سليمان الشيخ
17-07-2006, 03:45 PM
الشرق الاوسط في قبضة الجفاف خلال خمسين سنة ... رهان على الينابيع العذبة في البحار لحل مشكلة الظمأ في العالم العربي
ما إن أطل الصيف، حتى عادت مشكلة نقص المياه المزمنة عربياً، لتطل بوجهها الجاف. وفي مثال واضح، طلب الأردن من سورية «قرضاً» مائياً مقداره 17.5 مليون متر من المياه. ليس قرضاً بالمعنى الحرفي، لأن البلدين لديهما كثير من المواضيع المائية غير المحسومة، بما في ذلك موضوع روافد نهر الاردن و»الجولان المائي» وغيرهما. وتتكرر مشكلة نقص المياه عربياً في الصيف بحدّة منذ نحو عشر سنوات. وتكرر المنظمات الأممية المتخصصة صيحاتها للإقلال من الاستهلاك والهدر، والدعوة الى تنظيم ما هو متوافر من موارد وتقنينه.
كما تعمل الهيئات والوزارات المعنية محلياً على، الا يصل التقنين الى مدى واسع كي لا تُحرم قطاعات واسعة من الناس من مياه الشفة. فهل تستمر الحال على هذا المنوال؟ ألا توجد مشاريع يمكن أن تساهم في الإنقاذ أو التخفيف منها؟
الأردن نموذجاً للظمأ المتكرر
تمثل المملكة الأردنية الهاشمية نموذجاً للظمأ المتكرر صيفاً، خصوصاً بالنسبة الى سكان العاصمة عمان التي يقطنها مع المناطق المحيطة بها نحو 38 في المئة من سكان البلد. ويعتبر الأردن من أفقر عشر دول في العالم بالموارد المائية.
ويحتاج الى نحو 100 مليون متر مكعب اضافي سنوياً، كي يتفادى المشكلة المؤرقة في كل صيف. وإضافة الى سورية، عمدت الى اقتراض نحو 20 مليون متر مكعب من المياه من اسرائيل.
وأوضح وزير المياه والري الأردني محمد العالم هذا الأمر أخيراً، مذكراً أن «كمية المياه المقترضة ستُرد في الشتاء... فبموجب اتفاقية السلام الموقعة بين الأردن وإسرائيل عام 1994، يأخذ الأردن من إسرائيل 55 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، بينما تأخذ إسرائيل 25 مليون متر مكعب من مياه اليرموك، على أن يقوم الأردن بتخزين 20 مليون متر مكعب في بحيرة طبريا في الشتاء ليأخذها في فصل الصيف... وبسبب قلة هطول المطر في هذا الشتاء لم يستطع الأردن تخزين اكثر من 12 مليون متر مكعب».
ومنذ سنوات، تسعى المملكة الأردنية الى جر المياه الجوفية من منطقة الديس المحاذية للحدود السعودية الى العاصمة عمّان والتي تبعد نحو 350 كيلومتراً عنها. وتبلغ تقديرات ما يمكن جره من مياه هذا المشروع نحو مئة مليون متر مكعب سنوياً من المياه العذبة في السنوات الأولى، لترتفع الى 150 مليون متر مكعب سنوياً، في سنوات لاحقة. ويقدر ان المشروع يُكلّف بين 600 مليون ومليار دولار، مع مدة تنفيذ تصل الى نحو خمس سنوات.
وفي هذا الصدد، يورد كتاب «ملف المياه: الندرة، التلوث، الرشوة» للكاتب الفرنسي مارك لييم ان «هناك ظاهرة تملّح وجفاف، لا تقل خطورة عن ظاهرة احتضار الأنهار، تهدد بضرب طبقات المياه الجوفية على المدى المتوسط، في منطقة الشرق الأوسط التي تتعرض طبقاتها المائية لعملية استنزاف حقيقي، ما يرشحها، بحسب تقدير الخبراء الايكولوجيين، للتجفف التام خلال الخمسين سنة المقبلة».
ولا يوجد ما يشبه حال الأردن إلا في الضفة الغربية وغزة، اذ تستولي إسرائيل على نسبة عالية من مياه المنطقتين، وتمنع سكانها الاستفادة اللازمة والمناسبة لاحتياجاتهم من مياه تنبع من أراضيهم وتسير فيها. وقد لاحظت «اتفاقية أوسلو» أن موضوع المياه «ينبغي أن يخضع للتفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين في إطار الوضع النهائي».
تجدر الإشارة الى ان 80 في المئة من المياه المتوافرة لإسرائيل تستحوذ عليها من خارج حدودها، وهذا يُمثل اعتداء واضحاً على مصادر المياه العربية.
