د. علي منير حرب
27-03-2005, 12:18 PM
يجمع علماء النفس والتربية والاجتماع، على أن تراكم الجرعات المعرفية التي يتعرض لها الأطفال من مختلف العلاقات والجهات والتجارب، ويأخذون باكتسابها تدريجباً تبعاً لمراحل نموهم، تشكّل ما يعرف بالتكوين الثقافي لهم. شأنها في ذلك شأن عملية الرضاعة وتوفير الغذاء اللازم لتكوين مقوّمات ومركبات النمو الفيزيائي لأجسامهم وقدراتهم المختلفة.
وقد عبّر أحد المختصين في شؤون الإعلام ومجالات أدب الأطفال، عن هذه الحالة أفضل تعبير، عندما قال" يولد الطفل وله خصائص وراثية، ويكون عند ولادته مجرد كائن بيولوجي أو مجرد فرد، وسرعان ما يبدأ بامتصاص عناصر من ثقافة مجتمعه من خلال اتصالاته المختلفة فيكتسب عادات وتقاليد ومعايير ولغة...وبذا يتحول إلى شخص.
وهذا يعني أن الطفل يولد مرتين، أولاهما ولادة عضوية "بيولوجية"، وثانيتهما ولادة ثقافية، حيث يتحول في الولادة الثانية إلى كائن ثقافي."
وتلعب الثقافة دوراً رئيساً عبر مراحل الطفولة المختلفة لأنها الأساس الذي ترتفع عليه أنماط سلوك الأطفال ومعالم شخصياتهم وميولهم المستقبلية. وكلما اتسعت رقعة الاحتكاك بالمؤثرات الثقافية عندهم، وتعدّدت أشكالها وأنواعها، كلما توسعت معها مداركهم وقدراتهم وخبراتهم فتصقل أذواقهم وتسمو مخيلاتهم وتترهف مشاعرهم وأحاسيسهم. مما يساهم في ترسيخ مجموعة المبادئ والقيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية في نفوسهم ويغرس فيهم جذور الهوية والانتماء إلى الأرض والتاريخ.
تتعدّد مصادر الثقافة ومنابعها وشمولها لكل همسات وأحداث الحياة، وهي تبدأ بالعلاقات العائلية المحدودة ثم تأخذ بالانفراج على مدى سنوات الطفولة لتجمع كل تفاصيل ودقائق الروابط والاتصالات والمشاهدات والمتلقيات في المدرسة وفي المجتمع. لذا سوف أكتفي هنا بتناول مسألة الإنتاج الأدبي والفني لأطفالنا في الوطن العربي، كعامل من عوامل التكوين الثقافي لديهم في الدرجة الأولى، ثم كحق ثابت وأصيل من حقوقهم الطبيعية والأساسية، وكحصن من حصون الحماية الفكرية لهم وللمجتمع بعد ذلك.
جفاف مسيطر:
إن أول ما يواجه الباحث وهو يتناول مسألة "الإنتاج الأدبي والفني للأطفال"، هي تلك الندرة الملفتة لهذا المكوّن الثقافي الهام، والتي قد تصل في بعض الأنواع إلى حدّ الجدب والقحط، في الوقت الذي يذخر فيه عالمنا العربي بالكثير من الأسماء اللامعة في الطاقات والمواهب الفكرية والأدبية والفنية، كما يتخم بالمؤسسات الصحافية والإعلامية الأرضية والفضائية، ويكاد إنتاجه الفني والأدبي لا يتوقف على مدار العام مغطياً كلّ مجالات الحياة ونشاطاتها. ولكن هذا الزخم الثقافي، الموّزع بين التأليف الأدبي والانتاج الفني وإصدارات الصحف والمجلات، يتوجه في مجمله إلى الكبار والراشدين من جميع فئات المجتمع، دون أن يتبادر إلى أذهان أصحابه طرق أبواب الصغار والدخول إلى عالمهم الخاص ومنحهم قسطاً من اهتماماتهم الابداعية، وكأن عالم الأطفال بالنسبة إليهم عالم مجهول أو غير موجود على الساحة الإنسانية ولا يستحق منهم حيزاً ينبئ بوجوده ويقدّر موقعه ويمده بالعناصر الضرورية للثقافة والنمو. أو كأن الأطفال غير جديرين بالشعر والقصائد العربية ولا بالقصة أو بالمسرحية أو بالمجلة أو بسائر الفنون الأخرى التي تطرب نفوسهم وتغني معلوماتهم وتثري مخيلاتهم وتوقظ لديهم منابع الذائقة الجمالية والاحساس بالصورة الزاهية والكلمة الحلوة والنادرة المسليّة والموقف النبيل.
