عبدالواحد عبدالقادر علواني
02-11-2004, 01:24 PM
طرحت مسألة المرأة إسلامياً في وقت مبكر جداً أيام النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك أن الدين الجديد كان بمواجهة إرث اجتماعي تقليدي لا يمنح المرأة كينونتها الإنسانية، فعهد ما قبل الإسلام – وإن لم يخلُ من استثناءات معدودة _ كان يخضع المرأة لنظرة تبالغ في الحط من قيمتها، وهذا ما دعا عامة الناس لأن تتطير من الأنثى عند ولادتها، وتنظر إليها كبلاء لا بد من ضبطه وإخضاعه لمقاييس حازمة، وقد انتقد القرآن هذه النظرة صراحة: ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم) النحل/58، وقد شكل ما جاء به الإسلام من رفع لمكانة المرأة صدمة للذهنية السائدة آنئذ، ومنذ ذلك الوقت لم ينقطع الجدل حول المرأة ومكانتها ووضعها الاجتماعي والفقهي والمعرفي والسياسي...، واختلفت الآراء وتباينت الرؤى حول هذه المسألة الحيوية التي تمس نصف المجتمع.
وفي العصر الحديث؛ طرحت أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مسألة المرأة بقوة في المجتمعات الإسلامية، وكان النموذج الغربي الجديد المثال الذي أحتذي من قبل عدد كبير من أنصار المرأة الجديدة، فكان الصدام الحاد بين تيارات تتراوح بين التغريب والتقليد والوسطية، ونبع هذا الصدام بشكل أساسي من التناقض الشديد بين الشكل الغربي الذي تأثر به عدد من الداعين إلى تحرر المرأة وفق النموذج الغربي، وبين الشكل التقليدي الذي عاشته المرأة خلال القرون التي شهدت جموداً وتراجعاً واضحاً عن المسيرة الحضارية للإسلام (التي امتدت إلى عدة قرون ثم انتكست بفعل التفكك الداخلي والانقسامات والحروب التي تفشت بين المسلمين من جهة وبينهم وبين المتربصين بهم من جهة أخرى).
وقد تفاقمت الإشكالية مع الشكل الحديث للعمل والاقتصاد والدولة والثقافة والفنون، أو ما يمكن تسميته بالحراك الحداثي، الذي طرح إشكاليات جديدة،كان لها تأثير كبير على وضع المرأة، فنشأة المؤسسات طرحت قضية عمل المرأة، وعمل المرأة طرح قضايا اجتماعية واقتصادية وفقهية جديدة غير مألوفة، وبزخم شديد حول الساحة إلى مثار نقع قلما تقاربت فيه الرؤى.
وخلال قرن كامل تقريباً واجه الفكر الإسلامي بتياراته ومذاهبه نماذج متعددة وفق الإيديولوجيات التي جثمت على الساحة. ومع التحولات العاصفة في أواخر القرن وظهور تيارات جديدة أخذت مسألة المرأة شكلاً جديداً، حاولت تيارات عديدة استخدام هذه الإشكالية للنيل من الدين الإسلامي وأحكامه وتشريعاته وآلياته وتاريخه، وجوبهت هذه التيارات بتيارات مضادة بينت مكانة المرأة وفق تصورها الذي استندت فيه إلى اجتهادات في فهم نظرة الإسلام إلى المرأة، وأصبحت إشكالية المرأة عاملاً مشتركاً بين مختلف الحوارات والجدالات الفكرية، بل وحتى السياسية، وما إن تعقد الندوات وحلقات النقاش حتى يكون وضع المرأة أحد المحاور الأساسية التي يفتتح بها كل طرف مواجهته للآخر. وقد شهدنا في الآونة الأخيرة عدداً من الندوات البحثية التي تحاول إقامة ساحة تداول بين مختلف التيارات، لم تسهم كثيراً في تقاربها، ولكنها دعت معظم المساهمين فيها إلى مراجعة آرائهم وإعادة النظر فيما يطرحونه وفيما يطرحه الآخرون، وهذه – برأيي – السمة الأكثر فائدة في هذا الإطار.
