عبد الباسط خلف
16-08-2005, 12:46 AM
97عيادة في "قفص
جدار "يهبط" على أَسِرة الشفاء...
*سماعة الطبيب والحقن تجتاز سور الفصل العنصري لتصل جسد الصغيرة نيبال!
*د. مسلماني: آثار الجدار الصحية والنفسية ستطارد 16%من المواطنين الفلسطينيين
*الرصاص يلاحق الأطباء والمسعفين :25 شهيداً و425 جريحاًً
*أحد عشر ألف معاقِ سيطاردهم جدار الموت!
*غاز مدمع غير تقليدي و الأجنة في دائرة الاستهداف أيضاً
*المواطن أبو إبراهيم: ربما تشكل صحتنا خطراُ على أمن إسرائيل!
كتب عبد الباسط خلف:
لم تكن نيبال توفيق مراعبة، أحد عشر ربيعاً تعلم أن الحمى التي اجتاحت جسدها ستكلفها تلقى جرعات العلاج من وراء أسلاك جدار الفصل العنصري الشائكة، التي أصبحت تطوق قريتها الصغيرة رأس الطيرة، قريباً من مستعمرة "ألفي منشيه" الجاثمة على صدور المواطنين كما أرضهم في محافظة قلقيلية شمال الوطن المحتل.
ذات نهار بارد أخذت الحمى تطارد الصغيرة نيبال، بفعل التهاب اللوزتين المتكرر الذي تحول لشريك لها، فأسرع والدها إلى بوابة باتت طريقهم الوحيدة للخروج من منازلهم، وكأنها سجون عائلية غير فاخرة، اضطر الوالد للصراخ بأعلى صوته على دورية احتلالية كانت تمر بجانب البوابة، وما أن قَدِم الجنود أخبرهم بأن صغيرته بحاجة ماسة لطبيب.
جاء رد جنود الاحتلال بفتور وبعربية ركيكة: انتهى وقت فتح البوابة اليوم، "روخوا عالبيت !! ". راح الأب يشرح لهم خطورة حالة نيبال, ولكن " لا حياة لمن تنادي". يروي عم الطفلة و رئيس مجلس القرية المحلي زهران مراعبة: اتصل أخي بطبيبين من حبلة وعزون المجاورتين، بعد وقت قصير، حضر الطبيب بكر خروب الذي تحدث بدوره مع الجنود فأصروا على منعه هو الآخر من عبور البوابة، وأعاد محاولاته ثانية وثالثة دون جدوى، فراح يقدم لها العلاج ويجري الفحوصات من وراء جدار...
يتحدث جمال جمعة منسق الحملة الوطنية لمقاومة الجدار، أمام حشد طلابي في جنين نهاية شباط الفارق: مرّرّ الطبيب سماعته لوالد نيبال وراح يرشده على كيفية استخدامها وينقلها لأنحاء جسدها المشتعل بنار الحمى، وحينما أكتشف خطورة الحالة، عاد ثانية للجنود وأخبرهم بأن الطفلة بحاجة ماسة لمستشفى، ردوا بفتور، وكرروا القول: الوقت ليس وقت فتح بوابة.
يستأنف جمعة حديثة بحرقة، لم يكن أمام الطبيب سوى التنسيق مع والدها لمنحها حقنة تخفف من حرارتها الملتهبة، فعمد الأب لخلع جزء من ملابسه، وراح يشكل خيمة فوق جسد طفلته، وأدخل الطبيب يده من خلف أسلاك شائكة في الغالب ما تكون متصلة بالكهرباء، و زرع الحقنة في جسد الصغيرة ! بتابع العم زهران حديثة المطعم بوجع مر: كادت نيبال تفقد حياتها، مثلما تكرر السيناريو مع الطفل زيدان نظام صالح الذي يعاني جسده الغض ضائقة في التنفس. يضيف: لباسم صالح عودة حكاية أكثر مرارة، فهو يسكن في وادي الرشا، التجمع الصغير الذي يقطنه مائة إنسان، وتحول لقسم معتقل آخر.
وصل عودة وولده المريض ذات يوم في تشرين الثاني الفارق إلى البوابة التي لا تُفتح إلا ثلاث ساعات كل يوم، اقترب من الجنود وأخبرهم بحال ابنه، لم يغيروا إجابتهم، وأصروا التلذذ بعذابه، ولم يكن منه غير ترك فلذة كبده على البوابة، قائلا: أن يموت ولدي على البوابة، أهون علي من أراه يحتضر بين يديَّ ! رد الجنود بالصراخ، وصوبوا أسلحتهم نحوه، ووقعت بينه وبينهم مشادة تعيد نفسها كل يوم.
يسترسل:غالباً ما يتعرض طلبة المدارس للتنكيل من جانب جنود البوابة، ففي الشتاء الماضي صلبوا الأطفال ثلاث ساعات تحت المطر، عندما هموا بعبور البوابة وهو الأمر ذاته الذي أعاد أوجاع اللوزتين لنيبال في اليوم التالي.
ينهي زهران محزوناً: هناك في خربة الضبعة ورأس الطيرة وعرب الرماضين الغربي والجنوبي و وادي الرشا وهنا في رأس الطيرة يعيش 925 مواطناً في ما يشبه الزنازين، ويهدفون فقط لترحيلنا …يشير جمعة لرد عضو "الهيومن رايتس ووتش" الأمريكية الذي مكث في قلقيلية ثلاثة أيام وخرج في ضرورة أن يقدم الإسرائيليون لأهالي المدينة ملابس وثلاث وجبات طعام يومياً، لأنهم أصبحوا يعيشون في سجن !
مرام: طفولة وتوثيق
ما أن أطل شهر شباط الفارق برأسه إلا وأخذت مرام محمد أو طالبة الصف الحادي عشر بمضاعفة قلقها، فهي أولاً المهتمة بقضية الجدار العنصري الذي شرع الاحتلال بإقامته حول عنق المدن والتجمعات الفلسطينية، ولأن محكمة العدل الدولية شرعت بمناقشات شفهية حوله في الثالث والعشرين من الشهر ذاته.
خرجت مرام بقرار هام في حياتها، يتصل بتكريس يوم الاثنين الذي شهد المداولات " للتمسمر " أمام شاشة التلفاز، وجمع أكبر عدد ممكن من المعلومات عن جدار الموت الذي يلتهم 832,82 كيلومتر من مساحة الضفة الغربية الإجمالية 5855 كم، ويعزل 197,21 كم بين الفاصل الأخضر الأول وجدار النكبة الثاني .
تقول وفقاً لتلخيص كتاب " الصحة وجدار الفصل العنصري " الخارج إلى الحياة الشهر الفارق الذي نشر في الصحف المحلية: سيبلغ طول الجدار حال الانتهاء من بنائه 752 كيلومترا، وسيلحق ضرراً مباشراً بأكثر من 750 ألف مواطن فلسطيني يعيشون قريباً منه، وسيجزئ الأراضي الفلسطينية إلى 22 سجناً ومعزلاً، وسيعزل 71 قرية وبلدة وتجمعاً عن محيطها.
تشير استناداً لخريطة ضخمة حصلت عليها من إحدى الصحف المحلية، وأصدرتها المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية " مواطن " و معهد الأبحاث التطبيقية " أريج " إلى أن الجدار يسرق 832,82 كيلومترا من مساحة الضفة الغربية البالغة نحو 5855 كيلومتر، ويعزل 197,82 كيلومتر بين الفاصل الأخضر وجدار الموت، ما يعني أنه يضع 126 تجمعاً في سجون كبيرة غرب الجدار، ويعشقها 87589 مواطناً، وسيترك 183986 إنساناً يحيون في 47 تجمعاً بين جداري : الفصل العنصري والفاصل الأخضر . تواصل مرام: وفق متابعتي للخريطة وللوثائق، فإن الجدار سيضم 102 مستعمرة إسرائيلية، تعتدي على 99,5 كيلومتر من أراضي الوطن السليب، وتلحقها بإسرائيل . وطبقاً لمعهد الإعلام والسياسات الصحية والتنموية، فإن المقطعين الأول والثاني من الجدار أحدثا فصلاً لعشرة تجمعات سكانية في مناطق الضفة الغربية، وعزلا 21 مركزاً صحياً عن باقي مدن الضفة وقراها وبلداتها. تتابع حديثها والخوف يطاردها لأنها حرمت من التواصل وصديقتها وفاء علي التي تقطن في قرية برطعة الشرقية التي تحولت لسجن حقيقي، كما يقول عثمان أو الأسير السابق: كنا هناك في السجن الإسرائيلي نخضع لعد صباحي ومسائي، ونسكن الخيام ونحرم من الحرية، أما اليوم فبفضل الجدار، يقول "متساخرا"ً: انتقلنا لسجن أكبر، تمثل في بيوتنا وقرانا المحاطة بأسوار وأسلاك شائكة، وبوابات للذل المنظم.
