المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كلمات في الحرية ..


بي أن باجواتي
03-07-2006, 01:02 PM
هناك مؤسسات قليلة تعتبر حيوية للمحافظة على الديمقراطية وحكم القانون. وهي تشكل نفس الحياة لطريقة الحياة الديمقراطية وسيادة القانون. وإذا جففت نفس الحياة هذا، فإن الديمقراطية ستموت، وحكم القانون سينتهي.

لا مفر من أن تأخذ التسلطية مكانها. التاريخ يظهر أن أول خطوة يقوم بها حاكم عندما يتولى سلطة تسلطية هي تعطيل استقامة واستقلال هذه المؤسسات.

القضاء هو واحد من هذه المؤسسات التي يرتكز عليها صرح الديمقراطية النبيل وحكم القانون. إنه القضاء الذي توكل إليه مهمة إبقاء كل عضو في الدولة في نطاق حدود السلطة التي يمنحها الدستور والقوانين مما يجعل حكم القانون ذا معنى وفعالا. إن معظم الدول لديها دستور مكتوب يوفر البنية التي تخصص وتنظم علاقات السلطة بين مختلف أعضاء الدولة. ويمنح الدستور السلطة لمختلف أعضاء الدولة ويرسم أيضا الحدود التي يمكن لهذه السلطة أن تعمل ضمنها.

لا يكفي أن توضع فقط حدود لسلطة مختلف أعضاء الدولة، بل من الضروري التأكد من أن هذه الحدود يتم التقيد بها وليس هناك سوء استعمال للسلطة أو استعمالها بصورة خاطئة أو مفرطة.

وأنا أستعمل هنا الاصطلاح المثير "خروج الدولة على القانون" لأصف الوضع حيث هناك سوء استعمال أو استعمال خاطىء أو مفرط للسلطة من قبل الدولة أو مسؤوليها، أو، بعبارة أخرى، حيث الدولة أو مسؤولوها يتصرفون خارج الدستور بالنسبة إلى القوانين، وبذلك، يتم انتهاك حكم القانون.

ولحسن الحظ أن هذا ليس هو المسار العام لدولة عصرية، بل أحيانا تكون هناك انحرافات، وهناك انتهاك من قبل الدولة أو مسؤوليها لحقوق الفرد أو الحقوق الجماعية لطبقات الشعب بسوء استعمال السلطة أو استعمالها الخاطىء أو بتصرف خارج نطاق القانون.

إن هذا "الخروج على القانون من قبل الدولة" يجب أن يكبح من قبل القضاء. هذا هو جوهر حكم
القانون، وهو يتصل بجذور الدستورية. إنها المهمة المهيبة للقضاء أن يضمن بأن ليست هناك أداة أو سلطة دستورية أو قضائية تتصرف خارج حدود سلطتها كما لا يوجد هناك أي سوء استعمال أو استعمال خاطىء للسلطة.

إن هذه المهمة تصبح أكثر أهمية وحيوية في دولة رفاهة حديثة حيث هناك زيادة هائلة في مدى وتفصيل تنظيم الحكومة للممتلكات أو المشاريع ذات الملكية الخاصة. هناك تقديم خدمات بصورة مباشرة من قبل الحكومة لأعضاء فرديين في المجتمع، وهناك ملكية متزايدة وتشغيل من قبل الحكومة لصناعات وأعمال، كانت في وقت سابق ستشغل من قبل أيد خاصة من أجل الربح...

يجب أن يكون هدف حكم القانون أن تكون هذه الأعمال المتعددة والمتنوعة نزيهة، وعادلة ومتحررة من التعسف، ومن الضروري لذلك، أن تبنى وتنظم سلطة الفرع التنفيذي لكي يمنع سوء استعمالها أو استعمالها بصورة خاطئة أو تطبيقها أو ممارستها بصورة تعسفية.

إنه من أجل هذه الغاية، لتمكين القضاء من تنفيذ هذا العمل المهم والدقيق، منحت سلطة مراجعة السلطة القضائية إلى القضاء. والقضاء بممارسته سلطة مراجعة السلطة القضائية هذه، يسعى إلى حماية المواطن من انتهاكات لحقوقه الدستورية أو القانونية.

إن القضاء يقف بين المواطن والدولة كدعامة ضد الإفراط في سوء الاستعمال أو الاستعمال الخاطىء للسلطة أو تجاوز الحدود الدستورية أو القانونية من قبل الجهاز التنفيذي فضلا عن التشريعي.

وهناك أيضا بعض حقوق الإنسان التي تحتاج إلى إجراء إيجابي معين من قبل الدولة لتنفيذها، وحيث تتخلف الدولة عن عمل ذلك، على القضاء أن يتدخل ويفرض مثل هذا العمل الإيجابي من قبل الدولة لكي تصبح حقوق الإنسان هذه فعالة.

لذلك، من المهم جدا أن يكون القضاء متحررا كليا من ضغط أو نفوذ الجهاز التنفيذي وأن يكون مستقلا استقلالا كليا. والاستقلال هو طبعا، بل وبصورة خاصة يجب أن يتأتى من القلب. ويجب أن يمثل سمة تكون جزءا من نسيج وجود القاضي، لكن حتى مع ذلك، يجب ألا يكون القاضي يجب معرضا لتهديدات من الجهاز التنفيذي، أو إغراءات أو تهديدات ويجب أن يبقى مستقلا كليا وغير خائف.

وهذا هو السبب في أنه في جميع الدول تقريبا التي اعتنقت شكل الحكم الديمقراطي، تعطى أهمية عظيمة لاستقلال القضاء...

...إذا كان استقلال القضاء هو مثل ذلك المتطلب الأساسي لبقاء الديمقراطية على أساس حكم القانون، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا نعني باستقلال القضاء؟ ليس من السهل تحليل الأمور الجوهرية التي تعمل في اتجاه بناء مثل هذا الاستقلال والتجرد. الاصطلاح يفهم من نواح متعددة، إذ أنه يحتوي على عناصر ومكونات مختلفة.

إن ما يمكن اعتباره استقلالا للقضاء في دولة اشتراكية يمكن أن يختلف كليا عما يمكن أن يعتبر استقلالا للقضاء في ديمقراطية غربية. لكن بعبارة أشمل أستطيع التأكيد بثقة أن استقلال القضاء يعني أن القضاة يجب أن يكونوا مستقلين في البت بالقضية التي أمامهم، بصورة حصرية على
أساس الاستحقاق دون أن تكون قراراتهم بدافع الخوف أو المحاباة أو أية اعتبارات خارجية.

...وهكذا، فإنه من الناحية المفاهيمية فضلا عن وجهة النظر الواقعية العملية، استقلال القضاء ينطوي على مبدأين أساسيين هما، "استقلال القضاء كجهاز مؤسساتي" و"استقلال القضاة الأفراد،" ولا يمكن اعتبار قضاء ما مستقلا ما لم يتوفر فيه هذان الأمران الأساسيان.

إن سلطة المحاكم العليا بتعيين القضاة هي أيضا سلطة كبيرة، وفي رأيي، أنه على الأقل في دول العالم الثالث، فإن وضع هذه السلطة كليا في يد الفرع التنفيذي يحتمل أن يهدم استقلال القضاء. صحيح طبعا، أنه في معظم الدول الديمقراطية، فإن هذه السلطة تمنح للفرع التنفيذي لأن الفرع التنفيذي يحاسب على أعماله أمام الشعب عبر البرلمان.

لكن واقعيا وجوهريا، هذه المحاسبة لم تعد قائمة لأنه في كثير من الدول، عوضا عن سيطرة الفرع التشريعي على الفرع التنفيذي، فإن الفرع التنفيذي هو الذي يسيطر على الفرع التشريعي وضوابط الفرع التشريعي تكون قد اختفت.

زيادة على ذلك، أنه إذا وضعت سلطة التعيين كليا في أيدي الفرع التنفيذي، فليس مستبعدا أن أولئك الذين يطمحون للحصول على تعيينات قضائية يمكنهم أن يستعملوا وسائل الضغط على الفرع التنفيذي للحصول على محاباة بتعيينهم في منصب قضائي. وإذا جرت محاباتهم بتعيينهم في السلك القضائي، فسيحملون معهم عندئذ شعورا بالالتزام تجاه الفرع التنفيذي، وسينزعون عن غير وعي، إن لم يكن بصورة متعمدة، إلى تأييد الفرع التنفيذي في عملية الحكم القضائي.

وسيكون الموقف نفسه حيث سلطة منح الترقية تكون منوطة كليا بالفرع التنفيذي، لأنه في تلك الحالة، فإن القاضي الذي ينشد ترقية قد يكون ميالا إلى صف الفرع التنفيذي الذي لديه السلطة لترقيته. وبالطبع، فليست هناك حالات أظهر فيها قضاة جرى تعيينهم من قبل الفرع التنفيذي على أنهم مكونون من مادة صلبة ولم يترددوا في البت بقضية ضد الفرع التنفيذي.

لكن مع وجود قضاة عاديين، وغالبية القضاة هم كذلك، لا يمكن استبعاد الاحتمال بأن يجري
التأثير عليهم بذكاء لمصلحة الفرع التنفيذي حيث يكون هناك خلاف بين المواطن والدولة. وعندئذ فإن ثقة الرأي العام باستقلالية وتجرد القضاء ستتضرر.

ومن الممكن أيضا أن اعتبارات سياسية قد تؤثر على قرار تعيين أو ترقية مرشح معين لمنصب قاض، وفي سياق ذلك، قد لا يتم اختيار الشخص الأفضل، الأمر الذي سيؤثر على نوعية القضاء.

... وثمة عامل مهم له تأثير عظيم على استقلال القضاء هو أمن المنصب.

