المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة فـي عجز الميزان التجاري لعام 2005


جمانة غنيمات
03-07-2006, 03:48 PM
معلوم أن الميزان التجاري هو الفارق بين إجمالي الصادرات والمستوردات ، فإذا ما زادت المستوردات عن الصادرات شكلت ما يعرف بالعجز التجاري وإذا ما زادت الصادرات عن المستوردات شكلت الفائض التجاري، ويعتبر العجز في الميزان التجاري من أكثر المخاطر التي تهدد اقتصاديات الدول خصوصا التي تعاني من حالات عجز مزمن كما هو حال الميزان التجاري الأردني.

ومردودات العجز التجاري خطيرة على الاقتصاد الوطني وعديدة ومنها اتساع ظاهرة الفقر في المجتمع الأردني، وانخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع معدلات البطالة ، وانخفاض موارد الحكومة المالية وبالتالي تدني قدرتها على الإنفاق على الخدمات فهذه النتائج الخطيرة بسبب ما يستنزفه من موارد مالية هائلة جدا خارج المملكة ، والتي بلغت قيمتها منذ عام 2001 ولغاية عام 2005 نحو 8ر12 مليار دينار إلى ما يعادل 3ر18 مليار دولار اميركي منها 4ر7 مليار دينار خلال عامي 2004 و2005 .

هذه المبالغ لو قدر لها في ظل افتراض وجود فائض تجاري أن تستوطن في سوق الاستثمار الأردني لحققت نهضة اقتصادية كبيرة جدا نتيجة لما لها من قدرة على توظيف موارد بشرية ضخمة إن لم تمتص كامل البطالة فجزء كبير منها، وإيجاد قدرة عالية من الطلب على السلع والخدمات كما ستتحقق عوائد مجدية وعالية على الاستثمار بما يعظم من الدخل القومي ، وبالتالي إنعاش عملية توزيع الدخل وإعادة توزيعه بين مختلف شرائح المجتمع ، إضافة إلى تعزيز إيرادات الخزينة العامة للدولة نتيجة لما تتقاضاه من ضرائب ورسوم نتيجة لتحسن اقتصاد الوطن وليس نتيجة لزيادة نسبة الجباية في ظل محدودية الدخل الفردي والقومي، مع الإدراك بان سبب قوة الدول المتقدمة اقتصاديا هو إصرارها على تحقيق فوائض تجارية في موازينها التجارية.

لقد سجل العجز في ميزان التبادل التجاري الأردني مستوى قياسيا في عام 2005 فبينما بلغ 1635 مليون دينار و1887 مليون دينار في عامي 2002 و 2003 على التوالي فقد ارتفع في عام 2005 إلى 4375 مليون دينار بزيادة نسبتها 44% دينار عما كان عليه في عام 2004 حينما بلغ 3046 مليون ، وتصاعد العجز بهذه الحدة عائد لارتفاع قيمة المستوردات بأكثر مما ترتفع الصادرات فبينما ارتفعت الصادرات من 2753 مليون دينار في عام 2004 إلى 3038 مليون دينار في عام 2005 فقد ارتفعت المستوردات خلال فترة المقارنة من 5799 مليون دينار إلى 7412 مليون دينار.

والملاحظ على عجز الميزان التجاري الأردني تصاعده بوتائر سريعة جدا خصوصا في السنتين الأخيرتين ، مما يؤكد على وجه اليقين وجود خلل بنيوي وهيكلي بمكونات قطاع تجارة الأردن الخارجية والسياسات الاقتصادية العامة ذات العلاقة به .

لا يمكن إغفال المسيرة التاريخية لهذا العجز السنوي على امتداد عقود من الزمن ، وقبل ارتفاع أسعار النفط في العامين الأخيرين، كما أن آثار ارتفاع أسعار النفط علي ارتفاع العجز التجاري في عام 2005 لا تشكل السبب الحقيقي أو الرئيسي لهذا العجز، ففاتورة النفط ومشتقاته ارتفعت من 1080 مليون دينار في عام 2004 إلى 1663 مليون دينار في عام 2005 وعند تحييد عامل ارتفاع أسعار النفط البالغة 584 مليون دينار في عام 2005 فان الزيادة المتبقية في العجز التجاري التي لا علاقة لها البتة بارتفاع أسعار النفط قد بلغت 745 مليون دينار، علما بان ارتفاع قيمة فاتورة النفط ليس سببه الوحيد ارتفاع أسعاره العالمية بل وجود أسباب أخرى منها زيادة كميات الاستهلاك المحلي من هذه الموارد التي ارتفعت حسب المصادر الرسمية من 9ر3 مليون ط في عام 2004 إلى 2ر4 مليون طن في عام 2005 .

أما أسباب تفاقم ظاهرة العجز التجاري فتعود لمجموعة من العوامل في مقدمتها ضعف كفاءة السياسات الاقتصادية العامة المتبعة كالسياسات التجارية والاستثمارية والصناعية والنقدية والإدارية، في استيعاب احتياجات الأردن التنموية وخصوصا في مجالات تنمية إمكانيات الأردن الصناعية والاستثمارية ذات التأثير المباشر على كل من الصادرات والميزان التجاري، إضافة لضعف كفاءة منظومة الاتفاقيات التجارية والاقتصادية المعقودة مع الدول التكتلات الاقتصادية الدولية منها والإقليمية.

ولهذه الاتفاقيات نتائج سلبية في فتح السوق الأردني على مصراعيه أمام حركة الاستيراد من الدول الأخرى دون مراعاتها لظروف الأردن الاقتصادية وحاجته لرعاية قاعدته الصناعية الوطنية من الدخول في منافسة غير متكافئة مع المنتجات المستوردة من الخارج، مع العلم أن المبالغة في انفتاحية الاقتصاد الوطني على الاقتصاد العالمي دون ضوابط يخالف حتى المنهجية الاقتصادية الرأسمالية المتبعة لدى الدول الصناعية الأكثر تقدما واللبرالية والتي تفرض بأساليب ذكية نوعا من القيود الاقتصادية على تعاملاتها الاقتصادية والتجارية مع الدول الأخرى بما يعزز من قوتها الصناعية ويخدم مصالحها الاقتصادية.

هذا النمط من الإدارة الاقتصادية الذي يبدو اقتصادنا الوطني بأمس الحاجة إليه أخيرا ما يحتاجه الأردن في مجال معالجة أوضاعه التجارية الصعبة التي يمر بها والتي يعكسها العجز الضخم في ميزان التجاري الآخذ بالتصاعد عاما بعد عام، هو الارتقاء بصناعة القرار الاقتصادي إلى مستوى التحدي الذي تفرضه خطورة العجز في الميزان التجاري وآثاره السلبية على الاقتصاد الوطني، ومن ثم إعادة هيكلة مكونات قطاع تجارة الأردن الخارجية بما يتضمنه من وزارات ودوائر ومؤسسات، وإعادة تشكيل وصياغة السياسات المالية والنقدية والصناعية والإدارية لتتواءم مع أهداف تنشيط وتفعيل دور الاستثمار وعلى وجه الخصوص الإنتاجي السلعي لبناء صناعة وطنية قادرة على الإنتاج المنافس محليا وخارجيا تمكنها من تلبية احتياجات السوق المحلي من المنتجات إلى جانب زيادة الصادرات الوطنية بما يعيد على اقل تقدير التوازن بين شطري المستوردات والصادرات إن لم يكن تحقيق فائض تجاري أسوة بالكثير من الدول التي نجحت بشكل مذهل في تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي.