عبد الباسط خلف
09-08-2005, 11:33 PM
الكفيف المبصر و الزوجة المتطوعة
يسرى وقاسم : كفاح واحد و قيم نبيلة….
كتب عبد الباسط خلف :
بدت يسرى خضر، ابنة الثالثة والأربعين، وقورة هادئة تطوقها مشاعر متناقضة بين الفرح والشقاء، ولم تتمالك نفسها، إذ آثرت استهلال رحلة حياتها من لحظة اقترانها بشريك حياتها، قاسم عبد الحليم، 53 عاما، الذي تعتبره استثنائيا، فهو ورغم فقدانه لنعمة البصر، بات يتحسس الدروب بقلبه المتفتح، وتحول لرجل غير عادي ….
8 سنوات تطوع
تغرقنا الناشطة النسويه، والمؤمنة بقيم التطوع، في تفاصيل حكايتها اللافتة، إذ بدأت أم العز، كمتطوعة في جمعية الإغاثة الزراعية، التي أطلقت عام 92 مشروع النادي النسوي في بلدتها عنزا، في محافظة جنين، واستمرت لعام 2000 . لتبدأ بالعمل في مشروع مركز منتوجات المرأة الريفية، الذي يعنى بتسويق منتجات طبيعية خالية من الكيماويات الخطرة التي باتت تقتحم علينا حياتنا، لتنتقل بعد عامين لعضوية الهيئة الإدارية إلى جمعية تنمية المرأة الريفية، التي تسعى لزيادة مشاركة الريفيات في العملية الإنتاجية، ولتفعيل دور النساء والتنظيمات النسائية في حياة التجمعات الريفية .
22 عاما مع " الفرنسية "
تعيد خضر التاريخ للوراء 22 عاما، لتستذكر قصة زواجها من صديق شقيقها قاسم عبد الحليم، الذي يشكل الداعم الرئيس لها، وساعدها الأيمن، إذ شجعها على الانضمام في برامج تطوعية، وأصبح يخطط معها لما يمكن تنفيذه، ووضع لها كلمات مهرجانات وبرامج مختلفة . تقول : تزوجت من قاسم لأنني شعرت فيه أكثر من مبصر، إذ كان يتمتع بالإيثار الكبير، على حساب مصالحه الخاصة . تضيف : أتقن زوجي الإنجليزية إلى جانب دراسته للشريعة في الجامعة الإسلامية بغزة، واستطاع تعلم اللغة الفرنسية بنفسه، معتمدا على تسجيل دروسها من خلال المذياع، واستمر مدة 22 عاما وحتى اليوم بتدوين قواعد لغة " الفرانكوفونيين "، لدرجة أنه انتسب ذات مرة لدروة متخصصة جعلت أستاذها لا يصدق أن عبد الحليم تعلم كل ما يعرفه من خلال الأثير …
حكاية الإسفنج
تسترد أجزاء من لحظات كفاحها، فعشية الانتفاضة الأولى أطلقت وزوجها وأولادها، مشروع صناعة الإسفنج، واستمرت فيه لثمان سنوات . تعلمت من خلاله المثابرة والكفاح وقيم التفاني والعطاء، وكانت العائلة كلها تعمل كاليد الواحدة، وبات للمصنع المتواضع زبائن كثر من داخل الخط الأخضر إلى أن توقف بفعل تراجع التسويق بعد انطلاق الانتفاضة الثانية في أيلول 2000، واشتداد حالة الحصار والعدوان .
تستذكر رئيس مركز نسوي عنزا، لحظات كفاحها، وفي إحدى الأيام قدمت إليها " طلبية " مستعجلة لصناعة 500 زوج من المخدات، وتزامن ذلك مع نشاطات تطوعية ودورات تدريبية، فعمدت إلى طهي طعام غداء الأسرة ليلا، لتتفرغ للعمل في الإسفنج هي وأسرتها حتى العاشرة صباحا، اتجهت بعدها للأعمال التطوعية في المركز للساعة الثالثة عصرا، ثم عادت إلى ورشة الإسفنج وأكملت مشوارها حتى الواحدة والنصف صباحا .
تقول : كلنا انخرط في العمل، حيث أخذ زوجي يغلف الوسائد بالنايلون، فيما انهمكنا أنا والأولاد وامرأة أخرى كانت تعمل معنا في أوقات الأزمات لتأمين الطلبية .
زوجات متطوعات
تسترجع أم العز، حكايتها مع التطوع الذي أحبته، إذ استهلت العمل في إطار تعاونيات نسوية متواضعة، بدأت تنتج الفريكة والزعتر والبقوليات، وحثها شريك عمرها على المثابرة والعمل دون انتظار مقابل مادي، و أسسا مصنع الإسفنج . وتحولا للعيش لثلاث سنوات بعيدا عن بلدتهم الجاثمة على هضبة صغيرة بجوار شارع جنين- نابلس الرئيس، وتحيطها أشجار الزيتون واللوز والحقول متناهية الطول صغيرة العرض على مد النظر إلى بلدة الجديدة بمحافظة جنين، كون تغيرا ما طرأ على عمل الزوج في مسجد القرية . وأخذ يعمل شبه متطوعا في تدريس أقرانه الكفيفين في إحدى مدارس جنين فيما الزوجة لا تزال تتذكر جيدا علاقتها مع المفتول الذي كانت تعده بعناية قبل عرضه في مشروع منتوجات النساء الريفيات .
المطعم النقال
وتجلس أم العز اليوم في مركز منتوجات المرأة الريفية، قريبا من مسجد عمره 5 قرون، للترويج لمنتجات خالية من المواد الكيماوية والبقوليات والزعتر البلدي والملوخية المجففة والألبان والأجبان والمخللات وأوراق العنب والزيتون الأسود ورب البندورة والعسل والمطرزات اليدوية والأعشاب الطبيعية والصابون البلدي وقائمة طويلة كلها من إنتاج نساء ريفيات تسلل الإيمان إلى نفوسهن بالعمل الجماعي، والتحدي، وساعدتهن مؤسسة " التعاون " على إطلاقه .
تتذكر، العصر الذهبي للمركز قبل تنامي العدوان، إذ أطلقنا مشروع يشبه المطعم النقال، وكن يجهزن "طلبيات "من أطعمة تقليدية من نساء موظفات، كشأن الأطباق التقليدية التي تحتاج لوقت طويل من التحضير مثل المفتول والمسخن وورق العنب والكبة وغيرها .
انضمت يسرى خضر، التي عاشت حياة مدرسية تمنت تطويرها، ولم تساعدها الظروف للانضمام إلى مقاعد الجامعة رغم تفوقها في الثانوية العامة، والتحقت بسيل من الدورات في مجالات القيادة والتمكين والتصنيع الغذائي والإسعاف الأولي والمشروعات الصغيرة وتربية النحل والدواجن والماشية ومسك الحسابات والإدارة وغيرها، لكنها تفكر بجدية اليوم الاتجاه نحو المعلوماتية والحاسوب لمواكبة متغيرات العصر .
ومن خلال موقعها النسوي، حاولت خضر أكثر من مرة تنظيم دورات لمحو الأمية، ومن فاتهن قطار الثانوية العامة فرصة جديدة، غير أنها اكتشفت حقيقة مشجعة مفادها، خلو قريتها من الفتيات غير المتعلمات إذ يتفاخر الأهالي بتعليم بناتهم قبل الأبناء .
تستذكر : افتتحت مراكز نسوية في بلدات وقرى كميثلون وفقوعة وعانين ودير أبو ضعيف، استفادت منها 46 امرأة عام 2002، وفاقت نسبة نجاح الفتيات في فقوعة شرقي جنين الـ80%، إذ حصدت 13 فتاة النجاح، فيما لم يحالف الحظ اثنتين فقط، وشقت النساء طريقهن نحو الجامعة دون الالتفات لارتباطاتهن الأسرية والاجتماعية .
29 نشاطا للنساء
وبحسب الخطة التشغيلية لجمعية التنمية الزراعية للعام الحالي في محافظة جنين، فإن أهدافها الاستراتيجية تضع نصب عينيها تمكين المرأة الريفية وتفعيل دورها المجتمعي، وتعزيز مكانة التنظيمات النسوية في حياة التجمعات الريفية، وتسعى للإسهام في بناء التنظيمات النسويه، وزيادة فرص وصول النساء إلى المصادر المالية ورفع مشاركتها في العملية الإنتاجية . ووفق التقرير التشغيلي، فإن 29 نشاطا في عشرات التجمعات، وآلاف المستفيدات ستغطى عام 2003، وستتضمن فعاليات اقتصادية وتعليمية وتثقيفية وتعاونية ووطنية .
الصعب سهل
تعود أم العز للحديث عن العقبات التي يضعها المجتمع أمام المرأة، والتي تعتبرها سهلة، لأنها بالنهاية ستزول بإرادة من تقاومها . والقيمة الأبرز التي حصلت عليها من عملها، تتمثل في الوصول إلى فئات المجتمع بالغة النقاء، التي تعاني الفقر، لكنها تتمتع رغم ذلك بعفة نفس وعزة وكرامة، ولا تطلب من أحد أي مساعدة، وتنظر خضر لإنجاز كهذا إلى أنه أجمل لحظات عمرها .
ساعد أبو العز زوجته في دخول ميدان العمل النسوة والتطوعي، مثلما يبدي لها كل إسناد ودعم لأجل خوض غمار الانتخابات التشريعية، فهو على إيمان بأن المرأة يمكنها فعل الكثير ما دام ذلك في إطار لا يمس بالأخلاق النبيلة أو يتعارض معها . فهو الذي ألح على زوجته ترشيح نفسها لانتخابات الهيئة الإدارية لجمعة تنمية المرأة الريفية على مستوى الوطن .
ولم تنس يسرى، رفاق التطوع، الذين ساعدوها كثيرا، كحال مدير الأغاثة الزراعية،سامر الأحمد، ومسؤولة جمعيات التوفير والتسليف، اسراء هنداوي، ورفيقتها الخاصة مريم نعيرات .
تتأثر خضر بالتفسير الخاطئ من قبل العامة للعادات والتقاليد، إذ أن حرفية البعض في فهم القيم، تجعلها مظلومة . وما دام الإنسان مستقيما فإنه يستطيع المضي قدما مهما يقال …
51 متعلمة
ستعمل أم العز خلال موقعها الجديد على تحسين صورة المراكز النسوية، وتصويب أوضاعها، وتقديم الدعم لها، ومساعدتها في إيجاد مشاريع إنتاجية، والتركيز على إسناد الفتاة المتعلمة، ودفعها للمضي في مشاريعها العلمية، ففي قريتها عنزة ذات الـ1900 مواطن ومواطنة، ينتسب للنادي النسوة 51 امرأة وفتاة كلهن متعلمات، ويعملن معا لتعزيز دور المرأة، ويحاولن الضغط كي تنال كل حقوقها المشروعة .
تنظر خضر للفراغ بعين الغضب فتراه عدوا للإنسان، لأن المرأة إذا شعرت بوقت زائد لا قيمة له، فإنها ستتراجع في تفكيرها وفي محاولات استغلاله، وتلجأ لتعبئته كيفما اتفق .
تروي حال ذهابها وإيابها إلى جنين، من بلدة تبعد نحو 20 كيلومترا عنها، والذي تأثر بفعل الحصار كثيرا، واضطرت أكثر من مرة لتسلق طرقات وعرة دون كلل أو ملل لخدمة نظيراتها .
