه، وفي ذاته، بأن يلقى متاعب من المحيطين، أو يواجه أذى معيناً، بسبب تنامي وطأة الفقر في وسطه، وتحدي السياسي، لأنه لا يستطيع تأكيد ذاته، إلا بالقدر الذي يحقق نجاحات عملية على أرض الواقع، وفي هذا المجال بالذات، والاقتصادي بدوره، يكون المتأثر، لأن ما يخطط له، ولا يجري تنفيذه سرعان ما يرتد إليه ضغوطات كبيرة، وليس المربي والمعلم والقاضي، وغير هؤلاء من المعنيين بالسلامة الاجتماعية والوطنية والقومية والانسانية لمجتمعهم، ببعيدين عما نحن فيه، إن لكل منهم نصيباً من تأثير الفقر الجانبي.

الفقر هنا، عنصر ضاغط على أولي الأمر، ولا جدوى، حين يشتد، من أي مشروع يجري الحديث عنه، والدعاية له، إن لم يترجم لغة أرقام، ومشاهد حية تبرز في وجوه ضحايا الفقر في المجتمع.
لا تكون التنمية تنمية فعلية، إن لم تراع ما يكون للفقر من دور رادع لكل خطوة إلى الأمام، إن الإعاقة الكبرى في المجتمع، تتمثل في مجموعة النقاط المنتشرة في صلب البنيان المجتمعي، أعني في تلك البقع السوداء أو الدمامل التي تغطي الجسم الاجتماعي، وتحاصره في سلامته تدريجياً.

وعندما يدور الحديث حول أفراد المجتمع، بصفتهم أعضاء في الجسد الواحد، وما عليه الجسد حالة، عندما يصاب ولو عضو واحد فيه، بعاهة أو بعلة، وعلاقة كل ذلك بوحدة المجتمع، وكيف أن الفقر لا يقتصر في تأثيره المدمر على عضو واحد، جانبي، إنما على عموم الجسد باضطراد، بات علينا أن ندرك، مدى الحاجة إلى تناول الفقر على أنه أكبر من كونه مشكلة، أكبر من اعتباره بعداً وحيداً في المجتمع، من جهة التأثير في تطوره سلبياً، وخصوصاً في الوقت الراهن، وكيف أن مجتمعات تتعرض لآفات وحالات خلل، بطرق شتى من الداخل والخارج، وأن مضاعفة الجهود هنا ضرورة لازمة، ليكون المجتمع أكثر قدرة على التحرك والبقاء.

إن مجتمعاتنا، ليست فقيرة في مجملها، بل تعاني من حالات تزيد الفقر فقراً، وتتعرض للكثير من المؤثرات التي تنحو بها نحو المزيد من الإفقار، أي المزيد من النخر الاجتماعي، أي المزيد من التفكك القيمي، وحينها لا تعود كل القيم التي ندركها، وتلك التي نحتفظ بها من قبل الماضي بمجدية.

الفقر لا يتوقف! المهم هنا، هو كيف يمكن حصره، بحيث لا يكون سبباً لتفكك المجتمع، كيف يمكن ذلك؟ وحدهم أولو الأمر، بوسعهم الإجابة على سؤال كهذا، عندما يعلمون أن الفقر الذي قد يودي بصاحب÷ ولهذا السبب قد يدفع به، وقبل قضائه، إلى القيام بكل ما من شأنه تعريض المجتمع كاملاً لمخاطر لا تحمد عقباها، شعوراً منه أنه منته ٍ، فيحاول إنهاء من يعتبر المسؤول عن فقره بصورة ما، أو بلبلة وضعه، وعلى هذا يجب تناول الفقر من الزوايا كافة، والنظر إلى المجتمع باعتباره متكاملاً، وليس مجتمع أغنياء وفقراء بالتقابل.