سناء الجاك
03-07-2006, 12:49 PM
تجاهل دعوة الرئيس اللبناني إميل لحود إلى مؤتمر القمة الفرنكوفونية شق صفوف الأكثرية النيابية التي عملت وتعمل على إقالته، والمنشقون هم موارنة، هؤلاء الأكثرية الذين خافوا من شارعهم، بعد تحريض تولاه المتربصون بالحكومة وأدانوا رئيسها المسلم فؤاد السنيورة، لأن الدعوة وجهت إليه، ما يعني أن السنيورة سلب لحود حقه. فقرئ الأمر في الأوساط المسيحية على أنه إهانة للطائفة. وبالطبع لم يتوقف الغيارى على كرامة مقام الرئاسة عند حقيقة أن «أمهم الحنون» فرنسا هي المتهمة بالتحريض على تجاهل لحود لاعتبارها مقامه الرئاسي غير شرعي بموجب القرار 1559 وحملوا السنيورة وزر هذه الجريمة التي لا تغتفر، فقط من وجهة نظر طائفية بعيدا عن مفهوم المواطنة.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن مسيحيي لبنان هم حالة فريدة في العالم العربي لأنهم ما زالوا شركاء رئيسيين في القرار السياسي اللبناني، فلا بد من الإشارة إلى أن هذه الحالة لن تبقى على فرادتها ربما، لأن وجودهم يتناقص بحيث باتوا مهددين بالتحول إلى أقلية داخل المجتمع اللبناني، إذ بالكاد يبلغون حوالي 35% من مجمل تعداد المواطنين. في حين نجد أن الأقليات الأخرى في العالم العربي لا تملك نعمة المشاركة في سراء أوطانها وضرائها. ويكفي البحث عن هذه الأقليات في فلسطين والعراق وسورية ومصر والمغرب وليبيا، لنفهم أن شيئا ما يحدث.
قد يقول قائل إن مسائل الأقليات ليست حكرا على الناطقين بلغة الضاد. وليست خصوصية لا مثيل لها على سطح الكرة الأرضية. إلا أن بروزها في ظل الواقع العربي المهدد بسيف فعلي لا مجازي للمتطرفين يعكس عوامل تفضح هشاشة التركيبات السياسية التي تسمح لقوى معينة بالعزف على وترها وعولمتها وتحويلها خاصرة رخوة لأي كيان أو مجموعة، في ظل الأوضاع الحالية المقلقة التي تعيشها المنطقة، القاصرة عن صهر مجموعاتها الدينية والإثنية والقبلية في مفهوم الدولة.
العلة موجودة: هناك أزمة أقليات تطفو على السطح حينا، وتنام في درج النسيان لفترات وتطبق مقولة ابن خلدون: «الدولة الكثيرة العصائب قَلّ أن تستحكم فيها دولة». العلة موجودة، وأصغر تفصيل يحولها كرة ثلج تتكاثر وتجرف أمن الأقليات لتفتك بأمن البلاد، لا سيما إذا تضافرت العوامل الداخلية مع العوامل الخارجية، ذلك انه لم يعد متاحا في ظل الانفتاح والعولمة إخفاء «الأخطاء» بالقمع أو التعتيم.
وإذا قرأنا في التاريخ القريب والبعيد تقاطع مصالح القوى العالمية والكيانات الصغيرة، نستنتج أن أي أزمة قد يكتب لها أن تتجاوز حدود بلد المنشأ، لتطل من الخارج وتحدث دويا يتراوح صداه بين إحراج أنظمتها ونشر غسيلها في بلاد الإفرنج أو إخراجها لتشعر بخيانة هذه الأقلية لمقومات المواطنة عبر الاستعانة بقوى أجنبية لتستقوي بها على دولتها. ويمكن لبلد المنشأ تصنيف مؤتمر «الحريات الدينية لأقليات الشرق الأوسط» في الخانتين معا، أي الإحراج والخيانة، من دون أن نغفل المبالغة في التوصيات الصادرة عن المؤتمر على شكل إعلان مبادئ نتيجة ما تعتبره ظلما لاحقا بها دون غيرها أقل ما يقال فيه إنه لا ينحصر بالأقليات وإنما يشمل الأكثريات في غالبية الدول العربية.