أرقام من علقم
بعدها، احتفظت مرام بما كتبه د. أحمد مسلماني، مدير لجان العمل الصحي في ملحق" العمل الأهلي"، وراحت تمرره على زميلاتها، ووفق مرام نقلا عن د. مسلماني فإن جدار الفصل العنصري بمرحلته الأولى يمتد إلى 165 كم، ويعزل 16 قرية عزلاً كاملاً، ويفصل 50 أخرى عن أراضيها. حسب الأرقام التي أوردها مسلماني وصارت في جعبة مرام، فإن الآثار التي سيخلفها الجدار ستسري على 583660 نسمة( 97 ألف أسرة) يشكلون 16 % من السكان على طوال الجدار المنوي إقامته بطول 650 كم، منهم 19260 مسناً وأكثر من ربع مليون دون الخامسة عشرة، و 105642 طفلاً دون الخامسة ويحتاجون إلى مطاعيم دورية ( 4 أنواع في 6 مرات)، فيما معدل المواليد التي أوردها د. مسلماني في هذه المنطقة 23404 مواليد سنوياً، و600 حالة وفاة. تقول مرام: لم أتوقع أن يكون الذي قرأته بهذا الرعب، فوفق أرقام الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن الوضع الصحي والغذائي مأساوي قبل إقامة الجدار، فمثلا ينتشر فقر الدم بين النساء في سن الإنجاب في صفوف 33 %، وهناك 10% من حالات ولادة أطفال أقل من2,5 كغم. وأضافت إلى تنمية معرفتها بفعل مقال" آثار الجدار العنصري على صحة المواطنين" الذي أشار إلى دراسات وزارة الصحة الفلسطينية و الجهاز المركزي للإحصاء و لجان العمل الصحي.
تبعاً " للواردات" المعلوماتية الطارئة على مرام، فإنه يوجد في منطقة الجدار حوالي 97 عيادة ومركزاً طبيباً، وازداد أعداد المرضى الذين يحتاجون لرعاية بنحو 50 %، وكذا المراجعين الذين يعانون أمراض مزمنة كسكر الدم والضغط والقلب والكلى والأمراض السرطانية وغيرها الذين يبلغ عددهم 23346 مريضاً، ناهيك عن 11 ألف معاقاً، وسوادهم الأعظم يحتاج إلى خدمات طبية تشخيصية ومتخصصة.
وحرم الجدار أيضا المواطنين من المتابعة والرعاية الصحية ما ينذر بمضاعفات خطيرة تصل إلى حد الوفاة وبخاصة للأطفال وكبار السن كمرضى التشوهات الخلقية وأمراض الدم كالثلاسيميا أو فقر دم البحر المتوسط، الذين يحتاجون إلى متابعة طبية باستمرار.
تقول جوان جبران أو منسقة بحث " تأثيرات جدار الفصل العنصري على الصحة " عبر صفحات الكتاب المر ( الصحة وجدار الفصل العنصري) الذي نشر ملخصه في وسائل الإعلام: سيغير الجدار البنية الجغرافية الفلسطينية، ويعزل المناطق الريفية عن المدن، ويخفض من الخدمات المقدمة للمرضى، ويجعل المجتمع الفلسطيني يعتمد بشكل مطلق على المساعدات الطبية المقدمة من الخارج.
تستأنف مرام بث حزنها من أعماق جريحة فتقول استناداً للكتاب: قضى 91 مريضاً فلسطينياً على حواجز الإذلال، ووضعت 55 سيدة فلسطينية على مقربة منها، واستشهد 25 طبيباً ومسعفاً فلسطينياً، وجرح 425 منهم. ووفقا للإصدار، فإن مخاطر " الجدار الثعبان" الصحية تتمثل بازدياد الفقر، وسوء التغذية، وبالتالي انتشار الأمراض، وارتفاع منسوب الضغط النفسي، ما سيؤثر على الحياة اليومية، ويضاعف تكلفة العلاج، ويحد من حركة المرضى والطواقم الطبية، ويقطع أوصال التجمعات السكانية ويفصلها عن المراكز والعيادات.
لرامي إبراهيم مدلل ابن كفر صور، 9 كم جنوب طولكرم حكاية مختلفة مع الجدار الذي أتى على مصدر رزقه: 27 دونم زعتر، خمس بيوت بلاستيكية أو دفيئات، 20 دونم برتقال، 500 دونم من الزيتون، وتحكم في إمكانية إيصال صغيرته يارا إلى المستشفى، فبعد أن عرفت الأوجاع كلمة العبور إلى جسدها الصغير، جراء جرح في رأسها، وصل إلى بوابة فلامية ولم يجد دورية لجيش الاحتلال، فطلب من منظمة لحقوق الإنسان المساعدة عبر الهاتف، بعد أربعين دقيقة وصلت سيارة الجيش، وأسرع رامي بابنته إلى المستشفى الكرمي.
قبلها لم يتردد رامي في محاولة الاقتراب من الأسلاك الشائكة وهزها، فربما يأتي الجنود ويسمحوا له بإدخال طفلته التي لم تتجاوز ربيعها الثامن إلى شطر السور الآخر ومن ثم للمستشفى.
يطاردون الأجنة
بدت مسؤولة برنامج تأهيل المعاقين المبني على المجتمع ( السي، بي، آر) صبحية غانم أو " أم باسل" على درجة عالية من الذعر وهي تشير إلى رعب جديد لجدار الموت. تقول: لم يكتف المحتلون بسرقة أراضي قرية فقوعة شرق جنين وحصار أهاليها، لكنهم تسببوا في تشويه أجنة أطفالها في بطون أمهاتهم، وقبل أن يخـرجوا إلى الحياة. تضيف عقب جولة ميدانية قامت بها ولجنة البيئة المحلية في القرية المرتفعة والمحاطة بالأشجار: بعد بضعة أشهر من إكمال الجدار، بدأت تظهر على ساكني المنازل المجاورة له ظاهرة غريبة نشرت الرعب في صفوف المواطنين إذ أصبحت حالات التشوهات الخلقية والإجهاض تلازم الأمهات الحوامل. تروي: أخذ الأهالي في القرية التي أجبرت منازلهم على ملاصقة الجدار يتنبهون لحقيقة وجود عدة حالات إجهاض وتشوهات خلقية لحديثي الولادة. ويعزو الأهالي السبب في أن جيش الاحتلال عمد وفي فترات من نهاية العام الفارق لإطلاق قنابل غاز في ساعات مبكرة قرب المنازل المتاخمة للجدار في ركن القرية الشرقي.
تقول غانم نقلاً عن نساء من القرية إنهن استنشقن الكثير من الغاز المدمع لأكثر من مرة في بداية حملهن. ووفق المواطنة عائشة أبو عيد التي كان الإجهاض من نصيبها في الشهر الثاني من حملها، فإن الغاز كان يتسلل إلى داخل منزلها، ولم تستطع إجراءات السكان المتواضعة الفرار منه.
في ركن آخر من القرية، يعيش الرضيع حمزة إسماعيل الذي بالكاد أكمل شهره الأول، ويرافقه تشوه خلقي، وهو الابن الأول لعائلة ذات أربع بنات. وتؤكد أشواق أنها أجهضت جنينها الطفل في شهره الخامس، وقد بدت عليه علامات تشوه. تكمل أم باسل: هناك حالات أخرى لكن أصحابها يتحفظون على الإشارة إلى هويتهم، ويؤكدون في الوقت نفسه أنهم بحالة نفسية سيئة…
تسرب الخوف والقلق إلى صفوف المواطنين والهيئات الصغيرة كالمجلس القروي ولجنة البيئة والمركز النشوي، وبات دور أم باسل وغيرها لفت أنظار المؤسسات المعنية والحديث عن الرعب الخفي لوسائل الإعلام، فربما يجدون آذاناً صاغية…تقول غانم: نهدف من وراء نشاط كهذا لفت أنظار المجتمع لمشكلة خطيرة تزاحم الأهالي على حياتهم وصحتهم ومستقبل أولادهم…
11 "ملاكاً" في قائمة الضحايا
للشاب العشريني محمد محمود نصار حكاية مشابهة، فهو الشغوف بقضايا البيئة، إذ بدأ في مرحلة مبكرة جهود للحد من ظاهرة الغاز التي لم يجد الأهالي لهل تفسيراً دقيقاً، على الأقل عن سبب استخدامها ضدهم.
بدأ محمد، ابن البلدة ذات الـ 2800 نسمة، تطوعه في الجمعية الفلسطينية لحماية الطبيعة، وهي جمعية محلية تعنى بالطبيعة وتحاول مناصرة قضاياها، راح يواكب غير نشاط في محاولة للتعرف إلى السلاح الخفي الذي استخدم ضد القرية وبخاصة المنازل التي مر من جانبها الجدار العنصري. يروي وقد بدا متفاعلا بشدة، قبل نحو ثمانية أشهر، شعرنا بغازات في قريتنا أطلقتها دورية للجيش في ساعات مبكرة من أيام رافقت العمل في إقامة الجدار، صوب عدة منازل تستلقي على الجهة الشرقية من فقوعة، وأصبحت تبتعد عن الأسلاك الشائكة مسافة تتراوح بين خمسين إلى مائة متر. أحصى محمد وثلاث متطوعات أخريات في الجمعية هن: عبير أبو سلامة وإنعام مساد وفريال خليفة، إحدى عشرة حالة تشوه وإصابة من جراء الغاز المنبعث في محيط البيوت القريبة من السور الفاصل.