نساء أستثنائيات
نقفل ملف يسرى وقاسم ، لنجد حال نساء يشاركن أم العز النجاح كحال، سهام أبو الرب، ابنة قرية جلبون، والتي تجمع في حياتها بين ثلاثة أدوار، متنقلة بين العمل النسوي، والأسري، ومساعدة زوجها في مشروعهما الصغير، حيث يربيان المواشي .
وتذكرنا الصغيرة آية بحال ابنة بلدتها زهرية جردات، التي ترأس المركز النسوي، الذي ساعد السكان كثيرا في الحصول على جملة من المشروعات كترميم مقر المجلس القروي، وبناء جدران أستنادية، ,أنشاء عدة آبار لتجميع سر الحياة، وتأسيس مكتبة ووحدة حاسوب،و مشروعات دعم لقريتها، زبوبا، التي ألتف" أخطبوط" المصادرة والجدار على أحلامها، مثلما يصف رئيس تجمع منتجي اللوز في البلدة، محمد عبيدي، أبو العبد .
وتطالعنا، قرية رمانة بنجاح أم ساطي أبوسيفين ، التي أنطلقت في رحلة البحث عن الذات، ,واستطاعت، بحسب عبير أبو حماد، تأسيس مشروعات خاصة في بلدتهن، وربت الدواجن،، ونقلتالعصامية إلى الابن ساطي، الذي نجح في الثانوية العامة، وأراد دراسة الطب، لكن ضيق ذات يد أسرته دفعته للسفر إلي الأردن، للدراسة والعمل، الى أن افتتح صيدلية في بلدته، شمال جنين .
وتذكرنا أبو حماد، بقصة الأختين أزهار وأنوار، اللتين ورثن العصامية عن والدتهن أم ساطي، و تنقلن بين أكثر من عمل زراعي وتجاري فبدأت أزهار في ثلاثينيات عمرها بتربية الدواجن، والأشراف على ابتياع مستلزماته، وعندما فقد زوجها عمله وراء " الفاصل الأخضر" تخلت عن مصاغها وأنشأت بثمنه متجرا لبيع الدواجن .
فيما أنوار وفق عبير، تحولت للعمل الزراعي، وأبرمت صفقات مع تجار لوز لنظيف الثمار قبل التسويق.
ثم أسسن متجرا لبيع الملبوسات وسط قريتهن، ورحن يسافرن للأردن للاتجار بالبضائع . ونقلن الكفاح لأولادهن.الذين تعلموا العصامية منذ الصغر، وراحوا يبتكرون طرائق للكسب عبر التجارة المدرسية، كبيع السحلب والمسليات للطلبة .
وتنهال علينا نجاحات نساء جنين، كصباح أم رامي العلامة الفارقة في التحول والمثابرة، ابنة يعبد التي باتت تمتلك ربع أسهم محطة وقودها، وتمتلك سيارة تجارية لتوزيع اسطوانات الغاز، عدا عن مشروعات التصنيع الغذائي، التي بدأت بتواضع كبير، وليديا ميخائيل من الزبابدة المكافحة بعد هجران زوجها، ومريم نعيرات الاستثنائية التي وصلت لمجلس إدارة جمعية التنمية الريفية، وناضلت 28 عاما بعد رحيل زوجها . شأنها كخولة صبيحات، ابنة بلدة رمانة التي فقدت زوجها عام 92، تاركا سبعة أطفال، أكبرهم لم يكمل الخامسة عشرة، لكنها حافظت على أرضها المتاخمة لمعسكر سالم الأحتلالي، وبدأت، كما يقول شقيقها شوقي، بنقل فكرة حب أرضها لأولادها..... ولا تقل نضالات أم أيمن، ابنة بلدة كفرراعي، التي كافحت بعد رحيل زوجها لتربية أنجالها.... مثلما أكملت أم يوسف زوجة عمي الراحل، رحمه الله،الرحلة المرة، وحصدت نجاحات كفاحها.....
فيما عشرات اللواتي يفضلن البقاء بعيدا عن الأضواء، يستحقين من "ينابيع" أوسمة فخر من الدرجة الذهبية ولو معنويا على الأقل.......
aabdkh@yahoo.com
يسرى وقاسم : كفاح واحد و قيم نبيلة….
كتب عبد الباسط خلف :
بدت يسرى خضر، ابنة الثالثة والأربعين، وقورة هادئة تطوقها مشاعر متناقضة بين الفرح والشقاء، ولم تتمالك نفسها، إذ آثرت استهلال رحلة حياتها من لحظة اقترانها بشريك حياتها، قاسم عبد الحليم، 53 عاما، الذي تعتبره استثنائيا، فهو ورغم فقدانه لنعمة البصر، بات يتحسس الدروب بقلبه المتفتح، وتحول لرجل غير عادي ….
8 سنوات تطوع
تغرقنا الناشطة النسويه، والمؤمنة بقيم التطوع، في تفاصيل حكايتها اللافتة، إذ بدأت أم العز، كمتطوعة في جمعية الإغاثة الزراعية، التي أطلقت عام 92 مشروع النادي النسوي في بلدتها عنزا، في محافظة جنين، واستمرت لعام 2000 . لتبدأ بالعمل في مشروع مركز منتوجات المرأة الريفية، الذي يعنى بتسويق منتجات طبيعية خالية من الكيماويات الخطرة التي باتت تقتحم علينا حياتنا، لتنتقل بعد عامين لعضوية الهيئة الإدارية إلى جمعية تنمية المرأة الريفية، التي تسعى لزيادة مشاركة الريفيات في العملية الإنتاجية، ولتفعيل دور النساء والتنظيمات النسائية في حياة التجمعات الريفية .
22 عاما مع " الفرنسية "
تعيد خضر التاريخ للوراء 22 عاما، لتستذكر قصة زواجها من صديق شقيقها قاسم عبد الحليم، الذي يشكل الداعم الرئيس لها، وساعدها الأيمن، إذ شجعها على الانضمام في برامج تطوعية، وأصبح يخطط معها لما يمكن تنفيذه، ووضع لها كلمات مهرجانات وبرامج مختلفة . تقول : تزوجت من قاسم لأنني شعرت فيه أكثر من مبصر، إذ كان يتمتع بالإيثار الكبير، على حساب مصالحه الخاصة . تضيف : أتقن زوجي الإنجليزية إلى جانب دراسته للشريعة في الجامعة الإسلامية بغزة، واستطاع تعلم اللغة الفرنسية بنفسه، معتمدا على تسجيل دروسها من خلال المذياع، واستمر مدة 22 عاما وحتى اليوم بتدوين قواعد لغة " الفرانكوفونيين "، لدرجة أنه انتسب ذات مرة لدروة متخصصة جعلت أستاذها لا يصدق أن عبد الحليم تعلم كل ما يعرفه من خلال الأثير …
حكاية الإسفنج
تسترد أجزاء من لحظات كفاحها، فعشية الانتفاضة الأولى أطلقت وزوجها وأولادها، مشروع صناعة الإسفنج، واستمرت فيه لثمان سنوات . تعلمت من خلاله المثابرة والكفاح وقيم التفاني والعطاء، وكانت العائلة كلها تعمل كاليد الواحدة، وبات للمصنع المتواضع زبائن كثر من داخل الخط الأخضر إلى أن توقف بفعل تراجع التسويق بعد انطلاق الانتفاضة الثانية في أيلول 2000، واشتداد حالة الحصار والعدوان .
تستذكر رئيس مركز نسوي عنزا، لحظات كفاحها، وفي إحدى الأيام قدمت إليها " طلبية " مستعجلة لصناعة 500 زوج من المخدات، وتزامن ذلك مع نشاطات تطوعية ودورات تدريبية، فعمدت إلى طهي طعام غداء الأسرة ليلا، لتتفرغ للعمل في الإسفنج هي وأسرتها حتى العاشرة صباحا، اتجهت بعدها للأعمال التطوعية في المركز للساعة الثالثة عصرا، ثم عادت إلى ورشة الإسفنج وأكملت مشوارها حتى الواحدة والنصف صباحا .
تقول : كلنا انخرط في العمل، حيث أخذ زوجي يغلف الوسائد بالنايلون، فيما انهمكنا أنا والأولاد وامرأة أخرى كانت تعمل معنا في أوقات الأزمات لتأمين الطلبية .
زوجات متطوعات
تسترجع أم العز، حكايتها مع التطوع الذي أحبته، إذ استهلت العمل في إطار تعاونيات نسوية متواضعة، بدأت تنتج الفريكة والزعتر والبقوليات، وحثها شريك عمرها على المثابرة والعمل دون انتظار مقابل مادي، و أسسا مصنع الإسفنج . وتحولا للعيش لثلاث سنوات بعيدا عن بلدتهم الجاثمة على هضبة صغيرة بجوار شارع جنين- نابلس الرئيس، وتحيطها أشجار الزيتون واللوز والحقول متناهية الطول صغيرة العرض على مد النظر إلى بلدة الجديدة بمحافظة جنين، كون تغيرا ما طرأ على عمل الزوج في مسجد القرية . وأخذ يعمل شبه متطوعا في تدريس أقرانه الكفيفين في إحدى مدارس جنين فيما الزوجة لا تزال تتذكر جيدا علاقتها مع المفتول الذي كانت تعده بعناية قبل عرضه في مشروع منتوجات النساء الريفيات .
المطعم النقال
وتجلس أم العز اليوم في مركز منتوجات المرأة الريفية، قريبا من مسجد عمره 5 قرون، للترويج لمنتجات خالية من المواد الكيماوية والبقوليات والزعتر البلدي والملوخية المجففة والألبان والأجبان والمخللات وأوراق العنب والزيتون الأسود ورب البندورة والعسل والمطرزات اليدوية والأعشاب الطبيعية والصابون البلدي وقائمة طويلة كلها من إنتاج نساء ريفيات تسلل الإيمان إلى نفوسهن بالعمل الجماعي، والتحدي، وساعدتهن مؤسسة " التعاون " على إطلاقه .
تتذكر، العصر الذهبي للمركز قبل تنامي العدوان، إذ أطلقنا مشروع يشبه المطعم النقال، وكن يجهزن "طلبيات "من أطعمة تقليدية من نساء موظفات، كشأن الأطباق التقليدية التي تحتاج لوقت طويل من التحضير مثل المفتول والمسخن وورق العنب والكبة وغيرها .
انضمت يسرى خضر، التي عاشت حياة مدرسية تمنت تطويرها، ولم تساعدها الظروف للانضمام إلى مقاعد الجامعة رغم تفوقها في الثانوية العامة، والتحقت بسيل من الدورات في مجالات القيادة والتمكين والتصنيع الغذائي والإسعاف الأولي والمشروعات الصغيرة وتربية النحل والدواجن والماشية ومسك الحسابات والإدارة وغيرها، لكنها تفكر بجدية اليوم الاتجاه نحو المعلوماتية والحاسوب لمواكبة متغيرات العصر .
ومن خلال موقعها النسوي، حاولت خضر أكثر من مرة تنظيم دورات لمحو الأمية، ومن فاتهن قطار الثانوية العامة فرصة جديدة، غير أنها اكتشفت حقيقة مشجعة مفادها، خلو قريتها من الفتيات غير المتعلمات إذ يتفاخر الأهالي بتعليم بناتهم قبل الأبناء .
تستذكر : افتتحت مراكز نسوية في بلدات وقرى كميثلون وفقوعة وعانين ودير أبو ضعيف، استفادت منها 46 امرأة عام 2002، وفاقت نسبة نجاح الفتيات في فقوعة شرقي جنين الـ80%، إذ حصدت 13 فتاة النجاح، فيما لم يحالف الحظ اثنتين فقط، وشقت النساء طريقهن نحو الجامعة دون الالتفات لارتباطاتهن الأسرية والاجتماعية .
