المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الطفولة التي تتحدانا ...


ابراهيم محمود
24-05-2006, 01:03 PM
نتحدث عن الطفولة ، وكأننا نعرفها كما يجب، ولكننا نعرفها من زاوية معينة، إنها باختصار، تلك التي تبدو عالماً مفارقاً لنا، حتى في أكثر اللحظات التي تخصنا، أو تكون شديدة الارتباط بحياتنا اليومية، وهي كذلك باستمرار.

إن الذي يتناول الطفولة، سواء من خلال الكتابة، أو من خلال منابر أخرى: سمعية وبصرية، دون أن ينسى أنه يشير إلى شخص محدد بمعنى ما، يرتكب أخطاء، قد تكون كبيرة ومؤثرة سلباً في مجتمعه، وفي أقرب المقربين إليه، وأعني بهم أولاده، وحتى هو نفسه، لأن ما يكتبه ويقوله يرتد إليه، عبر من يمثلونه غداً من بعده.

وللأسف الشديد، إن أبسط ما يمكن القول فيه، وإثارته هو أن الطفولة لا تنسلخ عن حياتنا اليومية، باعتبارنا أفراد مجتمع، وأن المجتمع هذا، يتميز بمجموعة من العلاقات الاجتماعية، والقيم المتداولة، ويعيش أوضاعاً اقتصادية، وكذلك مستوى من التعليم، وأنظمة سلوك نفسية وتربوية، وتوجهات سياسية، وأننا ما نتوقف عند هذه العلامات الفارقة، حتى يبرز نوع المجتمع الذي نعيش فيه، وما تكونه الطفولة: واقعاً وتفكيراً.

عربياً، إذا تناولنا هذا الجانب، لا أتصور أن بمستطاع أحد، من المعنيين أو المتابعين لما يجري في واقعنا عربياً، أن يختلف كثيراً على أن ثمة سلبيات كثيرة، تنخر في مجتمعاتنا( بالجمع وليس بالمفرد، دلالة إلى التنوع، ولو أنه نسبي من دولة لأخرى)، من ذلك عدم الاستقرار الاجتماعي، وما يخص المؤثرات السياسية ودورها في توجيه أنظار الطفل، والفقر الذي لا يمكن تجاهل أبعاده: الفقر المادي، والفقر في الوسائل التي تحقق للطفل ما يريد، في مناخ تتزاحم فيه أجهزة الاتصال وبرامج معدة سلفاً: مسلسلات وأفلام كرتون وسواها للطفل، تلعب دوراً كبيراً في بناء شخصيته من الداخل، على الضد مما نريد، حيث الامكانات المادية، لا تستطيع وحدها حماية الطفولة من المؤثرات الجانبية ذات العلاقة بمجتمعات أخرى أكثر استقراراً، تصدر عنها برامج مختلفة تخص الطفل في مراحله العمرية المختلفة، ووفق أساليب غالباً ما تكون مراعية لهذا المنحى تحديداً، ثمة ما هو أكبر وأهم من الامكانات هذه، مثل الشخصية الفاعلة في المجتمع، والتي يمكنها فعلاً تفهُّم الطفل باعتباره عضواً سوياً في المجتمع، ويشاطر الكبير فيما يفكر ويقوم به، حتى وهو عاجز عن الحركة، لأنه في القريب العاجل سيكون القارىء لما يكتبه المعتبر كبيراً،والموجَّه إليه، والمتفاعل بصورة مع ما يكتبه ذاك، وبالتالي المقيّم لما صدر عنه، وفي الوقت نفسه المواجه لـه صراحة، أو بأساليب أخرى: سلوكية أو قولية، حين يفتقد استقلاليته : عصراً واختلاف زمان ومكان وتنوع علوم واختلاف وسائل تعبير وقصص لها صلة بالواقع ... الخ، وخصوصاً عندما نعلم أن الكثير ممن يكتبون، يعتبرون الطفولة وكأنها تلك المرحلة العمرية ذات الاثنتي عشرة سنة الأولى من عمر الانسان، ويمكن التعامل معها بالطرائق ذاتها، على صعيد تنمية الخيال، وتلبية مشاعره، دون مراعاة الفوارق ودور المجتمع والثقافة في خلق التفاوت بين طفل وسواه، بين مجتمع وآخر.