والطريف في هذه الندوات التي تبحث في شؤون المرأة ودورها ومكانتها، الحضور الضئيل للمرأة كباحثة ومساهمة في بناء الرؤى، وإن كان لهذا الأمر مسوغات سابقاً بسبب القصور في تعليم المرأة ومشاركتها، فإن الراهن يزخر بباحثات رصينات لهن إسهامات في مختلف العلوم عامة والعلوم الدينية أيضاً، وفي إحدى الندوات العالمية على مستوى العالم الإسلامي والمسلمين في العالم برمته، حاولت أن أعثر على اسم امرأة أسهمت ولو ببحث، ولم يكن هناك امرأة واحدة بين أكثر من ألف باحث وعالم قدموا من أكثر من خمسين دولة، وعندما تساءلت عن هذا الأمر، عزا أحد المنظمين الأمر إلى موضوع الندوة والذي كان يتعلق بالتقريب بين المذاهب الإسلامية، مع أن عدداً كبيراًَ من مسائل الاختلاف تتعلق بوضع المرأة والاختلافات الفقهية بشأنها! وهذا الأمر يتداركه بعضهم على استحياء، ويهمله الكثيرون ولا يأبهون به مع أنهم يحرصون على اتخاذ موقف المنافح عن مكانة المرأة والمجاهد في سبيل حقوقها إذا لزم الأمر.
ومع ذلك لا يخل الأمر من علامات طيبة وجادة في سبيل تأصيل وضع المرأة وبيان حقوقها وأهميتها في المجتمع الإسلامي، ومن هذا القبيل المؤتمر الغني بالمساهمين والأفكار والندوة الطيبة التي أقيمت في الكويت. والتي دعت إليها كلية الشريعة بالمشاركة.
ويتبين من الأوراق التي قدمت إلى هذا المؤتمر والشخصيات الفكرية التي شاركت فيه ذلك التنوع الإيجابي الذي تناول قضية المرأة المعاصرة في المجتمعات العربية والإسلامية، تحت شعار النهوض بواقع المرأة مطلب شرعي وضرورة اجتماعية، ومن الملاحظ أن عدد المشاركات كان 9 مقابل 24 مشاركاً، أي بنسبة 27% للإناث، ونسبة 63% للذكور، وهي نسبة جيدة نسبياً ولكنها لا تلبي الطموح، وخاصة أن جميع مشاركات المرأة تمت في الملتقى النسائي الذي أقيم على هامش المؤتمر، أي أن الجدول الأساسي للمؤتمرين خلا من أية مشاركة نسائية سوى كلمة مديرة الجامعة في حفل الافتتاح، ولم تخل فعاليات الملتقى النسائي من حضور الرجل من خلال مشاركين.
وقد قدم الدكتور محمد عمارة بحثاً بعنوان (أهلية المرأة ومكانتها من الرجل ومن المشاركة في العمل العام) وهو بحث سبق نشره ولم يعد خصيصاً للمؤتمر، وكما يبدو فإن د.عمارة لم يراجع أو يعدل أية فقرة من بحثه، ومع ذلك فإن بحثه هذا جدير بالقراءة والتمعن، إذ أنه يتجول بحرفية الباحث الجاد في أعماق التاريخ والتراث ليقدم جولة غنية في مواقف وأحداث تبين المكانة التي تمتعت بها المرأة في الماضي المضيء للحضارة الإسلامية، وهو إذ يقدم السياق التاريخي والتراثي، إنما يقدم الرؤية الحقيقية للأوضاع التي تقلبت فيها المرأة، وكيف مارست دوراً فعالاً ومؤثراً في مجرى الأحداث وبناء المجتمع على مدى قرون طويلة، وكذلك بوسعنا إخضاع هذا الجهد إلى ساحة بحث أنثروبولوجي وحفر معرفي يكشف عن قيمة المرأة والنظرة الحقيقة السائدة في صدر الحضارة الإسلامية، وهي بلا شك تعيننا على فهم حقوق المرأة وتقدم مادة طيبة لإعادة النظر في كينونتها إسلامياً. وخاصة أن ما يقدمه د.عمارة، يتناول في معظمه الحقبة النبوية المباركة، ثم يعرج في القسم الأخير على الخلافة الراشدة.
بينما يقف الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، في موقف الداحض للزعم الذي يشير إلى مكانة منقوصة للمرأة في الإسلام، وهو أيضاً يتكئ على كتاب سبق أن أصدره، ولكن بنوع من الاختصار والإلمام بالنقاط الأساسية لمنتقدي وضع المرأة في الإسلام، وذلك من خلال التركيز على حقوق أساسية ثلاثة، ففي مشاركته المعنونة(ردود على أوهام حول حقوق المرأة في الإسلام) وهو عنوان إشكالي لأن (الأوهام) تدور حول النقص لا على الحقوق، يتعرض د. البوطي لمسائل الميراث والشهادة وحرية العمل والحرية السياسية، ثم يختتم بالوقوف على مشكلات تقليدية يتم تداولها عند مناقشة وضع المرأة في الإسلام: القوامة، الحجاب، رئاسة الدولة.
ويقدم الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني محاضرة بعنوان: (المرأة المعاصرة والآفاق الإعلامية والدعوية)، يتطرق فيها إلى الجانب الإعلامي والدعوي لدور المرأة، ومع جرأة بعض ما يطرحه د. البيانوني نسبياً، فإنه يعرض علينا سياقاً عاماً لا يقدم رؤية جديدة في إطار ما ذهب إليه في عنوان محاضرته، ويغلب على محاضرته بعض الارتجال، ويختتم محاضرته القصيرة بمقترحات تتعلق بوضع المرأة بشكل عام وليس في الإطار الدعوي والإعلامي فقط!
أما خليل علي حيدر الذي يقدم بحثاً بعنوان (المرأة المعاصرة بين التشريع الإسلامي والنظام القانوني، فإنه يبدأ بالإشارة إلى رفض الإسلاميين للحقوق التي أقرت من قبل الأمم المتحدة، وذلك من خلال إشارته إلى أحد المؤتمرات التي بحثت هذا الموضوع، ولكن حيدر يحاول جاهداً ألا يقف عند مواقف معينة وإن كان يشير إليها، فهو يشير إلى الآراء التي تنصف المرأة وتعطيها الحقوق وتحاول رفع الحيف عنها سواء في بعض الآراء والأدبيات الفقهية والاجتماعية الموروثة أو الممارسات المختلفة في المجتمعات الإسلامية، ويحشد في هذا الإطار عدة آراء لرموز الفكر الإسلامي المعاصر، وينطلق من ثم لمناقشة المرأة بشكل عام من خلال مناقشة الواقع العام للعالم الإسلامي ومشكلاته، مشيراً على الأسباب والدوافع، وعندما يحلل وضع المرأة في القوانين العربية، فإنه يستعين بتقسيم الدول إلى ثلاث مجموعات هي:
المجموعة الأولى: التي تبنت أنظمة اجتماعية متقدمة مثل تونس والصومال والعراق، مع الإشارة إلى التناقض الحاد بين القانون والواقع، وعجز القانون إلى التحول إلى ناظم حقيقي، لأنه يخالف الرؤية العامة والتقاليد المحلية.
المجموعة الثانية: ذات تشريعات مرنة اجتماعياً مثل سورية والأردن ومصر، وتتمتع بنظرة متحررة نسبياً.
المجموعة الثالثة: مثل دول الخليج، فمنها ما يقارب نمط المجموعة الثانية مثل البحرين والكويت، أما ما تبقى فإنها تختص بغلبة التيار السلفي حيث هناك حدود العرف العام التي تؤخذ بالاعتبار.
ويستعين حيدر بالأرقام كي تقدم الواقع بشكل حقيقي، ويتجول بين بعض التفصيلات في القوانين في عدد من الدول، ثم يبحث في المحاولات الإصلاحية، ويعرض قضية من المغرب، ليختتم بنتائج وتوقعات.
ويعقب الأستاذ محمد عدنان سالم، فيوضح نقاط الاتفاق مع الأستاذ حيدر، ويرى أن هذا البحث يميل نحو الموضوعية والحياد في طرح رؤية الليبراليين والإسلاميين، ويشير إلى أن الإسلاميين بدؤوا في طرح قضايا المرأة بعد طول تجاهل لأنها كانت بالنسبة إليهم أوهاماً في رؤوس العلمانيين، ويشيد بالحوارات العلمانية الإسلامية. ويرى الأستاذ سالم أن مشكلة المرأة في المجتمعات الإسلامية هي مشكلة اجتماعية وليست مشكلة دينية، أي عائدة إلى الأعراف والتقاليد في المقام الأول، ويدعو المرأة إلى المشاركة في حل قضيتها ونيل حقوقها. ويناشد العلمانيين والإسلاميين عدم إضاعة الفرصة التي تتيحها المؤتمرات للنقاش والتداول والتواصل.
ويبدأ الدكتور محمد الرميحي بحثه بالإشارة إلى ضرورة التأكيد على حق المرأة على تسنم المواقع الاجتماعية طالما أنها تدفع ضريبة الانتماء إليه كالرجل من خلال قول مقتبس، ويمهد بذلك للحديث عن تاريخ تحرير المرأة عالمياً، ثم يتحدث عن قاسم أمين والهجوم الذي تعرض له من قبل المحافظين، ويناقش أفكاره وردود الفعل عليها، ومن الإشارة إلى وضع المرأة الخليجية يدلف الرميحي إلى دراسة الثقافة السائدة وموقفها من المرأة، ثم إلى الوضع القانوني، ثم إلى تأثيرات العولمة على وضع المرأة الخليجية، وفي خاتمة بحثه يرى الرميحي أن المرأة العربية تتعرض للكثير من أشكال الظلم والتمييز، ويرى الحل في الانفصال عن إرث القرون الماضية إلى آفاق جديدة.
ويناقش الأستاذ أحمد الديين وضع المرأة في الخطاب التقدمي معتمداً النموذج الكويتي من خلال بعض البرامج والحركات التي أدت في النتيجة إلى نيل المرأة بعضاً من حقوقها أخيراً وخاصة في حقل الحقوق السياسية.
ويدرس الدكتور غازي التوبة تطور خطاب دعاة التحرر في قضية المرأة المعاصرة، فيدرس آراء قاسم أمين، وساطع الحصري، ومحمد شحرور، ونصر حامد أبو زيد، ويختتم بحثه بالتعليق على قول للمستشرق لويس الذي يراهن على عوامل ثلاثة في سبيل تغريب الشرق الأوسط هي إسرائيل وتركيا والمرأة.
والبحث الوحيد الذي تمكنت من الاطلاع عليه لإحدى الباحثات كان بحث الأستاذة عزة الرباط، وهو بعنوان: جذور العمل الإسلامي الدعوي النسوي، واقعه وإشكالياته المعاصرة.
وتنطلق الرباط من موقف الداعية في عرضها للنموذج التاريخي للإعلام والدعوة الإسلامية (النسوي خاصة)، وعرض للإعلام النسائي المعاصر وضرورة تطويره، وعرض نجاحاتها المحدودة، وتبحث دور الداعيات وبعض الحلول المقترحة، وضرورة تقويم الحركات وتثمينها من خلال معايير إسلامية عصرية.
إن ما قدم في هذا المؤتمر، والتنوع من حيث الأطاريح والتيارات ليدل على أهمية هذا المؤتمر ،مع انه لم يخرج كثيرا من إطار ما يتوقع منه عادة، ولكن يبقى التداول مفيداً ومبشراً بالتفاعل والتواصل.
وفي العصر الحديث؛ طرحت أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مسألة المرأة بقوة في المجتمعات الإسلامية، وكان النموذج الغربي الجديد المثال الذي أحتذي من قبل عدد كبير من أنصار المرأة الجديدة، فكان الصدام الحاد بين تيارات تتراوح بين التغريب والتقليد والوسطية، ونبع هذا الصدام بشكل أساسي من التناقض الشديد بين الشكل الغربي الذي تأثر به عدد من الداعين إلى تحرر المرأة وفق النموذج الغربي، وبين الشكل التقليدي الذي عاشته المرأة خلال القرون التي شهدت جموداً وتراجعاً واضحاً عن المسيرة الحضارية للإسلام (التي امتدت إلى عدة قرون ثم انتكست بفعل التفكك الداخلي والانقسامات والحروب التي تفشت بين المسلمين من جهة وبينهم وبين المتربصين بهم من جهة أخرى).
وقد تفاقمت الإشكالية مع الشكل الحديث للعمل والاقتصاد والدولة والثقافة والفنون، أو ما يمكن تسميته بالحراك الحداثي، الذي طرح إشكاليات جديدة،كان لها تأثير كبير على وضع المرأة، فنشأة المؤسسات طرحت قضية عمل المرأة، وعمل المرأة طرح قضايا اجتماعية واقتصادية وفقهية جديدة غير مألوفة، وبزخم شديد حول الساحة إلى مثار نقع قلما تقاربت فيه الرؤى.
