المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أنوار وفاطمة: فلسطينيتان بمواصفات غير عادية


عبد الباسط خلف
10-07-2006, 10:41 AM
أنوار وفاطمة: فلسطينيتان بمواصفات غير عادية

كتب عبد الباسط خلف :
في كل يوم تطل قضية عمل المرأة برأسها، وتنشر العديد من التراكمات التي تلتف حول الأيدي العاملة الناعمة التي أكرهت على الجفاف. الأرقام لا تبشر بالخير على الصعد كلها: الأجور لحواء العاملة متناقصة مقارنة بالرجل، البطالة مرتفعة، مواقع صنع القرار في العمل محظورة، الحقوق الصغيرة والكبيرة مهضومة، التمييز يتفشى كنسخة أخرى من الالتهاب الرئوي اللانمطي أو " السارس"…
تشرع "حوارات"بنسج مشهد ثنائي إلى مركب يسلط بقعة ضوء على حالتين تستحقان الانتقال الحر للآخر، بكفاحهن وتحديهن ومحاولتهن للرقي بواقعهن القاتم…
اضطهاد
لفاطمة إبراهيم حكاية ذات نكهة مختلفة، فهي المرأة المكافحة التي نالت قسطاً من التعليم الثانوني، لكن ضيق ذات يد والدها دفعها للجلوس على مقاعد الاحتياط والاكتفاء كما تقول بالتفرج على نظيراتها الجامعيات .
بدأت فاطمة تحتفظ ببعض القصاصات الصحافية التي لها علاقة بهمومها، مؤخرا كانت موفقة،كما تقول، في الحصول عبر شقيق صديقتها على كتاب شاهد على المستقبل الذي أصدرته جامعة بيرزيت من وحي خمسين مقابلة إذاعية أجريت مع العدد نفسه من الشخوص( 44 مسؤولاً وقائد رأي وست نساء فقط).
لخصت الكثير من لقاء مع مدير عام جمعية المرأة العاملة للتنمية، آمال خربشة التي تحدثت في غير شأن ضمن إطار المرأة العاملة، تقول فاطمة استنادا لخربشة: " المرأة العاملة تقوم بكافة أعباء المنزل والقضايا المتعلقة بتربية وتنشئة الأولاد، بالإضافة إلى الهم الذي يفرضه الواقع السياسي على النساء الفلسطينيات، فكزنهن إناث عاملات وجزء من الشعب الفلسطيني، فهن يواجهن اضطهادا مركباً يطبع كافة نواحي حياتهن اليومية"
تهميش وتمييز
ترى فاطمة أنها وجدت من يشير عن حالها، فما قالته السيدة آمال يندرج عليها، وتتابع التفاعل مع ما قرأت : إن مسألة التهميش من أكبر المشاكل التي تواجه المرأة، فلا تعتبر مواطناً كامل الأهلية، ويتعامل معها على أنها إنسان من الدرجة الثانية لكونها أنثى، لأن المجتمع الفلسطيني محافظ وعشائري، وطابع التهميش وعدم التعامل مع النساء بكامل الأهلية العقلية والعاطفية، وعدم الاعتراف بقدراتهن أو إفساح المجال لتطوير قدراتهن وغياب سياسات للنهوض بوضعية المرأة وصولا إلى المساواة .
رتبت فاطمة معارفها، وطورت من فعاليتها، كما وصفت، فامتلكت تأكيداٌ مفاده: أن المجتمع يدفع أولاً بالنساء لسوق البطالة، اعتقادا أن الرجال هم المعنيون بمسؤولية الأسرة. والأولوية لعمل الرجال وهذا ما نراه في كافة المشاريع التي تقوم بها السلطة ( مشاريع التشغيل الطارئ، مكافحة البطالة ) الأولوية للرجال .
تتابع مراقبة المشهد الذي رسمته السيدة آمال بشأن فلسفة تمييز مسبق في ذهن المشغلين، فالنساء يعملن بالأساس في قطاع النسيج والخياطة رغم ضربه نتيجة الإغلاق، والاعتماد على السوق الإسرائيلية، كما يعملن في مجال السكرتاريا، وبعض الصناعات التحويلية، وبعض قطاعات العمل غير الرسمي، وأصحاب العمل يفضلون تشغيل النساء اعتقادا منهم أنه ليس لديهن القدرة على المطالبة بالحقوق وتشكيل لجان عمالية والتوجه للنقابات.
لم تندهش كثيراً فاطمة عندما قرأت أن العاملات في مجال الصناعات التحويلة يأخذن نصف أجر العامل الذي يقوم بنفس المهنة، رغم أن لديهن خبرة أطول من العامل .
تقدم نصيحة لنظيراتها، المكافحات مفادها: التثقيف القانوني منعاً للاستغلال،واعتقد أن المرأة و العاملة إذا ما طورت وعيها العمالي فهي تكمل بذلك خيوط التحدي التي نسجتها…

