د. أحمد محمد أحمد الجلي
16-07-2006, 01:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
أثارت الاراء العقدية حول عودة المسيح وظهور المهدي، والأحكام الفقهية الصارخة حول جواز تزوج المسلمة من كتابي وإمامة المرأة للصلاة، وغيرها من الآراء التي اعلنها الدكتور حسن الترابي في السودان، أثارت موجة من ردود الفعل بلغت درجة من الحدة أدت إلى رميه بالدجل والزندقة والكفر، والحكم بخروجه من الملة والدين. وأصدرت منظمات شرعية رسمية(مجمع الفقه الإسلامي) وغير رسمية (الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان)، حكمها بكفره،كما طالبت بعض تلك الجماعات الدولة بتفعيل تلك الأحكام وتنفيذ حكم الردة فيه.
وبصرف النظر عن صحة تلك الاجتهادات أو بطلانها،فإنَّ ظاهرة التكفير،لم تكن الأولى من نوعها في السودان،بل سبقتها أحداث قاد بعضها إلى القتل ،وتمثل بعضها في ظهور جماعات اعتدت على المساجد وقتلت مرتاديها من المسلمين.وحقيقة فإنَّ الظاهرة تمثل جزءاً مما يحدث في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي من مظاهر التكفير، واصدار الأحكام على المخالفين في المذهب والرأي. وما يرتبط بها من استباحة الدماء وسفكها، وترويع الآمنين من قبل جماعات رغم تعدد مرجعباتها ،وتوجهاتها،فإنَّها جميعاً تحمل لواء الإسلام.الأمر الذي وضع المسلمين جميعاً والإسلام نفسه في مواجهة الاتهام بالارهاب وثقافة الاقصاء. وسنحاول في هذه المقالة تتبع الظاهرة في المجتمعات الإسلامية،والكشف عن أصولها الفكرية المزعومة في الثقافة الإسلامية.
والظاهرة لا شك لها جذور في التاريخ الإسلامي . فإنَّ قضية التكفير والحكم على المخالفين بالمروق من الدين، من المسائل التي أثيرت خلال التاريخ الإسلامي من قبل بعض الجماعات، لعلَّ من أقدمها جماعة الخوارج الذين لم يكفروا فقط من خالفهم الرأي، بل قاتلوه واستباحوا دمه وماله .وترتب على إثارة الخوارج للقضية بتلك الحدَّة ، نتائج عملية كان لها أثر سالب في حياة المجتمع الإسلامي واستقراره.
ولكن ظاهرة التكفير لم تقتصر على الخوارج، بل سرعان ما سرت إلى بعض الطوائف والفرق التي تباينت آراؤها حول بعض المسائل السياسية (الشيعة والسنة)،أو العقدية( الفرق الكلامية)،وأسهم الجدل الكلامي ،والفلسفي فيما بعد في إثارة ذلك الاختلاف،وانتشار الظاهرة وتعميقها. فالجاحظ المعتزلي،(ت:255ﻫ)،كما يحكي عنه الخياط في كتابه "الانتصار"، يقول: " ما علمنا فرقة من أهل الملَّة سلمت من ذلك، (يعنى التكفير) ، فهذه الخوارج يكفر بعضها بعضاً ، وهذه الروافض يكفر بعضها بعضاً . وهذه المجبرة فرق مختلفة وبعضها يكفر بعضاً .. فهو ( أي التكفير )، لازم لفرق الأمة أجمعين" .وامتد الزمان بهذه الظاهرة إلى عهد الإمام أبي حامد الغزالي، (450-505هـ )، الذي وضع كتابه:" فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة"، لمعالجة هذه الظاهرة، وشكا أيضاً من تفشيها ، قائلاً: " إنَّ كل فرقة تكفر مخالفها ،وتنسبه إلى تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالحنبلي يكفر الأشعري، زاعماً أنَّه كذب الرسول فى إثبات الفوق لله تعالى، وفى الاستواء على العرش . والأشعري يكذبه زاعماً أنَّه مشبه وكذب الرسول في أنَّه تعالى ليس كمثله شيء ، والأشعرى يكفر المعتزلي زاعماً أنَّه كذب الرسول فى جواز رؤية الله تعالى، وفى إثبات العلم والقدرة والصفات له ، والمعتزلي يكفر الأشعري زاعماً أنَّ إثبات الصفات تكثير للقدماء وتكذيب للرسول فى التوحيد.
