عبد الباسط خلف
04-09-2006, 01:11 PM
عائلة طفل فلسطيني شهيد:
البيت فقير والأحزان ثرية
كتب عبد الباسط خلف:
هنا، في حي الألمانية عند أطراف جنين بالضفة الغربية، تعيش عائلة المواطن محمد إبراهيم كميل، في منزل قيد الإنشاء: الجدران جرداء، والنوافذ مغطاة بالنايلون أو القماش الفقير أو المرشح للإهتراء، والأبواب غير حاضرة أو "مصفحة" بالخيش، والشقوق كثيرة.
نوافذ مؤجلة
ندخل "البيت" أو مشروع المنزل غير مكتمل النمو، برفقة طاقم مركز علاج وتأهيل ضحايا التعذيب، لنكتشف المزيد من التفاصيل. المقتنيات تجيب لوحدها عن الأسئلة كلها، فالجدران من الداخل ليست بأحسن حال من الخارج، والشقوق المنتشرة في الواجهات قابلة للاتساع، والأرض الخالية إلا من الأسمنت، والأبواب الغائبة، والستائر الفقيرة جداً.
هناك خزانة صغيرة تضيق بمقتنياتها، وتلفاز عفا عليه الزمن، وحصيرة بلاستيكية، وفراش عربي قليل في مراحل عمره الأخيرة.
في غرفة الجلوس يستلقي الأب فوق فرشة وحصيرة يتمتين، لا كراسي لاستقبال الضيوف، أما أسلاك الكهرباء ففي الهواء الطلق، والماء الساخن والطعام الغني والنافذة والباب هي أقصى أحلام الأولاد والعائلة.
المطبخ أشد فقرا: التلاجة في نصف عمرها المصاب بالمرض، التجهيزات القليلة وضعت على رفوف حديدية عرف الصدأ طريقاً إليها، وغلايات قهوة بأحجام مختلفة، وسكينا لتقطيع الملوخية، علقت بمسامير معدنية على جدار لا زالت فيه أسلاك البناء المعدنية، وهناك طنجرة مملؤة بالماء لأغراض التنظيف والجلي.
الصالون الرئيس صار ساحة لنشر الغسيل، والديكورات الوحيدة في المنزل أربع صور متفاوتة الحجم لإبراهيم الطفل ابن الخامسة عشرة الذي اختطفته رصاصة إسرائيلية في اليوم الأخير من تشرين الثاني العام 2004.
تخصصت الأم فترة طويلة في الذهاب يومياً إلى مقبرة الحي الشرقي، حيث شرعت في البكاء والعويل بأعلى صوتها، وبثت شكواها لصغيرها تحت الأرض، فعرف الجيران وسواهم بضائقتها.
حسرة
الأطفال: ناهض ( 9 سنوات)، وحنين( ذات الربيع السابع)، وشادي( في عامه الثالث عشر) ورنين( الصبية ابنه الرابعة عشرة)، والأم نجية عبد الرحمن كميل( ابنة الأربعين وقليل)، والأب المصاب بأوجاع عصبية، كلهم يتحسرون على إبراهيم أيضًا، ويشكون الفقر، وغياب من يسأل أو يساعد أو يتضامن..
تقفز الأم عن حال بيتها الفقير جدًا، وتسرع لاستعادة لحظة سماعها لنبأ استشهاد بكرها، وتقول: كان إبراهيم ينوي الذهاب إلى المدرسة، لكن دخول الدبابات للحارة الشرقية، جعلته يعود.
تضيف: كانت آخر كلماته لي: أمي لا تذهبي للبلد اليوم، في جيش، لتسرع إليه رصاصات الموت في محيط منزله.
كان من المفترض أن تخرج الأم لمكان عملها في إحدى رياض الأطفال، لكنه خوفها على أولادها جعلها تبدل خطتها، ومكثت في المنزل.
بارودة وكمبيوتر !
تسترد قليلاً من حكايات طفلها: "قبل العيد بخمس عشرة يومًا اشترى بارودة خرز، لكن العيد لم ينتظره.