طبعا، علي أن أوضح، ولو كررت نفسي، بأن الاستقلال هو سمة يجب أن تنبع من داخل صدر القاضي. اللورد كوك لم تكن لديه ولايه مؤمّنة، ومع ذلك كان مستقلا ولا يخاف، وكانت لديه الشجاعة لتحدي الملك. لكن القضاة بشر، لديهم الضعف والإخفاق اللذين لدى الناس العاديين، ومن المحتمل أن تتأثر استقلاليتهم ونزاهتهم في القضايا التي تكون الحكومة طرفا فيها بسبب الخوف من فقدان وظائفهم.

لذلك فإن أمن المنصب ضروري جدا. إن ولاية القضاة يجب ألا تكون معتمدة على مجرد ضغط الحكومة. يجب أن تكون مؤمنة ضد إجراء تنفيذي أو تشريعي، وذلك هو السبب في أننا نجد في معظم الدساتير نصوصا تضمن أمن ولاية القضاة...

إن رواتب القضاة غير مناسبة في كثير من الدول الأمر الذي يجعل من الصعب إقناع محامين بقبول تعيينات قضائية. ونتيجة لذلك فإن أفضل المحامين ليسوا متوفرين للتعيين كقضاة، وهكذا تتأثر النوعية. كذلك نوعية واستقلال القضاء يتأثران...

وثمة عامل آخر يعطل استقلال القضاء هو اعتماد القضاء على الفرع التنفيذي من أجل الموارد. فالقضاء لا يملك سلطة الحصول على أموال. إن عليه أن يتصرف ضمن الأموال التي تخصص له في الميزانية السنوية. وهو لا يستطيع أن ينفق سنتا أكثر من ذلك حتى ولو كان ذلك ضروريا لتنسيق آلة العدالة وتحسين أدائها.

إذا أراد القضاء أن يدخل علوما وتكنولوجيا حديثة في أداء نظام المحكمة أو تعيين مزيد من القضاة بغية تسريع التخلص من قضايا، فهو لا يستطيع ذلك ما لم توفر الأموال الضرورية من قبل الفرع التنفيذي. ويمكن للفرع التنفيذي أن يلوي ذراع القضاء إذا لم يتصرف القضاء بصورة يرضى عنها أو إذا كان كبير القضاة مستقلا جدا ولا يتمشى مع الفرع التنفيذي في قضايا حساسة، مثل تعيين قضاة...

...عدا عن مصادر الخطر العادية المعروفة على استقلال القضاء، هناك مصدر خطر آخر غالبا ما لا يرى على أنه كذلك، وهو لهذا السبب أخطر من المصادر الأخرى. مصدر الخطر هذا يكمن في انتقاد القضاة بصورة غير عادلة وغير مناسبة للأحكام التي يصدرونها. هناك ميل مؤذ من جانب البعض لمهاجمة قضاة إذا لم يكن القرار متفقا مع وجهات نظرهم. طبعا، ليس هناك أي خطأ في إجراء تقويم انتقادي للحكم الذي يصدره قاض لأن العدالة، كما قال اللورد آتكن، ليست فضيلة معزولة ويجب أن يسمح لها بأن تتحمل الانتقادات المحترمة والصريحة التي يوجهها رجال ونساء عاديون.

غير أن الانتقاد غير المناسب وغير المعتدل للقضاة الناجم عن عدم الرضى عن قراراتهم يشكل تعديا خطرا على استقلالية القضاء و، أيا كان الشكل أو الصيغة اللتين يتخذهما ذلك الانتقاد ، فلا مفر من أن يكون له تأثير تفتيت استقلالية القضاء.

كل هجوم على قاض بسبب قرار أصدره أو أصدرته هو هجوم على استقلالية القضاء لأنه يمثل محاولة من قبل أولئك الذين يوجهون مثل هذا الانتقاد لإخافة تقيد القضاة بمفاهيمهم الخاصة وبذلك، يؤثرون على عملية اتخاذ القرار.

... إن القضاء هو مؤسسة. وعمله كمؤسسة حكم هو أكبر من الصورة الفردية لقاض. ومن المهم التفكير بالعناصر المكونة للمؤسسة. هذه المؤسسة تتكون من محامين وقضاة. وفي حين يحافظ القضاة على الاستقامة الشخصية إلا أن هيئة المحكمة هي التي تحافظ بشراسة على استقلالية القضاء كمؤسسة.

إن هيئة المحكمة لديها دور حيوي تلعبه في صيانة الاستقلال القضائي. على المهنة القانونية أن تعزز إرادتها وتكافح دفاعا عن استقلال القضاء. لا يكفي أن تضع مبادىء لاستقلال القضاء. هذه المبادىء ينبغي أن تنفذ، ويجب أن تستنبط استراتيجيات لتلك الغاية. وأعتقد أن من المهم أن تنشر هذه المبادىء بين المحامين، والقضاة ويجب أن يكون الشعب ملما بهذه المبادىء وأي خرق لها يجب أن يعرّى وأن يطلع عليه المحامون والقضاة والرأي العام كي يتسنى تكوين رأي عام قوي دفاعا عن استقلالية القضاء

نشرة الواشنطون