29 نشاطا للنساء
وبحسب الخطة التشغيلية لجمعية التنمية الزراعية للعام الحالي في محافظة جنين، فإن أهدافها الاستراتيجية تضع نصب عينيها تمكين المرأة الريفية وتفعيل دورها المجتمعي، وتعزيز مكانة التنظيمات النسوية في حياة التجمعات الريفية، وتسعى للإسهام في بناء التنظيمات النسويه، وزيادة فرص وصول النساء إلى المصادر المالية ورفع مشاركتها في العملية الإنتاجية . ووفق التقرير التشغيلي، فإن 29 نشاطا في عشرات التجمعات، وآلاف المستفيدات ستغطى عام 2003، وستتضمن فعاليات اقتصادية وتعليمية وتثقيفية وتعاونية ووطنية .
الصعب سهل
تعود أم العز للحديث عن العقبات التي يضعها المجتمع أمام المرأة، والتي تعتبرها سهلة، لأنها بالنهاية ستزول بإرادة من تقاومها . والقيمة الأبرز التي حصلت عليها من عملها، تتمثل في الوصول إلى فئات المجتمع بالغة النقاء، التي تعاني الفقر، لكنها تتمتع رغم ذلك بعفة نفس وعزة وكرامة، ولا تطلب من أحد أي مساعدة، وتنظر خضر لإنجاز كهذا إلى أنه أجمل لحظات عمرها .
ساعد أبو العز زوجته في دخول ميدان العمل النسوة والتطوعي، مثلما يبدي لها كل إسناد ودعم لأجل خوض غمار الانتخابات التشريعية، فهو على إيمان بأن المرأة يمكنها فعل الكثير ما دام ذلك في إطار لا يمس بالأخلاق النبيلة أو يتعارض معها . فهو الذي ألح على زوجته ترشيح نفسها لانتخابات الهيئة الإدارية لجمعة تنمية المرأة الريفية على مستوى الوطن .
ولم تنس يسرى، رفاق التطوع، الذين ساعدوها كثيرا، كحال مدير الأغاثة الزراعية،سامر الأحمد، ومسؤولة جمعيات التوفير والتسليف، اسراء هنداوي، ورفيقتها الخاصة مريم نعيرات .
تتأثر خضر بالتفسير الخاطئ من قبل العامة للعادات والتقاليد، إذ أن حرفية البعض في فهم القيم، تجعلها مظلومة . وما دام الإنسان مستقيما فإنه يستطيع المضي قدما مهما يقال …
51 متعلمة
ستعمل أم العز خلال موقعها الجديد على تحسين صورة المراكز النسوية، وتصويب أوضاعها، وتقديم الدعم لها، ومساعدتها في إيجاد مشاريع إنتاجية، والتركيز على إسناد الفتاة المتعلمة، ودفعها للمضي في مشاريعها العلمية، ففي قريتها عنزة ذات الـ1900 مواطن ومواطنة، ينتسب للنادي النسوة 51 امرأة وفتاة كلهن متعلمات، ويعملن معا لتعزيز دور المرأة، ويحاولن الضغط كي تنال كل حقوقها المشروعة .
تنظر خضر للفراغ بعين الغضب فتراه عدوا للإنسان، لأن المرأة إذا شعرت بوقت زائد لا قيمة له، فإنها ستتراجع في تفكيرها وفي محاولات استغلاله، وتلجأ لتعبئته كيفما اتفق .
تروي حال ذهابها وإيابها إلى جنين، من بلدة تبعد نحو 20 كيلومترا عنها، والذي تأثر بفعل الحصار كثيرا، واضطرت أكثر من مرة لتسلق طرقات وعرة دون كلل أو ملل لخدمة نظيراتها .
نساء أستثنائيات
نقفل ملف يسرى وقاسم ، لنجد حال نساء يشاركن أم العز النجاح كحال، سهام أبو الرب، ابنة قرية جلبون، والتي تجمع في حياتها بين ثلاثة أدوار، متنقلة بين العمل النسوي، والأسري، ومساعدة زوجها في مشروعهما الصغير، حيث يربيان المواشي .