إنها الطفولة التي تتحدانا، ليس في عقر دارنا فقط، وإنما من داخلنا تماماً.

هذه الطفولة التي أحاول التحدث عنها، تكون بعيدة عني وقريبة مني في آن: في الحالة الأولى، بصفتها منتمية إلى عصر مختلف، وأن ثمة ثقافة مختلفة، بل يجب أن تكون هكذا، ووسائل اتصال سمعية وبصرية مختلفة، وحتى لغة تخاطب مختلفة بين كل من الأب وأولاده( بين الأب وابنه أو ابنته)، بينه باعتباره مسؤولاً اجتماعياً أو تربوياً أو أباً بالمعنى الرمزي، إذ ربما يكون دون ضنىً ، كما يقال( غير قادر على الإنجاب)، وما يعنيه ذلك من جهة التأثير في نفسه قبل سواه، في مجتمع يعطي قيمة كبيرة للأبوة بصفتها فاعلة اجتماعية: إنجابياً، وكيف أن الأب هذا، يمتد، على هذا الأساس، ليغطي مجالات أخرى: الأب النفسي، الثقافي، السياسي، التربوي...الخ، وبين المجتمع، لأنه ببساطة أكبر من الفرد دون إلغائه قيمة ومكانة، وهذا يتطلب بذل جهود كبيرة، للتخلص من تلك الفردية التي تمنعني أحياناً، حتى لو كنت أباً فعلياً، من تجاوز ذاتيتي الضيفة، أو أناي، والتفاعل مع المحيطين بي، والتعامل مع الطفولة عالماً مختلفاً يتطلب احتراماً وحذراً في كل خطوة أخطوها، منعاً لوقوع خطأ قد يتضاعف، وتكون لـه فيما بعد منعكسات سلبية، علي قبل غيري، إذا أدركت مدى ارتباطي الكبير بمجتمعي وانسانيتي.


الطفولة عبر الكتابة

من يعيش الطفولة في عصرها، وهو يكتب للطفل أو عنه، ويراعي الطفولة هذه في ذاته؟ هل فكر جيداً أن ثمة مسافة بينه وبين من يكتب له، وهذا يعني أن ثمة اختباراً لقواه المعرفية، ولخياله بالذات، وليس القوى المعرفية للطفل وخياله، إذا ما أدرك أن يقدمه باعتباره أدب طفل، لا بد أن يأتي مستجيباً لعصره زماناً ومكاناً؟ أن الطفل الذي يعنيه ينتمي إلى بيئة محددة، لا بد من الالتفات إليها، أن ثمة ثقافة فاصلة، تلزمه بمراعاة العلاقة بينه وبين الطفل، تلك التي الثقافة التي تعرضه لنقد الطفل قبل أن يجيد النطق، من خلال التجاوب أو عدمه مع ما يقدمَّ له؟
بالنسبة لي، كمعني بصورة ما، بهذا المجال، وارتباطه بالمجالات الأخرى في المجتمع، ماذا تعني لي الآن، وفي هذا الوقت، أو العصر عبارة( توته توته ، خلصت الحدوته)؟ أين هي هذه الـ( توته توته)، وما تمثله في لغة الطفل ، وبالنسبة لـه، وأي عمل تقصد، وأي مكان وزمان، في ظل التلفزيون وألعاب الكمبيوتر، والبرامج الضخمة المقدمة، عدا عن المكتبات الثابتة والمتحركة تلك التي تبيع مسلسلات وأفلام، تُعتبر خاصة بالطفل، وما تحمله من مؤثرات جانبية على والد الطفل أو مجتمعه قبله؟ وفي الوقت ذاته، ماذا تعني عبارة( كان يا ما كان، في حاضر العصر والأوان) راهناً، إذا افتقدت القوة الإغرائية( جاذبية الصورة والإخراج، والحركة المحمولة ضمناً)، من جهة التنافس مع المتوفر أو المعروض تلفزيونياً بمقومات وقدرات فنية جاذبة؟

