المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل نحن بصدد نهضة فكرية حقيقية


عبدالواحد عبدالقادر علواني
31-10-2004, 11:05 AM
هل نحن بصدد نهضة فكرية حقيقية

عبدالواحد علواني

أصطلح على تسمية الحركة الفكرية إبان الحملة الفرنسية على مصر، وما تلا صدمة الحداثة من حراك علمي وفكري بالنهضة، وقد اختلفت الآراء أحياناً بصدد هذا الحراك وخلفياته وإنجازاته، ولكن ثمة اتفاق عام بأن هذا الحراك أفرز اهتماماً تجديدياً على أكثر من صعيد، بداية بالعلوم النظرية والتطبيقية ومرورا بالعلوم الدينية، وانتهاء بالبحث في الهوية والانتماء، البحث الذي اقترن برفض الذوبان في الثقافة الوافدة ومحاولة مواجهتها من جهة، وباللحاق بركب الحضارة اليافعة والقوية التي تكتسح العالم من جهة ثانية، لردم الهوة العميقة التي تفصل الأوصال المفتتة (للعالم الإسلامي بشكل عام والعالم العربي بشكل خاص)، عن الغرب الذي قطع شوطا بعيدا في نهضة شاملة.
ولا يمكن لعاقل أن ينكر تلك الحقبة الغنية بالأفكار، مع اختلاف التيارات، والفروع المعرفية، والنزعات، وأظن أن أهم ما يمنح تلك الحقبة هذا الغنى والامتداد إلى حاضرنا انطلاقها على أساس احتساب البعد الثقافي والفكري والإيماني الخاص، ومحاولتها الدائبة للاستفادة من العلوم الجديدة والمتجددة، وبتعبير آخر الاستفادة من الإنجازات المعرفية للحضارة الناهضة، فكانت قراءة مبدعة إلى حد كبير، وأنتجت وعياً جديداً في النظر إلى العصر والآفاق القادمة بعد طول ركود وجمود، بل أصبحت محوراً للرؤى الداعية إلى نهضة حقيقية، وشكلت أرضية لحوارات حفلت بها الساحة الفكرية على امتداد القرن العشرين، ومع أن حقبة النهضة تمتد إلى مطالع القرن العشرين، بل ربما إلى منتصفه وفق آراء أخرى، تحولت موضوعاتها وموضوعات أخرى استجدت، إلى ساحة سجال تناحرية، وطغى النزاع والخلاف بين التيارات على متابعة التأصيل والتحديث، وانشغلت الساحة الفكرية بإيديولوجيات وعصبيات لا تفسح مجالاً للحوار أو التقبل، إنما كل تيار ينتصر لما طرحه من خلال تسفيه التيارات الأخرى، فانتقل الصراع مع المستعمر والوصاية والتنميط الذي يسعى إليه، إلى صراع داخلي فيه من عنف الخطاب ما يتجاوز أي عنف، ولذلك فإن التركة التي تركتها بعدها، كانت هزيلة إلى حد كبير، وعند تقهقر الإيديولوجيات العالمية بعيد سقوط الاتحاد السوفيتي والعديد من الأيديولوجيات العربية بعيد حرب الخليج، بدا الأمر وكأنه سقوط مريع لحراك فكري عنيف امتد على مساحة قرن من الزمن، إن المتأمل في الخطاب الفكري مع بدء الألفية الثالثة يجد نوعاً من القطيعة مع خطاب النصف الثاني من القرن العشرين، فالأساسيات اختلفت، وتمت زحزحة المفاهيم بدرجة كبيرة، وانتقلت اللغة من طابعها الشعاراتي إلى طابع انهزامي إلى حد كبير وواقعي بدرجة ضئيلة، ومع ذلك لا يمكننا أن نعرض عن جوانب مبشرة بدأت تتألق وسط مظاهر عامة محبطة، ووسط واقع عالمي ضاغط، يبعث على اليأس وربما الاستكانة، فهناك تجليات لهذه الجوانب التي قد تبعث الدماء في الأوردة لتستعيد بعضاً من الحيوية في وقت تتعاظم فيه ربقة الهيمنة على أعناق الشعوب المستضعفة عامة، والشعوب التي تمتلك تطلعات قوية وإمكانات نابضة للمشاركة في صياغة العالم خاصة. من تجليات ومظاهر هذا التحديث الحقيقي إلى درجة كبيرة:
• الحوار الذي بدأ ينمو بين التيارات والاتجاهات المختلفة، وظهور لغة حوار متبادلة تحوي نوعاً من الاتفاق المبدئي في تحليل المصطلحات والمعطيات المحلية والعالمية، وتتناول مختلف التحولات العالمية بنوع من الاهتمام المشترك والمنهج التحليلي الخاص بكل طرف والذي بات يتداخل مع تحليل الأطراف الأخرى، بل هناك استفادة واضحة عند كل اتجاه من الاتجاهات الأخرى، ومع أن الاتجاهات التقليدية الرئيسية ما زالت مستمرة، إلا أنها تحوي نوعاً من التغييرات والتجديدات الجذرية التي تسمح بنوع من التبادل بينها وبين غيرها من التيارات. وأدل على ذلك بنجاح واضح للحوارات التي تقدم في إطار إعلامي، أو ثقافي وفكري، أو غير ذلك، ومع أن السجال واضح في اللغة التي يتخاطب بها المتحاورون، إلا أهنا تتميز بالاعتراف المتبادل، وإمكانية البحث في التفريعات.
