عبد الباسط خلف
10-08-2005, 07:14 PM
ثمن وسيلة توفير الخبز:
رحلة البحث عن البدائل تكلف " عذاب" اثنتي عشرة غرزة في رأسها!!
كتب عبد الباسط خلف:
عندما تفكر المرأة في إعداد أرغفة ساخنة من الخبز لأطفالها، فإن المسألة لا تحتاج لرحلة شاقة، ولا يبدو الأمر محفوفاً بالمخاطر، فهو لا يتعدى مجرد توفير الدقيق ووسيلة خبزه، أو حتى التوجه إلى أي مخبز والعودة بكيس من الأرغفة الجاهزة، لكن " الفيزياء" والقوانين وقواعد العرض والطلب لا تعترف بالمواطنة" عذاب"- الاسم غير حقيقي - التي كلفتها رحلة جمع "روث" الأغنام من بيت شقيق زوجها لإعادة استخدامها كوقود مجاني للطابون العربي التقليدي مصادقة سرير الشفاء، بعد أن هاجمها كبش هائج، ليضع قرونه في مقدمة رأسها…
يروي شقيق زوجها الذي بعمل في حانوت وسط مدينة جنين بدا في شوق إلى الزبائن كمؤشر اقتصادي آخر لا يخلو من الدلالات ليقول: قبل غروب شمس أحد أيام شهر أيلول الحالي سمعت صرخات من زريبة الأغنام التي يمتلكها أحد أخوتي في قريتنا الصغيرة، في محافظة جنين، و هرعت مذعوراً، ورحت أضرب أخماساً بأسداس: بعد لحظات وصلنا إلى المكان وإذا بزوجة أخي ملقاة على الأرض و الدماء تسيل من جبهتها، على الفور انتقلنا للمستشفى، لنعلم أنها تحتاج لاثنتي عشرة غرزة في رأسها…
يقول: كان بوسع الطبيب أن يضيع إصبعه في أعماق الجرح، وذلك كله لأن الحاجة دفعتها لتأمين كمية من " الزبل العربي" لمد الطابون بوقود طبيعي لا يطالب أحد بفاتورة بعجز زوجها وأخيه عن تسديدها، بعد أن تراكمت الديون فوق رأسه، فهو فقد عمله منذ ثلاث سنوات.
لم تتوقف مصيبة( عذاب) عند هذا الحد، فلم يسمح الأطباء بتصويرها بواسطة الأشعة كونها تحتفظ في أحشائها بجنين في الشهر الثالث…
يضيف: تصوروا امرأة بعجز زوجها عن توفير ثمن أسطوانة غاز لإعداد الخبز،ويتساءل: هل تستطيع هذه العائلة توفير حياة كريمة لأطفالها؟؟
أقعدت الجراح عذاب عن ممارسة أعمالها المنزلية، وتوقفت عن الاعتناء بأطفالها السبعة، أصغرهم لم تتخطى حاجز العام، وراح الأقربون والجيران يساعدونها في إدارة شؤون منزلها، وتنامت موجة الفقر التي اتسعت شهوتها….
لم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، فبعد عودة الحياة إلى مقاعد الدراسة، راحت مطالبات المعلمين وإنذاراتهم تنهال على الأطفال وآثر الأب البحث عن أي عمل يسد به رمق أسرته، ويبدو أن الدنيا قد أعادت مد يدها إليه بعد جفاء، فالحظر على عمله وراء الفاصل الأخضر زال بعد أيام من حادثة شج رأس زوجته.
في القرية الصغيرة ذاتها تنتشر أحاديث كثيرة من طراز: الطفل الذي أقعده حادث سير في موت سريري منذ سنوات وبات يحتاج لغذاء خاص، وكيف تنكر السائق الذي داخل “ الخط لأخضر” من مساعدته وعلاجه وسداد مستحقاته نمن التأمين، أو عن أولئك الفتية الذين يختلسون عملاً في إسرائيل بدون أذن ويتعرضون لمخاطر كثيرة، ويتذكرون النوم في العراء الذي كلف شاب حياته حينما لدغته أفعى سامة والمطاردات الساخنة، ولا يخلو الأفق من حديث عن " الزفاف الجاف" الذي شهدته القرية حينما زوج رجل نجله بالديون، وذلك كله يضاف لجدار عنصري يفصل الصغار والكبار كما لأموات والأحياء عن ممارسة حياتهم أو استعادة ذكرياتهم فوق أرض مسروقة….