ماذا يعني بساط الريح، المستخدم كثيراً في قصص الماضي، في الانتقال من مكان لآخر، إزاء الطائرة مثلاً، وما تعنيه الطائرة بالنسبة للطفل عيانياً، ومن مواصفات تخص الشكل والأمان في الداخل، وفي عالم اليوم، وارتباط كل ذلك بأحداث مختلفة، يعيشها الطفل بعينيه أو عن طريق الأهل ( كوارث الجو مثلاً)؟ وتأثير ذلك على ذاته، وعلى خياله، وإلى جانب ذلك يُذكر الحصان وسواه في زمن التقانة، ومفارقات الصورة والمثال؟

أكثر من ذلك، هل يمكن المضي قدماً إلى الأمان، وحشو أذهان أطفالنا بنصوص تُعتبر قصصاً، وعلى ألسنة الحيوانات تحديداً، بينما المعروض من أفلام الكرتون أو المسلسلات الكرتونية يمارس تأثيراً مضاعفاً في نفسية الطفل، ويغيّر في طريقة تلقّيه سلباً للمقروء هنا، مقارنة مباشرة بما رآه، وما تعنيه الرؤية من قيمة مؤثرة فورية، غبر المؤثرات الصوتية والبصرية، أكثر من المقروء، وما يعنيه المقروء من بذل جهود مضاعفة، ووضعية قرائية معينة، كل ذلك لا يتطلبه الجلوس أو حتى الاضطجاع ، لمشاهدة التلفاز ومشاهدة برامج مختلفة فيه؟

ضمناً، يكون للفأر مكانة سلبية في ثقافتنا، إنه حيوان غير مرغوب فيه، بسبب ما يُنسب إليه من قذارة وقدرة على التخريب والأضرار بالآخرين، ولكن ماذا يمكننا قوله، حين يتابع أطفالنا مسلسلاً كرتونياً ذا نجاح هائل، يتجاوز الطفل نفسه، وهو( توم وجيري)، أليس جيري مؤثر إيجابي في واعية أطفالنا هؤلاء إلى جانب توم، أم لا، ومن خلال بيت مرتب، أو جحر بادي الإضاءة وحتى النظافة بالمقابل، خلاف المتصور عنه حيواناً لـه جحور عديدة، ويعيش بين الخرائب، مثلما يظهر خفية ملحقاً الأذى بالناس هنا وهناك في بيوتهم وحقولهم؟ مَن من كتابنا يستطيع أن يكتب قصة، تمارس تأثيراً مماثلاً، أو تغير في تفكيره خلاف ما هو متابعه في التلفاز؟

إلى جانب ذلك، ألم يصبح الفأر حيواناً أليفاً، من خلال هذا المسمى بـ( الماوس) الجهاز المعتمد عليه في الكمبيوتر، أم أن ذلك لا أهمية ذلك؟ حسنُ إذاً، بالوسع هنا سؤال الطفل، وتبيّن الخلاف!
وثمة الكثير من المسلسلات الكرتونية التي تركز على الفضاء وعلى الرياضة وغيرها، باتت تشغل أذهان أطفالنا، بينما نحن الكبار، وعلى أرض الواقع بعيدين عن كل ذلك، فمجتمعاتنا أحوج ما تكون إلى طاقات تبذل في أداء أعمال تفيد المجتمع، حيث تكون الرياضة في المرتبة الثانية، أي تتطلب تفرغاً، ومستوى متقدماً من الوعي والاستقرار الاجتماعي والوفرة الاقتصادية، وما عدا ذلك، تكون متابعة الرياضة، مثلها في ذلك، مثل العديد من الاهتمامات التي تدخل في إطار تقليد الآخرين في ( الغرب) من الهوايات الرياضية الكثيرة وسواها.