• القضايا التي تطرح للبحث خرجت عن الطابع الإيديولوجي البحت، مما حررها إلى درجة ما من عصبيتها وتشددها، وهذا الجانب بدأ يكتسب مزيداً من الإقبال مع المكاسب التي يجنيها كل اتجاه عندما يقر بواقع التنوع والاختلاف.
• أعادت النخبة الثقافية النظر في أدواتها إلى حد كبير، وتزودت من المناهج الأخرى ما يقوي الأسس العلمية والبحثية، وأقرت ضمناً بالكثير من أدوات النظر والتقويم والدراسة التي كانت تبتعد عنها بتشنج واضح فيما سبق.
• درجت القضايا والإشكاليات على لسان مساحة أوسع من الشرائح الاجتماعية المختلفة، وامتازت بالتحليل والتقويم، وكذلك ارتفعت سوية اللغة التي يتم بها تناول مختلف القضايا، وظهرت إمكانات حقيقية في ربط الظواهر المعاصرة بعضها ببعض، ودراسة التأثيرات المتبادلة بينها.
• يميل التفكير بالتراث وجوانبه إلى الاعتدال، فمناصروه أصبحوا أكثر ميلاً لوضعه في السياق التاريخي، والنظر إليه ضمن عيانيته الزمنية وظرفه المنتج له. والداعين إلى مقاطعته بضراوة أصبحوا أكثر ميلاً لإعادة قراءته، والإقرار بمكانته في الضمير الجمعي للأمة.
• أصبح التفاعل مع الثقافة الوافدة أكثر اعتدالاً كذلك، إذ تتم قراءتها من خلال رؤية لا تتيح لها سيطرة إيديولوجية، ولا تمنع وصولها إلى عمق التصورات الخاصة لتتفاعل معها.
• لا زالت نبرة الهزء بالآخر والسخرية منه موجودة ولكنها تراجعت بدرجة ملحوظة، وثمة محاولات دائبة وحثيثة تجري بين اتجاهات كانت متناحرة فيما سبق، وذلك لإيجاد أرضية تتيح التعاون بينها من أجل الأهداف الكبرى، بل إن هذه الأرضية تحققت بين بعضها إلى حد كبير وبنجاح على غرار المؤتمر القومي الإسلامي الذي يعقد في بيروت. وثمة مساحات أخرى تبشر بالمزيد كما يبدو.
وأمور أخرى نكاد لا نلحظها بسبب الواقع الحالي للأمة (بتعريفاتها) ولما تعانيه في ظل هيمنة طاغية تسد عليها الطرق والمنافذ، ولكن إذا صح ما ذهبنا إليه فإن الخطوة الأولى من رحلة الألف ميل تكاد تكتمل، وهنا يحق لنا التساؤل: هل نحن أمام نهضة جديدة؟ وهل تمتلك النهضة الجديدة مقومات الفاعلية لتتحول إلى قوة تعيدنا إلى انتهاج الطريق المؤدية إلى التحرر من كل الإشكاليات التي نعاني منها؟
إن الأمر في نظري لا يعدو عن كونه مماحكات تسبق الواقع الذي ستفرزه جملة أمور، أي إن الساحة تميل إلى الاعتدال بسبب خواء التناحر الذي سبق، فكأنما كل اتجاه قد أدرك أنه كان يحارب طواحين الهواء، وأنه كان يقيم أوده على الأطلال التي يحلم بأن يتركها الآخرون خلفهم بعد أن يتبددوا، فلا هو أمام عدو حقيقي، ولا التبدد طال غيره دون أن يطاله. وأرمي إلى بيان أن المرحلة الراهنة قد تكون تمهيداً لنهضة شاملة إذا أدرك الجميع أهمية الاتصال بين الأطراف المختلفة داخلياً، والتنسيق المشترك في سبيل رفع سوية الوعي والعدالة الاجتماعية والحريات الفردية الملتزمة بخصوصية المجتمع، عندها نستبشر بنهضة راسخة لا تتحول في المستقبل إلى ساحة احتراب مهما تصاعد الاختلاف. وكذلك في رسم استراتيجيات عامة للتفاعل مع الواقع العالمي وما يفرزه هذا الواقع العاصف والعتيد من تحولات كبيرة وهامة، وكيفية التعامل مع العصر والمستقبل الذي يتبدى لنا من وراء الأفق القريب والبعيد.
ولذلك فإن أهم خطوة يمكن القيام بها والاستمرار عليها هي: تنمية الحوار والاتصال والتداول والتبادل داخل الساحة أولاً، ومع التجارب الحية المبشرة في أرجاء المعمورة ثانياً. ومناقشة كل القضايا الشائكة والمؤثرة بعمق مناقشة مستفيضة عبر قنوات تفاعلية ترسم خططاً فاعلة للتعامل معها بثبات وحيوية.
وأظن أن أهم مقومات النهضة الحقيقية تكمن في الإحساس العام بالوضع الذي آلت إليه أمور الأمة، وإدراك أن هذا الوضع يسبغ مآثره. ويلقي بأعبائه ومثالبه على الجميع بشكل أو بآخر، ولذلك فإن من حق الجميع المشاركة في صياغته والعمل على تكوينه بحيث يكون مجالاً للنهوض الحضاري الشامل.