وتكفي التفاتة بسيطة إلى ما تقدمه إذاعاتنا وشاشاتنا ومسارحنا العربية من أعمال وبرامج ومسلسلات لنلحظ الفقر المدقع فيما هو مخصص للأطفال كإنتاج عربي خالص. أما صحافتنا العربية فهي ليست بأفضل حال على الإطلاق لا سيما في مجال نشر المجلات المعدّة للأطفال، حيث يصف أحد الكتّاب المهتمين بأدب الأطفال هذه الحالة بأنها "مجاعة في مجال مجلات الأطفال...وإذا قسمت النسخ المطبوعة من هذه المجلات على الأطفال القرّاء سيكون نصيب الطفل منها صورة في حجم طابع البريد... في حين نصيب الطفل في بلد كأميركا من المجلات 12 مجلة أسبوعياً " . والنشاط الوحيد الذي يبعث على الأمل هو في بعض المؤلفات القصصية التي تظهر عناوينها في مكتباتنا والتي تبقى على كل حال دون الأمل المنشود قياساً للكم الهائل المنشور في المجالات الأخرى. وإذا أخذنا برأي المختصين من ان بعض هذه القلّة القليلة من الانتاج هو دون المستوى المطلوب شكلاً ومضموناً ولا يتناسب مع واقع أطفالنا وخصائص كل مرحلة عمرية لديهم، وأن بعضها الآخر ليس إلا صورة مستنسخة ومشوهة لبعض ما يصدر في البلاد المتقدمة، لظهرت أمامنا بجلاء حقيقة الواقع المأسوي الذي يعانيه أطفال الوطن العربي والذي يمكن أن نطلق عليه "مشكلة نقص الغذاء الثقافي".
والأمر الثاني الذي لا يقلّ أسىً في هذه المسألة، أن المؤسسات التعليمية بمجملها، هي أيضاً غافلة عن هذه المسؤولية ومنهوكة في تكديس المعارف والمعلومات في أذهان الطلبة دون أي مراعاة للجوانب الثقافية الابداعية الأخرى، التي بإمكانها أن تسدّ نقصاً كبيراً في هذا المجال فيما لو أعطت هذه المؤسسات بعضاً من اهتمامها لما يعرف بالأنشطة المدرسية الحرّة أو غير المنهجية، والمتمثلة في المكتبة أو الإذاعة أو الصحافة أو الأندية العلمية المدرسية أو المسرح المدرسي، وتخصيص ميزانيات لتشجيع المشتركين والمبرزين فيها، فكل هذه الأنشطة كفيلة بأن تكسب الطلاب مهارات كثيرة وتكشف مبكراً عن مواهبهم وميولهم وقدراتهم وتعمّق في نفوسهم أصول البحث والتعاون والعمل الجماعي المشترك والتنافس الراقي الشريف، إلى جانب مدهم بالغذاء الثقافي الغني. وإن الجهود المبذولة في هذا المجال من قبل بعض المدارس الخاصة غير الرسمية والتي تعتبر استثناءات طيبة جديرة بالذكر، تبقى ومع الأسف حكراً لطبقة اجتماعية معينة من الأطفال.
ومما يزيد الأمور تعقيداً أيضاً هو الغياب الذي يكاد يكون كلياً للجهات الحكومية عن هذه الساحة، وإن وزارات التربية أو الإعلام أو الثقافة أو الشؤون الاجتماعية، غير متنبهة إلى هذا الواقع الخطير والذي يعتبر من صميم شؤونها ومسؤولياتها. فلا خطط قريبة أو بعيدة للتخلّص من هذا العجز، ولا مبادرات جادة لتشجيع ودعم الكتّاب والفنانين للتأليف والانتاج للأطفال، على الأقل في المؤسسات التابعة والتي تخصص لها الميزانيات السنوية الكبيرة، أو في حثّ الجهات الأخرى غير الحكومية على ضرورة تضمين خططها البرامجية حيّزاً معيناً لثقافة الأطفال.
وليست هيئات ومؤسسات المجتمع الأهلي بأفضل حال من غيرها، خصوصاً تلك المسماة والمشكّلة أساساً لأغراض الطفولة ورعايتها وحقوقها، فهذه أيضاً وأيضاً لا تؤدي ما عليها أو ما هي قائمة أصلاً من أجله، تجاه الأطفال، ولا تعفيها بعض نشاطاتها وجهودها المشكورة في إطلاق الوعي الاجتماعي من حصتها في المسؤولية بهذا الموضوع.
تفسير لا تبرير:
فلماذا يفتقد أطفالنا إبداعاً بصياغة محليّة ؟...
سؤالاً طرحناه كثيراً وما نزال نطرحه بإلحاح، أمام المشتغلين في فنون الثقافة كافة، كتّاباً وشعراء ومنتجين وموسيقيين ومحرّرين صحافيين ورسّامين وغيرهم، إزاء ما نلقاه من عزوف أو تردّد للدخول إلى عالم الأطفال والإبداع من أجلهم.
ومن أكثر الإجابات رواجاً على مثل هذه الأسئلة، أن الكتابة للأطفال، في أي فنّ من الفنون، تتطلب مجموعة من القدرات والمؤهلات لا يتقنها إلا قلة من المؤلفين نظراً لما يتطلبه هذا الحقل من إدراك واسع ومعرفة معمقة لعالم الطفولة وخصائصها وقضايا الطفل العربي وواقعه، كما يتطلب التعامل الدقيق في أسلوب ولغة وصورة المادة التي يراد تقديمها. وهذه الشروط جميعها تشكل عائقاً أمام الكثيرين تحدّ من إقدامهم على خوض ما يعتبرونه مغامرة بالنسبة إليهم، الأمر الذي دفعهم إلى الابتعاد عن هذا العالم البسيط والصعب والاهتمام بالشرائح الأكبر في المجتمع حيث الأمور أسهل وأقل تعقيداً.
