المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من أعلام التراث .. إلى يعقوب وزويل : أين هو أفق العلوم؟


ثريا الشهري
03-07-2006, 01:05 PM
أعلن الدكتور السير مجدي يعقوب، جراح القلب البريطاني، اعتزامه التعاون مع الدكتور أحمد زويل، حائز جائزة نوبل للعلوم، في أبحاث علمية ستجرى لأول مرة في العالم لإنتاج عضلات قلبية مستقبلياً، الخبر الذي يفتح المجال أمامنا لمناقشة المرجعية التي ينطلق منها، فبينما يسعدنا وجود مثل هذين العالِمين بمساهماتهما وجذورهما العربية المصرية، إلا أنه يجعلنا نتساءل عن الواقع الفعلي لحجم المعرفة العلمية في تراثنا وحاضرنا، وهل صحيح أن الحضارة العربية الإسلامية عنيت بالفقه ولغة الكلام أكثر من تصديها للعلوم؟.

لو نظرنا إلى كتب المسلمين خلال القرون الماضية لرأينا مجلدات بأكملها وقد نذرت مواضيعها للفقه والتفسير والحديث واللغة، دون أن نلحظ جهداً موازيا لما ينتظره القرآن من شرح واف لآياته في خلق الإنسان والطبيعة والكون بحاله.

ولو تخيلنا مجموعة من الناس لا تتلقى من مشايخها سوى تفاصيل الصوم والصلاة والوضوء والزكاة والتقوى، ولا تسمع دروساً في الطب والفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك، فسيتيقن لديها أنه لا يوجد علوم غير ما تتعلمه، ولا يوجد علماء غير من يدرسونها، فيطلقون عليهم لقب علماء ولا يطلقون على غيرهم لأنه وببساطة لا يوجد غيرهم، وقد تعودنا أن نعرّف اختصاصيي الطب والهندسة حتى يومنا بالأطباء والمهندسين وإن تفوقوا، ولا نقول علماء الطب والهندسة غير ما ندر وفي بعض المناسبات التكريمية، فلا عجب ومع مضي السنين وقد فقدنا مَلَكة المحاكمة العقلية والتفكير التي هي بنية البحث العلمي أن نصاب بداء الجهل، ومع ذلك تجدنا في كل محفل نبدي التمرد والاحتجاج، مع أن الإنسان لا يطلب الأشياء إلا بحسب معرفته بها، فالذي لا يعرف شيئاً، لا يطلب شيئاً، ولكن السؤال: هل نعرف أننا لا نعرف؟

ولا نعني بكلامنا نهوض المجتمع علمياً، وتخلفه إدارياً ودستورياً وقانونياً كما مر بالدولة السوفيتية التي فتحت أبواب جامعاتها للعلم وجمدت أركان دولتها اللينينية على مبدأ الحزب الواحد وديكتاتورية البروليتاريا التي لم تتناسب أطروحاتها مع وعي المواطنين الذي اكتسبوه من خلال علومهم، ليتراجع الحزب الشيوعي وبعد أن كان في عام 1917 أمام الناس، ليغدو في عام1987 عثرة تنعكس بتصلبها على علاقة الشعب بالدولة والسلطة.

إنها النقطة الفطنة التي لم يقع فيها النبي عليه الصلاة والسلام عند تأسيسه للدولة، التي جاءت تبعاً للتطور التاريخي آنذاك، ولاستيعاب الناس لعلومهم تحديداً، لتوصف دولته بالمنفتحة التي لم تغلق وتحكم حلقاتها إلا في عهد معاوية، فلا نبدو اليوم ونحن ندافع عن الإسلام الذي وصلنا، إلا وكأننا نحامي عن الإسلام التاريخي الذي قُيد، وليس عن التنزيل الرحب الذي أوحي به.

إذا قلنا ان الحضارة العربية الإسلامية كان لها تأثير على النهضة الأوروبية بدءا بنقل الفلسفة وترجمتها إلى اللاتينية، كمثل كتب ابن رشد، أو ابن سينا في الطب، وابن الهيثم في الضوئيات والبصريات، يبقى السؤال العالق: أين حضور هؤلاء المذكورين في العقل العربي؟ ألم تحرق كتب ابن رشد في شوارع قرطبة على يد علمائها ومات صاحبها في المنفى؟ استفسار آخر: لم كان لابن رشد صولاته وجولاته في الفكر الأوروبي ولم يكن لغيره لدى الأوروبيين ما يشابه تأثيره كالشافعي والأشعري وابن عربي على سبيل الذكر والتفكّر؟ على كل، لم يقف العقل الأوروبي يجّتر ابن البيطار وابن النفيس وغيرهما ولكنه تجاوزهم جميعاً وبمراحل بعيدة حتى أصبحوا من منسياته وشأن مؤرخيه. فهل استطعنا نحن أن نتجاوز أعلامنا في صنع أصول جديدة غير التي أتوا بها؟

تعلقنا بما آل إلينا تعلق الذي يؤمن بأنه المخرج والحل، إلى أن أصبح تراثنا ينشر كما هو، فيقدم بطبعات أنيقة وأعداد وفيرة على أنه الإسلام الحقيقي.

لو نظر أحدنا إلى قطرة دم بالعين المجردة، فسيرى سائلاً أحمر، ولو نظر آخر إلى نفس القطرة ولكن باستعمال المجهر، فحتماً سيجزم برؤية أمور مغايرة، وهنا قد تقع الإشكالية فيتأزم الموقف بين الشخصين، مع أن لكل منهما وجهة حق، ولكن اختلاف أداة المعرفة، أدى إلى اختلاف الناتج، مما يعني أن المعرفة أسيرة أدواتها، أي أن تقدمنا في عصرنا مرتهن بمقاطعتنا لما شاع استعماله في القرنين الثاني والثالث الهجري، فإذا ما فهمنا غير ما رآه السلف، فهو أمر طبيعي بل وحتمي، ولقد صاغ خالقنا كتابه بحيث يتماشى مع نظم المعرفة وأدواتها مهما تطورت، حتى وكأنه صيغ من أجلها، فلا إعجاز أكبر، وبما أن أسباب النصر وأسباب الهزيمة مطواعة للخلق أجمعين، فلم ينشغل غير المسلمين في صنع الحضارة الإنسانية بعلمائهم، ولا نفتأ نحن ندور حول عقدنا السياسية والدينية المزمنة بجمود يقتات على إرث الأمس! كلمة قصيرة: تحتاج نهضة بلادنا إلى آلاف علمائها العرب وعلى أرضها في مختلف التخصصات وأدقها، بمعاهد أبحاث علمية فعلية «لا» شكلية صورية.

المصدر : الشرق الاوسط