يقول محمد: الكثير من الأهالي يتخوف من نشر اسمه في وسائل الإعلام، لكنه يذكر بضعة أمثلة لحالات طاردها خطر الغاز كإسماعيل إبراهيم الذي تشوه ولده، ومحمد أبو عبيد وعزام نادي اللذين أجهضت زوجتيهما، فيما أحمد شحادة رزق بمولود مشوه.
من الجهة الشرقية لفقوعة، 7 كم شرق جنين، يجثم 22 بيتاً قرب الجدار، ويرفض السكان الإسهاب في الحديث عن رعبهم.
توجه نصار لرام الله وفتش عن مؤسسة تنقذ الأهالي مما يعيشونه، واستمع لتأكيدات وشاهد تقارير طبية لحالات تشوه وإجهاض ويسعى لاستقدام لجنة طبية متخصصة لكشف المزيد من الملابسات بشأن الغاز الذي حول القرية التي سرق الجدار الأفعى نحو 800 دونم من أراضيها وأقتلع زهاء 1400 شجرة زيتون لمساحة ينتشر فيها الخوف من المستقبل كسرعة الضوء…
دماء على السور أيضا…
تلقف إبراهيم محمد ( 14) عاماً " باهتمام بالغ إحدى الصحف المحلية التي نشرت على أولاها خارطة توضح مسار جدار الفصل العنصري في محافظة الخليل الذي سيلتهم 49% من أراضيها، وسيحولها " لجيتو " منعزل لا يرتبط سوى بممر ضيق مع بيت لحم المجاورة.
وأخذ إبراهيم منذ فترة طويلة يجمع ما يقع تحت يديه من قصاصات صحافية تبين آثار الجدار الذي دفن أحلام عائلة خاله في قرية برطعة الشرقية التي حولها الجدار لسجن جماعي ببوابة حديدية تفصله عن محافظة جنين …يشير إلى " بوابة الموت " التي قتلت الطفل محمود قبها ( 4 سنوات )، صباح الخامس والعشرين من الشهر الفائت، حينما طال رصاص الاحتلال رأسه الغض، " واحتفظ " بذراع شقيقته حنان ( 9 سنوات ) رهينة بين خياري البقاء أو البتر … ولم يكن السبب سوى " سوء تنسيق " بين جنود الاحتلال المتمركزين على الأرض ورفيقهم في " مهنة " القتل الذي كان يعتلي دبابة … حينما طلب الاثنان تقدم السيارة التي كانت تقل الطفل وعائلته، فيما الجندي الثالث فتح نيرانه" غير الصديقة" ولم يأبه بصرخات رفاقه بالتوقف كون من يستقل السيارة أطفال لا " مخربين " … لكن محمود الشق الثاني من توأم جودت قبها الذي يعاني عجزاً في ساقه وذراعه، سيظل يذكر توأم روح شيماء بأن العودة للمدرسة ستكون مُرة.
يقول منسق برامج الإسعاف والطوارئ في جمعية الإغاثة الطبية، محمد أبو الهيجاء: بدأنا نلمس الصعوبات في تنفيذ مشاريعنا وخططنا منذ اليوم الذي بدأ فيه الجدار بالالتفاف حول أعناق المواطنين ولم بعد النقل سهلاً، ما دفعنا نسبق خططنا مع رابطة أطباء لحقوق الإنسان للعمل في أم الريحان والتجمعات الصغيرة المحاطة بأسوار شائكة كالسجون تماماً.
رزمة عوائق
وفق تقرير للإدارة العامة للرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة، فإن تأثيرات الجدار على الخدمات الصحية في محافظة جنين تبدو جلية في قرية أم الريحان وخربة ظهر المالح، إذ لا تسمح حواجز الاحتلال بدخول الطواقم الطبية( فرق التطعيم، ومفتشو الصحة، والصحة المدرسية)، ويضطر المرضى المزمنين و الأمهات الحوامل السير مشياً على الأقدام للوصول إلى عيادة طورة الغربية البعيدة، وطبقا لكشوفات العيادة فإن عدة أطفال لم يتلقوا طعوماتهم، مثلما عجزت فرق الصحة المدرسية والتفتيش عن زيارة القريتين منذ أكثر من عامين.
ويقول التقرير إن المشهد في قرية برطعة الشرقية مشابهاً، إذ يمنع جيش الاحتلال طبيب عيادة القرية من عبور البوابة، فيما تخضع الممرضات لتفتيش من قبل مجندة وغالباً ما تنتظر الممرضات ساعات طويلة لحين قدومها. وتواجه "الصحة" صعوبة في إدخال الأدوية ومشتقاتها، وتراجعت الصحة المدرسية، وأصبحت الحوامل تواجه صعوبات في الوصول للمستشفى. والحال في خربة عبد الله اليونس، والمنطار وخربة مسعود، غرب جنين، نسخة طبق الأصل لما يجري في برطعة، إذ تلقى التجمعات الثلاثة الخدمات منها. وبلغة الأرقام فإن 353 مواطناً في أم الريحان و 133 في خربة عبد الله اليونس، و162 في ظهر المالح، و3404 يسكنون برطعة الشرقية و 25 مواطنا في خربة المنطار الغربي، يعانون بصمت ولا يُسمح لأوجاعهم كما ترياقهم بعبور الحواجز. ويندرج الحال هذا، مع التعديلات أحياناً، على "أسرى الوجع" في طولكرم وقلقيلية وسائر المناطق التي بدأ الجدار الأفعى يلتف حول أعناق أهلها.
يسرقون الأموات !
في بلدة الطيبة شمال جنين أيضاً، كان الصغار شهود عيان على سرقة من نوع آخر، إذ عمد المحتلون على نبش قبور عائلة أبو حلّوق ووضعوا بدلاً ممن كان " يستريح "بداخلها سياجاً فاصلاً بحسب وصف الفتى أحمد جبارين. يتفاعل منسق اللجنة الشعبية لمواجهة الجدار العنصري محمد جردات بشدة وهو يروي حال ساكني خربة عرب حمدون الواقعة بين مستعمرتي "شاكيد "و"حينانيت "، فيقول: هناك خمسين إنساناً من عائلتي وشاحي وحمدون الذين قدموا مكرهين خلال النكبة من حيفا، بلا مياه ولا كهرباء وطرق أو خدمات صحية، ويصف بالفعل هناك مأساة إنسانية تدور أحداثها بصمت وبدون " مؤثرات ضوئية وصوتية ". يعلق جرادات: إذا كان هذا مصير الأموات، فإن الأحياء ليس بأفضلية تؤهلهم الوصول لحبة دواء قد تطفئ نار وجعهم.
الصحة الإنجابية مستهدفة..
تتحدث الأرقام عن محافظة جنين وسكانها الذين ينتشرون في 96 تجمعا كانوا عام 99 نحو ( 207.838 ) مواطناً ومواطنة يمتدون فوق ( 606 ) آلاف دونما، وفي العام 96 ووفق دائرة الإحصاء المركزية التي تطور أسمها لاحقاً إلى الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، شكل المراهقون الذين تقل أعمارهم عن الـ15 عاماً نسبة 43,5 % بمعدل خصوبة كلي 5,06 %. يقول د. وليد نشرتي أخصائي النسائية والتوليد في وزارة الصحة إن وزارته بدأت منذ سنوات عبر برنامجي إدارة التعزيز والتثقيف الصحي وإدارة صحة وتنمية المرأة، وعملت على رعاية الحوامل، ونظمت حملات في القرى والتجمعات النائية، وبدأت بإدخال برامج الرعاية وتأسيس المختبرات وأجهزة التلفاز لفحص المواليد.
ويضيف ثمة 38 عيادة في المحافظة وتتلاقى جهودها مع عيادات الهلال الأحمر والإغاثة الطبية، سعت وبوسائل متخصصة في التعبئة والتثقيف وراحت تشرح للنساء ما يباح وما لا يباح من وسائل تنظيم الأسرة، وراحت طواقم طبية متخصصة تقدم للطلبة والفتيان في المدارس شيئاً عن الصحة الإنجابية ومعلومات لا تتعارض وواقع مجتمعنا و أخلاقياته. بدأت جهود نشرتي ومساعديه تتلاشى منذ اليوم الأول الذي اكتمل فيه عقد سور الفصل العنصري، الذي راح يلتف على أعناق المواطنين، وإذا ما علمنا أن التقارير المتخصصة تفيد بوجود ما يزيد عن 2500 امرأة حامل لديها مضاعفا أو مصنفة ضمن الحمل الخطر.
يغرقوننا في المجاري
غير أن حكاية قرية زبوبا 13 كم شمال جنين، وفق محمد عبيدي رئيس جمعية منتجي اللوز، شهدت تحولاُ مغايراً منذ اليوم الأول الذي بدأت فيه ملامح معسكر سالم الاحتلالي ترى النور، فإلى جانب كونه معسكراً للتدريب، ومعتقلا " يقتطع " الحرية من عشرات الفلسطينيين، ومجمعا أمنياً بمحكمة عسكرية صورية، ومنذ ذلك اليوم تحولت القرية كما يصف رئيس مجلسها محمد جرادات في صراع مع الجدار الثعبان من جهة، ومع " طوفان " المياه العادمة والقاذورات والمياه الرمادية المنبعثة من المعسكر، والتي شكلت قناة طولية تفوق الكيلومترين، وتشطر القرية لنصفين بمكرهة صحية. تحول الأهالي لمعاناة أخرى، فانتشرت أفواج الحشرات الضارة والقوارض ومعها الأمراض، مثلما تسللت إلى الينابيع التي كانت يوما مضرب المثل بالقرية. يروي مسؤول ملف الجدار في الإغاثة الزراعية: منذ أيام قليلة أضاف المحتلون" نكهة" جديدة لمعاناة أهالي قرية زبوبا، إذ عمدوا لإلقاء النفايات المنبثقة من المستعمرات الاحتلالية المقامة على أراضي مرج ابن عامر، شمال القرية وغربها، ما أدى لانتشار الروائح الكريهة وأسراب الحشرات الضارة والبعوض. يضيف: انتقل الحصار من أراضي القرية لمنازلها، ولم يعد بوسع الأهالي الاستمتاع بالهواء الطلق، فهو اليوم ملوث ويعج بالبعوض. " إذا ما تسلل المرض إلى أجسادنا، لا نستطيع تأمين كشفية الطبيب أو الدواء وعلينا انتظار الموسم الدوري للإغاثة الطبية وعيادتها المتنقلة. " على هذا النحو "تهبط" على الزائر تصريحات المواطنين...
عواقب وخيمة
قال تقرير لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي المحتلة، التابع للأمم المتحدة، رأى النور في العاشر من تشرين الأول الفائت، إن الجدار ستكون له عواقب إنسانية وخيمة على نحو 680 ألف فلسطيني، يمثلون ثلث السكان الفلسطينيين في المنطقة.
وأستند المكتب الأممي، لمعاينة خريطة إسرائيلية معتمدة، تؤكد أن الجدار سيقتطع 14,5 % من الأراضي الفلسطينية عن باقي الضفة . في وقت ستتشكل فيه منطقة عازلة بين الخط الأخضر و الجدار، يسكنها 274 ألف فلسطيني، في 122 قرية وبلدة. وسيعاني 30 % من الفلسطينيين عواقب إنسانية وخيمة، فيما سيكون امتداد 11 % من الجدار بجانب الخط الأخضر، وسيقتطع الباقي عمق الضفة الغربية إلى ما يصل 22 كيلومترا. يروي عضو المجلس المحلي لقرية تعنك، 8 كم شمال جنين، سمير دحبور: كانت بلدتنا مترامية الأطراف، وتصل مشارف العفولة، قبل أن تصبح جزءا من الماضي العام 1948، إذ سرقت " هيئات " الاحتلال مساحات شاسعة من تعنك وأقامت فوقها مستعمرات: " كاديش " و " مليله " و " ناريفيه " و " دبوره " و " تعناخ " المحرفة من اسم القرية، والتي تعني بالعبرية التاريخ، حيث ترقد القرية بجانب تل تاريخي يحمل اسمها أيضا …يشرع في رسم جدارية سوداء لحال قريته على الصعيد الصحي، فهناك عيادة متواضعة جدا تفتح أبوابها للواحدة والنصف ظهرا، وحتى مطاعيم الأطفال لا تتوافر فيها في بعض الأحيان، ما يضطر الأهالي للتوجه إلى بلدة سيلة الحارثية المجاورة، أو جنين البعيدة القريبة. يقول: تختزل أمل أحمد فنعير، ابنة الثانية عشرة، والمصابة بفشل كلوي، حالة الحصار والفقر وانعدام الخدمات الصحية، فهي التي أصبحت بحاجة لثلاث مرات أسبوعيا لغسل كليتيها في مشافي جنين ونابلس، في وقت لا يملك والدها أجرة سيارة توصله ومريضته للمدينة، "لولا التأمين لماتت أمل أمام أعيننا "هكذا تعبر شقيقتها الكبرى أيضا….يضيف دحبور: ذات حصار، وصلت أنا وأمل ووالدها لحاجز عسكري بمركبتي، وعندما اقتربنا من حاجز عسكري، منعنا الجنود من مواصلة المسير، وطلبوا من والد أمل أن يحملها ويسير على قدميه، وفعل ذلك
قبل أن نسدل الستار على " أطنان" الوجع التي أحدثها الجدار العنصري في الحياة الفلسطينية، نروي حكاية بيت عزاء المواطن وجيه زيد و زوجته أنيسة راشد زيد( أبوان لعشرة أطفال) اللذين لقيا حتفهما في حادث سير مروع على الشارع الرئيس الموصول لجنين قرب قرية صانور الربيع الفارق. فوفق أحمد زيد العضو في مجلس طورة الغربية: أجبرت العائلة على توزيع أحزانها في بيتي عزاء : واحد في أم الريحان المأسورة، والثاني خلف الشطر الآخر للسياج، الذي وصفه الشاب الثلاثيني عمر علي:" بأفعى سامة لا يحلو لها غير ممارسة حرفة اللدغ القاتل…"
سور فصل نهاري وعدوان ليلي …
أصبح سكان طورة الغربية غرب جنين في حالة لا تسر صديقاً، وفق ما يرويه أحمد قبها العضو في مجلس القرية المحلي، فمنذ أن طوقهم سور الفصل العنصري، إلا وبدأوا بمعاناة إضافية. أصبحت القرية الصغيرة، التي يقطنها قرابة ألف مواطن، كسجن كبير، سرق محيطهم وأراضهم وذكريات أطفالهم، ولم يبق لهم متنفساً يمنحهم فرصة التنزه بغابة العمرة القريبة، وسرق " أُفقهم"، وتراجعت مدخولات الأهالي الذين كانوا يعتاشون على الثروة الحيوانية والزراعات الموسمية والعمل وراء الفاصل الأخضر، وبالتالي فإن من يهاجمه المرض ليلاً فعليه الصبر على الوجع لضيق ذات اليد، أو انتظار الصباح وما تيسر من طواقم صحية.. يقول قبها: منذ فترة طويلة بدأ جيش الاحتلال بالإغارة الليلة على منازلنا، وفي النهار يطلق الجنود الغاز المدمع على محيط المنزل بذرائع مختلفة. وقالت مصادر طبية إن الغاز الذي يستخدمه جيش الاحتلال، يتسبب بحالات إغماء شديدة واضطرابا عصبية وهبوط في كريات الدم، الأمر الذي يحتاج لفترة علاج طويلة نسبياً، وهو ما يحدث اليوم في قرية الزاوية في محافظة سلفيت، التي يعمد المحتلون لاستهداف سيارات الإسعاف أيضاً. بشير لحادثة وقعت في الربيع الفارق، عندما انهالت قنابل الغاز المدمع على حفل عرس، عندما شاهد جنود الاحتلال تجمهرا لأطفال وحشد لمواطنين في أحد المنازل القريبة من أسلاك السور الشائكة.
الأطفال وفق الأهالي وقبها أصبحوا رهائن للخوف، فما أن يصل إلى مسامعهم نبأ قدوم دوريات الجيش إلا وتتلون وجوههم، وفي الليل يعرف التبول اللاإرادي طريقه إلى معظمهم.
في القرية جدار، وعلى أراضيها مستوطنة، والسماء محتلة إلى مراقبة، ومنازلها بلا سيادة والغبار المنبعث من أعمال تطلق عليها دوائر الاحتلال " أعمال تمشيط" للتأكد من أن أحدا لم يتسلل عير الأسلاك الشائكة، ما ينذر" بربو قريب" ..
تنتشر في أفق القرية حكاية الفتى أحمد موفق قبها ( 14 عاماً) الذي تطارده إعاقة عقلية، وكيف آتى القيد عليه، وحولته سلطات الاحتلال إلى مركز للأمراض العقلية، بعد أسبوع من اعتقاله، بدعوى إلقاء الحجارة والزجاجات الفارغة على دوريات الاحتلال.
نقفل ملفنا ولا تفرقنا صور أحمد الزغل أحد مواطني زبوبا الذي نقل بسيارة مريضاً لم يكن يملك ثمن الدواء أو كشفية الطبيب، ومشهد الحاج مصطفى الخطيب من خربة " ظهر المالح" الذي آثار انتظار الصباح لنقل والدته إلى المستشفى قبل أسابيع من تطويق قريته الصغيرة ، لكن الموت سارع إليها، في الهزيع الأخير من الليل.....
ونتذكر الحاج الستيني أبو إبراهيم الذي قال بسخرية سوداء: ربما تشكل صحتنا خطراً على أمن إسرائيل!!