قد تكون هذه التفسيرات صحيحة للغاية، وموضوعية وأمينة في أهدافها الثقافية، لكنها لا تبرّر أبداً هذا الإجحاف اللاحق بأبنائنا في الوطن العربي في الوقت الذي يتمتع أقرانهم في البلاد الأخرى بحقهم الكامل بذلك، خصوصاً وأن عالمنا العربي يضمّ نخبة كبيرة من أهل الاختصاص والقلم والموهبة ممن يقدرون، بالإيمان وبقليل من الصبر والروية، من تقديم أعمال تضاهي أجمل واروع ما يقدمه الآخرون سيما وأن مجتمعاتنا وتاريخنا وتراثنا يذخر بمادة ثقافية غنية ورفيعة ومليئة بالقيم الجمالية والأخلاقية التي يمكن أن نستمدّ منها الكثير من النماذج والقصص والشخصيات والمواقف التي تستهوي الأطفال وترضي أذواقهم وتحقق الغايات المرجوة منها.
مخاطر متوقعة:
على رأس المخاطر القريبة الناتجة عن هذا الواقع، أننا نحرم أطفالنا حقّاً أساسياً من حقوقهم الانسانية في التمتع والإفادة من ثمار فكرنا وفننا وإبداعنا العربي الأصيل، ونحجب عنهم مورداً رئيساً وأساسياً من موارد غذائهم الروحي والجمالي. وبهذا فإننا نعرّضهم إلى السقم الفكري والهزال الثقافي الناتج عن خلل التوازنات في البنى التكوينية اللازمة لهم، كما نعمّق لديهم الشعور بالظلم المتأتي عن إهمال الكبار لهم في العناصر الثقافية التي تغرق بها موائدهم.
والأشد خطراً من هذا كله، أن الساحة التي أخلاها أصحابها الحقيقيون والجديرون بها، جعلت الحدود والفضاء الثقافي مكشوفين أمام كل التيارات الغريبة. مما سهّل اقتحامها لا بل اكتساحها من كل الجهات بشكل لافت، بما يشبه الغزو الثقافي، فراجت نتاجات الدول الأخرى، الغربية تحديداً، وملأت مكتبات أطفالنا وشاشاتهم الفضية والذهبية كما سيطرت على آذانهم وعقولهم ونفوسهم أغنيات وبرامج ومسلسلات تمكنت من ملء الفراغ الموجود وفرض حضورها في كل بيوتنا. ولا يعجزنا التأكد مما نقول ونحن نستطلع عناوين المؤلفات القصصية الظاهرة في مكتبات أطفالنا باللغات الأجنبية أو مترجمة إلى لغتنا العربية، كما ونحن نتأمل أطفالنا المتسمرين أمام أجهزة التلفاز يتابعون العروض المستمرة لأفلام الكرتون وإنتاجات "ديزني" وغيرها. وكذلك ونحن نراهم يتدافعون على شبابيك التذاكر لحضور ما أبدعته مخيلة الغرب وتقانته من أفلام خاصة بالأطفال وقصص الخيال العلمي المذهلة بالنسبة لهم.
ومقابل عجزنا وتخلفنا الكبير أمام الثورة التكنولوجية الإلكترونية الرقمية، وأمام عواصف العولمة العاتية التي تجتاح العالم بأسره وتجعل من الكون قرية صغيرة متشابكة في علاقاتها واقتصادها ومعارفها، إزدادت الفجوة اتساعاً وعمقاً بحيث أفلت منا زمام التحكم والإشراف، وأصبح أطفالنا، شئنا أو لم نشأ، في خضم هذا البحر الهائج يواجهون وحدهم ومن غير حصانة مسبقة هذه الأفكار والصور والموضوعات الوافدة.
أضف إلى ذلك كله، أن اقتصاد السوق المتوحش الذي لا يأخذ بعين اعتباره مصالح الناشئة وخيرها، أغرق الأسواق بكثير من الابتكارات التي تسللت بفعل مغرياتها إلى أطفالنا، وتحت مسميات تدغدغ مشاعرهم وتلعب على عواطفهم البريئة والبسيطة، فأباحت لهم فنون القتل والاقتحام والاعتداء الإلكتروني بشكل ألعاب وأفلام غاية في الاتقان والتغرير، وسهّل على ناظرتهم مشاهد الدماء المسفوحة والحرمات المنتهكة من غير سبب أو وازع ضمير. حيث يطلق أحد المختصين في الطب النفسي على هذه الظاهرة صفة "التشويه الإلكتروني" . كما أن هناك الكثير من البرامج التلفزيونية الأجنبية التي تتسارع محطاتنا العربية على التنافس بتقليدها واستنساخها، وأغلبها يتوجه لأبنائنا في مرحلة الشباب ناقلاً إليهم أجواء ومضامين وسلوكيات بعيدة تماماً عن كل ما هو مألوف من تصرفاتنا وخارجة عن أعرافنا التربوية والأخلاقية والإجتماعية، وكل ذلك تحت شعارات الواقعية والحرية والحوار والانفتاح على الآخر بكل ما له وما عليه.
لا أدّعي أبداً أن ما يتلقفه أبناؤنا من وسائل الإعلام المختلفة، ومن مصادر الثقافة المتنوعة عن طريق الآخر، كله رديء أو غير صالح لهم، فهناك الكثير من الأعمال راقية وجميلة ومفيدة، تحترم موقع الطفولة وتقدرها، كما تعي تماماً شروطها وخصائصها، وقد رصدت لها ميزانيات مالية وطاقات أدبية وفنية هائلة، حيث قدمت للأطفال نتاجاً فنياً رائعاً استطاع أن يفرض نفسه لسنوات طويلة في المجالات الثقافية والترفيهية.