إن الطفولة التي تفتقر إلى الغذاء اللازم للجسم، والبيئة الصحية المساعدة على تكوين الجسم المعافى، والمجال الاجتماعي المشجع على الحركة في قواه المعرفية، من الصعب أن تكون الأمثلة المذكورة قادرة على التأثير فيها إيجابياً، بالعكس، إنها تتصنف إلى جانب مجموعة المشاكل التي يعانيها الكبار ويعيشونها، دون أن يسموها، أو يتوقفوا عندها، لأنها ببساطة، تتجاوزهم، أو لا يكونون قادرين على الوقوف في وجهها، لأن ثمة من يقرر ذلك خارج إرادتهم، أو لأنهم يريدون ذلك، ليس لأنهم على وعي بأهميتها أكثر من غيرهم، وإنما لأنهم بالعكس، على وعي بحجم الضرر الناتج عنها، وأنهم أيضاً في قرارة أنفسهم، غير حريصين على سلامة مجتمعاتهم، وإلا لماذا هذا الإصرار في الدفع بمجتمعاتهم في هذا المسار الذي يضر بالطفولة، أعني بذلك يلحق أكبر الإساءة بالمجتمع نفسه اليوم، وغداً بصورة مضاعفة؟ إن المسؤولية الأخلاقية تبدو غير مطروحة هنا، لتكون بعداً آخر من أبعاد الشخصية المسؤولة التي لا تقوم بمهامها على المدى البعيد، وفي المكان الذي تعتبره مجرد دائرة وظيفية فقط.

لا تبدو الكتابة هنا، تحركاً في الهواء الطلق، إنما مغامرة في المجهول، وبالتالي ذلك السعي الدؤوب لمعرفة الذات أكثر مما لو كانت الكتابة موجهة إلى الكبار، أو تعني الكبار، رغم التنوع في الأعمال الكتابية، وتأثير الثقافة والعصر في تعيين الحدود الفاصلة بين الكتابة التي تخص الكبار والصغار، وخاصة تلك التي تأتي في الطفولة العليا، وما تمثله من تفتح قدرات وطاقات وإمكانات تحكم بالذات وتقويم للمقروء. إن أهم ما يميز الكتابة الخاصة بالطفل عندنا سلباً طبعاً، هو أنها كتابة لازمانية لا علمية، كتابة وصائية، تفترض الطفل كائناً ملزماً بالإصغاء إلى من يكتب له، وكأنه تابع له، بينما العكس هو الصحيح، الكبير هنا يتبع الصغير، ليحسن الصغير هذا لاحقاً تقدير الكبير، ومن ثم يحسن ليس إدارة نفسه فيما بعد، وإنما التحرك بمنطق أكثر سلامة في مجتمعه!

ليست طفولتنا ما كنا نعيشه في زمن سابق، حتى لو كانت ترجع إلى سنوات عدة، إنما هي التي تسابق الزمن، من خلال مستجداته، ومن الصعب بمكان، تفهم الطفولة في زمن، نريده مفهوماً، في الوقت الذي نعجز أو لا نريد أن ندرك أن الخطوة الأولى للدخول في الزمن الحي، يكون بوعي الطفولة هذه، وأن ما نريد تعلمه لا بد أن يخضع لسلسلة لا تتوقف من الاختبارات والتغييرات، التي تبقينا جديرين بالتاريخ الذي نحدد به ميلادنا وموتنا في آن، مثلما يكون هذا التحديد تبياناً واستبياناً كذلك لعلاقة بين ما كان وما يجب أن يكون، من جهة الطفولة التي تشبه الطبيعة في أحايين كثيرة، هذه التي لا يمكن فهم منطقها إلا بإخضاعنا لها، رغم أن الطفولة هي كذلك، ولكنها الطبيعة التي لا تبقى على حالها. إن الأب الذي يريد نقل خبرته إلى أبنائه، مثلما هو المعلم الذي تلاميذه مضمون الدرس الذي يقربه من أذهانه، مثلما هو الإداري الذي يري المعنيين بأمره ما يجب أن يكون عليه عملهم، كل منهم يقوم بما يعتبره صواباً، ولكن ربما ذلك يشكل نصف الخطوة في الطريق الصحيح، وأحياناً أقل من ذلك، وربما في حالات أخرى ما دون ذلك، بحسب الزمان والمكان .