كما أنه يمكن القول بأن أزمة الإمدادات الكهربائية تشبه أزمة مياه الصيف في الأردن، كما رُصد ظهورها تكراراً في لبنان وسورية والعراق المحتل أيضاً.
مياه العرب نادرة
ماذا عن المشكلة عينها في الخليج العربي، خصوصاً وأنها الأقل من بين البلدان العربية تلقياً لمياه الأمطار.
أعانت الموارد النفطية الضخمة بلدان تلك المنطقة في التغلب على مشكلة شح مواردها المائية، من خلال حلول عدّة تتضمن إقامة محطات تحلية عملاقة لمياه البحر المالحة. وفي مثال واضح، تُنتج محطة تحلية مياه البحر في منطقة الجُبيل في السعودية نحو 800 مليون غالون من المياه العذبة يومياً، اضافة الى كميات هائلة من الكهرباء. ولا تحول تلك الحلول من دون بروز مشاكل معينة في قطاعي المياه (والكهرباء أيضاً) بين فترة وأخرى. ومثلاً، ذكر المهندس محمود بن عبدالله طيب رئيس مجلس ادارة شركة الكهرباء في المملكة العربية السعودية (انظر «الحياة» في 24 حزيران (يونيو) 2006) «ان محطات انتاج الكهرباء تعمل بطاقتها القصوى، الى درجة ان الاحتياطي المطلوب توفيره في هذه المحطات يتم استغلاله، وتبقى المحطات من دون طاقة احتياطية للتوليد في أوقات الذروة والطوارئ، وهذا أيضاً موجود في شبكة نقل الطاقة. لذا يتوقع حدوث أزمة تؤدي الى انقطاع التيار عن عدد من المدن».
الجدير ذكره أن مشاريع عدة طُرحت وسوّقت تحت غطاء سد الاحتياجات المتزايدة للمياه في المنطقة، في بلاد الشام، أم في بلدان الجزيرة والخليج العربي.
- ومن الأمثلة على ذلك، يمكن ذكر المشاريع التالية:
1 – مشروع «أنابيب السلام» التركي الذي طُرح في منتصف ثمانينات القرن الماضي لجر المياه من نهري «سيمان» و»جيهان» من خلال خطين، شرقي وغربي. ويمرّ الأول بأغلب بلدان الخليج والجزيرة، بما في ذلك العراق، والثاني يمرّ في منطقة بلاد الشام بما فيها فلسطين المحتلة.
2 – مشروع نقل مياه نهر «قارون» الإيراني الى بلدان الجزيرة والخليج.
3 – نقل وجر جبال الثلج والجليد من مناطق في المحيط المتجمد الشمالي وتوصيلها الى بلدان الخليج والجزيرة أيضاً.
- ويمكن تسجيل ملاحظات مهمة على المشاريع السابقة، أهمها :
- تستبق تلك المشاريع أي تسوية عادلة للقضية الفلسطينية والأراضي العربية التي تحتلها اسرائيل. كما أن التكلفة المادية الضخمة لتلك المشاريع لا توفر لها أفضلية في المنافسة على مشاريع التحلية المحلية لمياه البحر المالحة.
يبدو ان مشاريع وتقنيات جديدة، بإمكانها أن تفعل فعلها في تجاوز المشكلات والعقبات والتعقيدات السابقة فنياً ومالياً وسياسياً. فقد تداولت وسائل اعلام عدة، أنباء عن تقنية كفيّة، وتقل كلفتها نحو عشر مرات عن التقنيات المتوافرة راهناً.
ترتكز تلك التقنية على حقيقة أن بعض الأعماق البحرية القريبة من الشواطئ الرملية، تحتوي ينابيع مياه عذبة. ويمكن حقن فوهات تلك الينابيع بالهواء بواسطة مضخات ضخمة، ما يوفر ضغطاً كبيراً على تلك المياه يدفعها نحو مسارب ومسارات خارجية عِبر أنابيب مجهزة خصيصاً لهذا الغرض.
وفي المقابل، يحتاج الأمر الى مبالغ طائلة وتقنيات متطورة لاكتشاف حقول المياه العذبة، ولرصد الكميات المتوافرة فيها، ولتحديد العمر الافتراضي لاستغلالها، وللتعرّف على امكان وصول المياه العذبة خالية من أي شوائب وغير مختلطة بمياه مالحة وغيرها. كما يستلزم الأمر نفسه، في خطوات تالية، انشاء بنية تحتية مناسبة، تضم موانئ مجهزة بتقنيات التقنية، وأنابيب مناسبة لتوصيل المياه الى المناطق المحتاجة إليها وغيرهم.