تروي لنا، كيف جاء إليها إبراهيم، في آخر العطلة الصيفية، ليخبرها بأنه استطاع تأمين مبلغ 1200 شيقل من الجمعية التي أسسها ورفاقه.
قال إبراهيم لأمه: "بدي أحوش في الصيفية الجاية، علشان نشتري الكمبيوتر لأخوتي ويلعبوا وينبسطوا."
في المدى القصير، كان يطلب من والدته أن تصبر حتى تأتي العطلة الصيفية، ويتجه للعمل في سوق الخضار، ويشتري لأشقائه تجهيزاتهم المدرسية.
وعلى المدى البعيد، كان يرجوها الصمود أمام الفقر وسوء الحال، فعندما يكبر سيدرس الطب أو القانون، وسيساعد العائلة، ويريح والده المريض من العمل في قسم الصحة بالبلدية.
أسئلة إبراهيم لم تتوقف، حول مستقبله الدراسي، فهو حصل في صفه الأخير على معدل 96، وكان يطلب من خالته وجيرانه أن يتوقعوا له النتيجة التي يمكن أن يحصل عليها في الثانوية العامة، وهل سيتمكن من دراسة الطب أو القانون، وفي أي جامعة يمكنه ذلك؟
إبراهيم في الصالون!
لم تأت فرصة أخرى له لأسئلة حول التعليم، ولم يتمكن من شراء الحاسوب الذي حلم به، ولم تستطع الأم أن تتصرف في نقود ولدها، فقررت أن تصنع له صورة كبيرة في إطار معدني، استنفدت "التحويشة" حتى يبقى صاحبها حاضرا أمام اخوته، وجالسًا في الصالون.
قبل أن تجف دموع عائلة كميل، أكرهت على ترك منزلها المستأجر، وراحت تفتش عن مسكن جديد. عثروا على منزل، لكن ضيق الحال و ارتفاع أجرة المنزل(مائة دينار شهريًا) لم يمكنها من الاستمرار، فقررت بناء بيت، بما ادخرته واستدانته من مالٍ.
تقول: لم نعد نستحمل، في كل يوم نبحث عن مؤسسة لمساعدتنا في إكمال المنزل، ولا أجد، الكل يرد: هذا مش شغلنا!!
تضيف والدموع تستقطع حديثها: "شوفوا البيت، لا شبابيك ولا أبواب، ولا قصارة، ولا بلاط، ولا كرسي نجلسكم عليه، ولا شيء، وحتى الماء والكهرباء من الجيران الذين ألمحوا لنا بأنهم في ضائقة، ولن يزودنا بها مدة طويلة !!
تصف نجية كميل حال ليل العائلة، فلا هي تعرف طعم النوم، وزوجها يعاني المرض، وهي أيضًا أجرت جراحة في عينها، وأولادها إذا ما سمعوا نباحاً لكلب أو حركة لقطة أو أي شيء، يسرعون لحضن أمهم الآمن.
عاشت العائلة عشرة أيام في منزلها الجديد، بدون ماء ولا كهرباء، بعدها زودهم أحد الجيران بهما لأجل معلوم.
تقول: الشتاء على الأبواب، والصيف لا يرحم، فأمس أخبرتني الجارة أم باسل، بأنهم عثروا على أفعى قرب بيتنا، وشبابيكنا وأبوابنا وحيطانا مفتوحة!!
الخبز!
تقسم: في أيام كثيرة "نتداين" الخبز الذي نأكله، والديون على ظهرنا وصلت إلى ثلاثة آلاف دينار، ومخصصات الشهيد مقطوعة منذ ستة أشهر، وابنتي رنين "حوشت" قسطها المدرس العام الماضي من مصروف النصف شيقل اليومي!