والغزالي نفسه لم يسلم من هذه الممارسة،فقد شنَّ حملة شعواء على من عرفوا بالفلاسفة المسلمين لا سيما ابن سينا والفارابي،وتعرض في كتابه:" تهافت الفلاسفة"، لمقولاتهم،وبيَّن تهافت حججهم في سبع عشرة مسألة،وعلى تكفيرهم في ثلاث مسائل:قولهم بقدم العالم، ،و أنَّ الله تعالى لا يحيط علماً بالجزئيات الحادثة من الأشخاص،و انكارهم بعث الأجساد وحشرها.
وبصرف النظر عن صحة أحكام الغزالي على الفلاسفة،أو عدم صحتها، فإنَّ ظاهرة التكفير استمرت ، ،واستشرت في المجتمعات العربية والإسلامية ، وشملت دوائر المتكلمين والفلاسفة والصوفية والفقهاء وغيرهم،وانتهت ببعض اتباع تلك التيارات إلى القتل.وفي العصور المتاخرة ،ظهرت بعض الجماعات التي حملت لواء التكفير ولعل من أشهرها جماعة التكفير والهجرة،التي كفرت المسلمين عامةً وخاصة، حكاماً وعلماء ،ودعت إلى مفارقة جماعة المسلمين وهجرة مجتمعاتهم.
ولكن هل هذه الظاهرة تعود إلى الثقافة الإسلامية-كما يدعي البعض؟
حقيقة إذا ما رجعنا إلى الثقافة الإسلامية،نجد أنَّ مصطلح الكفر في اللغة يدل على الستر والتغطية،و الزراع سموا كفاراً ، لأنَّهم يسترون الحب بالتراب ويغطونه ،كما ورد في قوله تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً) الحديد:20. واستخدم المصطلح للدلالة على كل اعتقاد أو قول أو فعل ينقض أركان الإيمان.كانكار الألوهية والربوبية،أو الرسالة أو انكار ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو جحد شيء مما ثبت بالنصوص القطعية الثبوت والدلالة، إلى غير ذلك من المكفرات التي اعتبرت مخالفة للفطرة.
- والكفر بهذا المفهوم قسمان:
كفر أصلي ،وهو كفر كل من لم يقر بالشهادتين. ومنه كفر المشركين،من أصحاب الديانات الوثنية والوضعية،والملاحدة الذين أنكروا وجود الله تعالى،.و كفر أهل الكتاب ( اليهود والنصارى)،ممن لم يقروا لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، فهؤلاء كلهم يطلق عليهم مصطلح الكفر كما تدل على ذلك قطعيات النصوص، والاجماع.وهذا الكفر وصف لحالة لا يترتب عليها من قبل المسلمين عمل عدائي ،بل غاية ما هناك كراهية هذه الحالة وعدم الرضى عنها،و دعوة هؤلاء إلى الإيمان والتوحيد والاقرار برسالة الرسول عليه السلام.وكل آيات القرآن الكريم تدل على امكانية التواصل مع هؤلاء، رغم وصمهم بالكفر،والتعاون معهم ما داموا غير مقاتلين ،ولم يظهروا العداوة للمسلمين. وعلى هذا تحمل الآيات التي أمر الله فيها بالسلم، وأباح فيها الإحسان للكفار، كقوله تعالى :( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ") ،سورة الممتحنة 8.وذلك لأنَّ الحكم في قضية الكفر والإيمان-كما تدل على ذلك النصوص الشرعية- شأن أخروي مرده إلى الله تعالى يوم القيامة: (وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ، اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (الحج: 68-69) ،( وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) البقرة:113
والثاني الكفر غير الأصلي ( الطاريء).وهو الكفر الذي يقع فيه من كان على أصل الإسلام،من أهل القبلة ( المسلمين).وهو نوعان:
الكفر الأكبر الذي يخرج المسلم من الملَّة بالنسبة لأحكام الدنيا،ويوجب له الخلود في النار بالنسبة لأحكام الآخرة،وهو، المناقض لأصل الإيمان.