لكن هذا الانتاج في المقابل يبقى نموذجأ غريباً عنّا ومصنوعاً لغير أبنائنا ومستهدفاً لنوعية وشريحة من الأطفال تعيش وتتنفس وتتناغم مع مناخ البيئة التي أنتجتها مع ما فيها من اختلافات وتباينات إجتماعية بعيدة عن مناخاتنا العربية.
كما أنني لا أدعو إلى عزل مجتمعاتنا وأطفالنا عن ثقافات وإنجازات البلاد الأخرى، وتأطيرهم ضمن صندوق مقفل بعيد عن شمس وهواء العصر ومستجداته ولوازمه المستقبلية، ولا أن أمنع عنهم لقاحات الفكر العالمي وتجارب الشعوب المختلفة التي تزيدهم معرفة وتفتحاً، كما لا أؤيد على الإطلاق ممارسة الهيمنة والرقابة السلطوية الضريرة على الموارد الثقافية من أية جهة أتت، إنما أريد أن أؤكد أن تعرّض أطفالنا إلى مثل هذه المتلقيات من دون تحصين بالبديل الناجح والناجع، يضيّق عندهم مساحة الاختيار وإمكانية المقارنة للرفض أو القبول، ويلزمهم بتقبل الوجه الواحد و"البضاعة المعروضة" بغثها وثمينها. حيث كان من نتائج هذا كله، أن وضعنا أطفالنا، بإرادتنا حين تلكأنا عن مدهم بالزاد العربي المناسب، ومن غير إرادتنا بفعل الزحف الثقافي لأرضنا المتعطشة والقاحلة، في ظروف غير صحية، وهنا تكمن المشكلة الكبيرة والمتمثلة في تغريب أطفالنا عن هوياتهم ومجتمعهم وتعريضهم لما يعرف "بالانحراف الفكري" الناتج عن تخلخل وفقدان الأمن الثقافي الذي لا يقلّ خطورة عن الأمن المادي إن لم يكن أدهى وأعظم.
لا بدّ أن نبداً:
في مقدمة الحلول المأمولة لهذا الواقع، قيام أهل الفكر والفن والقلم على امتداد وطننا العربي الكبير بتحمل مسؤولياتهم الأدبية والوطنية في هذا المجال تجاه أبنائهم وأطفال بلادهم، مهما كانت الصعوبات والتحديات، فهم أولاً وأخيراً خميرة المجتمع وحماة فكره وثقافته، وعليهم المبادرة على كل المستويات الأدبية والفنية للبدء في ولوج عالم الأطفال والتعرّف على حقيقته ومشكلاته وأسراره، وإعادة الاعتبار إليه وحجز مساحة لائقة به في آفاق تعاملهم وكتاباتهم ونشاطاتهم الفنية، على غرار مشاهير شعرائنا وكتابنا السابقين والحاضرين، وكتّاب العالم الشرقي والغربي، الذين لم يهملوا هذا الجانب الأساسي من ثمرة جهودهم الواسعة فوضعوا للأطفال ذخيرة طيبة من القصص والقصائد والحكايات والمسرحيات، يتنعمون بقراءتها فتطيب لها مشاعرهم وتهفو لها قلوبهم ويزدادون بها خيالاً ولغة وأسلوباً.
والجهة الثانية التي عليها أن تتصدى لهذا الواقع أيضاً هي مؤسساتنا التربوية، ومدرساتنا ومدرسونا، وهم من بيدهم هذه العقول والنفوس، وأكثرنا قرباً ومعايشة لعالم الطفولة ومزاياه ومشكلاته، فلا يغفلون عن هذا الجانب الهام في خضم مسؤولياتهم التعليمية، فهناك الكثير مما يمكن أن يفعلوه خارج نطاق المقررات والكتب المدرسية، كما أنهم أولى برصد أحدث المؤلفات والمنتجات الثقافية للأطفال، ليكونوا المرشد والدليل الناصح لهم بحثهم على متابعة الصالح منها وإبعادهم عن الرديء والفاسد.
ولا نعفي أرباب الأسر أيضاً، من واجبهم في بذل المزيد من النصح والاشراف على ما يقع بيد أبنائهم أو ما يعرض لهم على الشاشات، وفي حثهم وتشجيعهم على المطالعة والبحث وزيارة المكتبات العامة والمسارح وأندية التسلية البريئة والمفيدة، وباعتماد خطة رصينة في توفير الكتب والأدوات الثقافية الأخرى بالتوازن مع الألعاب والهدايا، كي لا تطغى هذه الأخيرة فقط على تفكير الأطفال واهتماماتهم.
أما الجهات الرسمية "المسؤولة" ومؤسسات المجتمع الأهلي، الغائبة أو الغافلة عن هذه المسؤولية، فنأمل لها صحوة مبكرة، تعيد إليها إدراكها بأن بناء النهضة وقيام التنمية لا تبدآن بالجسور المعلّقة ولا بالعمارات الشاهقة، ولا بالشعارات واليافطات، إنما بالإنسان، ومن الأطفال بالذات.
---------------------------------------
- د. هادي نعمان الهيتي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 123، مارس 1988، ص:103.
- عبد التواب يوسف، مجلات الأطفال العربية، ، مشاركة من إعداد محمد أبو زيد، منتدى حوارات الفاخرية.