وخلال قرن كامل تقريباً واجه الفكر الإسلامي بتياراته ومذاهبه نماذج متعددة وفق الإيديولوجيات التي جثمت على الساحة. ومع التحولات العاصفة في أواخر القرن وظهور تيارات جديدة أخذت مسألة المرأة شكلاً جديداً، حاولت تيارات عديدة استخدام هذه الإشكالية للنيل من الدين الإسلامي وأحكامه وتشريعاته وآلياته وتاريخه، وجوبهت هذه التيارات بتيارات مضادة بينت مكانة المرأة وفق تصورها الذي استندت فيه إلى اجتهادات في فهم نظرة الإسلام إلى المرأة، وأصبحت إشكالية المرأة عاملاً مشتركاً بين مختلف الحوارات والجدالات الفكرية، بل وحتى السياسية، وما إن تعقد الندوات وحلقات النقاش حتى يكون وضع المرأة أحد المحاور الأساسية التي يفتتح بها كل طرف مواجهته للآخر. وقد شهدنا في الآونة الأخيرة عدداً من الندوات البحثية التي تحاول إقامة ساحة تداول بين مختلف التيارات، لم تسهم كثيراً في تقاربها، ولكنها دعت معظم المساهمين فيها إلى مراجعة آرائهم وإعادة النظر فيما يطرحونه وفيما يطرحه الآخرون، وهذه – برأيي – السمة الأكثر فائدة في هذا الإطار.
والطريف في هذه الندوات التي تبحث في شؤون المرأة ودورها ومكانتها، الحضور الضئيل للمرأة كباحثة ومساهمة في بناء الرؤى، وإن كان لهذا الأمر مسوغات سابقاً بسبب القصور في تعليم المرأة ومشاركتها، فإن الراهن يزخر بباحثات رصينات لهن إسهامات في مختلف العلوم عامة والعلوم الدينية أيضاً، وفي إحدى الندوات العالمية على مستوى العالم الإسلامي والمسلمين في العالم برمته، حاولت أن أعثر على اسم امرأة أسهمت ولو ببحث، ولم يكن هناك امرأة واحدة بين أكثر من ألف باحث وعالم قدموا من أكثر من خمسين دولة، وعندما تساءلت عن هذا الأمر، عزا أحد المنظمين الأمر إلى موضوع الندوة والذي كان يتعلق بالتقريب بين المذاهب الإسلامية، مع أن عدداً كبيراًَ من مسائل الاختلاف تتعلق بوضع المرأة والاختلافات الفقهية بشأنها! وهذا الأمر يتداركه بعضهم على استحياء، ويهمله الكثيرون ولا يأبهون به مع أنهم يحرصون على اتخاذ موقف المنافح عن مكانة المرأة والمجاهد في سبيل حقوقها إذا لزم الأمر.
ومع ذلك لا يخل الأمر من علامات طيبة وجادة في سبيل تأصيل وضع المرأة وبيان حقوقها وأهميتها في المجتمع الإسلامي، ومن هذا القبيل المؤتمر الغني بالمساهمين والأفكار والندوة الطيبة التي أقيمت في الكويت. والتي دعت إليها كلية الشريعة بالمشاركة.
ويتبين من الأوراق التي قدمت إلى هذا المؤتمر والشخصيات الفكرية التي شاركت فيه ذلك التنوع الإيجابي الذي تناول قضية المرأة المعاصرة في المجتمعات العربية والإسلامية، تحت شعار النهوض بواقع المرأة مطلب شرعي وضرورة اجتماعية، ومن الملاحظ أن عدد المشاركات كان 9 مقابل 24 مشاركاً، أي بنسبة 27% للإناث، ونسبة 63% للذكور، وهي نسبة جيدة نسبياً ولكنها لا تلبي الطموح، وخاصة أن جميع مشاركات المرأة تمت في الملتقى النسائي الذي أقيم على هامش المؤتمر، أي أن الجدول الأساسي للمؤتمرين خلا من أية مشاركة نسائية سوى كلمة مديرة الجامعة في حفل الافتتاح، ولم تخل فعاليات الملتقى النسائي من حضور الرجل من خلال مشاركين.