والكفر الأصغر، الذي ينقص الإيمان،ويوجب لصاحبه الوعيد في النار دون الخلود فيها ،و لا ينقل صاحبه من ملَّة الإسلام بل يدمغه بالفسوق أو العصيان،ولهذا النوع من الكفر صور كثيرة يدخل فيها كل ما أطلق عليه النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الكفر من الأقوال والأفعال والأحوال ،مثل قتال المسلم،وضرب المسلمين بعضهم رقاب بعض ،وقوله صلى الله عليه وسلم:" إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما". إلى غير ذلك من الأحاديث التي ورد فيها اطلاق الكفر.
والكفر بالمعنى الأول يقابله الإيمان،فيقال مؤمن وكافر،كما في قوله تعالى:( فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ )، البقرة:253. والكفر بالمعنى الثاني يقابله الشكر-فالإنسان إما شاكر للنعمة أو كافر بها.قال تعالى:( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)، الإنسان:3. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال:"رأيت النار فإذا أكثر أهلها النساء،يكفرن،قيل أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان،لو أحسنت إلى احداهنَّ الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت:ما رأيت منك خيراً قط"وفي تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ) المائدة:44..قال ابن عباس ليس بكفر ينقل عن الملة.وقال عطاء بن أبي رباح:" كفر دون كفر".
و الكفر بمعنى الخروج من الملة، من المسائل التي تحوط فيها الشرع احتياطاً شديداً،وأوجب التثبت وعدم التسرع في اطلاق لفظ الكفر ،لأمرين: أولهما: أنَّ الكفر بهذا المفهوم تترتب عليه آثار عملية ،و يلحق من يوصم به أحكام في الدنيا قبل الآخرة, من ذلك استحلال دمه إذا لم يتب عن ردته، ، كما يفقد ،حق النصرة والولاية من المجتمع الإسلامي،فلا يُغسَّل بعد قتله، ولا يُكفَّن و لا يُصَلَى عليه،و لا يدفن في مقابر المسلمين.كما أنَّه لا يرث و لا يورث،و لا يحل لزوجته البقاء معه، حيث يفسخ عقد الزواج تلقائياً ويفرق بينهما، ،ويحكم عليه بالخلود في النار ،والحرمان من الجنة.وثانيهما: لما ورد في القرآن والسنة، من التحذير من تكفير المسلم ،كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)، النساء: 94. ومثل قوله صلى الله عليه وسلم : " أيَما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما،إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه" . وقد سيق الحديث لزجر المسلم من أن يقول ذلك لأخيه المسلم ،وقيل معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره،فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره،فالراجع التكفير لا الكفر،فكأنه كفر نفسه لكونه كفر من هو مثله".
من أجل ذلك وضع العلماء قواعد وضوابط التزموا بها وراعوها حين الحكم على الناس في مسائل الإيمان والكفر،ومن تلك الضوابط : عدم تكفير المعين،إذ فرقوا في أمر التكفير بين تكفيرشخص معين والتكفير على وجه الإطلاق.فالنصوص الواردة بالتكفير لمن عمل أعمالاً معينة مطلقة،قد لا ينطبق حكمها على شخص بعينه لعدم قيام الشروط اللازمة لتحقق الكفر،أو انتفاء الموانع. لذلك أطلقوا القول بتكفير من تلبس بالكفر ،فيقال:من قال كذا، أو فعل كذا، فهو كافر،ولكن الشخص المعين الذي اعتقد ذلك الاعتقاد،أو قال ذلك القول، أو فعل ذلك الفعل،لا يحكم بكفره إطلاقاً حتى تجتمع فيه الشروط، وتنتفي الموانع، وذلك بأن لا يكون جاهلاً ولا متأولاً ولا مكرهاً و لا مخطئاً ولا مقلداً.لذلك قالوا: بالعذر بالجهل،فلا يكفر من قال قولاً أو اعتقد اعتقاداً أو فعل فعلاً جاهلاً بحقائق الدبن فيه أو لم تبلغه تلك الحقائق.أو وقع في ما يكفر نتيجة خطأ بأن قصد أمراً فوقع منه غيره .وكذلك يعذر من كان مكرهاً على قول أو فعل يبدو من خلاله الكفر ،أو كان لديه شبهة تأويل لها سند من الشرع أو اللغة . أو بلغ مبلغاً من الجهل لا يستقل بادراك تلك الحقائق فوقع في المكفرات نتيجة لتقليد أو اتباع غيره من غير بينة .فهذه كلها أعذار تقف دون الحكم على الشخص بالكفر والخروج من الدين.
