المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لدينا ما يكفي .. وعلينا تفعيله


محمد صلاح الدين الدندراوي
09-08-2005, 11:22 AM
تأخذ جهود محاربة الفقر في المملكة أبعادا هامة تختلف عن غيرها من البلدان والمجتمعات، ففي هذه الربوع الطاهرة مهبط الوحي ومنطلق الدعوة والفتح وقبلة الأمة، تنزلت آيات الوحي الإلهي بالحق المعلوم للسائل والمحروم، وفي هذه الربوع شهدت الإنسانية لأول مرة في تاريخها حروبا دامية من أجل حق الفقير، وإقرار هذا الحق كجزء لا يتجزأ من فرائض الإسلام وعقيدة التوحيد، وفي هذه الربوع المباركة ارتفع صوت البشير النذير يدوي في أسماع الدهر عبر القرون فيما رواه ابن عمر من قوله صلوات الله وسلامه عليه : أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى . ( مسند الإمام أحمد بن حنبل ).
ولقد أفاء الله علينا من فضله وبره سبحانه ما لامزيد عليه، ولم تبخل البلاد عبر تاريخها على كل أشقائها من العرب والمسلمين بالعون والمساندة والمواساة، ومن ثم فلن تضن على أبنائها بشئ، أو تبخل على توفير احتياجاتهم وسد عوزهم بكل رخيص وغال.
* * *
ومن الحق أن نشير الى أن زيارة ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز لبعض الأحياء المعدمة في الرياض، قد ولدت ما يشبه الصدمة للواقع المعاش لبعض أبناء البلاد، فتسارعت الجهود لإنشاء أجهزة إدارية جديدة لعلاج مشكلة الفقر ودراسة أبعادها ومتطلبات ووسائل علاجها، مما يعني المزيد من الإنفاق والمزيد من الجهود، والبدء – وهذا هو المهم – من نقطة الصفر.
ولربما لم يتبادر الى الأذهان في غمرة الصدمة وما تولد عنها من حماس، أن لدينا بنية تحتية مثالية لمكافحة الفقر واجتثاث جذوره، وأجهزة إدارية قديمة وراسخة تعمل في حقل مكافحة الفقر وتعيش كل همومه لعشرات السنين، وأن ما ينقصنا إنما هو تفعيل هذه الأجهزة والاستفادة مما تراكم لديها من الخبرات والمعلومات، وترشيد أدائها وتوفير الإمكانيات والأموال الضرورية لها، وتركيز وتنسيق الجهود فيما بينها وتوزيع الواجبات والأدوار على مختلف فروعها.
لدينا مصلحة الضمان الاجتماعي، ولدينا مصلحة الزكاة والدخل، ولدينا وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ولدينا مئات الجمعيات الخيرية وصناديق البر والجمعيات النسائية المبثوثة في كل أرجاء البلاد، ومن المؤكد أن لدى مصلحة الضمان ولدى الجمعيات الخيرية وصناديق البر عشرات الألوف من الحالات والأسر الفقيرة التي تمت دراسة أوضاعها ولكن قصرت الميزانيات والموارد المالية المتوفرة عن الإنفاق عليها وسد عوزها، ومن المؤكد كذلك أن عمل عشرات السنين في هذا الحقل قد وفر لمصلحة الضمان والجمعيات والصناديق معلومات مفصلة دقيقة عن خريطة الفقر في مخلف أرجاء البلاد وأوضاع الأسر فيها، وأيسر السبل للوصول اليها وأفضل الطرائق لعلاج أوضاعها، ولدينا كذلك بنك التسليف الذي يمكن توسيع مهامه وتطوير أدائه بحيث يؤدي دورا تمويليا هاما لاستراتيجية مكافحة الفقر.
لدينا أيضا المؤسسات الخيرية الكبيرة التي قامت بمراسيم ملكية كمؤسسة الملك فيصل الخيرية ومؤسسة الأمير عبد الله بن عبد العزيز لوالديه ومؤسسة الأمير سلطان بن عبد العزيز الخيرية، كل هذه أذرع فعالة قادرة في هيكلية مؤسسات مكافحة الفقر توفرت لها عبر السنين المعلومة والخبرة والتمرس، ولا يصح تركها والانصراف لإنشاء أجهزة جديدة غيرها تبدأ أعمالها من نقطة الصفر ومن أول الطريق.
* * *
ولعل الأصل في ذلك كله هو وزارة الشؤون الاجتماعية التي تشرف على أداء ومهام كل هذه المؤسسات والجمعيات وصناديق البر، وتشكل مصلحة الضمان الاجتماعي جزء أساسيا منها، ولابد أن هيكلية الوزارة تشمل من قديم وحدات للدراسات والتطوير والمسوح الميدانية، ولابد أن الوزارة قد جمعت عبر عمرها المديد الكثير من المعلومات عن أوضاع الفقر في البلاد، فإذا أضفنا الى ذلك وزارة التخطيط التي يجب أن تكون استراتيجية مكافحة الفقر جزء لا يتجزء من خططها الخمسية للتنمية، والتي تشكل – فيما يفترض – مخزونا ضخما لأدق المعلومات عن كافة أوضاع البلاد، وإذا أضفنا كذلك مصلحة الزكاة والدخل وجدنا أمامنا بنية تحتية مثالية لمكافحة الفقر لا نحتاج لاستبدالها أو الزيادة عليها، وانما نحتاج للتنسيق الشامل والتكامل فيما بينها، وتفعيل كل قدراتها وإعادة توصيف وتطوير مهامها وتوسيع عمل بعضها كمصلحة الزكاة والدخل مثلا، والأهم من ذلك توفير الموارد الضرورية لها.
* * *
كيف يمكن تفعيل كل ذلك؟ قد يحتاج الأمر الى لجنة عليا يحتضنها المجلس الاقتصادي الأعلى أو وزارة التخطيط، تمثل فيها وبمستوى جيد كل من وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ووزارة التخطيط ووزارة المالية، لتخرج لنا باستراتيجية شاملة يتم من خلالها تفعيل كل هذه الأجهزة القائمة، والاستغلال الأمثل لتجربتها ومعلوماتها، والتطوير الشامل لأدائها والتنيسق والتكامل فيها بينها وتوفير كل الموارد الضرورية لها والله ولي التوفيق.