الأب محق في فعل ما أشير إليه، ولكن البيئة التي يعيش فيها الطفل، كلما تعرضت للتغيير، تدكون المسافة أكثر عمقاً بينهما، هنا تكون المدرسة أكثر قرباً منه، دون التقليل من دوره، الذي يتجاوب مع الإجراءات التربوية للمدرسة، وفي حالات لافتة، قد يتطلب الوضع من الأب أن يتعلم من ابنه وليس العكس، إذا كان يقوم بعمل لا صلة لـه مباشرة بما يتعرض لـه الابن من تغيير في السلوك مدرسياً، وفي مجمل الحالات، وخصوصاً راهناً، فإن الأب اليوم، حتى لو كان معلم ابنه أو أستاذه، ليس في إمكانه بناء شخصية سليمة في ابنه، إذا أراده نسخة منه، أو توجيهه بمنطقه كأب، وهذا يبرز في المنحى التربوي، وهي كلمة شديدة الحساسية لحظة النطق بها، من جهة كل من المدرسة ، أو الإدارة المدرسية والأب، أو العائلة التي تشمل ليس الأبوين فقط في مجتمعاتنا التي تبنى على توافر عائلات في مجملها تكون كثيرة الأولاد، وإنما تضم تأثيرات أفراد الأسرة: الأخوة والأخوات في حال وجودهم. إذ لا أصعب من أن يقول معلم أو مدير المدرسة أو حتى المشرف الاجتماعي في المدرسة لأب، ربما أهمل ابنه، بأن ابنه لم يترب التربية المؤهّلة للتعلم، العبارة هذه تعني مباشرة، أن الأب قبل سواه، فاشل في واجباته كأب، في الوقت الذي تكون التربية شاملة تلك الأساليب والأسس النفسية والعقلية المطلوبة التي تكفل بناء شخصية الطفل بنجاح، وهذا لا يتم بالسهولة المتصورة، وهي حساسية مستثارة، ربما بسبب الموقف من المدرسة في مجتمعاتنا حتى الآن، والذين يديرونها باعتبارهم بعيدين نسبياً، وبتفاوت عن تلك الأسس والأساليب المذكورة سابقاً، أما الأب، فإنه حين يلقى تقصيراً من جهة المدرسة، فهو يشدد على ما هو تعليمي، يتهم المدرسة، بأنها لا تملك الكادر التعليمي الكفؤ، ويتجنب استخدام كلمة التربية، لأنها تخصه كما يظهر، وهنا يكمن الخطل الكبير وسوء فهم الكلمة من الجهتين.
إن القدرات التي تستوجبها المدرسة، لتكون الطفولة فعلية، وما يليها مرحلة فاعلة اجتماعياً، لا تنمو في مجتمع مأخوذ بالفقر أكثر من الغنى، وبمشاهد بؤس من خلال الوجوه المرئية والبيئة، تعيق نمو الإبداع عند الطفل.