مصطفى الغريب
03-04-2005, 02:53 PM
الأخ عبدالواحد العلواني ونقتبس مما ورد أعلاه بين قوسين لنبدأ به (وأظن أن أهم مقومات النهضة الحقيقية تكمن في الإحساس العام بالوضع الذي آلت إليه أمور الأمة، وإدراك أن هذا الوضع يسبغ مآثره. ويلقي بأعبائه ومثالبه على الجميع بشكل أو بآخر، ولذلك فإن من حق الجميع المشاركة في صياغته والعمل على تكوينه بحيث يكون مجالاً للنهوض الحضاري الشامل.)
أخي الحبيب
الإنسان الفرد هو محور الحوار وهو محور النهضة وهو محور الحياة وهو محور الإيمان وهو محور السلم وهو محور الحرب وغيرها من المحاور فالأنظمة التي تميز إنسان عن إنسان آخر هي في الواقع تقتل بهذا التمييز أحدهم . إن حرية الإنسان وتحرره من الأنظمة الظالمة المفروضة عليه تسهل مهمة التوازن في هذا الكون الفسيح وهو في نظرنا أهم محور للنهضة الحقيقية فنحن نعطل نظرية الأواني المستطرقة بما نضع من قوانين وعقبات وكما هو معروف القول السائد أطلب الموت توهب لك الحياة وعلى غرار ذلك أقول أطلب الموت في سبيل الله ومن أجل الحرية تنال إحدى الحسنيين الشهادة أو الحرية .

عبدالواحد عبدالقادر علواني
12-04-2005, 01:22 AM
شكرا لاهتمامكم بمقالي، ولكن قد يكون لي رؤية مختلفة بعض الشيء، ليس في كل الميادين يتطلب الأمر طلب الموت، فطلب الموت في سبيل الدفاع عن الأوطان والشعوب والوقوف بوجه الظلم والعنت سيكون مدخلا لما ذكر من حسنين، ولكني أرى أن منطق العصر قد تغير ، وبات طلب الحياة الكريمة والواعية أهم وأكثر ضرورة، فمنطق العالم قد تغير، ومع الظلم الموجود فإن طلب الموت لن يجدي، ويفتح الباب أمام التصورات الأرهابية أن تشرع عملها الإجرامي، جميل وضروري أن نكون شجعانا لا نهاب الموت، ولكن الحي أبقى من الميت، وإن كنا بالموت نحقق غاية أو هدفاً ضيقاً وربما خاطئاً، فإننا بالحياة نتمكن من العمل والفكر وإذا كان ثمة خطأ فأمامنا فرصة لتصويبه.
والفرد يستحق من مجتمعه الثقة والفرص، لكي يكتمل بنائه بما تحتاج منه أمته، إنها مهمة الفرد والمجتمع بآن معاً.
مع تقديري وشكري ثانية.

مصطفى الغريب
07-05-2005, 10:24 PM
شكرا لاهتمامكم بمقالي، ولكن قد يكون لي رؤية مختلفة بعض الشيء، ليس في كل الميادين يتطلب الأمر طلب الموت، فطلب الموت في سبيل الدفاع عن الأوطان والشعوب والوقوف بوجه الظلم والعنت سيكون مدخلا لما ذكر من حسنين، ولكني أرى أن منطق العصر قد تغير ، وبات طلب الحياة الكريمة والواعية أهم وأكثر ضرورة، فمنطق العالم قد تغير، ومع الظلم الموجود فإن طلب الموت لن يجدي، ويفتح الباب أمام التصورات الأرهابية أن تشرع عملها الإجرامي، جميل وضروري أن نكون شجعانا لا نهاب الموت، ولكن الحي أبقى من الميت، وإن كنا بالموت نحقق غاية أو هدفاً ضيقاً وربما خاطئاً، فإننا بالحياة نتمكن من العمل والفكر وإذا كان ثمة خطأ فأمامنا فرصة لتصويبه.
والفرد يستحق من مجتمعه الثقة والفرص، لكي يكتمل بنائه بما تحتاج منه أمته، إنها مهمة الفرد والمجتمع بآن معاً.
مع تقديري وشكري ثانية.

إذاً ماقولك أخي الكريم :
والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك ما بعثني الله به من النور والهدى، ما تركته حتى يظهره الله أو أموت دونه.