- د. خليل فاضل، مجلة العربي، وزارة الإعلام، الكويت، العدد 552، نوفمبر 2004، ص:174.
- العقيد د. علي بن فايز الجحني، المجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، المجلد 14، العدد 27، محرم 1420هـ ص:245 وما بعد.
وقد عبّر أحد المختصين في شؤون الإعلام ومجالات أدب الأطفال، عن هذه الحالة أفضل تعبير، عندما قال" يولد الطفل وله خصائص وراثية، ويكون عند ولادته مجرد كائن بيولوجي أو مجرد فرد، وسرعان ما يبدأ بامتصاص عناصر من ثقافة مجتمعه من خلال اتصالاته المختلفة فيكتسب عادات وتقاليد ومعايير ولغة...وبذا يتحول إلى شخص.
وهذا يعني أن الطفل يولد مرتين، أولاهما ولادة عضوية "بيولوجية"، وثانيتهما ولادة ثقافية، حيث يتحول في الولادة الثانية إلى كائن ثقافي."
وتلعب الثقافة دوراً رئيساً عبر مراحل الطفولة المختلفة لأنها الأساس الذي ترتفع عليه أنماط سلوك الأطفال ومعالم شخصياتهم وميولهم المستقبلية. وكلما اتسعت رقعة الاحتكاك بالمؤثرات الثقافية عندهم، وتعدّدت أشكالها وأنواعها، كلما توسعت معها مداركهم وقدراتهم وخبراتهم فتصقل أذواقهم وتسمو مخيلاتهم وتترهف مشاعرهم وأحاسيسهم. مما يساهم في ترسيخ مجموعة المبادئ والقيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية في نفوسهم ويغرس فيهم جذور الهوية والانتماء إلى الأرض والتاريخ.
تتعدّد مصادر الثقافة ومنابعها وشمولها لكل همسات وأحداث الحياة، وهي تبدأ بالعلاقات العائلية المحدودة ثم تأخذ بالانفراج على مدى سنوات الطفولة لتجمع كل تفاصيل ودقائق الروابط والاتصالات والمشاهدات والمتلقيات في المدرسة وفي المجتمع. لذا سوف أكتفي هنا بتناول مسألة الإنتاج الأدبي والفني لأطفالنا في الوطن العربي، كعامل من عوامل التكوين الثقافي لديهم في الدرجة الأولى، ثم كحق ثابت وأصيل من حقوقهم الطبيعية والأساسية، وكحصن من حصون الحماية الفكرية لهم وللمجتمع بعد ذلك.
جفاف مسيطر:
إن أول ما يواجه الباحث وهو يتناول مسألة "الإنتاج الأدبي والفني للأطفال"، هي تلك الندرة الملفتة لهذا المكوّن الثقافي الهام، والتي قد تصل في بعض الأنواع إلى حدّ الجدب والقحط، في الوقت الذي يذخر فيه عالمنا العربي بالكثير من الأسماء اللامعة في الطاقات والمواهب الفكرية والأدبية والفنية، كما يتخم بالمؤسسات الصحافية والإعلامية الأرضية والفضائية، ويكاد إنتاجه الفني والأدبي لا يتوقف على مدار العام مغطياً كلّ مجالات الحياة ونشاطاتها. ولكن هذا الزخم الثقافي، الموّزع بين التأليف الأدبي والانتاج الفني وإصدارات الصحف والمجلات، يتوجه في مجمله إلى الكبار والراشدين من جميع فئات المجتمع، دون أن يتبادر إلى أذهان أصحابه طرق أبواب الصغار والدخول إلى عالمهم الخاص ومنحهم قسطاً من اهتماماتهم الابداعية، وكأن عالم الأطفال بالنسبة إليهم عالم مجهول أو غير موجود على الساحة الإنسانية ولا يستحق منهم حيزاً ينبئ بوجوده ويقدّر موقعه ويمده بالعناصر الضرورية للثقافة والنمو. أو كأن الأطفال غير جديرين بالشعر والقصائد العربية ولا بالقصة أو بالمسرحية أو بالمجلة أو بسائر الفنون الأخرى التي تطرب نفوسهم وتغني معلوماتهم وتثري مخيلاتهم وتوقظ لديهم منابع الذائقة الجمالية والاحساس بالصورة الزاهية والكلمة الحلوة والنادرة المسليّة والموقف النبيل.
وتكفي التفاتة بسيطة إلى ما تقدمه إذاعاتنا وشاشاتنا ومسارحنا العربية من أعمال وبرامج ومسلسلات لنلحظ الفقر المدقع فيما هو مخصص للأطفال كإنتاج عربي خالص. أما صحافتنا العربية فهي ليست بأفضل حال على الإطلاق لا سيما في مجال نشر المجلات المعدّة للأطفال، حيث يصف أحد الكتّاب المهتمين بأدب الأطفال هذه الحالة بأنها "مجاعة في مجال مجلات الأطفال...وإذا قسمت النسخ المطبوعة من هذه المجلات على الأطفال القرّاء سيكون نصيب الطفل منها صورة في حجم طابع البريد... في حين نصيب الطفل في بلد كأميركا من المجلات 12 مجلة أسبوعياً " . والنشاط الوحيد الذي يبعث على الأمل هو في بعض المؤلفات القصصية التي تظهر عناوينها في مكتباتنا والتي تبقى على كل حال دون الأمل المنشود قياساً للكم الهائل المنشور في المجالات الأخرى. وإذا أخذنا برأي المختصين من ان بعض هذه القلّة القليلة من الانتاج هو دون المستوى المطلوب شكلاً ومضموناً ولا يتناسب مع واقع أطفالنا وخصائص كل مرحلة عمرية لديهم، وأن بعضها الآخر ليس إلا صورة مستنسخة ومشوهة لبعض ما يصدر في البلاد المتقدمة، لظهرت أمامنا بجلاء حقيقة الواقع المأسوي الذي يعانيه أطفال الوطن العربي والذي يمكن أن نطلق عليه "مشكلة نقص الغذاء الثقافي".