فهذه الموانع تدل على مبلغ حرص الشرع على وجوب التحقق من وقوع الكفر من فاعله ،حتى لا يسفك دم معصوم بالتهمة والشك.ولعلَّ في هذا تذكرة لمن يمارسون التكفير بطريقة غير منضبطة بضوابط الشرع ومن غير اعتبار لتوافر شروط التكفير وانتفاء موانعه. ومن جانب آخر فلا بد من التذكير بأن التأكيد على هذه الموانع والضوابط ،لا يعني التهاون في تكفير من ثبت عليه وصف الكفر وتحققت فيه شروطه ،بل المسألة تعالج وفقاً لضوابط محددة ،فلا يكفر إلا من صدق عليه الحكم وقام به.
وهكذا نرى أنَّ الثقافة الإسلامية ثقافة لا تسند المتعجلين في أحكامهم،وفتاواهم بالتكفير،وهي ثقافة تحمل قدراً كبيراً من التسامح وقبول للآخر ، المخالف في المعتقد و الرأي و.وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن تكون الهيئات الإسلامية الرسمية وغير الرسمية،والجماعات الإسلامية التي تحمل لواء الدعوة إلى الله تعالى، رائدة في اشاعة ثقافة الحوار ،وعدم التعجل في اصدار الأحكام ،وملاحقة أصحاب الاراء المخالفة بغير وسائل الاقناع وإقامة الحجة ،وأن تدعوا إلى قبول الآخر ،والاستماع إليه ،واحترام رأيه.
د.أحمد محمد أحمد الجلي
الإمارات العربية المتحدة
أثارت الاراء العقدية حول عودة المسيح وظهور المهدي، والأحكام الفقهية الصارخة حول جواز تزوج المسلمة من كتابي وإمامة المرأة للصلاة، وغيرها من الآراء التي اعلنها الدكتور حسن الترابي في السودان، أثارت موجة من ردود الفعل بلغت درجة من الحدة أدت إلى رميه بالدجل والزندقة والكفر، والحكم بخروجه من الملة والدين. وأصدرت منظمات شرعية رسمية(مجمع الفقه الإسلامي) وغير رسمية (الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان)، حكمها بكفره،كما طالبت بعض تلك الجماعات الدولة بتفعيل تلك الأحكام وتنفيذ حكم الردة فيه.
وبصرف النظر عن صحة تلك الاجتهادات أو بطلانها،فإنَّ ظاهرة التكفير،لم تكن الأولى من نوعها في السودان،بل سبقتها أحداث قاد بعضها إلى القتل ،وتمثل بعضها في ظهور جماعات اعتدت على المساجد وقتلت مرتاديها من المسلمين.وحقيقة فإنَّ الظاهرة تمثل جزءاً مما يحدث في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي من مظاهر التكفير، واصدار الأحكام على المخالفين في المذهب والرأي. وما يرتبط بها من استباحة الدماء وسفكها، وترويع الآمنين من قبل جماعات رغم تعدد مرجعباتها ،وتوجهاتها،فإنَّها جميعاً تحمل لواء الإسلام.الأمر الذي وضع المسلمين جميعاً والإسلام نفسه في مواجهة الاتهام بالارهاب وثقافة الاقصاء. وسنحاول في هذه المقالة تتبع الظاهرة في المجتمعات الإسلامية،والكشف عن أصولها الفكرية المزعومة في الثقافة الإسلامية.