لا تستطيع أم إبراهيم، تقديم إجابات لأسئلة صغارها، عن سر الفقر الذي تتخصص به العائلة لوحدها، ولماذا يأكل الجيران وغيرهم ويلبسون ويسكنون أحسن منهم، وأسئلة أكثر تعقيدًا ؟
[/color]
البيت فقير والأحزان ثرية
كتب عبد الباسط خلف:
هنا، في حي الألمانية عند أطراف جنين بالضفة الغربية، تعيش عائلة المواطن محمد إبراهيم كميل، في منزل قيد الإنشاء: الجدران جرداء، والنوافذ مغطاة بالنايلون أو القماش الفقير أو المرشح للإهتراء، والأبواب غير حاضرة أو "مصفحة" بالخيش، والشقوق كثيرة.
نوافذ مؤجلة
ندخل "البيت" أو مشروع المنزل غير مكتمل النمو، برفقة طاقم مركز علاج وتأهيل ضحايا التعذيب، لنكتشف المزيد من التفاصيل. المقتنيات تجيب لوحدها عن الأسئلة كلها، فالجدران من الداخل ليست بأحسن حال من الخارج، والشقوق المنتشرة في الواجهات قابلة للاتساع، والأرض الخالية إلا من الأسمنت، والأبواب الغائبة، والستائر الفقيرة جداً.
هناك خزانة صغيرة تضيق بمقتنياتها، وتلفاز عفا عليه الزمن، وحصيرة بلاستيكية، وفراش عربي قليل في مراحل عمره الأخيرة.
في غرفة الجلوس يستلقي الأب فوق فرشة وحصيرة يتمتين، لا كراسي لاستقبال الضيوف، أما أسلاك الكهرباء ففي الهواء الطلق، والماء الساخن والطعام الغني والنافذة والباب هي أقصى أحلام الأولاد والعائلة.
المطبخ أشد فقرا: التلاجة في نصف عمرها المصاب بالمرض، التجهيزات القليلة وضعت على رفوف حديدية عرف الصدأ طريقاً إليها، وغلايات قهوة بأحجام مختلفة، وسكينا لتقطيع الملوخية، علقت بمسامير معدنية على جدار لا زالت فيه أسلاك البناء المعدنية، وهناك طنجرة مملؤة بالماء لأغراض التنظيف والجلي.
الصالون الرئيس صار ساحة لنشر الغسيل، والديكورات الوحيدة في المنزل أربع صور متفاوتة الحجم لإبراهيم الطفل ابن الخامسة عشرة الذي اختطفته رصاصة إسرائيلية في اليوم الأخير من تشرين الثاني العام 2004.
تخصصت الأم فترة طويلة في الذهاب يومياً إلى مقبرة الحي الشرقي، حيث شرعت في البكاء والعويل بأعلى صوتها، وبثت شكواها لصغيرها تحت الأرض، فعرف الجيران وسواهم بضائقتها.
حسرة
الأطفال: ناهض ( 9 سنوات)، وحنين( ذات الربيع السابع)، وشادي( في عامه الثالث عشر) ورنين( الصبية ابنه الرابعة عشرة)، والأم نجية عبد الرحمن كميل( ابنة الأربعين وقليل)، والأب المصاب بأوجاع عصبية، كلهم يتحسرون على إبراهيم أيضًا، ويشكون الفقر، وغياب من يسأل أو يساعد أو يتضامن..
تقفز الأم عن حال بيتها الفقير جدًا، وتسرع لاستعادة لحظة سماعها لنبأ استشهاد بكرها، وتقول: كان إبراهيم ينوي الذهاب إلى المدرسة، لكن دخول الدبابات للحارة الشرقية، جعلته يعود.
تضيف: كانت آخر كلماته لي: أمي لا تذهبي للبلد اليوم، في جيش، لتسرع إليه رصاصات الموت في محيط منزله.
كان من المفترض أن تخرج الأم لمكان عملها في إحدى رياض الأطفال، لكنه خوفها على أولادها جعلها تبدل خطتها، ومكثت في المنزل.
بارودة وكمبيوتر !
تسترد قليلاً من حكايات طفلها: "قبل العيد بخمس عشرة يومًا اشترى بارودة خرز، لكن العيد لم ينتظره.