شقاء ونجاح
استذكرت أنوار نايف أبو سيفين،31عاماً، تفاصيل حكاية نجاحها وكفاحها الصغيرة، وبدت مرحة رغم طعم العلقم الذي أذاقته لها الأيام … وكأن الأخيرة عادت للابتسام في وجهها ومنحتها نجاحات لافتة، وهي تجلس في سوق بلدتها التجاري لتكمل مشوارها بتناقضات عذابه وعذبة .
تروي قبل أيام من يوم العمال العالمي أو الأول من أيار قصة زواجها قبل اثني عشر عاماً، وكيف عاشت وشريكها في الحياة والنضال قدري فراسيني، في غرفتين متواضعتين، وسيطر عليهما ضيق ذات اليد، إذ أن زوجها بدأ بالعمل وراء الحاجز الأخضر، في قطاع الإنشاءات الشاق، لكن حادث عمل طارد عافيته، وسبب له كسرا في ظهره وأضحى بفقرة صاعدة وأخرى هابطة، حتمت عليه العمل بشروط جديدة .
تسرد استنادا لذاكرتها، تحولت وقدري للعمل المشترك، وأخذنا ننخرط في أعمال صغيرة، سعياً وراء الارتزاق، وشرعنا في جمع بقايا القش والقمح لمربي الماشية مقابل القليل من المال والكثير من الشقاء، ثم تحولنا لجني ثمار الزيتون واللوز وفق نظام "الحصة" مع مالكي الحقول، و تعرب أنوار عن ارتياحها في العمل رغم الإرهاق الكبير، وتقول أن المرأة إذا ما كافحت فذلك دليل على هويتها و وجودها .
تضيف : قبلها فتشنا عن نوافذ تسهل علينا حياتنا، وتوفر لنا اليسير من المال، فبدأنا في تربية الحمام وبيع منتجاته وأخذنا نفكر يوماً بعد يوم في تطوير مشروع محترم، يكفل لنا حياة كريمة، فأسست وزوجي في منزلنا محلاً لتسويق الدواجن وتنظيفها. وأخذنا نعمل كيد واحدة، ونطوف في البلدان المجاورة بحثا عن الدواجن، وتعلمت طرائق الذبح، وتحولت لمتخصصة في تنظيف الدواجن على أكمل وجه .
تتوقف أنوار، عند مشكلة واجهتها فخلال رحلتها أخذت النساء بالتشكيك في شرعية قيامها بذبح الدواجن، في قضية تعتقد بأنها مفارقة كون الرجال لا يهتمون بمسألة كهذه، لكنها لم تتوقف عن عملها واتجهت لمنحة شرعية عبر مفتي قريتها رمانة، الواقعة شمال جنين، الذي أكد لها أن بوسع المرأة وحتى خلال فترتي النفاس والحيض ممارسة الذبح، لكن بعض النسوة لازلن " يضعن العربة أمام الحصان " ولم يؤمن بالمسألة، لأكثر من سبب، وربما يتدخل الجهل والمورث السيئ من العادات والتقاليد التي لا أصل لها .
عصامية بالتوارث