والظاهرة لا شك لها جذور في التاريخ الإسلامي . فإنَّ قضية التكفير والحكم على المخالفين بالمروق من الدين، من المسائل التي أثيرت خلال التاريخ الإسلامي من قبل بعض الجماعات، لعلَّ من أقدمها جماعة الخوارج الذين لم يكفروا فقط من خالفهم الرأي، بل قاتلوه واستباحوا دمه وماله .وترتب على إثارة الخوارج للقضية بتلك الحدَّة ، نتائج عملية كان لها أثر سالب في حياة المجتمع الإسلامي واستقراره.
ولكن ظاهرة التكفير لم تقتصر على الخوارج، بل سرعان ما سرت إلى بعض الطوائف والفرق التي تباينت آراؤها حول بعض المسائل السياسية (الشيعة والسنة)،أو العقدية( الفرق الكلامية)،وأسهم الجدل الكلامي ،والفلسفي فيما بعد في إثارة ذلك الاختلاف،وانتشار الظاهرة وتعميقها. فالجاحظ المعتزلي،(ت:255ﻫ)،كما يحكي عنه الخياط في كتابه "الانتصار"، يقول: " ما علمنا فرقة من أهل الملَّة سلمت من ذلك، (يعنى التكفير) ، فهذه الخوارج يكفر بعضها بعضاً ، وهذه الروافض يكفر بعضها بعضاً . وهذه المجبرة فرق مختلفة وبعضها يكفر بعضاً .. فهو ( أي التكفير )، لازم لفرق الأمة أجمعين" .وامتد الزمان بهذه الظاهرة إلى عهد الإمام أبي حامد الغزالي، (450-505هـ )، الذي وضع كتابه:" فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة"، لمعالجة هذه الظاهرة، وشكا أيضاً من تفشيها ، قائلاً: " إنَّ كل فرقة تكفر مخالفها ،وتنسبه إلى تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالحنبلي يكفر الأشعري، زاعماً أنَّه كذب الرسول فى إثبات الفوق لله تعالى، وفى الاستواء على العرش . والأشعري يكذبه زاعماً أنَّه مشبه وكذب الرسول في أنَّه تعالى ليس كمثله شيء ، والأشعرى يكفر المعتزلي زاعماً أنَّه كذب الرسول فى جواز رؤية الله تعالى، وفى إثبات العلم والقدرة والصفات له ، والمعتزلي يكفر الأشعري زاعماً أنَّ إثبات الصفات تكثير للقدماء وتكذيب للرسول فى التوحيد.
والغزالي نفسه لم يسلم من هذه الممارسة،فقد شنَّ حملة شعواء على من عرفوا بالفلاسفة المسلمين لا سيما ابن سينا والفارابي،وتعرض في كتابه:" تهافت الفلاسفة"، لمقولاتهم،وبيَّن تهافت حججهم في سبع عشرة مسألة،وعلى تكفيرهم في ثلاث مسائل:قولهم بقدم العالم، ،و أنَّ الله تعالى لا يحيط علماً بالجزئيات الحادثة من الأشخاص،و انكارهم بعث الأجساد وحشرها.
وبصرف النظر عن صحة أحكام الغزالي على الفلاسفة،أو عدم صحتها، فإنَّ ظاهرة التكفير استمرت ، ،واستشرت في المجتمعات العربية والإسلامية ، وشملت دوائر المتكلمين والفلاسفة والصوفية والفقهاء وغيرهم،وانتهت ببعض اتباع تلك التيارات إلى القتل.وفي العصور المتاخرة ،ظهرت بعض الجماعات التي حملت لواء التكفير ولعل من أشهرها جماعة التكفير والهجرة،التي كفرت المسلمين عامةً وخاصة، حكاماً وعلماء ،ودعت إلى مفارقة جماعة المسلمين وهجرة مجتمعاتهم.
ولكن هل هذه الظاهرة تعود إلى الثقافة الإسلامية-كما يدعي البعض؟
حقيقة إذا ما رجعنا إلى الثقافة الإسلامية،نجد أنَّ مصطلح الكفر في اللغة يدل على الستر والتغطية،و الزراع سموا كفاراً ، لأنَّهم يسترون الحب بالتراب ويغطونه ،كما ورد في قوله تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً) الحديد:20. واستخدم المصطلح للدلالة على كل اعتقاد أو قول أو فعل ينقض أركان الإيمان.كانكار الألوهية والربوبية،أو الرسالة أو انكار ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو جحد شيء مما ثبت بالنصوص القطعية الثبوت والدلالة، إلى غير ذلك من المكفرات التي اعتبرت مخالفة للفطرة.