المعنيون بالكتابة، أو كتاب أدب الطفل، يكتبون وفق خيالات خاصة بهم، مستهينين بالقواعد التي تعزز سلوك الطفل، وتستثير قواه المعرفية، وتحبب إليه عالمه، بالقدر الذي يستجيب لـه، وفي الوقت نفسه، حين يتلمس في المكتوب ما يبحث عنه، متجاوزاً لما تعلمه أو شاهده في التلفاز وغيره، أي أن كتاب أدب الطفل، لا يصح تسميتهم هكذا، إلا إذا أحاطوا بجملة القواعد النفسية والتربوية والعقلية التي تركز على شخصية الطفل من النواحي كافة: سنوات الطفولة التي يمر بها، حاجة كل مرحلة إلى تعليم من نوع مختلف، إلى أساليب مختلفة، إلى لغة مختلفة، وحتى إلى إيقاعات صوتية مختلفة، مدى التناغم بين ما هو حسي ومجرد في تعليمه، طبيعة الكتابة الموجهة إليه ومتضمناتها، طبيعة الذين يخاطبون الطفل أو يصاحبونه، عندما نعلم أن المعلم لا يوجه الطفل إنما يتوجه به، لا يكون التلميذ هو المتحرك بأمر منه، إنما يتحرك اعتماداً على مدى استثارته لعواطفه ومشاعره، وكيفية تعميقه لها، وإبراز ميوله، ومعرفة نوعية مواهبه، وتلك القدرات ذات الطبيعة العلمية البحتة.

في هذه الحالة، هل لدى معلمينا أو كتابنا المعتبرين في العالم العربي، مطلعين على تلك النظريات والدراسات التي تختص بعلم نفس الطفل، وعلم النفس التربوي: العلمين اللذين يتكاملان جناحَين في جسد واحد هو تعليم الطفل؟ إنها النظريات والدراسات التي لا تتوقف عند حد معين، بما أن التغير يشكل العلامة الفارقة للمجتمع، وخصوصاً في عالم اليوم، حتى لو كان أكثر المجتمعات محافظة، إذا كان هناك انتشار لأجهزة التلفاز على الأقل، ويعني ذلك مدى الصعوبة الهائلة في اتباع الأساليب الناجعة التي تهيء لوجود أدب طفل فعلي.

المفارقة الجديرة بالتسمية هنا، هي في تلك المواجهة الصامتة أو المحسوسة بين كل من الطفل ومن يدعي تمثيله أو الكتابة عنه أو باسمه، إذ يحتج الطفل، من خلال عدم الإقبال على قراءة ما يقدَّم لـه، أو التجاوب مع المعني به، لأن المقدّم لا يراعي حاجاته النفسية الخاصة، ولا تنوع القدرات والمواهب من طفل لآخر، ليكون المعني به متهماً بالتقصير، أو عبئاً على الطفل، وليس مساعداً لـه في التعلم، في حين يحاول المعني به اتهامه على أنه غير جدير بما يقدَّم لـه، غير مفكّرفي الاختلاف بينهما، ليكون الخاسر الأكبر هو وليس الطفل، من جهة رفض الطفل له، ومن جهة الدفع بالطفل نحو عالم، يستجيب لمشاعره وأحاسيسه، ولو كان ذلك مؤلماً لـه، ولكنه يكون رد فعل على الحالة الأولى، ويعني ذلك أن ظهور أبناء سالمين ومنتجين، يفصح عن وجود آباء ومعلمين وكتاب ناجحين.

