المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دراسة عن المرأة السعودية تفتقد العلمية ...


مها فهد الحجيلان
17-07-2006, 03:24 PM
من المعلوم أن أي دراسة علمية -بغض النظر عن طبيعتها- لا بد أن تستند على أسس منهجية معينة يعرفها المشتغلون في الحقل العلمي. ولا تقوم دراسة إلا وفق حاجة معينة وتهدف إلى كشف الحقيقة أو محاولة الوصول إلى الحقيقة بأدوات علمية مختلفة، وهذه الأدوات لا بد أن تُختبر وتُجرب للوصول إلى أدق النتائج الممكنة من خلال تنوع معايير الحصول على المعلومة وتقويمها. ومن أهم الضوابط العلمية كذلك الصدق والأمانة والدقّة التي تعتبر قيما أخلاقية ومنهجية لا يمكن أن يقوم بحث علمي جاد بدونها. وهذه القيم تقتضي نشر كل النتائج الموافقة والمخالفة لفرضية البحث أو تساؤلاته إذا كان البحث يقوم على فرضية معينة، كما تقتضي إبعاد العناصر الذاتية في اختيار عينة البحث أو اصطفاء عناصر معينة توافق هوى الباحث. وإذا فقدت هذه الضوابط العلمية فإن أي عمل يزعم العلمية ولا يلتزم بشروطها الصارمة فإنه يكون مسيئاً لمن عمل به وللجهة التي مولته وللجهة التي تبنته ونشرته باسمها بسبب إساءته إلى القيم العلمية التي تزعم الدراسة أنها استندت عليها.

وقد نشرت مؤخرا دراسة قام بها جهاز الإرشاد في الحرس الوطني عن المرأة السعودية ونشرتها صحيفة الجزيرة السعودية في عددها رقم 12337 وتاريخ 9 يوليو 2006 وقد أبرزت تلك الدراسة بعنوان: "في دراسة شملت 400 امرأة وفتاة: 88% من السعوديات يرفضن قيادة السيارة". ووضعت مقدمة للدراسة وبيان بالنسب الإحصائية التي تبين رأي المرأة السعودية في عدد من القضايا أبرزها قيادة السيارة والعمل والسفر.

وقد أشار إلى هذه الدراسة الكاتب الأستاذ عبدالله بن بخيت في مقالة نشرها في صحيفة الجزيرة كذلك بتاريخ 10 يوليو 2006 بعنوان: "90% من النساء يؤيدن الانضمام إلى المحاكم الشرعية"، انتقد فيها ابتعاد تلك الدراسة عن الروح العلمية؛ وبناء على ذلك فقد وضع استنتاجات معينة تبين الخطأ العلمي في تلك النسب، ويستنتج أن 90% من النساء يؤيدن المحاكم الشرعية في الصومال في إشارة إلى أن وضع النسب من الرجال بهذا الشكل لا يمثل أي قيمة علمية لأن عينة البحث غير متنوعة وغير دالة على المجموع الذي تنسب إليه نتائج الدراسة.

ولنا أن نتساءل عن البواعث العلمية التي قادت جهاز الإرشاد في الحرس الوطني للقيام بتلك الدراسة؟ هل هي بواعث علمية تهدف إلى الكشف عن الواقع الفعلي للمرأة السعودية للوقوف بشكل دقيق على موقف المرأة من بعض المعطيات في الحياة التي تخصها كقيادة السيارة أو السفر أو التعليم أو الزواج أو العمل أو غير ذلك من القضايا؟ ثم ما الذي يهم جهازاً مختصاً بالإرشاد الديني للقيام بنفسه بإجراء دراسة اجتماعية؟ إن كان يهمه إرشاد الناس إلى القول بأن عددا كبيرا من النساء لا يوافقن على بعض القضايا؛ فيمكنه أن يقول ذلك نسبة للنساء اللاتي يعرفونهن من الأقارب مثلا. وإن كان مصرا على إجراء دراسة شاملة فيمكنه أن يطلب من جهة علمية كالجامعات أن تقوم بالبحث ليعرف مدى صدق فرضيته من عدمها. أما إن كان يعتمد على "مسلمة" معينة وليست مجرد فرضية، ويحاول التأكيد على صدقها وليس اختبارها؛ فهذا العمل لا يصح أن يوصف بأنه دراسة علمية أو بحث علمي.