وتذكرنا الصغيرة آية بحال ابنة بلدتها زهرية جردات، التي ترأس المركز النسوي، الذي ساعد السكان كثيرا في الحصول على جملة من المشروعات كترميم مقر المجلس القروي، وبناء جدران أستنادية، ,أنشاء عدة آبار لتجميع سر الحياة، وتأسيس مكتبة ووحدة حاسوب،و مشروعات دعم لقريتها، زبوبا، التي ألتف" أخطبوط" المصادرة والجدار على أحلامها، مثلما يصف رئيس تجمع منتجي اللوز في البلدة، محمد عبيدي، أبو العبد .
وتطالعنا، قرية رمانة بنجاح أم ساطي أبوسيفين ، التي أنطلقت في رحلة البحث عن الذات، ,واستطاعت، بحسب عبير أبو حماد، تأسيس مشروعات خاصة في بلدتهن، وربت الدواجن،، ونقلتالعصامية إلى الابن ساطي، الذي نجح في الثانوية العامة، وأراد دراسة الطب، لكن ضيق ذات يد أسرته دفعته للسفر إلي الأردن، للدراسة والعمل، الى أن افتتح صيدلية في بلدته، شمال جنين .
وتذكرنا أبو حماد، بقصة الأختين أزهار وأنوار، اللتين ورثن العصامية عن والدتهن أم ساطي، و تنقلن بين أكثر من عمل زراعي وتجاري فبدأت أزهار في ثلاثينيات عمرها بتربية الدواجن، والأشراف على ابتياع مستلزماته، وعندما فقد زوجها عمله وراء " الفاصل الأخضر" تخلت عن مصاغها وأنشأت بثمنه متجرا لبيع الدواجن .
فيما أنوار وفق عبير، تحولت للعمل الزراعي، وأبرمت صفقات مع تجار لوز لنظيف الثمار قبل التسويق.
ثم أسسن متجرا لبيع الملبوسات وسط قريتهن، ورحن يسافرن للأردن للاتجار بالبضائع . ونقلن الكفاح لأولادهن.الذين تعلموا العصامية منذ الصغر، وراحوا يبتكرون طرائق للكسب عبر التجارة المدرسية، كبيع السحلب والمسليات للطلبة .
وتنهال علينا نجاحات نساء جنين، كصباح أم رامي العلامة الفارقة في التحول والمثابرة، ابنة يعبد التي باتت تمتلك ربع أسهم محطة وقودها، وتمتلك سيارة تجارية لتوزيع اسطوانات الغاز، عدا عن مشروعات التصنيع الغذائي، التي بدأت بتواضع كبير، وليديا ميخائيل من الزبابدة المكافحة بعد هجران زوجها، ومريم نعيرات الاستثنائية التي وصلت لمجلس إدارة جمعية التنمية الريفية، وناضلت 28 عاما بعد رحيل زوجها . شأنها كخولة صبيحات، ابنة بلدة رمانة التي فقدت زوجها عام 92، تاركا سبعة أطفال، أكبرهم لم يكمل الخامسة عشرة، لكنها حافظت على أرضها المتاخمة لمعسكر سالم الأحتلالي، وبدأت، كما يقول شقيقها شوقي، بنقل فكرة حب أرضها لأولادها..... ولا تقل نضالات أم أيمن، ابنة بلدة كفرراعي، التي كافحت بعد رحيل زوجها لتربية أنجالها.... مثلما أكملت أم يوسف زوجة عمي الراحل، رحمه الله،الرحلة المرة، وحصدت نجاحات كفاحها.....
فيما عشرات اللواتي يفضلن البقاء بعيدا عن الأضواء، يستحقين من "ينابيع" أوسمة فخر من الدرجة الذهبية ولو معنويا على الأقل.......
aabdkh@yahoo.com