وقد قدم الدكتور محمد عمارة بحثاً بعنوان (أهلية المرأة ومكانتها من الرجل ومن المشاركة في العمل العام) وهو بحث سبق نشره ولم يعد خصيصاً للمؤتمر، وكما يبدو فإن د.عمارة لم يراجع أو يعدل أية فقرة من بحثه، ومع ذلك فإن بحثه هذا جدير بالقراءة والتمعن، إذ أنه يتجول بحرفية الباحث الجاد في أعماق التاريخ والتراث ليقدم جولة غنية في مواقف وأحداث تبين المكانة التي تمتعت بها المرأة في الماضي المضيء للحضارة الإسلامية، وهو إذ يقدم السياق التاريخي والتراثي، إنما يقدم الرؤية الحقيقية للأوضاع التي تقلبت فيها المرأة، وكيف مارست دوراً فعالاً ومؤثراً في مجرى الأحداث وبناء المجتمع على مدى قرون طويلة، وكذلك بوسعنا إخضاع هذا الجهد إلى ساحة بحث أنثروبولوجي وحفر معرفي يكشف عن قيمة المرأة والنظرة الحقيقة السائدة في صدر الحضارة الإسلامية، وهي بلا شك تعيننا على فهم حقوق المرأة وتقدم مادة طيبة لإعادة النظر في كينونتها إسلامياً. وخاصة أن ما يقدمه د.عمارة، يتناول في معظمه الحقبة النبوية المباركة، ثم يعرج في القسم الأخير على الخلافة الراشدة.
بينما يقف الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، في موقف الداحض للزعم الذي يشير إلى مكانة منقوصة للمرأة في الإسلام، وهو أيضاً يتكئ على كتاب سبق أن أصدره، ولكن بنوع من الاختصار والإلمام بالنقاط الأساسية لمنتقدي وضع المرأة في الإسلام، وذلك من خلال التركيز على حقوق أساسية ثلاثة، ففي مشاركته المعنونة(ردود على أوهام حول حقوق المرأة في الإسلام) وهو عنوان إشكالي لأن (الأوهام) تدور حول النقص لا على الحقوق، يتعرض د. البوطي لمسائل الميراث والشهادة وحرية العمل والحرية السياسية، ثم يختتم بالوقوف على مشكلات تقليدية يتم تداولها عند مناقشة وضع المرأة في الإسلام: القوامة، الحجاب، رئاسة الدولة.
ويقدم الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني محاضرة بعنوان: (المرأة المعاصرة والآفاق الإعلامية والدعوية)، يتطرق فيها إلى الجانب الإعلامي والدعوي لدور المرأة، ومع جرأة بعض ما يطرحه د. البيانوني نسبياً، فإنه يعرض علينا سياقاً عاماً لا يقدم رؤية جديدة في إطار ما ذهب إليه في عنوان محاضرته، ويغلب على محاضرته بعض الارتجال، ويختتم محاضرته القصيرة بمقترحات تتعلق بوضع المرأة بشكل عام وليس في الإطار الدعوي والإعلامي فقط!
أما خليل علي حيدر الذي يقدم بحثاً بعنوان (المرأة المعاصرة بين التشريع الإسلامي والنظام القانوني، فإنه يبدأ بالإشارة إلى رفض الإسلاميين للحقوق التي أقرت من قبل الأمم المتحدة، وذلك من خلال إشارته إلى أحد المؤتمرات التي بحثت هذا الموضوع، ولكن حيدر يحاول جاهداً ألا يقف عند مواقف معينة وإن كان يشير إليها، فهو يشير إلى الآراء التي تنصف المرأة وتعطيها الحقوق وتحاول رفع الحيف عنها سواء في بعض الآراء والأدبيات الفقهية والاجتماعية الموروثة أو الممارسات المختلفة في المجتمعات الإسلامية، ويحشد في هذا الإطار عدة آراء لرموز الفكر الإسلامي المعاصر، وينطلق من ثم لمناقشة المرأة بشكل عام من خلال مناقشة الواقع العام للعالم الإسلامي ومشكلاته، مشيراً على الأسباب والدوافع، وعندما يحلل وضع المرأة في القوانين العربية، فإنه يستعين بتقسيم الدول إلى ثلاث مجموعات هي:
المجموعة الأولى: التي تبنت أنظمة اجتماعية متقدمة مثل تونس والصومال والعراق، مع الإشارة إلى التناقض الحاد بين القانون والواقع، وعجز القانون إلى التحول إلى ناظم حقيقي، لأنه يخالف الرؤية العامة والتقاليد المحلية.
المجموعة الثانية: ذات تشريعات مرنة اجتماعياً مثل سورية والأردن ومصر، وتتمتع بنظرة متحررة نسبياً.
