عبد الباسط خلف
09-08-2005, 12:57 AM
زوجها أبكم أصم
وداد : الإنسانية النبيلة و الكفاح معا…..
كتب عبد الباسط خلف:
تحمل وداد عارف يوسف في أعماقها ثنائية غير عادية ، فهي التي وافقت على الزواج من الشاب فريد شحادة سلامة ، رغم إعاقته السمعية والنطقية ، وبدأت تفكر في مشروع تنموي يعينها ويمنح عائلتها " طوق نجاة" في ظروف تتكالب عليها هموم الفقر و المعاناة…
شرعت ابنة التاسعة والعشرين في نثر خيوط من حكايتها الاستثنائية ، فتعيد عجلة التاريخ إلى الوراء لعشر سنوات ، حينما وافقت على الزواج من ابن عمتها فريد الذي تآمرت "أوجاع السحايا " على لسانه وأذنيه ، وتركته أبكما أصما ، لكنها لم تنل من إنسانيته وهو الأمر الذي شجع وداد على الارتباط به ، رغم كل ما ينقصه من مواصفات "فارس الأحلام " برأي أخريات .
تضحية
تروي : امتنع أهلي في البداية عن الموافقة على فريد كزوج وشريك حياه ، لكن شخصيته وإنسانيته ، جعلتني أتنازل عن تحفظاتي ، وأقنع أهلي بالموافقة ، ففاقد النطق والسمع ، لا يعني أنه فاقد للمشاعر والأحاسيس ، وبإمكانه أن يكون زوجا وأبا ومسؤولا عن بيت، وبدأت وفريد مع توالي الأيام نهزم العوائق الرئيسية ، فاستبدلت الكلام بلغة الإشارة ، وتنازلت عنه لصالح إنسان لم يقترف ذنبا ، ولم يكن له دور في تجديد ملامح شخصيته ……
تسترسل : تحولنا للعمل في الزراعة معا ، وكان فريد مسؤول عن إدارة بئر ارتوازي ، وقيادة جرار زراعي ، والتفكير بأنماط ما يجب وما لا يجب أن يزرع ، قبل أن يتحول في مواسم الكساد الزراعي للعمل داخل " الخط الأخضر " في قطاعات البناء والإنشاءات ، ثم عادى ليعارك شقاء الزراعة ومواسمها ، التي تسببت في تراكم " أطنان" من الديون علينا .
نضال
تكمل وكأن دموع الفرح والحزن تشاركها الحديث : بدأت التفكير في عمل شيء يساعدنا على العيش بكرامة ، دون الحاجة لسؤال الناس ، فرحت أمارس بعض أعمال الحياكة ، ثم بدأت منذ قرابة العام في دخول عالم تنسيق الزهور ، وإبتكار أعمال فنية تشبه النحاسيات ، عن طريق تشكيل وتحويل مواد ببسيطة كالسيليكون ، والمعكرونة وأعواد الشواء الخشبية ، لتحف فنية جذابة ، وزاهية الألوان ، ورحت أسوقها ، عبر متاجر متواضعة ، وكانت الدنيا في كثير من الأحيان "تكشر " في وجهها ، فكنت لا أبيع غير تحفتين ، الأمر الذي لم يحقق لي أي مردود ، وإنما كان يجعلني عاجزة عن تأمين أجور المواصلات ، التي أخذت "تنمو " بجنون بعد العدوان والحصار …..
تضـيف : لم أعرف معنى اليأس وواصلت العمل ، وتعرفت إلى تجار ومؤسسات أكبر ، وبدأت دائرة معارفي بالأتساع ،لكن ذلك لم يعني إنهاء المعاناة ، فقد عشت طوال الشهر الماضي فترة ركود ، ولم أستطع تسويق قطعة واحدة من مصنوعاتي ، وسعيت للمشاركة في معرض للمشغولات اليدوية في الجامعة العربية الأمريكية ، إلا أن الحواجز كان لها رأي آخر….