- والكفر بهذا المفهوم قسمان:
كفر أصلي ،وهو كفر كل من لم يقر بالشهادتين. ومنه كفر المشركين،من أصحاب الديانات الوثنية والوضعية،والملاحدة الذين أنكروا وجود الله تعالى،.و كفر أهل الكتاب ( اليهود والنصارى)،ممن لم يقروا لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، فهؤلاء كلهم يطلق عليهم مصطلح الكفر كما تدل على ذلك قطعيات النصوص، والاجماع.وهذا الكفر وصف لحالة لا يترتب عليها من قبل المسلمين عمل عدائي ،بل غاية ما هناك كراهية هذه الحالة وعدم الرضى عنها،و دعوة هؤلاء إلى الإيمان والتوحيد والاقرار برسالة الرسول عليه السلام.وكل آيات القرآن الكريم تدل على امكانية التواصل مع هؤلاء، رغم وصمهم بالكفر،والتعاون معهم ما داموا غير مقاتلين ،ولم يظهروا العداوة للمسلمين. وعلى هذا تحمل الآيات التي أمر الله فيها بالسلم، وأباح فيها الإحسان للكفار، كقوله تعالى :( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ") ،سورة الممتحنة 8.وذلك لأنَّ الحكم في قضية الكفر والإيمان-كما تدل على ذلك النصوص الشرعية- شأن أخروي مرده إلى الله تعالى يوم القيامة: (وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ، اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (الحج: 68-69) ،( وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) البقرة:113
والثاني الكفر غير الأصلي ( الطاريء).وهو الكفر الذي يقع فيه من كان على أصل الإسلام،من أهل القبلة ( المسلمين).وهو نوعان:
الكفر الأكبر الذي يخرج المسلم من الملَّة بالنسبة لأحكام الدنيا،ويوجب له الخلود في النار بالنسبة لأحكام الآخرة،وهو، المناقض لأصل الإيمان.
والكفر الأصغر، الذي ينقص الإيمان،ويوجب لصاحبه الوعيد في النار دون الخلود فيها ،و لا ينقل صاحبه من ملَّة الإسلام بل يدمغه بالفسوق أو العصيان،ولهذا النوع من الكفر صور كثيرة يدخل فيها كل ما أطلق عليه النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الكفر من الأقوال والأفعال والأحوال ،مثل قتال المسلم،وضرب المسلمين بعضهم رقاب بعض ،وقوله صلى الله عليه وسلم:" إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما". إلى غير ذلك من الأحاديث التي ورد فيها اطلاق الكفر.
والكفر بالمعنى الأول يقابله الإيمان،فيقال مؤمن وكافر،كما في قوله تعالى:( فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ )، البقرة:253. والكفر بالمعنى الثاني يقابله الشكر-فالإنسان إما شاكر للنعمة أو كافر بها.قال تعالى:( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)، الإنسان:3. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال:"رأيت النار فإذا أكثر أهلها النساء،يكفرن،قيل أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان،لو أحسنت إلى احداهنَّ الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت:ما رأيت منك خيراً قط"وفي تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ) المائدة:44..قال ابن عباس ليس بكفر ينقل عن الملة.وقال عطاء بن أبي رباح:" كفر دون كفر".