والأمر الثاني الذي لا يقلّ أسىً في هذه المسألة، أن المؤسسات التعليمية بمجملها، هي أيضاً غافلة عن هذه المسؤولية ومنهوكة في تكديس المعارف والمعلومات في أذهان الطلبة دون أي مراعاة للجوانب الثقافية الابداعية الأخرى، التي بإمكانها أن تسدّ نقصاً كبيراً في هذا المجال فيما لو أعطت هذه المؤسسات بعضاً من اهتمامها لما يعرف بالأنشطة المدرسية الحرّة أو غير المنهجية، والمتمثلة في المكتبة أو الإذاعة أو الصحافة أو الأندية العلمية المدرسية أو المسرح المدرسي، وتخصيص ميزانيات لتشجيع المشتركين والمبرزين فيها، فكل هذه الأنشطة كفيلة بأن تكسب الطلاب مهارات كثيرة وتكشف مبكراً عن مواهبهم وميولهم وقدراتهم وتعمّق في نفوسهم أصول البحث والتعاون والعمل الجماعي المشترك والتنافس الراقي الشريف، إلى جانب مدهم بالغذاء الثقافي الغني. وإن الجهود المبذولة في هذا المجال من قبل بعض المدارس الخاصة غير الرسمية والتي تعتبر استثناءات طيبة جديرة بالذكر، تبقى ومع الأسف حكراً لطبقة اجتماعية معينة من الأطفال.
ومما يزيد الأمور تعقيداً أيضاً هو الغياب الذي يكاد يكون كلياً للجهات الحكومية عن هذه الساحة، وإن وزارات التربية أو الإعلام أو الثقافة أو الشؤون الاجتماعية، غير متنبهة إلى هذا الواقع الخطير والذي يعتبر من صميم شؤونها ومسؤولياتها. فلا خطط قريبة أو بعيدة للتخلّص من هذا العجز، ولا مبادرات جادة لتشجيع ودعم الكتّاب والفنانين للتأليف والانتاج للأطفال، على الأقل في المؤسسات التابعة والتي تخصص لها الميزانيات السنوية الكبيرة، أو في حثّ الجهات الأخرى غير الحكومية على ضرورة تضمين خططها البرامجية حيّزاً معيناً لثقافة الأطفال.
وليست هيئات ومؤسسات المجتمع الأهلي بأفضل حال من غيرها، خصوصاً تلك المسماة والمشكّلة أساساً لأغراض الطفولة ورعايتها وحقوقها، فهذه أيضاً وأيضاً لا تؤدي ما عليها أو ما هي قائمة أصلاً من أجله، تجاه الأطفال، ولا تعفيها بعض نشاطاتها وجهودها المشكورة في إطلاق الوعي الاجتماعي من حصتها في المسؤولية بهذا الموضوع.
تفسير لا تبرير:
فلماذا يفتقد أطفالنا إبداعاً بصياغة محليّة ؟...
سؤالاً طرحناه كثيراً وما نزال نطرحه بإلحاح، أمام المشتغلين في فنون الثقافة كافة، كتّاباً وشعراء ومنتجين وموسيقيين ومحرّرين صحافيين ورسّامين وغيرهم، إزاء ما نلقاه من عزوف أو تردّد للدخول إلى عالم الأطفال والإبداع من أجلهم.
ومن أكثر الإجابات رواجاً على مثل هذه الأسئلة، أن الكتابة للأطفال، في أي فنّ من الفنون، تتطلب مجموعة من القدرات والمؤهلات لا يتقنها إلا قلة من المؤلفين نظراً لما يتطلبه هذا الحقل من إدراك واسع ومعرفة معمقة لعالم الطفولة وخصائصها وقضايا الطفل العربي وواقعه، كما يتطلب التعامل الدقيق في أسلوب ولغة وصورة المادة التي يراد تقديمها. وهذه الشروط جميعها تشكل عائقاً أمام الكثيرين تحدّ من إقدامهم على خوض ما يعتبرونه مغامرة بالنسبة إليهم، الأمر الذي دفعهم إلى الابتعاد عن هذا العالم البسيط والصعب والاهتمام بالشرائح الأكبر في المجتمع حيث الأمور أسهل وأقل تعقيداً.
قد تكون هذه التفسيرات صحيحة للغاية، وموضوعية وأمينة في أهدافها الثقافية، لكنها لا تبرّر أبداً هذا الإجحاف اللاحق بأبنائنا في الوطن العربي في الوقت الذي يتمتع أقرانهم في البلاد الأخرى بحقهم الكامل بذلك، خصوصاً وأن عالمنا العربي يضمّ نخبة كبيرة من أهل الاختصاص والقلم والموهبة ممن يقدرون، بالإيمان وبقليل من الصبر والروية، من تقديم أعمال تضاهي أجمل واروع ما يقدمه الآخرون سيما وأن مجتمعاتنا وتاريخنا وتراثنا يذخر بمادة ثقافية غنية ورفيعة ومليئة بالقيم الجمالية والأخلاقية التي يمكن أن نستمدّ منها الكثير من النماذج والقصص والشخصيات والمواقف التي تستهوي الأطفال وترضي أذواقهم وتحقق الغايات المرجوة منها.