تفاصيل صغيرة
في أيام كثيرة تستيقظ أم شحادة باكرا ، وتدبر شؤون أسرتها ، وأطفالها الثلاثة ، ، شحادة وشذى ونور ، وتمضي حيث منزل عائلتها وسط بلدة برقين ، التي تمزج بين التاريخ العتيق ممثلا بحكاية السيد المسيح وحكاية ثالث أقدم مكان مقدس لمسيحي الدنيا وجذور الزيتون الضارب في أحشاء الأرض ،إلى مدينة جنين ،وتشرع بالبحث عن سوق لمصنوعاتها ، علها ترجع بعائدات تطفئ حاجات صغارها ، وتحقق ذاتها ، "وقد تأتي الرياح بخلاف ما يمتناه قبطان البحر….."
تسعى وداد لاقتناء ماكينة خياطة ، تساعدها في تحقيق المزيد من الإنجازات إلى جانب عملها ، وقد ساعدتها منسقة طاقم شؤون المرأة في جنين، إيمان نزال في هذه الغاية ، وتتأمل في أن يحالفها الحظ في العمل الجديد ، كون أعباء الحياة تفوق الوصف.
عن ودعاء أيضا…
تعود للحديث عن شريك دربها ، فتقول : فريد وأمثاله أناس عاديون ، ومجتهدون ، ومنفتحون على الحياة ، لكن الذي ينقصهم معاملة أكثر جمالا من الناس ، كي ينسوا معاناتهم .أو على الأقل يتناسوها ، والموجود في بيئتنا عكس ذلك تماما ، إذ إن مجتمعنا يظل يذكر المعاق بأنه كذلك كل لحظه ، ولا يحاول استيعاب أو تفهم عجزه غير المسؤول عنه …
تذكر ، وفق مشاهداتها التلفزيونية،حكاية الفتاة السورية دعاء بسطاطي التي خلقها الله بلا ذراعين ، لكن تفهم أهلها لحالها ، جعلها إنسانة عادية ، ترسم ,تكتب وتعمل في المنزل ، وتشارك أمها ووالدها في أكثر الأعمال حاجة للتفاصيل كنقر الكوسا وتنظيف الأطباق وغيرها .
تعلق : لو أشعر أهل دعاء ابنتهم بإعاقتها ، لتغير كل شيء. ولشاهدت الطفلة الدنيا سوداء ، أو حتى لتخلص أهلها منه…
أحلام
استنادا لوداد ، فإن فريد لم يتلق غير تعليم محدود لسنتين في مدرسة خاصة ، ما جعله لا يجيد الكتابة أو القراءة .
تتابع بتأثر : لحالة زوجي فإن أطفالنا تعلموا مني لغة الإشارة ، ولم ينطقوا بكلمة "بابا" ، مثلما لم يتحدث إليهم والدهم ، الذي يتمنى بتقدير زوجته وشعورها أن لو عاد النطق إليه لصرخ بأعلى صوته ما يداعب أولاده…. ولما كانت الحالة على هذا النحو فقد بت أشعر بالنقص لدى أولادنا وأحاول تعويضهم ، فالدنيا لم نته بعد ، وفريد إنسان ، ولو لم أتفهمه لاسودت الدنيا بوجهه أكثر فأكثر.
تنتقل للحديث عن أحلام زوجها ، فتقول : أنه كثير الحلم بالسفر والرحال لبلاد أخرى ، ربما حتى لا يعرف من يراه بأنه يعاني، ويأمل بأن يحصل على سماعة تقدم "طوق نجاة " لإحدى أذنيه التي تسمع الصوت العالي جدا بوجود تقنية متطورة ومكلفة ، لكن الخوف يطارده ، وبخاصة من جيش الاحتلال ، الذي كان أحد أسباب وفاة والده بسكتة قلبية ، عشية الانتفاضة الأولى.
قبل أن نسدل الستار على حديثنا مع وداد ، المكافحة والاستثنائية ، ننهال عليها بافتراض "لو أحب ابنك ، فتاة بمواصفات والده ، هل ستوافقينه الرأي ، أم لا ؟" جيب بتلقائية وصراحة : إذا كانت إنسانه كفريد وأحبها ، فأنا أول الموافقين…..