جدار "يهبط" على أَسِرة الشفاء...
*سماعة الطبيب والحقن تجتاز سور الفصل العنصري لتصل جسد الصغيرة نيبال!
*د. مسلماني: آثار الجدار الصحية والنفسية ستطارد 16%من المواطنين الفلسطينيين
*الرصاص يلاحق الأطباء والمسعفين :25 شهيداً و425 جريحاًً
*أحد عشر ألف معاقِ سيطاردهم جدار الموت!
*غاز مدمع غير تقليدي و الأجنة في دائرة الاستهداف أيضاً
*المواطن أبو إبراهيم: ربما تشكل صحتنا خطراُ على أمن إسرائيل!
كتب عبد الباسط خلف:
لم تكن نيبال توفيق مراعبة، أحد عشر ربيعاً تعلم أن الحمى التي اجتاحت جسدها ستكلفها تلقى جرعات العلاج من وراء أسلاك جدار الفصل العنصري الشائكة، التي أصبحت تطوق قريتها الصغيرة رأس الطيرة، قريباً من مستعمرة "ألفي منشيه" الجاثمة على صدور المواطنين كما أرضهم في محافظة قلقيلية شمال الوطن المحتل.
ذات نهار بارد أخذت الحمى تطارد الصغيرة نيبال، بفعل التهاب اللوزتين المتكرر الذي تحول لشريك لها، فأسرع والدها إلى بوابة باتت طريقهم الوحيدة للخروج من منازلهم، وكأنها سجون عائلية غير فاخرة، اضطر الوالد للصراخ بأعلى صوته على دورية احتلالية كانت تمر بجانب البوابة، وما أن قَدِم الجنود أخبرهم بأن صغيرته بحاجة ماسة لطبيب.
جاء رد جنود الاحتلال بفتور وبعربية ركيكة: انتهى وقت فتح البوابة اليوم، "روخوا عالبيت !! ". راح الأب يشرح لهم خطورة حالة نيبال, ولكن " لا حياة لمن تنادي". يروي عم الطفلة و رئيس مجلس القرية المحلي زهران مراعبة: اتصل أخي بطبيبين من حبلة وعزون المجاورتين، بعد وقت قصير، حضر الطبيب بكر خروب الذي تحدث بدوره مع الجنود فأصروا على منعه هو الآخر من عبور البوابة، وأعاد محاولاته ثانية وثالثة دون جدوى، فراح يقدم لها العلاج ويجري الفحوصات من وراء جدار...
يتحدث جمال جمعة منسق الحملة الوطنية لمقاومة الجدار، أمام حشد طلابي في جنين نهاية شباط الفارق: مرّرّ الطبيب سماعته لوالد نيبال وراح يرشده على كيفية استخدامها وينقلها لأنحاء جسدها المشتعل بنار الحمى، وحينما أكتشف خطورة الحالة، عاد ثانية للجنود وأخبرهم بأن الطفلة بحاجة ماسة لمستشفى، ردوا بفتور، وكرروا القول: الوقت ليس وقت فتح بوابة.
يستأنف جمعة حديثة بحرقة، لم يكن أمام الطبيب سوى التنسيق مع والدها لمنحها حقنة تخفف من حرارتها الملتهبة، فعمد الأب لخلع جزء من ملابسه، وراح يشكل خيمة فوق جسد طفلته، وأدخل الطبيب يده من خلف أسلاك شائكة في الغالب ما تكون متصلة بالكهرباء، و زرع الحقنة في جسد الصغيرة ! بتابع العم زهران حديثة المطعم بوجع مر: كادت نيبال تفقد حياتها، مثلما تكرر السيناريو مع الطفل زيدان نظام صالح الذي يعاني جسده الغض ضائقة في التنفس. يضيف: لباسم صالح عودة حكاية أكثر مرارة، فهو يسكن في وادي الرشا، التجمع الصغير الذي يقطنه مائة إنسان، وتحول لقسم معتقل آخر.
وصل عودة وولده المريض ذات يوم في تشرين الثاني الفارق إلى البوابة التي لا تُفتح إلا ثلاث ساعات كل يوم، اقترب من الجنود وأخبرهم بحال ابنه، لم يغيروا إجابتهم، وأصروا التلذذ بعذابه، ولم يكن منه غير ترك فلذة كبده على البوابة، قائلا: أن يموت ولدي على البوابة، أهون علي من أراه يحتضر بين يديَّ ! رد الجنود بالصراخ، وصوبوا أسلحتهم نحوه، ووقعت بينه وبينهم مشادة تعيد نفسها كل يوم.
يسترسل:غالباً ما يتعرض طلبة المدارس للتنكيل من جانب جنود البوابة، ففي الشتاء الماضي صلبوا الأطفال ثلاث ساعات تحت المطر، عندما هموا بعبور البوابة وهو الأمر ذاته الذي أعاد أوجاع اللوزتين لنيبال في اليوم التالي.
ينهي زهران محزوناً: هناك في خربة الضبعة ورأس الطيرة وعرب الرماضين الغربي والجنوبي و وادي الرشا وهنا في رأس الطيرة يعيش 925 مواطناً في ما يشبه الزنازين، ويهدفون فقط لترحيلنا …يشير جمعة لرد عضو "الهيومن رايتس ووتش" الأمريكية الذي مكث في قلقيلية ثلاثة أيام وخرج في ضرورة أن يقدم الإسرائيليون لأهالي المدينة ملابس وثلاث وجبات طعام يومياً، لأنهم أصبحوا يعيشون في سجن !
مرام: طفولة وتوثيق
ما أن أطل شهر شباط الفارق برأسه إلا وأخذت مرام محمد أو طالبة الصف الحادي عشر بمضاعفة قلقها، فهي أولاً المهتمة بقضية الجدار العنصري الذي شرع الاحتلال بإقامته حول عنق المدن والتجمعات الفلسطينية، ولأن محكمة العدل الدولية شرعت بمناقشات شفهية حوله في الثالث والعشرين من الشهر ذاته.
خرجت مرام بقرار هام في حياتها، يتصل بتكريس يوم الاثنين الذي شهد المداولات " للتمسمر " أمام شاشة التلفاز، وجمع أكبر عدد ممكن من المعلومات عن جدار الموت الذي يلتهم 832,82 كيلومتر من مساحة الضفة الغربية الإجمالية 5855 كم، ويعزل 197,21 كم بين الفاصل الأخضر الأول وجدار النكبة الثاني .
تقول وفقاً لتلخيص كتاب " الصحة وجدار الفصل العنصري " الخارج إلى الحياة الشهر الفارق الذي نشر في الصحف المحلية: سيبلغ طول الجدار حال الانتهاء من بنائه 752 كيلومترا، وسيلحق ضرراً مباشراً بأكثر من 750 ألف مواطن فلسطيني يعيشون قريباً منه، وسيجزئ الأراضي الفلسطينية إلى 22 سجناً ومعزلاً، وسيعزل 71 قرية وبلدة وتجمعاً عن محيطها.
تشير استناداً لخريطة ضخمة حصلت عليها من إحدى الصحف المحلية، وأصدرتها المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية " مواطن " و معهد الأبحاث التطبيقية " أريج " إلى أن الجدار يسرق 832,82 كيلومترا من مساحة الضفة الغربية البالغة نحو 5855 كيلومتر، ويعزل 197,82 كيلومتر بين الفاصل الأخضر وجدار الموت، ما يعني أنه يضع 126 تجمعاً في سجون كبيرة غرب الجدار، ويعشقها 87589 مواطناً، وسيترك 183986 إنساناً يحيون في 47 تجمعاً بين جداري : الفصل العنصري والفاصل الأخضر . تواصل مرام: وفق متابعتي للخريطة وللوثائق، فإن الجدار سيضم 102 مستعمرة إسرائيلية، تعتدي على 99,5 كيلومتر من أراضي الوطن السليب، وتلحقها بإسرائيل . وطبقاً لمعهد الإعلام والسياسات الصحية والتنموية، فإن المقطعين الأول والثاني من الجدار أحدثا فصلاً لعشرة تجمعات سكانية في مناطق الضفة الغربية، وعزلا 21 مركزاً صحياً عن باقي مدن الضفة وقراها وبلداتها. تتابع حديثها والخوف يطاردها لأنها حرمت من التواصل وصديقتها وفاء علي التي تقطن في قرية برطعة الشرقية التي تحولت لسجن حقيقي، كما يقول عثمان أو الأسير السابق: كنا هناك في السجن الإسرائيلي نخضع لعد صباحي ومسائي، ونسكن الخيام ونحرم من الحرية، أما اليوم فبفضل الجدار، يقول "متساخرا"ً: انتقلنا لسجن أكبر، تمثل في بيوتنا وقرانا المحاطة بأسوار وأسلاك شائكة، وبوابات للذل المنظم.