المجموعة الثالثة: مثل دول الخليج، فمنها ما يقارب نمط المجموعة الثانية مثل البحرين والكويت، أما ما تبقى فإنها تختص بغلبة التيار السلفي حيث هناك حدود العرف العام التي تؤخذ بالاعتبار.
ويستعين حيدر بالأرقام كي تقدم الواقع بشكل حقيقي، ويتجول بين بعض التفصيلات في القوانين في عدد من الدول، ثم يبحث في المحاولات الإصلاحية، ويعرض قضية من المغرب، ليختتم بنتائج وتوقعات.
ويعقب الأستاذ محمد عدنان سالم، فيوضح نقاط الاتفاق مع الأستاذ حيدر، ويرى أن هذا البحث يميل نحو الموضوعية والحياد في طرح رؤية الليبراليين والإسلاميين، ويشير إلى أن الإسلاميين بدؤوا في طرح قضايا المرأة بعد طول تجاهل لأنها كانت بالنسبة إليهم أوهاماً في رؤوس العلمانيين، ويشيد بالحوارات العلمانية الإسلامية. ويرى الأستاذ سالم أن مشكلة المرأة في المجتمعات الإسلامية هي مشكلة اجتماعية وليست مشكلة دينية، أي عائدة إلى الأعراف والتقاليد في المقام الأول، ويدعو المرأة إلى المشاركة في حل قضيتها ونيل حقوقها. ويناشد العلمانيين والإسلاميين عدم إضاعة الفرصة التي تتيحها المؤتمرات للنقاش والتداول والتواصل.
ويبدأ الدكتور محمد الرميحي بحثه بالإشارة إلى ضرورة التأكيد على حق المرأة على تسنم المواقع الاجتماعية طالما أنها تدفع ضريبة الانتماء إليه كالرجل من خلال قول مقتبس، ويمهد بذلك للحديث عن تاريخ تحرير المرأة عالمياً، ثم يتحدث عن قاسم أمين والهجوم الذي تعرض له من قبل المحافظين، ويناقش أفكاره وردود الفعل عليها، ومن الإشارة إلى وضع المرأة الخليجية يدلف الرميحي إلى دراسة الثقافة السائدة وموقفها من المرأة، ثم إلى الوضع القانوني، ثم إلى تأثيرات العولمة على وضع المرأة الخليجية، وفي خاتمة بحثه يرى الرميحي أن المرأة العربية تتعرض للكثير من أشكال الظلم والتمييز، ويرى الحل في الانفصال عن إرث القرون الماضية إلى آفاق جديدة.
ويناقش الأستاذ أحمد الديين وضع المرأة في الخطاب التقدمي معتمداً النموذج الكويتي من خلال بعض البرامج والحركات التي أدت في النتيجة إلى نيل المرأة بعضاً من حقوقها أخيراً وخاصة في حقل الحقوق السياسية.
ويدرس الدكتور غازي التوبة تطور خطاب دعاة التحرر في قضية المرأة المعاصرة، فيدرس آراء قاسم أمين، وساطع الحصري، ومحمد شحرور، ونصر حامد أبو زيد، ويختتم بحثه بالتعليق على قول للمستشرق لويس الذي يراهن على عوامل ثلاثة في سبيل تغريب الشرق الأوسط هي إسرائيل وتركيا والمرأة.
والبحث الوحيد الذي تمكنت من الاطلاع عليه لإحدى الباحثات كان بحث الأستاذة عزة الرباط، وهو بعنوان: جذور العمل الإسلامي الدعوي النسوي، واقعه وإشكالياته المعاصرة.
وتنطلق الرباط من موقف الداعية في عرضها للنموذج التاريخي للإعلام والدعوة الإسلامية (النسوي خاصة)، وعرض للإعلام النسائي المعاصر وضرورة تطويره، وعرض نجاحاتها المحدودة، وتبحث دور الداعيات وبعض الحلول المقترحة، وضرورة تقويم الحركات وتثمينها من خلال معايير إسلامية عصرية.
إن ما قدم في هذا المؤتمر، والتنوع من حيث الأطاريح والتيارات ليدل على أهمية هذا المؤتمر ،مع انه لم يخرج كثيرا من إطار ما يتوقع منه عادة، ولكن يبقى التداول مفيداً ومبشراً بالتفاعل والتواصل.