وداد : الإنسانية النبيلة و الكفاح معا…..
كتب عبد الباسط خلف:
تحمل وداد عارف يوسف في أعماقها ثنائية غير عادية ، فهي التي وافقت على الزواج من الشاب فريد شحادة سلامة ، رغم إعاقته السمعية والنطقية ، وبدأت تفكر في مشروع تنموي يعينها ويمنح عائلتها " طوق نجاة" في ظروف تتكالب عليها هموم الفقر و المعاناة…
شرعت ابنة التاسعة والعشرين في نثر خيوط من حكايتها الاستثنائية ، فتعيد عجلة التاريخ إلى الوراء لعشر سنوات ، حينما وافقت على الزواج من ابن عمتها فريد الذي تآمرت "أوجاع السحايا " على لسانه وأذنيه ، وتركته أبكما أصما ، لكنها لم تنل من إنسانيته وهو الأمر الذي شجع وداد على الارتباط به ، رغم كل ما ينقصه من مواصفات "فارس الأحلام " برأي أخريات .
تضحية
تروي : امتنع أهلي في البداية عن الموافقة على فريد كزوج وشريك حياه ، لكن شخصيته وإنسانيته ، جعلتني أتنازل عن تحفظاتي ، وأقنع أهلي بالموافقة ، ففاقد النطق والسمع ، لا يعني أنه فاقد للمشاعر والأحاسيس ، وبإمكانه أن يكون زوجا وأبا ومسؤولا عن بيت، وبدأت وفريد مع توالي الأيام نهزم العوائق الرئيسية ، فاستبدلت الكلام بلغة الإشارة ، وتنازلت عنه لصالح إنسان لم يقترف ذنبا ، ولم يكن له دور في تجديد ملامح شخصيته ……
تسترسل : تحولنا للعمل في الزراعة معا ، وكان فريد مسؤول عن إدارة بئر ارتوازي ، وقيادة جرار زراعي ، والتفكير بأنماط ما يجب وما لا يجب أن يزرع ، قبل أن يتحول في مواسم الكساد الزراعي للعمل داخل " الخط الأخضر " في قطاعات البناء والإنشاءات ، ثم عادى ليعارك شقاء الزراعة ومواسمها ، التي تسببت في تراكم " أطنان" من الديون علينا .
نضال
تكمل وكأن دموع الفرح والحزن تشاركها الحديث : بدأت التفكير في عمل شيء يساعدنا على العيش بكرامة ، دون الحاجة لسؤال الناس ، فرحت أمارس بعض أعمال الحياكة ، ثم بدأت منذ قرابة العام في دخول عالم تنسيق الزهور ، وإبتكار أعمال فنية تشبه النحاسيات ، عن طريق تشكيل وتحويل مواد ببسيطة كالسيليكون ، والمعكرونة وأعواد الشواء الخشبية ، لتحف فنية جذابة ، وزاهية الألوان ، ورحت أسوقها ، عبر متاجر متواضعة ، وكانت الدنيا في كثير من الأحيان "تكشر " في وجهها ، فكنت لا أبيع غير تحفتين ، الأمر الذي لم يحقق لي أي مردود ، وإنما كان يجعلني عاجزة عن تأمين أجور المواصلات ، التي أخذت "تنمو " بجنون بعد العدوان والحصار …..
تضـيف : لم أعرف معنى اليأس وواصلت العمل ، وتعرفت إلى تجار ومؤسسات أكبر ، وبدأت دائرة معارفي بالأتساع ،لكن ذلك لم يعني إنهاء المعاناة ، فقد عشت طوال الشهر الماضي فترة ركود ، ولم أستطع تسويق قطعة واحدة من مصنوعاتي ، وسعيت للمشاركة في معرض للمشغولات اليدوية في الجامعة العربية الأمريكية ، إلا أن الحواجز كان لها رأي آخر….