في الإطار ذاته، ليس علينا حرج، إن تحدثنا عن الطفولة التي ترتد إلى مجموعة من العلاقات ذات الصلة بالبيت أو العائلة، حيث سيطرة هذه تمتد إلى المدرسة والمجتمع معاً، كما يجري في مجتمعاتنا، ففي الوقت الذي نجد فيه أن الدور الرئيس للمدرسة، هو في كيفية تناول الطفولة في مجموعة مكوناتها، والتركيز عليها في مقوماتها المادية والمعنوية، والدفع بها إلى دائرة العلاقات الاجتماعية الأكثر اتساعاً، إذا بها تتحرك في الإطار المعكوس، إذ بسبب وجود نظام من العلاقات الاجتماعية ، لا تكون المؤسسات مستقلة، نجد نسبة كثيرة من الأطفال ، وهم يذهبون إلى المدرسة، وحتى إلى ما بعد مرحلة المدرسة، يحملون معهم تلك المؤثرات النافذة ذات الصلة بالأدوار الاجتماعية الوجاهية تحديداً، وما يرادفها لأهليهم، وفي الدرجة الأولى للآباء الذين لا يخفون هذه العلاقات باعتبارها تعبيراً عن مجتمع لم يتبلور اجتماعياً، فتكون التربية المدرسية محكومة بسيطرة آبائية جلية لهذه الأسر، وهي قائمة ، مهما ادعينا أنها محدودة .

إنها في حقيقة أمرها تشكل عنصراً من مجموعة العناصر المكونة للمجتمع، والتي تبقي الأطفال في حالة من التنافر والتمايز اللذين يقللون من دور النشاط الذاتي للطفل، وكذلك من إظهار ذوي المواهب والقدرات العلمية التي تتطلب إشرافاً وتوعية واهتماماً من ذوي الاختصاص، بعيداً عن أي توجيه من خارج المؤسسة المدرسية والتربوية، وهذا مرئي بشكل جلي، تعبيراً عن أن مجتمعاتنا لم تزل في حدود التبلور المجتمعي الأول، فالطفل منقاد بأبيه، ومعزَّز به، باعتباره الابن للأب، والبنت أقل قيمة، في مجتمع التميز قيمياً بين الذكر والأنثى، والطفل مسنود أكثر بالتالي بأبيه الذي هو المسؤول عن الجهة الفلانية، أو المعني بالدائرة ( كذا) من العلاقات الاجتماعية، وأنه قادر على أن يؤثر في مجرى وظيفي لهذه الدائرة أو تلك، من خلال محسوبيات معينة، ولا أظن المدرسة مستقلة عن نفاذ هذه المؤثرات، سواء من خلال لاهتمام الاستثنائي، أو منح الدرجات، وكذلك المكافآت، وما في ذلك من تعميق سلبي للعلاقات المستقبلية بين الذين كانوا صغاراً وصاروا كباراً. إنه وعي من نوع آخر، وعي العلاقة اللاتربوية، مثلما هو وعي الاعتبارات المحركة للقيم التربوية.


الطفولة من الخارج

بوسعي أن أتوقف عند نقطة أخرى، وهي التي تتعلق بالقراءة أو المطالعة، فكما أن القراءة الخاصة بنوعيات مختلفة من الكتب : العلمية والأدبية والفنية، وكتب المشاهير وسواها، تتكامل فيما بينها، ولا بد من الإقبال عليها، لأن مقومات شخصية الطفل هي في الجمع والصهر والتآلف بين هذه الآداب والفنون والعلوم، ولا يمكن لها أن تتحقق إلا بمزيد من الدعم التربوي والإشراف الصحيين المستقلين ، من قبل مختصين يتبعون دورات دورية، لهذا الغرض، فالبذرة التي توضع في صميم التربة الاجتماعية، بقدر ما تتم رعايتها وإخصابها، من خلال معرفة نوعية الميل، وطبيعة الموهبة فيها، بقدر ما تترعرع في مناخ من العلاقات الاجتماعية السوية والمفيدة للمجتمع عامة.