تلقت أنوار كما أشقائها، دروس العصامية وتحقيق الذات من والدتها هدى فؤاد، أم ساطي، التي قدمت لبلدة زوجها دون أن يكون في جعبتهم أي شيء، وانطلقت وزوجها في رحلة إثبات الذات وتحقيقها، عبر زراعة الخضراوات المختلفة في حقلهم المتواضع لينشئ الأب بمساعدة زوجته غرفتين، وتواصل الأم عملها في زراعة السمسم وتجهيز الفريكة، فيما أخذ الأب بالعمل في مقهى القرية وتسويق منتجات بسيطة كالسحلب والمثلجات عبر الدراجة الهوائية خاصته، ويطور عصاميته في ضمان مقاصف مدارس القرية والبلدات المجاورة، بمساعدة بناته الأربع، وأولاده الستة، واتجهوا لاحقا لبيع المسليات في القرية خلال مواسم الأعراس .
لكنه ووفق أنوار، فقد اثنين من أصابع يده خلال تحضيره الفلافل، ولم يثنه الحادث عن مواصلة كفاحه الشاق .
تعود الابنة لحكاية والدتها، التي تنحدر من أم لبنانية، وكانت تتلقى نصيبا وافرا من العيش الرغيد، كونها الأصغر سنا بين أخواتها الأربع وشقيقيها، ولم تعاني في صباها ولم تواجه الشقاء .
الصيدلاني السائق
تنتقل أنوار إلى فصل آخر من حكاية والدتها، التي جاهدت كثيرا لتعليم أولادها، فالابن ساطي، المتفوق في دراسته والعصامي منذ صغره، سافر إلى الأردن لدراسة الصيدلة، بخلاف رغبته في الطب، لكن ضيق ذات اليد دفعته للعمل والتعلم معا، فكان يشتغل سائقا، وفي إعطاء الطلبة دروسا خصوصية . تسترسل : كلنا تحول لجسم واحد، وساعدنا بعضنا البعض في التعليم، فالأخ الأكبر درس الصيدلة في جامعة أهلية، فيما تخصص يوسف في المحاماة واتجه وديع للمحاسبة، وآثر ربيع التضحية بدراسته لإعانة إخوته، ولم يرغب الصغير مطيع بإكمال مشواره العلمي، في الوقت الذي ساعدت فيه العمة خيرية، ابنة الثامنة والخمسين، الابن ساطي والأشقاء في إكمال تحصيلهم العلمي، وتستعد اليوم لتعليم قريبتها عطاء .
هبة
تصف أنوار الصورة المثالية التي يجب أن يكون عليها الزوجين بالناصعة البياض والمشرقة، فحين تعمل الزوجة بجانب شريك عمرها وبمساعدة الأطفال، فإن حال الأسرة سيكون إيجابيا للغاية، وتشير إلى طفلتها الكبرى هبة، 11 ربيعاً، التي باتت في تجاربها وما تحمله من قيم تفوق عمرها أضعافا كثيرة، فتحولت لساعدها الأيمن في المنزل وكأنها نسخة طبق الأصل من أمها التي دمجت بين مقاعد الدراسة والعلم، لدرجة أنها أتقنت الخبز في الطابون العربي وهي ابنة العاشرة، إضافة لتعلمها فنون الطبخ .
فيما أخذت معلمات القرية يضربن المثل لطالباتهن غير المجتهدات بحكاية نجاح عائلة أبي ساطي، لحثهن على التفوق والاجتهاد والمثابرة وأن الدنيا " تأخذ غلابا "