إن ما نشر عما يسمى دراسة علمية عن المرأة السعودية تنقصه معطيات علمية كثيرة منها أننا لا نعرف الجهة العلمية الأكاديمية المشرفة على هذه الدراسة والمسؤولية عن دقتها ومعطياتها وصحة نتائجها؟ ثم ما هي عينة الدراسة؟ نحن لا نعرف عن عينة الدراسة سوى ثلاث سمات هي أن العدد هو 400، وأن الجنس هو المرأة، وأن جنسية العينة سعودية. ولكننا لا نعلم سمات أخرى مهمة تخص عينة الدراسة نفسها؛ فلا نعرف أي شيء عن العمر، ولا المستوى التعليمي، ولا المستوى الاقتصادي، ولا المستوى الثقافي المتعلق بدرجة التديّن، ولا الحالة الاجتماعية، ولا الطبقة الاجتماعية (الحاضرة أو البادية أو القرية)، أو مستوى اطلاع العينة على ثقافات أخرى غير الثقافة المحلية ويمكن قياس هذه نسبيا عن طريق معرفة أفراد العينة بدول أخرى عن طريق السفر أو مدى إتقان أكثر من لغة. علاوة على أننا لا نعرف إلى أي مدينة تنتمي هذه العينة؛ وما مدى تغطيتها لعدد مختلف من مدن المملكة ولشرائح مختلفة في المجتمع. كما يفيد أن نعرف علاقة السيدة المستفتاة بالرجل سواء أكان زوجها أم والدها أم ابنها أم أخاها من حيث مستواه الثقافي والعلمي ودرجة تدينه باعتبار أن الرجل في هذه الحال غالبا هو الوسيط أو هو الذي سمح للمرأة بالإجابة عن أسئلة البحث أو يسّر السبيل للوصول إليها، ومن المحتمل أن تتأثر المرأة بموقف الرجل من تلك القضايا أو لا تتأثر؛ لهذا كان من المجدي معرفة تلك المعلومات.

ويلاحظ على ما نشر أنه لم يبين أدوات البحث العلمي المستخدمة في الدراسة؛ فهل هي استبانات أم مقابلات شخصية أم ملاحظة؟ وهل حكّمت أدوات البحث كالاستبانة مثلا من جهة أكاديمية معينة؟ كما لا نعرف الفريق العلمي الذي أجرى البحث، هل هو باحث أم باحثة أم عدة أشخاص؟ وما هي مؤهلاتهم العلمية؟ وهل لهم علاقة بمجال البحث في علم الاجتماع مثلا؟ كما أن البحث لم يشر إلى الدراسات السابقة في هذا المجال ولم يهتم بما ينشر في الصحف ووسائل الإعلام الأخرى عن استطلاعات الرأي ومنها على سبيل المثال ما أجرته قناة الإخبارية في استطلاعها لآراء عدد من السيدات السعوديات عن قيادة السيارة؛ وقد أظهر ذلك الاستطلاع تنوّع الإجابات واختلافها ووجود شروط وتحفظات معينة لدى بعضهن. كما نشرت عدة مواقع على النت استفتاءات عن هذا الموضوع. وكان بإمكان البحث الاستفادة من مثل تلك الآراء باعتبارها تمثل شريحة معينة من المجتمع السعودي الذي لا يمكن إغفاله.

وحينما ننظر في نتائج الدراسة المنشورة نجدها لا تبين الآراء المختلفة ولا تكشف عن التحفظات أو الشروط لدى المستفتيات؛ فنجد مثلا ثلاث متغيرات في موضوع العمل المختلط مع الرجال وهي: (الرفض مطلقا؛ والرفض بدرجة أقل؛ ولم يحددن رأيهن). وهذه متغيرات غير شاملة ولا تقدم صورة دقيقة عن الاستجابة المراد التعبير عنها.

ونتساءل عن النتائج التي خلصت إليها الدراسة؛ هل هي فعلا نتائج توصّلت إليها الدراسة بشكل علمي قادها البحث والاستنتاج المحايد أم إنها نتائج معطاة مسبقا وأخذت صبغة الدراسة العلمية من باب السعي لإقناع الناس بها؟ على أن السعي لإقناع الناس بموضوع معين إنما يوحي بعدم قناعتهم به أصلا ولهذا استعين بما سُمي بحثا علميا يحوي نسبا معينة لعلها تقنع!

والحقيقة أن من يقرأ ما نشر على أنه "دراسة علمية" لن يقتنع بأن تلك الدراسة علميّة وجادة بقدر ما يتسرب إلى ذهنه أنها مجرد تقرير لنتيجة معطاة سلفا؛ والسبب في هذا يرجع إلى أن ما سمي دراسة لم يكن له هدف علمي، بل كان يؤكد على هدف أيديولوجي لا يمت للبحث العلمي بصلة وهو ما عبرت عنه بشكل غير لائق من خلال القول بأن الدراسة جاءت "ردا على كثير من الدعاوى الهشة التي تؤيد سفر الطالبة للدراسة في الخارج بلا محرم مرافق لها، جاءت نتائج الدراسة لتوجّه صفعة قوية للمروجين لهذه الدعاوى...". ومن الواضح أن هذه الصياغة ليست علمية ولا يمكن لأي بحث علمي أن يهدف إلى توجيه الصفعات واللكمات للآخرين. فنتائج الدراسة لا ينبغي أن تحمل انتقاما أو ثأرا من أحد أو توريطا لأحد في قضية معينة؛ ولكنها أهداف تنطلق من البحث العلمي الذي يريد الكشف عن الحقيقة من خلال الإبانة عن المعطيات قيد الدراسة. وإذا كانت نتائج الدراسة تحوي معاني الانتقام والرد العنيف ورشق الآخرين بالتهم؛ فهي نتائج تحمل العار على المنهج العلمي والأخلاقي للجهة التي نسبت الدراسة لنفسها. وأي مواطن أو مواطنة يحب بلده ويتمنى له الخير والتقدم سيشعر بالألم الشديد أن يؤول مصير البحث العلمي في بلادنا إلى هذا المآل المؤسف.

* كاتبة سعودية
صحيفة الوطن