ليس هناك ما يمكن تسميته بمجتمع القراءة، إن ذلك يستوجب تغييراً في النظام المعرفي الذي يقوم على متابعة شاملة للحاجات الخاصة بالطفولة، وهذا لا يتم ما دام الشعور بهذه الحاجات غير متوافر عند المعنيين بالطفولة، الطفولة الرشيدة لا تكون إلا بوجود أفراد نشطين، قراء من خلال الأدوار المعطاة لهم، وهذا لايتم أيضاً إلا في ظل توجه شرعي أو قانوني، تكون الدولة، وعلى أعلى المستويات معنية به، لتأتي القراءة عملية طبيعية، أي سلسلة من المراحل ذات الصلة بالقراءة المراعية للمراحل العمرية، تبدأ بالقراءة القائمة على الدمج بين الكتابة والصورة، وحتى الصوت من خلال أجهزة موظفّة لهذا العرض، لتنتهي ، دون أن تتوقف، بالقراءة ذات الصلة بالميول والمواهب أو الاهتمامات الخاصة بالفرد، حيث تكون قيم المجتمع هي المغتناة هنا.

الطفولة المحكومة بسلطة الأب، ومن نواح ٍ كثيرة، هي التي تبرز مدى البؤس الذي تعيشه.
ليس الطفل هو الذي يختار ما يتناسب مع طاقاته، إنه المجتمع الآخر، مجتمع الميول السائدة، تلك التي تبرز دوافع وغايات مادية الاعتبار، فتكون التوجهات محكمة بدورها بمن يدفع أكثر، ومن يريد استثمار وظيفته أكثر للكسب المادي، واعتماداً على النفوذ القادم من خارج دائرة الكفاءات الشخصية، ولا الطفل في الحالة هذه، يختار الكتاب الذي يتجاوب مع ميوله أو حتى مواهبه، التي تتطلب فرصاً ومراقبة، إنه الأب أو الأكبر سناً، أعني بذلك المعتبر مسؤولاً عنه، أو المقدر لمصلحته، كما يقال أكثر منه.

إنها الكتب الموجهة بالمقابل، تلك التي تنطلق من اعتبارات مرسومة سلفاً وليس من خلال استقصاءات وبحوث ميدانية واجتماعية غالباً، توضع في الاعتبار مجموعة من الأصول الحميدة التي تعزز طفولة منتجة لاحقاً، من خلال الحرث الطيب في أرضها، إن جاز التعبير، حيث نشهد خلاف هذه الأمور، أي انتشار دور نشر خاصة أو شبه خاصة في أقسام منها بالكنب التي تخص الطفل، وليس كتب الطفل بالمعنى العلمي، ولا يمكن تجنب البعد التجاري في الموضوع بتاتاً، حيث الدعاية المكثفة، وخصوصاً في المعارض، وغيرها، ومن خلال طباعة أنيقة للكتب المذكورة، دون نسيان غلاء الأسعار، تلك التي تقرر مباشرة من يمكنه شراؤها، وكيف هو المجتمع مباشرة أيضاً، وكأن جمال الغلاف، وسعر الكتاب علامتان فارقتان لتأكيد جودة الكتاب وجديته.

إن ذلك يتضح من خلال تصفح هذه الكتب، وهي تخص مجموعة من الأسماء التي لا تُعرف إلا ضمن دائرة ضيقة، وقد تختفي بعد حين، وربما من خلال علاقة معينة بينها وبين الدور التي تطبع لها، أو من خلال عروض معينة، ومجموعة من المعلومات والشروط التي ينبغي لها أن تتوفر فيما يجب كتابته، وهنا تتفتح قريحة هذا الكاتب المستحدث أو الطارىء أو ذاك لاحقاً، خصوصاً وأن فرصة ثمينة قد توافرت من جهة الكسب المادي، بعيداً عن الأسس العلمية والنفسية والفنية الحديثة الخاصة بدوافع الطفل وحاجاته.

كل ذلك يرجعنا إلى ما بدأنا به، وهو أن الطفولة تتحدانا، طفولتنا التي لم يتم إشباعها نفسياً، وطفولتنا التي تخص أطفالنا، حيث نريدها من خلال ما نعتبره الأسلم، ووفق معايير خاصة بنا نحن الكبار، وهي الطفولة التي تنتقم منا، حيث يصبح الصغير كبيراً، ويغدو الكبير هذا شاهداً على فشلنا فيما صرحنا وتفاخرنا به طويلاً.