أرقام من علقم
بعدها، احتفظت مرام بما كتبه د. أحمد مسلماني، مدير لجان العمل الصحي في ملحق" العمل الأهلي"، وراحت تمرره على زميلاتها، ووفق مرام نقلا عن د. مسلماني فإن جدار الفصل العنصري بمرحلته الأولى يمتد إلى 165 كم، ويعزل 16 قرية عزلاً كاملاً، ويفصل 50 أخرى عن أراضيها. حسب الأرقام التي أوردها مسلماني وصارت في جعبة مرام، فإن الآثار التي سيخلفها الجدار ستسري على 583660 نسمة( 97 ألف أسرة) يشكلون 16 % من السكان على طوال الجدار المنوي إقامته بطول 650 كم، منهم 19260 مسناً وأكثر من ربع مليون دون الخامسة عشرة، و 105642 طفلاً دون الخامسة ويحتاجون إلى مطاعيم دورية ( 4 أنواع في 6 مرات)، فيما معدل المواليد التي أوردها د. مسلماني في هذه المنطقة 23404 مواليد سنوياً، و600 حالة وفاة. تقول مرام: لم أتوقع أن يكون الذي قرأته بهذا الرعب، فوفق أرقام الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن الوضع الصحي والغذائي مأساوي قبل إقامة الجدار، فمثلا ينتشر فقر الدم بين النساء في سن الإنجاب في صفوف 33 %، وهناك 10% من حالات ولادة أطفال أقل من2,5 كغم. وأضافت إلى تنمية معرفتها بفعل مقال" آثار الجدار العنصري على صحة المواطنين" الذي أشار إلى دراسات وزارة الصحة الفلسطينية و الجهاز المركزي للإحصاء و لجان العمل الصحي.
تبعاً " للواردات" المعلوماتية الطارئة على مرام، فإنه يوجد في منطقة الجدار حوالي 97 عيادة ومركزاً طبيباً، وازداد أعداد المرضى الذين يحتاجون لرعاية بنحو 50 %، وكذا المراجعين الذين يعانون أمراض مزمنة كسكر الدم والضغط والقلب والكلى والأمراض السرطانية وغيرها الذين يبلغ عددهم 23346 مريضاً، ناهيك عن 11 ألف معاقاً، وسوادهم الأعظم يحتاج إلى خدمات طبية تشخيصية ومتخصصة.
وحرم الجدار أيضا المواطنين من المتابعة والرعاية الصحية ما ينذر بمضاعفات خطيرة تصل إلى حد الوفاة وبخاصة للأطفال وكبار السن كمرضى التشوهات الخلقية وأمراض الدم كالثلاسيميا أو فقر دم البحر المتوسط، الذين يحتاجون إلى متابعة طبية باستمرار.
تقول جوان جبران أو منسقة بحث " تأثيرات جدار الفصل العنصري على الصحة " عبر صفحات الكتاب المر ( الصحة وجدار الفصل العنصري) الذي نشر ملخصه في وسائل الإعلام: سيغير الجدار البنية الجغرافية الفلسطينية، ويعزل المناطق الريفية عن المدن، ويخفض من الخدمات المقدمة للمرضى، ويجعل المجتمع الفلسطيني يعتمد بشكل مطلق على المساعدات الطبية المقدمة من الخارج.
تستأنف مرام بث حزنها من أعماق جريحة فتقول استناداً للكتاب: قضى 91 مريضاً فلسطينياً على حواجز الإذلال، ووضعت 55 سيدة فلسطينية على مقربة منها، واستشهد 25 طبيباً ومسعفاً فلسطينياً، وجرح 425 منهم. ووفقا للإصدار، فإن مخاطر " الجدار الثعبان" الصحية تتمثل بازدياد الفقر، وسوء التغذية، وبالتالي انتشار الأمراض، وارتفاع منسوب الضغط النفسي، ما سيؤثر على الحياة اليومية، ويضاعف تكلفة العلاج، ويحد من حركة المرضى والطواقم الطبية، ويقطع أوصال التجمعات السكانية ويفصلها عن المراكز والعيادات.
لرامي إبراهيم مدلل ابن كفر صور، 9 كم جنوب طولكرم حكاية مختلفة مع الجدار الذي أتى على مصدر رزقه: 27 دونم زعتر، خمس بيوت بلاستيكية أو دفيئات، 20 دونم برتقال، 500 دونم من الزيتون، وتحكم في إمكانية إيصال صغيرته يارا إلى المستشفى، فبعد أن عرفت الأوجاع كلمة العبور إلى جسدها الصغير، جراء جرح في رأسها، وصل إلى بوابة فلامية ولم يجد دورية لجيش الاحتلال، فطلب من منظمة لحقوق الإنسان المساعدة عبر الهاتف، بعد أربعين دقيقة وصلت سيارة الجيش، وأسرع رامي بابنته إلى المستشفى الكرمي.
قبلها لم يتردد رامي في محاولة الاقتراب من الأسلاك الشائكة وهزها، فربما يأتي الجنود ويسمحوا له بإدخال طفلته التي لم تتجاوز ربيعها الثامن إلى شطر السور الآخر ومن ثم للمستشفى.
يطاردون الأجنة
بدت مسؤولة برنامج تأهيل المعاقين المبني على المجتمع ( السي، بي، آر) صبحية غانم أو " أم باسل" على درجة عالية من الذعر وهي تشير إلى رعب جديد لجدار الموت. تقول: لم يكتف المحتلون بسرقة أراضي قرية فقوعة شرق جنين وحصار أهاليها، لكنهم تسببوا في تشويه أجنة أطفالها في بطون أمهاتهم، وقبل أن يخـرجوا إلى الحياة. تضيف عقب جولة ميدانية قامت بها ولجنة البيئة المحلية في القرية المرتفعة والمحاطة بالأشجار: بعد بضعة أشهر من إكمال الجدار، بدأت تظهر على ساكني المنازل المجاورة له ظاهرة غريبة نشرت الرعب في صفوف المواطنين إذ أصبحت حالات التشوهات الخلقية والإجهاض تلازم الأمهات الحوامل. تروي: أخذ الأهالي في القرية التي أجبرت منازلهم على ملاصقة الجدار يتنبهون لحقيقة وجود عدة حالات إجهاض وتشوهات خلقية لحديثي الولادة. ويعزو الأهالي السبب في أن جيش الاحتلال عمد وفي فترات من نهاية العام الفارق لإطلاق قنابل غاز في ساعات مبكرة قرب المنازل المتاخمة للجدار في ركن القرية الشرقي.
تقول غانم نقلاً عن نساء من القرية إنهن استنشقن الكثير من الغاز المدمع لأكثر من مرة في بداية حملهن. ووفق المواطنة عائشة أبو عيد التي كان الإجهاض من نصيبها في الشهر الثاني من حملها، فإن الغاز كان يتسلل إلى داخل منزلها، ولم تستطع إجراءات السكان المتواضعة الفرار منه.
في ركن آخر من القرية، يعيش الرضيع حمزة إسماعيل الذي بالكاد أكمل شهره الأول، ويرافقه تشوه خلقي، وهو الابن الأول لعائلة ذات أربع بنات. وتؤكد أشواق أنها أجهضت جنينها الطفل في شهره الخامس، وقد بدت عليه علامات تشوه. تكمل أم باسل: هناك حالات أخرى لكن أصحابها يتحفظون على الإشارة إلى هويتهم، ويؤكدون في الوقت نفسه أنهم بحالة نفسية سيئة…
تسرب الخوف والقلق إلى صفوف المواطنين والهيئات الصغيرة كالمجلس القروي ولجنة البيئة والمركز النشوي، وبات دور أم باسل وغيرها لفت أنظار المؤسسات المعنية والحديث عن الرعب الخفي لوسائل الإعلام، فربما يجدون آذاناً صاغية…تقول غانم: نهدف من وراء نشاط كهذا لفت أنظار المجتمع لمشكلة خطيرة تزاحم الأهالي على حياتهم وصحتهم ومستقبل أولادهم…
11 "ملاكاً" في قائمة الضحايا
للشاب العشريني محمد محمود نصار حكاية مشابهة، فهو الشغوف بقضايا البيئة، إذ بدأ في مرحلة مبكرة جهود للحد من ظاهرة الغاز التي لم يجد الأهالي لهل تفسيراً دقيقاً، على الأقل عن سبب استخدامها ضدهم.
بدأ محمد، ابن البلدة ذات الـ 2800 نسمة، تطوعه في الجمعية الفلسطينية لحماية الطبيعة، وهي جمعية محلية تعنى بالطبيعة وتحاول مناصرة قضاياها، راح يواكب غير نشاط في محاولة للتعرف إلى السلاح الخفي الذي استخدم ضد القرية وبخاصة المنازل التي مر من جانبها الجدار العنصري. يروي وقد بدا متفاعلا بشدة، قبل نحو ثمانية أشهر، شعرنا بغازات في قريتنا أطلقتها دورية للجيش في ساعات مبكرة من أيام رافقت العمل في إقامة الجدار، صوب عدة منازل تستلقي على الجهة الشرقية من فقوعة، وأصبحت تبتعد عن الأسلاك الشائكة مسافة تتراوح بين خمسين إلى مائة متر. أحصى محمد وثلاث متطوعات أخريات في الجمعية هن: عبير أبو سلامة وإنعام مساد وفريال خليفة، إحدى عشرة حالة تشوه وإصابة من جراء الغاز المنبعث في محيط البيوت القريبة من السور الفاصل.