فهل يمكن ينابيع المياه العذبة في البحار أن تحل أو تقلل من أزمات المياه واحتياجاتها المتزايدة في منطقتنا العربية؟
بيروت - سليمان الشيخ - 11/07/06//
صحيفة الحياة
ما إن أطل الصيف، حتى عادت مشكلة نقص المياه المزمنة عربياً، لتطل بوجهها الجاف. وفي مثال واضح، طلب الأردن من سورية «قرضاً» مائياً مقداره 17.5 مليون متر من المياه. ليس قرضاً بالمعنى الحرفي، لأن البلدين لديهما كثير من المواضيع المائية غير المحسومة، بما في ذلك موضوع روافد نهر الاردن و»الجولان المائي» وغيرهما. وتتكرر مشكلة نقص المياه عربياً في الصيف بحدّة منذ نحو عشر سنوات. وتكرر المنظمات الأممية المتخصصة صيحاتها للإقلال من الاستهلاك والهدر، والدعوة الى تنظيم ما هو متوافر من موارد وتقنينه.
كما تعمل الهيئات والوزارات المعنية محلياً على، الا يصل التقنين الى مدى واسع كي لا تُحرم قطاعات واسعة من الناس من مياه الشفة. فهل تستمر الحال على هذا المنوال؟ ألا توجد مشاريع يمكن أن تساهم في الإنقاذ أو التخفيف منها؟
الأردن نموذجاً للظمأ المتكرر
تمثل المملكة الأردنية الهاشمية نموذجاً للظمأ المتكرر صيفاً، خصوصاً بالنسبة الى سكان العاصمة عمان التي يقطنها مع المناطق المحيطة بها نحو 38 في المئة من سكان البلد. ويعتبر الأردن من أفقر عشر دول في العالم بالموارد المائية.
ويحتاج الى نحو 100 مليون متر مكعب اضافي سنوياً، كي يتفادى المشكلة المؤرقة في كل صيف. وإضافة الى سورية، عمدت الى اقتراض نحو 20 مليون متر مكعب من المياه من اسرائيل.
وأوضح وزير المياه والري الأردني محمد العالم هذا الأمر أخيراً، مذكراً أن «كمية المياه المقترضة ستُرد في الشتاء... فبموجب اتفاقية السلام الموقعة بين الأردن وإسرائيل عام 1994، يأخذ الأردن من إسرائيل 55 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، بينما تأخذ إسرائيل 25 مليون متر مكعب من مياه اليرموك، على أن يقوم الأردن بتخزين 20 مليون متر مكعب في بحيرة طبريا في الشتاء ليأخذها في فصل الصيف... وبسبب قلة هطول المطر في هذا الشتاء لم يستطع الأردن تخزين اكثر من 12 مليون متر مكعب».
ومنذ سنوات، تسعى المملكة الأردنية الى جر المياه الجوفية من منطقة الديس المحاذية للحدود السعودية الى العاصمة عمّان والتي تبعد نحو 350 كيلومتراً عنها. وتبلغ تقديرات ما يمكن جره من مياه هذا المشروع نحو مئة مليون متر مكعب سنوياً من المياه العذبة في السنوات الأولى، لترتفع الى 150 مليون متر مكعب سنوياً، في سنوات لاحقة. ويقدر ان المشروع يُكلّف بين 600 مليون ومليار دولار، مع مدة تنفيذ تصل الى نحو خمس سنوات.
وفي هذا الصدد، يورد كتاب «ملف المياه: الندرة، التلوث، الرشوة» للكاتب الفرنسي مارك لييم ان «هناك ظاهرة تملّح وجفاف، لا تقل خطورة عن ظاهرة احتضار الأنهار، تهدد بضرب طبقات المياه الجوفية على المدى المتوسط، في منطقة الشرق الأوسط التي تتعرض طبقاتها المائية لعملية استنزاف حقيقي، ما يرشحها، بحسب تقدير الخبراء الايكولوجيين، للتجفف التام خلال الخمسين سنة المقبلة».
ولا يوجد ما يشبه حال الأردن إلا في الضفة الغربية وغزة، اذ تستولي إسرائيل على نسبة عالية من مياه المنطقتين، وتمنع سكانها الاستفادة اللازمة والمناسبة لاحتياجاتهم من مياه تنبع من أراضيهم وتسير فيها. وقد لاحظت «اتفاقية أوسلو» أن موضوع المياه «ينبغي أن يخضع للتفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين في إطار الوضع النهائي».
تجدر الإشارة الى ان 80 في المئة من المياه المتوافرة لإسرائيل تستحوذ عليها من خارج حدودها، وهذا يُمثل اعتداء واضحاً على مصادر المياه العربية.
كما أنه يمكن القول بأن أزمة الإمدادات الكهربائية تشبه أزمة مياه الصيف في الأردن، كما رُصد ظهورها تكراراً في لبنان وسورية والعراق المحتل أيضاً.