وإزاء هذا الواقع ينبغي البحث عن مواطن الخلل التي تؤدي إلى غياب التناغم الفعلي بين المواطنين مهما كانت الدولة التي ينتمون إليها، والى انعدام مفهوم المواطنة الكفيل بتحويل الأكثريات والأقليات مواطنين لهم هوية واحدة، مصرية كانت أم عراقية أم فلسطينية أم لبنانية أم... أم... أم عربية بكل بساطة.
ربما تكمن العلة في بعض الأجهزة «الكلاسيكية السلوك» في مختلف الأقطار العربية بحيث تلصق كل ما يرتكب بعناصر غير منضبطة، فتورط العناصر المنضبطة وتولّد مجموعة «أخطاء» تفلت أحيانا من السيطرة، ما يدفع هذه الأقليات إلى نقل هذه «الأخطاء» إلى المحافل الدولية، وتعطي من يشاء ذريعة للتدخل بحجة الحماية.
فالماضي الذي أدى إلى إنشاء الدول العربية على قياس تقاسم حصص الاستعمار للشرق الأوسط الخارج من قرون الاحتلال العثماني وليس كنتيجة واقعية وعملانية لعملية اجتماعية اقتصادية داخلية، لم ينجح في تأسيس هوية ثابتة وواضحة للخصائص النهائية في هذه الدول. لذا كانت تتصرف برد فعل عنيف حيال أي محاولة لإثارة مسألة الأقليات وصل إلى التهجير والإبادة الجماعية والحروب الأهلية والنزاعات المتواصلة. وفشلت في تأسيس مواطنة كاملة متساوية بين الجميع في الوطن الواحد، وإيضاح مفهوم العيش المشترك الكامل السيادة لجميع المواطنين وليس المساكنة القسرية التي تؤدي إلى ولاءات لن يكون الوطن ضمنها، لأن الهدف منها هو الأمان الاجتماعي والديني والنفسي. والجهة التي توفرها هي التي تستحق الولاء.
ويبقى السؤال كيف تبني الدول العربية أنظمة سياسية غير مستوردة تسمح بسيادة الأكثرية وحماية حقوق الأقليات، ومنع التمييز ضدهم وضمان دورهم في القرارات الوطنية، من دون السماح لهم بالسيطرة على الآخرين بحجة الخوف، كما نشهد في بعض الأنظمة.
نحن في لبنان نجرب الحوار، وفي فلسطين أيضا ثمة محاولة. ولكن هل نحن شعوب تجيد الحوار وتصل من خلاله إلى أهداف أو تسويات أو اتفاقات بناءة؟ هل نملك الكفاءة الفكرية والاجتماعية والسياسية لإرساء أسس الديمقراطية وليس فقط اعتمادها شكليا؟ وما هي كلفة التغيير من الداخل؟ وهل يمكن حصول هذا التغيير، أم علينا انتظار ما يأتي من الغرب علّه يسر القلب؟
صحافية لبنانية
وإذا أخذنا في الاعتبار أن مسيحيي لبنان هم حالة فريدة في العالم العربي لأنهم ما زالوا شركاء رئيسيين في القرار السياسي اللبناني، فلا بد من الإشارة إلى أن هذه الحالة لن تبقى على فرادتها ربما، لأن وجودهم يتناقص بحيث باتوا مهددين بالتحول إلى أقلية داخل المجتمع اللبناني، إذ بالكاد يبلغون حوالي 35% من مجمل تعداد المواطنين. في حين نجد أن الأقليات الأخرى في العالم العربي لا تملك نعمة المشاركة في سراء أوطانها وضرائها. ويكفي البحث عن هذه الأقليات في فلسطين والعراق وسورية ومصر والمغرب وليبيا، لنفهم أن شيئا ما يحدث.
قد يقول قائل إن مسائل الأقليات ليست حكرا على الناطقين بلغة الضاد. وليست خصوصية لا مثيل لها على سطح الكرة الأرضية. إلا أن بروزها في ظل الواقع العربي المهدد بسيف فعلي لا مجازي للمتطرفين يعكس عوامل تفضح هشاشة التركيبات السياسية التي تسمح لقوى معينة بالعزف على وترها وعولمتها وتحويلها خاصرة رخوة لأي كيان أو مجموعة، في ظل الأوضاع الحالية المقلقة التي تعيشها المنطقة، القاصرة عن صهر مجموعاتها الدينية والإثنية والقبلية في مفهوم الدولة.