عن أزهار أيضا
تنتقل أنوار للحديث عن شقيقتها وشريكتها في النجاح، أزهار، التي اقترنت بشقيق زوجها محمد فراسيني، وشكلا حالة نجاح لافت، إذ تخلت الزوجة عن مصاغها وابتاعت قطعة أرض وشقيق زوجها، واتجهت لزراعة البامية والكوسا، فيما كان محمد يعمل في داخل الخط الأخضر، وعندما فقد مصدر رزقه، تحول لبيع الملبوسات وتجارة الشنطة، لكن الجدار الفاصل الذي أقامه الاحتلال وعزل عديد القرى وصادر آلاف الدونمات على امتداده 115 كلم في محافظات جنين وقلقيلية وطولكرم آتى على أحلام هذه العائلة، واضطر الزوج لبدء معاناة أخرى، فراح يحزم بضائعه في حقائب وابتاع حمارا لهذه الغاية، وفي إحدى المرات طاردته دورية للاحتلال، كلفته إلقاء كل ما في جعبته من قوت الأسلاك الشائكة، واضطر لربط ركوبته من يديها ورجليها ثم جرها من تحت البوابة الحديدية حتى تمكن من النجاة ومعه حصيلة أسابيع من النقود … واليوم استطاعت أزهار شراء حصة شقيق زوجها من الأرض، أنشأت فوقها حديقة .
تعود أنوار، إلى حكايتها ثانية، فقد تمكنت وشريك حياتها من تسديد ديون تراكمت عليهما، فاقت العشرين ألف شيقل . وتسترسل: أعمل وزوجي في محلنا ونهتم به كثيرا، منذ إطلاقه قبل ثلاث سنوات ونيف، وصرت منذ ذلك اليوم، أجمع بين عملي في المنزل وما يتطلبه الأمر من رعاية لأبنائي الستة، الذي كان أخرهم التوأم ذا ثلاث سنوات .
واليوم تفكر في إضفاء لمسة حداثة إلى عملها، إذ تفكر في الدخول إلى ميدان تربية الدواجن، مثلما تدأب منذ زمن على ابتياع الدجاج من المزارع القريبة بنفسها، ودون تدخل الوسطاء، عقب تراجع المبيعات بفعل الجدار العنصري، ولا زالت تذكر جيدا كيف كان الحال قبل سنتين حين استمرت وزوجها ولفترة طويلة في تجهيز حوالي مائتي دجاجة بشكل يومي منذ الصباح الباكر ليتحول الزوج لتسويقها داخل الخط الأخضر .
يد مألومة
بدورها تروي عبير أبو حماد صديقة أنوار، كيف كان التعب ينال من يدي زميلتها، لدرجة تضاعفت سماكتها ثلاث مرات بفعل العمل في قطاف نباتات البامية، التي تسبب حساسية وتتصف باحتواء بعضها على الأشواك ولكن ذلك لم يثن أنوار على المضي قدما نحو تأكيد الذات وبناء النجاح دون الالتفات إلى الأيدي المألومة .
تسدل أنوار الستار على حكايتها برسم مشهد لعائلتها الممتدة التي تنتسب إليها وتدين لها بالنجاح، فالجميع يعمل كاليد الواحدة، ويتحلق الأب والأم والأبناء والأحفاد، حول مائدة واحدة تعيد مجد العائلة الكبيرة التي عفى عليها الزمن …
لكنها تستذكر شغفها بالانضمام للحركة النسوية الفاعلة، إلا أن المسألة تجابه بضغط العمل الملقى على كاهلها، وتقول في رسالة لنظيراتها : إذا استطعت تحقيق ذاتك، فإن احترامك لنفسك سيزداد، مثلما سيرتفع منسوب تقدير زوجك ومجتمعك، لأنك تحملين غاية وتسعين لهدف نبيل ولأمر يحتاج لسهر وتعب وتضحية .

إيناس عبد الرحيم
10-07-2006, 01:20 PM
أنوار وفاطمة

لكن منا كل التحية، أتمنى أن نجد في شعنا نساء أخريات مثلكن

من جديد

شكرا لموقع حوارات
الرائع