يقول محمد: الكثير من الأهالي يتخوف من نشر اسمه في وسائل الإعلام، لكنه يذكر بضعة أمثلة لحالات طاردها خطر الغاز كإسماعيل إبراهيم الذي تشوه ولده، ومحمد أبو عبيد وعزام نادي اللذين أجهضت زوجتيهما، فيما أحمد شحادة رزق بمولود مشوه.
من الجهة الشرقية لفقوعة، 7 كم شرق جنين، يجثم 22 بيتاً قرب الجدار، ويرفض السكان الإسهاب في الحديث عن رعبهم.
توجه نصار لرام الله وفتش عن مؤسسة تنقذ الأهالي مما يعيشونه، واستمع لتأكيدات وشاهد تقارير طبية لحالات تشوه وإجهاض ويسعى لاستقدام لجنة طبية متخصصة لكشف المزيد من الملابسات بشأن الغاز الذي حول القرية التي سرق الجدار الأفعى نحو 800 دونم من أراضيها وأقتلع زهاء 1400 شجرة زيتون لمساحة ينتشر فيها الخوف من المستقبل كسرعة الضوء…
دماء على السور أيضا…
تلقف إبراهيم محمد ( 14) عاماً " باهتمام بالغ إحدى الصحف المحلية التي نشرت على أولاها خارطة توضح مسار جدار الفصل العنصري في محافظة الخليل الذي سيلتهم 49% من أراضيها، وسيحولها " لجيتو " منعزل لا يرتبط سوى بممر ضيق مع بيت لحم المجاورة.
وأخذ إبراهيم منذ فترة طويلة يجمع ما يقع تحت يديه من قصاصات صحافية تبين آثار الجدار الذي دفن أحلام عائلة خاله في قرية برطعة الشرقية التي حولها الجدار لسجن جماعي ببوابة حديدية تفصله عن محافظة جنين …يشير إلى " بوابة الموت " التي قتلت الطفل محمود قبها ( 4 سنوات )، صباح الخامس والعشرين من الشهر الفائت، حينما طال رصاص الاحتلال رأسه الغض، " واحتفظ " بذراع شقيقته حنان ( 9 سنوات ) رهينة بين خياري البقاء أو البتر … ولم يكن السبب سوى " سوء تنسيق " بين جنود الاحتلال المتمركزين على الأرض ورفيقهم في " مهنة " القتل الذي كان يعتلي دبابة … حينما طلب الاثنان تقدم السيارة التي كانت تقل الطفل وعائلته، فيما الجندي الثالث فتح نيرانه" غير الصديقة" ولم يأبه بصرخات رفاقه بالتوقف كون من يستقل السيارة أطفال لا " مخربين " … لكن محمود الشق الثاني من توأم جودت قبها الذي يعاني عجزاً في ساقه وذراعه، سيظل يذكر توأم روح شيماء بأن العودة للمدرسة ستكون مُرة.
يقول منسق برامج الإسعاف والطوارئ في جمعية الإغاثة الطبية، محمد أبو الهيجاء: بدأنا نلمس الصعوبات في تنفيذ مشاريعنا وخططنا منذ اليوم الذي بدأ فيه الجدار بالالتفاف حول أعناق المواطنين ولم بعد النقل سهلاً، ما دفعنا نسبق خططنا مع رابطة أطباء لحقوق الإنسان للعمل في أم الريحان والتجمعات الصغيرة المحاطة بأسوار شائكة كالسجون تماماً.
رزمة عوائق
وفق تقرير للإدارة العامة للرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة، فإن تأثيرات الجدار على الخدمات الصحية في محافظة جنين تبدو جلية في قرية أم الريحان وخربة ظهر المالح، إذ لا تسمح حواجز الاحتلال بدخول الطواقم الطبية( فرق التطعيم، ومفتشو الصحة، والصحة المدرسية)، ويضطر المرضى المزمنين و الأمهات الحوامل السير مشياً على الأقدام للوصول إلى عيادة طورة الغربية البعيدة، وطبقا لكشوفات العيادة فإن عدة أطفال لم يتلقوا طعوماتهم، مثلما عجزت فرق الصحة المدرسية والتفتيش عن زيارة القريتين منذ أكثر من عامين.
ويقول التقرير إن المشهد في قرية برطعة الشرقية مشابهاً، إذ يمنع جيش الاحتلال طبيب عيادة القرية من عبور البوابة، فيما تخضع الممرضات لتفتيش من قبل مجندة وغالباً ما تنتظر الممرضات ساعات طويلة لحين قدومها. وتواجه "الصحة" صعوبة في إدخال الأدوية ومشتقاتها، وتراجعت الصحة المدرسية، وأصبحت الحوامل تواجه صعوبات في الوصول للمستشفى. والحال في خربة عبد الله اليونس، والمنطار وخربة مسعود، غرب جنين، نسخة طبق الأصل لما يجري في برطعة، إذ تلقى التجمعات الثلاثة الخدمات منها. وبلغة الأرقام فإن 353 مواطناً في أم الريحان و 133 في خربة عبد الله اليونس، و162 في ظهر المالح، و3404 يسكنون برطعة الشرقية و 25 مواطنا في خربة المنطار الغربي، يعانون بصمت ولا يُسمح لأوجاعهم كما ترياقهم بعبور الحواجز. ويندرج الحال هذا، مع التعديلات أحياناً، على "أسرى الوجع" في طولكرم وقلقيلية وسائر المناطق التي بدأ الجدار الأفعى يلتف حول أعناق أهلها.
يسرقون الأموات !
في بلدة الطيبة شمال جنين أيضاً، كان الصغار شهود عيان على سرقة من نوع آخر، إذ عمد المحتلون على نبش قبور عائلة أبو حلّوق ووضعوا بدلاً ممن كان " يستريح "بداخلها سياجاً فاصلاً بحسب وصف الفتى أحمد جبارين. يتفاعل منسق اللجنة الشعبية لمواجهة الجدار العنصري محمد جردات بشدة وهو يروي حال ساكني خربة عرب حمدون الواقعة بين مستعمرتي "شاكيد "و"حينانيت "، فيقول: هناك خمسين إنساناً من عائلتي وشاحي وحمدون الذين قدموا مكرهين خلال النكبة من حيفا، بلا مياه ولا كهرباء وطرق أو خدمات صحية، ويصف بالفعل هناك مأساة إنسانية تدور أحداثها بصمت وبدون " مؤثرات ضوئية وصوتية ". يعلق جرادات: إذا كان هذا مصير الأموات، فإن الأحياء ليس بأفضلية تؤهلهم الوصول لحبة دواء قد تطفئ نار وجعهم.
الصحة الإنجابية مستهدفة..
تتحدث الأرقام عن محافظة جنين وسكانها الذين ينتشرون في 96 تجمعا كانوا عام 99 نحو ( 207.838 ) مواطناً ومواطنة يمتدون فوق ( 606 ) آلاف دونما، وفي العام 96 ووفق دائرة الإحصاء المركزية التي تطور أسمها لاحقاً إلى الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، شكل المراهقون الذين تقل أعمارهم عن الـ15 عاماً نسبة 43,5 % بمعدل خصوبة كلي 5,06 %. يقول د. وليد نشرتي أخصائي النسائية والتوليد في وزارة الصحة إن وزارته بدأت منذ سنوات عبر برنامجي إدارة التعزيز والتثقيف الصحي وإدارة صحة وتنمية المرأة، وعملت على رعاية الحوامل، ونظمت حملات في القرى والتجمعات النائية، وبدأت بإدخال برامج الرعاية وتأسيس المختبرات وأجهزة التلفاز لفحص المواليد.
ويضيف ثمة 38 عيادة في المحافظة وتتلاقى جهودها مع عيادات الهلال الأحمر والإغاثة الطبية، سعت وبوسائل متخصصة في التعبئة والتثقيف وراحت تشرح للنساء ما يباح وما لا يباح من وسائل تنظيم الأسرة، وراحت طواقم طبية متخصصة تقدم للطلبة والفتيان في المدارس شيئاً عن الصحة الإنجابية ومعلومات لا تتعارض وواقع مجتمعنا و أخلاقياته. بدأت جهود نشرتي ومساعديه تتلاشى منذ اليوم الأول الذي اكتمل فيه عقد سور الفصل العنصري، الذي راح يلتف على أعناق المواطنين، وإذا ما علمنا أن التقارير المتخصصة تفيد بوجود ما يزيد عن 2500 امرأة حامل لديها مضاعفا أو مصنفة ضمن الحمل الخطر.