رحلة البحث عن البدائل تكلف " عذاب" اثنتي عشرة غرزة في رأسها!!
كتب عبد الباسط خلف:
عندما تفكر المرأة في إعداد أرغفة ساخنة من الخبز لأطفالها، فإن المسألة لا تحتاج لرحلة شاقة، ولا يبدو الأمر محفوفاً بالمخاطر، فهو لا يتعدى مجرد توفير الدقيق ووسيلة خبزه، أو حتى التوجه إلى أي مخبز والعودة بكيس من الأرغفة الجاهزة، لكن " الفيزياء" والقوانين وقواعد العرض والطلب لا تعترف بالمواطنة" عذاب"- الاسم غير حقيقي - التي كلفتها رحلة جمع "روث" الأغنام من بيت شقيق زوجها لإعادة استخدامها كوقود مجاني للطابون العربي التقليدي مصادقة سرير الشفاء، بعد أن هاجمها كبش هائج، ليضع قرونه في مقدمة رأسها…
يروي شقيق زوجها الذي بعمل في حانوت وسط مدينة جنين بدا في شوق إلى الزبائن كمؤشر اقتصادي آخر لا يخلو من الدلالات ليقول: قبل غروب شمس أحد أيام شهر أيلول الحالي سمعت صرخات من زريبة الأغنام التي يمتلكها أحد أخوتي في قريتنا الصغيرة، في محافظة جنين، و هرعت مذعوراً، ورحت أضرب أخماساً بأسداس: بعد لحظات وصلنا إلى المكان وإذا بزوجة أخي ملقاة على الأرض و الدماء تسيل من جبهتها، على الفور انتقلنا للمستشفى، لنعلم أنها تحتاج لاثنتي عشرة غرزة في رأسها…
يقول: كان بوسع الطبيب أن يضيع إصبعه في أعماق الجرح، وذلك كله لأن الحاجة دفعتها لتأمين كمية من " الزبل العربي" لمد الطابون بوقود طبيعي لا يطالب أحد بفاتورة بعجز زوجها وأخيه عن تسديدها، بعد أن تراكمت الديون فوق رأسه، فهو فقد عمله منذ ثلاث سنوات.
لم تتوقف مصيبة( عذاب) عند هذا الحد، فلم يسمح الأطباء بتصويرها بواسطة الأشعة كونها تحتفظ في أحشائها بجنين في الشهر الثالث…
يضيف: تصوروا امرأة بعجز زوجها عن توفير ثمن أسطوانة غاز لإعداد الخبز،ويتساءل: هل تستطيع هذه العائلة توفير حياة كريمة لأطفالها؟؟
أقعدت الجراح عذاب عن ممارسة أعمالها المنزلية، وتوقفت عن الاعتناء بأطفالها السبعة، أصغرهم لم تتخطى حاجز العام، وراح الأقربون والجيران يساعدونها في إدارة شؤون منزلها، وتنامت موجة الفقر التي اتسعت شهوتها….
لم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، فبعد عودة الحياة إلى مقاعد الدراسة، راحت مطالبات المعلمين وإنذاراتهم تنهال على الأطفال وآثر الأب البحث عن أي عمل يسد به رمق أسرته، ويبدو أن الدنيا قد أعادت مد يدها إليه بعد جفاء، فالحظر على عمله وراء الفاصل الأخضر زال بعد أيام من حادثة شج رأس زوجته.
في القرية الصغيرة ذاتها تنتشر أحاديث كثيرة من طراز: الطفل الذي أقعده حادث سير في موت سريري منذ سنوات وبات يحتاج لغذاء خاص، وكيف تنكر السائق الذي داخل “ الخط لأخضر” من مساعدته وعلاجه وسداد مستحقاته نمن التأمين، أو عن أولئك الفتية الذين يختلسون عملاً في إسرائيل بدون أذن ويتعرضون لمخاطر كثيرة، ويتذكرون النوم في العراء الذي كلف شاب حياته حينما لدغته أفعى سامة والمطاردات الساخنة، ولا يخلو الأفق من حديث عن " الزفاف الجاف" الذي شهدته القرية حينما زوج رجل نجله بالديون، وذلك كله يضاف لجدار عنصري يفصل الصغار والكبار كما لأموات والأحياء عن ممارسة حياتهم أو استعادة ذكرياتهم فوق أرض مسروقة….