مخاطر متوقعة:
على رأس المخاطر القريبة الناتجة عن هذا الواقع، أننا نحرم أطفالنا حقّاً أساسياً من حقوقهم الانسانية في التمتع والإفادة من ثمار فكرنا وفننا وإبداعنا العربي الأصيل، ونحجب عنهم مورداً رئيساً وأساسياً من موارد غذائهم الروحي والجمالي. وبهذا فإننا نعرّضهم إلى السقم الفكري والهزال الثقافي الناتج عن خلل التوازنات في البنى التكوينية اللازمة لهم، كما نعمّق لديهم الشعور بالظلم المتأتي عن إهمال الكبار لهم في العناصر الثقافية التي تغرق بها موائدهم.
والأشد خطراً من هذا كله، أن الساحة التي أخلاها أصحابها الحقيقيون والجديرون بها، جعلت الحدود والفضاء الثقافي مكشوفين أمام كل التيارات الغريبة. مما سهّل اقتحامها لا بل اكتساحها من كل الجهات بشكل لافت، بما يشبه الغزو الثقافي، فراجت نتاجات الدول الأخرى، الغربية تحديداً، وملأت مكتبات أطفالنا وشاشاتهم الفضية والذهبية كما سيطرت على آذانهم وعقولهم ونفوسهم أغنيات وبرامج ومسلسلات تمكنت من ملء الفراغ الموجود وفرض حضورها في كل بيوتنا. ولا يعجزنا التأكد مما نقول ونحن نستطلع عناوين المؤلفات القصصية الظاهرة في مكتبات أطفالنا باللغات الأجنبية أو مترجمة إلى لغتنا العربية، كما ونحن نتأمل أطفالنا المتسمرين أمام أجهزة التلفاز يتابعون العروض المستمرة لأفلام الكرتون وإنتاجات "ديزني" وغيرها. وكذلك ونحن نراهم يتدافعون على شبابيك التذاكر لحضور ما أبدعته مخيلة الغرب وتقانته من أفلام خاصة بالأطفال وقصص الخيال العلمي المذهلة بالنسبة لهم.
ومقابل عجزنا وتخلفنا الكبير أمام الثورة التكنولوجية الإلكترونية الرقمية، وأمام عواصف العولمة العاتية التي تجتاح العالم بأسره وتجعل من الكون قرية صغيرة متشابكة في علاقاتها واقتصادها ومعارفها، إزدادت الفجوة اتساعاً وعمقاً بحيث أفلت منا زمام التحكم والإشراف، وأصبح أطفالنا، شئنا أو لم نشأ، في خضم هذا البحر الهائج يواجهون وحدهم ومن غير حصانة مسبقة هذه الأفكار والصور والموضوعات الوافدة.
أضف إلى ذلك كله، أن اقتصاد السوق المتوحش الذي لا يأخذ بعين اعتباره مصالح الناشئة وخيرها، أغرق الأسواق بكثير من الابتكارات التي تسللت بفعل مغرياتها إلى أطفالنا، وتحت مسميات تدغدغ مشاعرهم وتلعب على عواطفهم البريئة والبسيطة، فأباحت لهم فنون القتل والاقتحام والاعتداء الإلكتروني بشكل ألعاب وأفلام غاية في الاتقان والتغرير، وسهّل على ناظرتهم مشاهد الدماء المسفوحة والحرمات المنتهكة من غير سبب أو وازع ضمير. حيث يطلق أحد المختصين في الطب النفسي على هذه الظاهرة صفة "التشويه الإلكتروني" . كما أن هناك الكثير من البرامج التلفزيونية الأجنبية التي تتسارع محطاتنا العربية على التنافس بتقليدها واستنساخها، وأغلبها يتوجه لأبنائنا في مرحلة الشباب ناقلاً إليهم أجواء ومضامين وسلوكيات بعيدة تماماً عن كل ما هو مألوف من تصرفاتنا وخارجة عن أعرافنا التربوية والأخلاقية والإجتماعية، وكل ذلك تحت شعارات الواقعية والحرية والحوار والانفتاح على الآخر بكل ما له وما عليه.
لا أدّعي أبداً أن ما يتلقفه أبناؤنا من وسائل الإعلام المختلفة، ومن مصادر الثقافة المتنوعة عن طريق الآخر، كله رديء أو غير صالح لهم، فهناك الكثير من الأعمال راقية وجميلة ومفيدة، تحترم موقع الطفولة وتقدرها، كما تعي تماماً شروطها وخصائصها، وقد رصدت لها ميزانيات مالية وطاقات أدبية وفنية هائلة، حيث قدمت للأطفال نتاجاً فنياً رائعاً استطاع أن يفرض نفسه لسنوات طويلة في المجالات الثقافية والترفيهية.