تروي لنا، كيف جاء إليها إبراهيم، في آخر العطلة الصيفية، ليخبرها بأنه استطاع تأمين مبلغ 1200 شيقل من الجمعية التي أسسها ورفاقه.
قال إبراهيم لأمه: "بدي أحوش في الصيفية الجاية، علشان نشتري الكمبيوتر لأخوتي ويلعبوا وينبسطوا."
في المدى القصير، كان يطلب من والدته أن تصبر حتى تأتي العطلة الصيفية، ويتجه للعمل في سوق الخضار، ويشتري لأشقائه تجهيزاتهم المدرسية.
وعلى المدى البعيد، كان يرجوها الصمود أمام الفقر وسوء الحال، فعندما يكبر سيدرس الطب أو القانون، وسيساعد العائلة، ويريح والده المريض من العمل في قسم الصحة بالبلدية.
أسئلة إبراهيم لم تتوقف، حول مستقبله الدراسي، فهو حصل في صفه الأخير على معدل 96، وكان يطلب من خالته وجيرانه أن يتوقعوا له النتيجة التي يمكن أن يحصل عليها في الثانوية العامة، وهل سيتمكن من دراسة الطب أو القانون، وفي أي جامعة يمكنه ذلك؟
إبراهيم في الصالون!
لم تأت فرصة أخرى له لأسئلة حول التعليم، ولم يتمكن من شراء الحاسوب الذي حلم به، ولم تستطع الأم أن تتصرف في نقود ولدها، فقررت أن تصنع له صورة كبيرة في إطار معدني، استنفدت "التحويشة" حتى يبقى صاحبها حاضرا أمام اخوته، وجالسًا في الصالون.
قبل أن تجف دموع عائلة كميل، أكرهت على ترك منزلها المستأجر، وراحت تفتش عن مسكن جديد. عثروا على منزل، لكن ضيق الحال و ارتفاع أجرة المنزل(مائة دينار شهريًا) لم يمكنها من الاستمرار، فقررت بناء بيت، بما ادخرته واستدانته من مالٍ.
تقول: لم نعد نستحمل، في كل يوم نبحث عن مؤسسة لمساعدتنا في إكمال المنزل، ولا أجد، الكل يرد: هذا مش شغلنا!!
تضيف والدموع تستقطع حديثها: "شوفوا البيت، لا شبابيك ولا أبواب، ولا قصارة، ولا بلاط، ولا كرسي نجلسكم عليه، ولا شيء، وحتى الماء والكهرباء من الجيران الذين ألمحوا لنا بأنهم في ضائقة، ولن يزودنا بها مدة طويلة !!
تصف نجية كميل حال ليل العائلة، فلا هي تعرف طعم النوم، وزوجها يعاني المرض، وهي أيضًا أجرت جراحة في عينها، وأولادها إذا ما سمعوا نباحاً لكلب أو حركة لقطة أو أي شيء، يسرعون لحضن أمهم الآمن.
عاشت العائلة عشرة أيام في منزلها الجديد، بدون ماء ولا كهرباء، بعدها زودهم أحد الجيران بهما لأجل معلوم.
تقول: الشتاء على الأبواب، والصيف لا يرحم، فأمس أخبرتني الجارة أم باسل، بأنهم عثروا على أفعى قرب بيتنا، وشبابيكنا وأبوابنا وحيطانا مفتوحة!!
الخبز!
تقسم: في أيام كثيرة "نتداين" الخبز الذي نأكله، والديون على ظهرنا وصلت إلى ثلاثة آلاف دينار، ومخصصات الشهيد مقطوعة منذ ستة أشهر، وابنتي رنين "حوشت" قسطها المدرس العام الماضي من مصروف النصف شيقل اليومي!
لا تستطيع أم إبراهيم، تقديم إجابات لأسئلة صغارها، عن سر الفقر الذي تتخصص به العائلة لوحدها، ولماذا يأكل الجيران وغيرهم ويلبسون ويسكنون أحسن منهم، وأسئلة أكثر تعقيدًا ؟
[/color]