يغرقوننا في المجاري
غير أن حكاية قرية زبوبا 13 كم شمال جنين، وفق محمد عبيدي رئيس جمعية منتجي اللوز، شهدت تحولاُ مغايراً منذ اليوم الأول الذي بدأت فيه ملامح معسكر سالم الاحتلالي ترى النور، فإلى جانب كونه معسكراً للتدريب، ومعتقلا " يقتطع " الحرية من عشرات الفلسطينيين، ومجمعا أمنياً بمحكمة عسكرية صورية، ومنذ ذلك اليوم تحولت القرية كما يصف رئيس مجلسها محمد جرادات في صراع مع الجدار الثعبان من جهة، ومع " طوفان " المياه العادمة والقاذورات والمياه الرمادية المنبعثة من المعسكر، والتي شكلت قناة طولية تفوق الكيلومترين، وتشطر القرية لنصفين بمكرهة صحية. تحول الأهالي لمعاناة أخرى، فانتشرت أفواج الحشرات الضارة والقوارض ومعها الأمراض، مثلما تسللت إلى الينابيع التي كانت يوما مضرب المثل بالقرية. يروي مسؤول ملف الجدار في الإغاثة الزراعية: منذ أيام قليلة أضاف المحتلون" نكهة" جديدة لمعاناة أهالي قرية زبوبا، إذ عمدوا لإلقاء النفايات المنبثقة من المستعمرات الاحتلالية المقامة على أراضي مرج ابن عامر، شمال القرية وغربها، ما أدى لانتشار الروائح الكريهة وأسراب الحشرات الضارة والبعوض. يضيف: انتقل الحصار من أراضي القرية لمنازلها، ولم يعد بوسع الأهالي الاستمتاع بالهواء الطلق، فهو اليوم ملوث ويعج بالبعوض. " إذا ما تسلل المرض إلى أجسادنا، لا نستطيع تأمين كشفية الطبيب أو الدواء وعلينا انتظار الموسم الدوري للإغاثة الطبية وعيادتها المتنقلة. " على هذا النحو "تهبط" على الزائر تصريحات المواطنين...
عواقب وخيمة
قال تقرير لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي المحتلة، التابع للأمم المتحدة، رأى النور في العاشر من تشرين الأول الفائت، إن الجدار ستكون له عواقب إنسانية وخيمة على نحو 680 ألف فلسطيني، يمثلون ثلث السكان الفلسطينيين في المنطقة.
وأستند المكتب الأممي، لمعاينة خريطة إسرائيلية معتمدة، تؤكد أن الجدار سيقتطع 14,5 % من الأراضي الفلسطينية عن باقي الضفة . في وقت ستتشكل فيه منطقة عازلة بين الخط الأخضر و الجدار، يسكنها 274 ألف فلسطيني، في 122 قرية وبلدة. وسيعاني 30 % من الفلسطينيين عواقب إنسانية وخيمة، فيما سيكون امتداد 11 % من الجدار بجانب الخط الأخضر، وسيقتطع الباقي عمق الضفة الغربية إلى ما يصل 22 كيلومترا. يروي عضو المجلس المحلي لقرية تعنك، 8 كم شمال جنين، سمير دحبور: كانت بلدتنا مترامية الأطراف، وتصل مشارف العفولة، قبل أن تصبح جزءا من الماضي العام 1948، إذ سرقت " هيئات " الاحتلال مساحات شاسعة من تعنك وأقامت فوقها مستعمرات: " كاديش " و " مليله " و " ناريفيه " و " دبوره " و " تعناخ " المحرفة من اسم القرية، والتي تعني بالعبرية التاريخ، حيث ترقد القرية بجانب تل تاريخي يحمل اسمها أيضا …يشرع في رسم جدارية سوداء لحال قريته على الصعيد الصحي، فهناك عيادة متواضعة جدا تفتح أبوابها للواحدة والنصف ظهرا، وحتى مطاعيم الأطفال لا تتوافر فيها في بعض الأحيان، ما يضطر الأهالي للتوجه إلى بلدة سيلة الحارثية المجاورة، أو جنين البعيدة القريبة. يقول: تختزل أمل أحمد فنعير، ابنة الثانية عشرة، والمصابة بفشل كلوي، حالة الحصار والفقر وانعدام الخدمات الصحية، فهي التي أصبحت بحاجة لثلاث مرات أسبوعيا لغسل كليتيها في مشافي جنين ونابلس، في وقت لا يملك والدها أجرة سيارة توصله ومريضته للمدينة، "لولا التأمين لماتت أمل أمام أعيننا "هكذا تعبر شقيقتها الكبرى أيضا….يضيف دحبور: ذات حصار، وصلت أنا وأمل ووالدها لحاجز عسكري بمركبتي، وعندما اقتربنا من حاجز عسكري، منعنا الجنود من مواصلة المسير، وطلبوا من والد أمل أن يحملها ويسير على قدميه، وفعل ذلك
قبل أن نسدل الستار على " أطنان" الوجع التي أحدثها الجدار العنصري في الحياة الفلسطينية، نروي حكاية بيت عزاء المواطن وجيه زيد و زوجته أنيسة راشد زيد( أبوان لعشرة أطفال) اللذين لقيا حتفهما في حادث سير مروع على الشارع الرئيس الموصول لجنين قرب قرية صانور الربيع الفارق. فوفق أحمد زيد العضو في مجلس طورة الغربية: أجبرت العائلة على توزيع أحزانها في بيتي عزاء : واحد في أم الريحان المأسورة، والثاني خلف الشطر الآخر للسياج، الذي وصفه الشاب الثلاثيني عمر علي:" بأفعى سامة لا يحلو لها غير ممارسة حرفة اللدغ القاتل…"
سور فصل نهاري وعدوان ليلي …
أصبح سكان طورة الغربية غرب جنين في حالة لا تسر صديقاً، وفق ما يرويه أحمد قبها العضو في مجلس القرية المحلي، فمنذ أن طوقهم سور الفصل العنصري، إلا وبدأوا بمعاناة إضافية. أصبحت القرية الصغيرة، التي يقطنها قرابة ألف مواطن، كسجن كبير، سرق محيطهم وأراضهم وذكريات أطفالهم، ولم يبق لهم متنفساً يمنحهم فرصة التنزه بغابة العمرة القريبة، وسرق " أُفقهم"، وتراجعت مدخولات الأهالي الذين كانوا يعتاشون على الثروة الحيوانية والزراعات الموسمية والعمل وراء الفاصل الأخضر، وبالتالي فإن من يهاجمه المرض ليلاً فعليه الصبر على الوجع لضيق ذات اليد، أو انتظار الصباح وما تيسر من طواقم صحية.. يقول قبها: منذ فترة طويلة بدأ جيش الاحتلال بالإغارة الليلة على منازلنا، وفي النهار يطلق الجنود الغاز المدمع على محيط المنزل بذرائع مختلفة. وقالت مصادر طبية إن الغاز الذي يستخدمه جيش الاحتلال، يتسبب بحالات إغماء شديدة واضطرابا عصبية وهبوط في كريات الدم، الأمر الذي يحتاج لفترة علاج طويلة نسبياً، وهو ما يحدث اليوم في قرية الزاوية في محافظة سلفيت، التي يعمد المحتلون لاستهداف سيارات الإسعاف أيضاً. بشير لحادثة وقعت في الربيع الفارق، عندما انهالت قنابل الغاز المدمع على حفل عرس، عندما شاهد جنود الاحتلال تجمهرا لأطفال وحشد لمواطنين في أحد المنازل القريبة من أسلاك السور الشائكة.
الأطفال وفق الأهالي وقبها أصبحوا رهائن للخوف، فما أن يصل إلى مسامعهم نبأ قدوم دوريات الجيش إلا وتتلون وجوههم، وفي الليل يعرف التبول اللاإرادي طريقه إلى معظمهم.
في القرية جدار، وعلى أراضيها مستوطنة، والسماء محتلة إلى مراقبة، ومنازلها بلا سيادة والغبار المنبعث من أعمال تطلق عليها دوائر الاحتلال " أعمال تمشيط" للتأكد من أن أحدا لم يتسلل عير الأسلاك الشائكة، ما ينذر" بربو قريب" ..
تنتشر في أفق القرية حكاية الفتى أحمد موفق قبها ( 14 عاماً) الذي تطارده إعاقة عقلية، وكيف آتى القيد عليه، وحولته سلطات الاحتلال إلى مركز للأمراض العقلية، بعد أسبوع من اعتقاله، بدعوى إلقاء الحجارة والزجاجات الفارغة على دوريات الاحتلال.
نقفل ملفنا ولا تفرقنا صور أحمد الزغل أحد مواطني زبوبا الذي نقل بسيارة مريضاً لم يكن يملك ثمن الدواء أو كشفية الطبيب، ومشهد الحاج مصطفى الخطيب من خربة " ظهر المالح" الذي آثار انتظار الصباح لنقل والدته إلى المستشفى قبل أسابيع من تطويق قريته الصغيرة ، لكن الموت سارع إليها، في الهزيع الأخير من الليل.....
ونتذكر الحاج الستيني أبو إبراهيم الذي قال بسخرية سوداء: ربما تشكل صحتنا خطراً على أمن إسرائيل!!