العلة موجودة: هناك أزمة أقليات تطفو على السطح حينا، وتنام في درج النسيان لفترات وتطبق مقولة ابن خلدون: «الدولة الكثيرة العصائب قَلّ أن تستحكم فيها دولة». العلة موجودة، وأصغر تفصيل يحولها كرة ثلج تتكاثر وتجرف أمن الأقليات لتفتك بأمن البلاد، لا سيما إذا تضافرت العوامل الداخلية مع العوامل الخارجية، ذلك انه لم يعد متاحا في ظل الانفتاح والعولمة إخفاء «الأخطاء» بالقمع أو التعتيم.
وإذا قرأنا في التاريخ القريب والبعيد تقاطع مصالح القوى العالمية والكيانات الصغيرة، نستنتج أن أي أزمة قد يكتب لها أن تتجاوز حدود بلد المنشأ، لتطل من الخارج وتحدث دويا يتراوح صداه بين إحراج أنظمتها ونشر غسيلها في بلاد الإفرنج أو إخراجها لتشعر بخيانة هذه الأقلية لمقومات المواطنة عبر الاستعانة بقوى أجنبية لتستقوي بها على دولتها. ويمكن لبلد المنشأ تصنيف مؤتمر «الحريات الدينية لأقليات الشرق الأوسط» في الخانتين معا، أي الإحراج والخيانة، من دون أن نغفل المبالغة في التوصيات الصادرة عن المؤتمر على شكل إعلان مبادئ نتيجة ما تعتبره ظلما لاحقا بها دون غيرها أقل ما يقال فيه إنه لا ينحصر بالأقليات وإنما يشمل الأكثريات في غالبية الدول العربية.
وإزاء هذا الواقع ينبغي البحث عن مواطن الخلل التي تؤدي إلى غياب التناغم الفعلي بين المواطنين مهما كانت الدولة التي ينتمون إليها، والى انعدام مفهوم المواطنة الكفيل بتحويل الأكثريات والأقليات مواطنين لهم هوية واحدة، مصرية كانت أم عراقية أم فلسطينية أم لبنانية أم... أم... أم عربية بكل بساطة.
ربما تكمن العلة في بعض الأجهزة «الكلاسيكية السلوك» في مختلف الأقطار العربية بحيث تلصق كل ما يرتكب بعناصر غير منضبطة، فتورط العناصر المنضبطة وتولّد مجموعة «أخطاء» تفلت أحيانا من السيطرة، ما يدفع هذه الأقليات إلى نقل هذه «الأخطاء» إلى المحافل الدولية، وتعطي من يشاء ذريعة للتدخل بحجة الحماية.
فالماضي الذي أدى إلى إنشاء الدول العربية على قياس تقاسم حصص الاستعمار للشرق الأوسط الخارج من قرون الاحتلال العثماني وليس كنتيجة واقعية وعملانية لعملية اجتماعية اقتصادية داخلية، لم ينجح في تأسيس هوية ثابتة وواضحة للخصائص النهائية في هذه الدول. لذا كانت تتصرف برد فعل عنيف حيال أي محاولة لإثارة مسألة الأقليات وصل إلى التهجير والإبادة الجماعية والحروب الأهلية والنزاعات المتواصلة. وفشلت في تأسيس مواطنة كاملة متساوية بين الجميع في الوطن الواحد، وإيضاح مفهوم العيش المشترك الكامل السيادة لجميع المواطنين وليس المساكنة القسرية التي تؤدي إلى ولاءات لن يكون الوطن ضمنها، لأن الهدف منها هو الأمان الاجتماعي والديني والنفسي. والجهة التي توفرها هي التي تستحق الولاء.
ويبقى السؤال كيف تبني الدول العربية أنظمة سياسية غير مستوردة تسمح بسيادة الأكثرية وحماية حقوق الأقليات، ومنع التمييز ضدهم وضمان دورهم في القرارات الوطنية، من دون السماح لهم بالسيطرة على الآخرين بحجة الخوف، كما نشهد في بعض الأنظمة.
نحن في لبنان نجرب الحوار، وفي فلسطين أيضا ثمة محاولة. ولكن هل نحن شعوب تجيد الحوار وتصل من خلاله إلى أهداف أو تسويات أو اتفاقات بناءة؟ هل نملك الكفاءة الفكرية والاجتماعية والسياسية لإرساء أسس الديمقراطية وليس فقط اعتمادها شكليا؟ وما هي كلفة التغيير من الداخل؟ وهل يمكن حصول هذا التغيير، أم علينا انتظار ما يأتي من الغرب علّه يسر القلب؟
صحافية لبنانية