و الكفر بمعنى الخروج من الملة، من المسائل التي تحوط فيها الشرع احتياطاً شديداً،وأوجب التثبت وعدم التسرع في اطلاق لفظ الكفر ،لأمرين: أولهما: أنَّ الكفر بهذا المفهوم تترتب عليه آثار عملية ،و يلحق من يوصم به أحكام في الدنيا قبل الآخرة, من ذلك استحلال دمه إذا لم يتب عن ردته، ، كما يفقد ،حق النصرة والولاية من المجتمع الإسلامي،فلا يُغسَّل بعد قتله، ولا يُكفَّن و لا يُصَلَى عليه،و لا يدفن في مقابر المسلمين.كما أنَّه لا يرث و لا يورث،و لا يحل لزوجته البقاء معه، حيث يفسخ عقد الزواج تلقائياً ويفرق بينهما، ،ويحكم عليه بالخلود في النار ،والحرمان من الجنة.وثانيهما: لما ورد في القرآن والسنة، من التحذير من تكفير المسلم ،كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)، النساء: 94. ومثل قوله صلى الله عليه وسلم : " أيَما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما،إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه" . وقد سيق الحديث لزجر المسلم من أن يقول ذلك لأخيه المسلم ،وقيل معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره،فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره،فالراجع التكفير لا الكفر،فكأنه كفر نفسه لكونه كفر من هو مثله".
من أجل ذلك وضع العلماء قواعد وضوابط التزموا بها وراعوها حين الحكم على الناس في مسائل الإيمان والكفر،ومن تلك الضوابط : عدم تكفير المعين،إذ فرقوا في أمر التكفير بين تكفيرشخص معين والتكفير على وجه الإطلاق.فالنصوص الواردة بالتكفير لمن عمل أعمالاً معينة مطلقة،قد لا ينطبق حكمها على شخص بعينه لعدم قيام الشروط اللازمة لتحقق الكفر،أو انتفاء الموانع. لذلك أطلقوا القول بتكفير من تلبس بالكفر ،فيقال:من قال كذا، أو فعل كذا، فهو كافر،ولكن الشخص المعين الذي اعتقد ذلك الاعتقاد،أو قال ذلك القول، أو فعل ذلك الفعل،لا يحكم بكفره إطلاقاً حتى تجتمع فيه الشروط، وتنتفي الموانع، وذلك بأن لا يكون جاهلاً ولا متأولاً ولا مكرهاً و لا مخطئاً ولا مقلداً.لذلك قالوا: بالعذر بالجهل،فلا يكفر من قال قولاً أو اعتقد اعتقاداً أو فعل فعلاً جاهلاً بحقائق الدبن فيه أو لم تبلغه تلك الحقائق.أو وقع في ما يكفر نتيجة خطأ بأن قصد أمراً فوقع منه غيره .وكذلك يعذر من كان مكرهاً على قول أو فعل يبدو من خلاله الكفر ،أو كان لديه شبهة تأويل لها سند من الشرع أو اللغة . أو بلغ مبلغاً من الجهل لا يستقل بادراك تلك الحقائق فوقع في المكفرات نتيجة لتقليد أو اتباع غيره من غير بينة .فهذه كلها أعذار تقف دون الحكم على الشخص بالكفر والخروج من الدين.
فهذه الموانع تدل على مبلغ حرص الشرع على وجوب التحقق من وقوع الكفر من فاعله ،حتى لا يسفك دم معصوم بالتهمة والشك.ولعلَّ في هذا تذكرة لمن يمارسون التكفير بطريقة غير منضبطة بضوابط الشرع ومن غير اعتبار لتوافر شروط التكفير وانتفاء موانعه. ومن جانب آخر فلا بد من التذكير بأن التأكيد على هذه الموانع والضوابط ،لا يعني التهاون في تكفير من ثبت عليه وصف الكفر وتحققت فيه شروطه ،بل المسألة تعالج وفقاً لضوابط محددة ،فلا يكفر إلا من صدق عليه الحكم وقام به.
وهكذا نرى أنَّ الثقافة الإسلامية ثقافة لا تسند المتعجلين في أحكامهم،وفتاواهم بالتكفير،وهي ثقافة تحمل قدراً كبيراً من التسامح وقبول للآخر ، المخالف في المعتقد و الرأي و.وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن تكون الهيئات الإسلامية الرسمية وغير الرسمية،والجماعات الإسلامية التي تحمل لواء الدعوة إلى الله تعالى، رائدة في اشاعة ثقافة الحوار ،وعدم التعجل في اصدار الأحكام ،وملاحقة أصحاب الاراء المخالفة بغير وسائل الاقناع وإقامة الحجة ،وأن تدعوا إلى قبول الآخر ،والاستماع إليه ،واحترام رأيه.
د.أحمد محمد أحمد الجلي
الإمارات العربية المتحدة