مياه العرب نادرة
ماذا عن المشكلة عينها في الخليج العربي، خصوصاً وأنها الأقل من بين البلدان العربية تلقياً لمياه الأمطار.
أعانت الموارد النفطية الضخمة بلدان تلك المنطقة في التغلب على مشكلة شح مواردها المائية، من خلال حلول عدّة تتضمن إقامة محطات تحلية عملاقة لمياه البحر المالحة. وفي مثال واضح، تُنتج محطة تحلية مياه البحر في منطقة الجُبيل في السعودية نحو 800 مليون غالون من المياه العذبة يومياً، اضافة الى كميات هائلة من الكهرباء. ولا تحول تلك الحلول من دون بروز مشاكل معينة في قطاعي المياه (والكهرباء أيضاً) بين فترة وأخرى. ومثلاً، ذكر المهندس محمود بن عبدالله طيب رئيس مجلس ادارة شركة الكهرباء في المملكة العربية السعودية (انظر «الحياة» في 24 حزيران (يونيو) 2006) «ان محطات انتاج الكهرباء تعمل بطاقتها القصوى، الى درجة ان الاحتياطي المطلوب توفيره في هذه المحطات يتم استغلاله، وتبقى المحطات من دون طاقة احتياطية للتوليد في أوقات الذروة والطوارئ، وهذا أيضاً موجود في شبكة نقل الطاقة. لذا يتوقع حدوث أزمة تؤدي الى انقطاع التيار عن عدد من المدن».
الجدير ذكره أن مشاريع عدة طُرحت وسوّقت تحت غطاء سد الاحتياجات المتزايدة للمياه في المنطقة، في بلاد الشام، أم في بلدان الجزيرة والخليج العربي.
- ومن الأمثلة على ذلك، يمكن ذكر المشاريع التالية:
1 – مشروع «أنابيب السلام» التركي الذي طُرح في منتصف ثمانينات القرن الماضي لجر المياه من نهري «سيمان» و»جيهان» من خلال خطين، شرقي وغربي. ويمرّ الأول بأغلب بلدان الخليج والجزيرة، بما في ذلك العراق، والثاني يمرّ في منطقة بلاد الشام بما فيها فلسطين المحتلة.
2 – مشروع نقل مياه نهر «قارون» الإيراني الى بلدان الجزيرة والخليج.
3 – نقل وجر جبال الثلج والجليد من مناطق في المحيط المتجمد الشمالي وتوصيلها الى بلدان الخليج والجزيرة أيضاً.
- ويمكن تسجيل ملاحظات مهمة على المشاريع السابقة، أهمها :
- تستبق تلك المشاريع أي تسوية عادلة للقضية الفلسطينية والأراضي العربية التي تحتلها اسرائيل. كما أن التكلفة المادية الضخمة لتلك المشاريع لا توفر لها أفضلية في المنافسة على مشاريع التحلية المحلية لمياه البحر المالحة.
يبدو ان مشاريع وتقنيات جديدة، بإمكانها أن تفعل فعلها في تجاوز المشكلات والعقبات والتعقيدات السابقة فنياً ومالياً وسياسياً. فقد تداولت وسائل اعلام عدة، أنباء عن تقنية كفيّة، وتقل كلفتها نحو عشر مرات عن التقنيات المتوافرة راهناً.
ترتكز تلك التقنية على حقيقة أن بعض الأعماق البحرية القريبة من الشواطئ الرملية، تحتوي ينابيع مياه عذبة. ويمكن حقن فوهات تلك الينابيع بالهواء بواسطة مضخات ضخمة، ما يوفر ضغطاً كبيراً على تلك المياه يدفعها نحو مسارب ومسارات خارجية عِبر أنابيب مجهزة خصيصاً لهذا الغرض.
وفي المقابل، يحتاج الأمر الى مبالغ طائلة وتقنيات متطورة لاكتشاف حقول المياه العذبة، ولرصد الكميات المتوافرة فيها، ولتحديد العمر الافتراضي لاستغلالها، وللتعرّف على امكان وصول المياه العذبة خالية من أي شوائب وغير مختلطة بمياه مالحة وغيرها. كما يستلزم الأمر نفسه، في خطوات تالية، انشاء بنية تحتية مناسبة، تضم موانئ مجهزة بتقنيات التقنية، وأنابيب مناسبة لتوصيل المياه الى المناطق المحتاجة إليها وغيرهم.
فهل يمكن ينابيع المياه العذبة في البحار أن تحل أو تقلل من أزمات المياه واحتياجاتها المتزايدة في منطقتنا العربية؟
بيروت - سليمان الشيخ - 11/07/06//
صحيفة الحياة