لكن هذا الانتاج في المقابل يبقى نموذجأ غريباً عنّا ومصنوعاً لغير أبنائنا ومستهدفاً لنوعية وشريحة من الأطفال تعيش وتتنفس وتتناغم مع مناخ البيئة التي أنتجتها مع ما فيها من اختلافات وتباينات إجتماعية بعيدة عن مناخاتنا العربية.
كما أنني لا أدعو إلى عزل مجتمعاتنا وأطفالنا عن ثقافات وإنجازات البلاد الأخرى، وتأطيرهم ضمن صندوق مقفل بعيد عن شمس وهواء العصر ومستجداته ولوازمه المستقبلية، ولا أن أمنع عنهم لقاحات الفكر العالمي وتجارب الشعوب المختلفة التي تزيدهم معرفة وتفتحاً، كما لا أؤيد على الإطلاق ممارسة الهيمنة والرقابة السلطوية الضريرة على الموارد الثقافية من أية جهة أتت، إنما أريد أن أؤكد أن تعرّض أطفالنا إلى مثل هذه المتلقيات من دون تحصين بالبديل الناجح والناجع، يضيّق عندهم مساحة الاختيار وإمكانية المقارنة للرفض أو القبول، ويلزمهم بتقبل الوجه الواحد و"البضاعة المعروضة" بغثها وثمينها. حيث كان من نتائج هذا كله، أن وضعنا أطفالنا، بإرادتنا حين تلكأنا عن مدهم بالزاد العربي المناسب، ومن غير إرادتنا بفعل الزحف الثقافي لأرضنا المتعطشة والقاحلة، في ظروف غير صحية، وهنا تكمن المشكلة الكبيرة والمتمثلة في تغريب أطفالنا عن هوياتهم ومجتمعهم وتعريضهم لما يعرف "بالانحراف الفكري" الناتج عن تخلخل وفقدان الأمن الثقافي الذي لا يقلّ خطورة عن الأمن المادي إن لم يكن أدهى وأعظم.
لا بدّ أن نبداً:
في مقدمة الحلول المأمولة لهذا الواقع، قيام أهل الفكر والفن والقلم على امتداد وطننا العربي الكبير بتحمل مسؤولياتهم الأدبية والوطنية في هذا المجال تجاه أبنائهم وأطفال بلادهم، مهما كانت الصعوبات والتحديات، فهم أولاً وأخيراً خميرة المجتمع وحماة فكره وثقافته، وعليهم المبادرة على كل المستويات الأدبية والفنية للبدء في ولوج عالم الأطفال والتعرّف على حقيقته ومشكلاته وأسراره، وإعادة الاعتبار إليه وحجز مساحة لائقة به في آفاق تعاملهم وكتاباتهم ونشاطاتهم الفنية، على غرار مشاهير شعرائنا وكتابنا السابقين والحاضرين، وكتّاب العالم الشرقي والغربي، الذين لم يهملوا هذا الجانب الأساسي من ثمرة جهودهم الواسعة فوضعوا للأطفال ذخيرة طيبة من القصص والقصائد والحكايات والمسرحيات، يتنعمون بقراءتها فتطيب لها مشاعرهم وتهفو لها قلوبهم ويزدادون بها خيالاً ولغة وأسلوباً.
والجهة الثانية التي عليها أن تتصدى لهذا الواقع أيضاً هي مؤسساتنا التربوية، ومدرساتنا ومدرسونا، وهم من بيدهم هذه العقول والنفوس، وأكثرنا قرباً ومعايشة لعالم الطفولة ومزاياه ومشكلاته، فلا يغفلون عن هذا الجانب الهام في خضم مسؤولياتهم التعليمية، فهناك الكثير مما يمكن أن يفعلوه خارج نطاق المقررات والكتب المدرسية، كما أنهم أولى برصد أحدث المؤلفات والمنتجات الثقافية للأطفال، ليكونوا المرشد والدليل الناصح لهم بحثهم على متابعة الصالح منها وإبعادهم عن الرديء والفاسد.
ولا نعفي أرباب الأسر أيضاً، من واجبهم في بذل المزيد من النصح والاشراف على ما يقع بيد أبنائهم أو ما يعرض لهم على الشاشات، وفي حثهم وتشجيعهم على المطالعة والبحث وزيارة المكتبات العامة والمسارح وأندية التسلية البريئة والمفيدة، وباعتماد خطة رصينة في توفير الكتب والأدوات الثقافية الأخرى بالتوازن مع الألعاب والهدايا، كي لا تطغى هذه الأخيرة فقط على تفكير الأطفال واهتماماتهم.
أما الجهات الرسمية "المسؤولة" ومؤسسات المجتمع الأهلي، الغائبة أو الغافلة عن هذه المسؤولية، فنأمل لها صحوة مبكرة، تعيد إليها إدراكها بأن بناء النهضة وقيام التنمية لا تبدآن بالجسور المعلّقة ولا بالعمارات الشاهقة، ولا بالشعارات واليافطات، إنما بالإنسان، ومن الأطفال بالذات.
---------------------------------------
- د. هادي نعمان الهيتي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 123، مارس 1988، ص:103.
- عبد التواب يوسف، مجلات الأطفال العربية، ، مشاركة من إعداد محمد أبو زيد، منتدى حوارات الفاخرية.
- د. خليل فاضل، مجلة العربي، وزارة الإعلام، الكويت، العدد 552، نوفمبر 2004، ص:174.
- العقيد د. علي بن فايز الجحني، المجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، المجلد 14، العدد 27، محرم 1420هـ ص:245 وما بعد.