تفاصيل صغيرة
في أيام كثيرة تستيقظ أم شحادة باكرا ، وتدبر شؤون أسرتها ، وأطفالها الثلاثة ، ، شحادة وشذى ونور ، وتمضي حيث منزل عائلتها وسط بلدة برقين ، التي تمزج بين التاريخ العتيق ممثلا بحكاية السيد المسيح وحكاية ثالث أقدم مكان مقدس لمسيحي الدنيا وجذور الزيتون الضارب في أحشاء الأرض ،إلى مدينة جنين ،وتشرع بالبحث عن سوق لمصنوعاتها ، علها ترجع بعائدات تطفئ حاجات صغارها ، وتحقق ذاتها ، "وقد تأتي الرياح بخلاف ما يمتناه قبطان البحر….."
تسعى وداد لاقتناء ماكينة خياطة ، تساعدها في تحقيق المزيد من الإنجازات إلى جانب عملها ، وقد ساعدتها منسقة طاقم شؤون المرأة في جنين، إيمان نزال في هذه الغاية ، وتتأمل في أن يحالفها الحظ في العمل الجديد ، كون أعباء الحياة تفوق الوصف.
عن ودعاء أيضا…
تعود للحديث عن شريك دربها ، فتقول : فريد وأمثاله أناس عاديون ، ومجتهدون ، ومنفتحون على الحياة ، لكن الذي ينقصهم معاملة أكثر جمالا من الناس ، كي ينسوا معاناتهم .أو على الأقل يتناسوها ، والموجود في بيئتنا عكس ذلك تماما ، إذ إن مجتمعنا يظل يذكر المعاق بأنه كذلك كل لحظه ، ولا يحاول استيعاب أو تفهم عجزه غير المسؤول عنه …
تذكر ، وفق مشاهداتها التلفزيونية،حكاية الفتاة السورية دعاء بسطاطي التي خلقها الله بلا ذراعين ، لكن تفهم أهلها لحالها ، جعلها إنسانة عادية ، ترسم ,تكتب وتعمل في المنزل ، وتشارك أمها ووالدها في أكثر الأعمال حاجة للتفاصيل كنقر الكوسا وتنظيف الأطباق وغيرها .
تعلق : لو أشعر أهل دعاء ابنتهم بإعاقتها ، لتغير كل شيء. ولشاهدت الطفلة الدنيا سوداء ، أو حتى لتخلص أهلها منه…
أحلام
استنادا لوداد ، فإن فريد لم يتلق غير تعليم محدود لسنتين في مدرسة خاصة ، ما جعله لا يجيد الكتابة أو القراءة .
تتابع بتأثر : لحالة زوجي فإن أطفالنا تعلموا مني لغة الإشارة ، ولم ينطقوا بكلمة "بابا" ، مثلما لم يتحدث إليهم والدهم ، الذي يتمنى بتقدير زوجته وشعورها أن لو عاد النطق إليه لصرخ بأعلى صوته ما يداعب أولاده…. ولما كانت الحالة على هذا النحو فقد بت أشعر بالنقص لدى أولادنا وأحاول تعويضهم ، فالدنيا لم نته بعد ، وفريد إنسان ، ولو لم أتفهمه لاسودت الدنيا بوجهه أكثر فأكثر.
تنتقل للحديث عن أحلام زوجها ، فتقول : أنه كثير الحلم بالسفر والرحال لبلاد أخرى ، ربما حتى لا يعرف من يراه بأنه يعاني، ويأمل بأن يحصل على سماعة تقدم "طوق نجاة " لإحدى أذنيه التي تسمع الصوت العالي جدا بوجود تقنية متطورة ومكلفة ، لكن الخوف يطارده ، وبخاصة من جيش الاحتلال ، الذي كان أحد أسباب وفاة والده بسكتة قلبية ، عشية الانتفاضة الأولى.
قبل أن نسدل الستار على حديثنا مع وداد ، المكافحة والاستثنائية ، ننهال عليها بافتراض "لو أحب ابنك ، فتاة بمواصفات والده ، هل ستوافقينه الرأي ، أم لا ؟" جيب بتلقائية وصراحة : إذا كانت إنسانه كفريد وأحبها ، فأنا أول الموافقين…..