عبد الباسط خلف
16-08-2005, 12:50 AM
نالت جائزة " القطان " للصحافيين الشباب وهي بلا عمل
مسعدة عثمان : الألم لا يصبح ترفا، وأنا لست آلة تنقله بتجرد…
كتب عبد الباسط خلف :
لا زالت مسعدة عثمان تردد في أعماق ذاتها أسرار إقدامها على انتقاء الصحافة كمهنة دون غيرها، لدرجة باتت تحتل حياتها و تنقلها من تصنيفها " الجندري " أو الديمغرافي لفئة المحاربين والشهود على معاناة شعبهم … " أمسكت بقلمي، وشعرت أنني أستطيع الدفاع بطريقتي الخاصة على قضايا المطموسين والمضطهدين في شعبي، فاخترت بعد إنهائي الثانوية العامة جامعة بيرزيت لدراسة الصحافة العلوم السياسية " على هذا النحو تشرع ابنة الرابعة والعشرين أو الفائزة بالترتيب الثالث من النسخة الأولى لجائزة الصحافيين الشباب التي أطلقتها مؤسسة عبد المحسن القطان، العام 2002، بنسج حكايتها .
هموم خريجة
استنزفت أحلام مسعدة بالحصول على وظيفة معظم طاقتها، وتكسرت أمانيها الوردية على عتبات سوق عمل مثقل بالوساطة والمحسوبية والاستغلال لطاقات الخريجين وقدراتهم … وبدأت أعينها تنظر بخوف من عقارب زمن يسير بسرعة، ولا ينتظر أحدا للحاق به …
في دفتر يوميات مسعدة، أو الفتاة التي تختزل حياة شريحة خريجين تتشكل من جيش عملاق، باتت هموم الوظيفة والمستقبل والفرص تشكل " المانشيت " الرئيس لقصص تكرر نفسها كل يوم، ويتضاعف معها مجموع وعود كاذبة بعمل لا رصيد له، وغير قابل للصرف . بدأت منذ العام 2001 أو سنة التخرج التي تحلم بها كل فتاة وشاب،وراحت تتغير عندما قررت ومجموعة من الزميلات والنظراء خوض تجربة الكتابة في الملاحق الصحافية التي تصدرها غير مؤسسة ..
تروي، في حديث قهرت التكنولوجيا والشبكة العنكبوتية للإنترنت عقبات ميلاده الكلاسيكي: بدأت تجربتي الأولى مع مجلة " ينابيع " التي تصدرها جمعية المرأة العاملة للتنمية، ووجدت تشجيعا كبيرا من رئيس تحريرها السابق عدنان داغر، إذ ساعدني في انتقاء المحاور الإعلامية، وراح يعرفني بمجلات وملاحق أخرى .
جدول أعمال
تصف : بدأت عبر ينابيع بممارسة جزء من أحلامي، ورحت أكتب عن المرأة الفلسطينية بمعاناتها وكفاحها وانتصارها لذاتها، والتقيت العديد من أمهات الشهداء الثكلى، وتلك اللواتي ينتظرن شفاء فلذات أكبادهن وتحررهم من أسرة الشفاء وكراسي الإعاقة،أو التحرر من قضبان أسر تقتطع حريتهم، وقابلت أسيرات محررات وسياسيات ومكافحات انتصرت على عوائق الحياة الذكورية ، وأثبتن مقدرتهن على التحدي والانتصار، وبحثت عن أخريات ناضلن وحملن هموم قضيتنا و سرن معها، متناسيات أنوثتهن والحواجز المصطنعة و " نقاط التمييز " التي ينصبها كثر في مجتمعنا .
تسترسل : كان للفقراء صدى كبيرا في ذاتي، ففتشت عن هؤلاء الذين تركتهم ظروف الحصار والعدوان بلا أمل، ودافعت عن العاملات في مجتمعنا الذي ينكر على حواء حقها واختيارها الحر، مثلما انسابت مشاعري مع أسر الشهداء و الأسرى خلال أيام الاجتياح الإسرائيلي لرام الله في نيسان 2002، وتأثرت بتوسلات الأطفال وصرخات الأمهات .
انتقلت مسعدة من ينابيع التي رفدتها بهموم ولآمال تدفقت للقراء، إلى " صوت النساء " الصحيفة نصف الشهرية التي تعنى بقضايا المجتمع وتعد منبرا للفلسطينيات، و " البيدر " الملحق التنموي الذي يرى النور عن برنامج دراسات التنمية المنبثق عن جامعة بيرزيت، وفتشت عن متديات أخرى، حتى وصلت إلى " بلسم " المجلة الصحية الشهرية لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، ومجلة " صوت الوطن " .
لا زالت عثمان تتذكر جيدا التجربة المؤثرة التي عمدت لخوضها ومجموعة من الخريجين، حينما أصدروا مجلة تعنى بالشباب وتضع الإصبع على جراحاتهم وتداعب آمالهم، غير أن الشق المادي و الاستغلال المؤسسي و المعنوي تسلل إلى الجهة الممولة " منظمة أصدقاء بلا حدود " لتقرر " وأد " مجلة " شباب جدا " بعدد يتيم لم يتكرر .
في أجندة مسعدة عثمان الصحافية الطموحة والمغمورة، تحظى قضايا المرأة بحصة الأسد من الاهتمام والمتابعة، لكن ذلك لا يعني برأيها أنها تتناسى النصف الآخر من المجتمع، فهي عاشقة لكتابة التحقيقات الصحافية، وكشف قضايا التلاعب والفساد والوساطة أو المرض العضال الذي يطارد الخريجين .
تنقلت مسعدة بين تحقيقات واكبت جرائم الأحداث وعمالتهم، وأدخلت قلمها لعالم السيارات المسروقة وغير القانونية، وفقدان السائقين لأخلاقيات المهنة كحال التراخيص و"بوليصات" التأمين، مثلما تحدثت كتاباتها عن الفساد المستشري في بعض المستشفيات والمؤسسات .
قدرات نسوية
نطرح عليها تساؤلا برائحة " جندرية " عن الأقدر برأيها في الكتابة بإحساس مرهف من بين النساء والرجال، فتأتينا الإجابة : المرأة قادرة على الكتابة بأسلوب يفوق الرجل، عندما تشير لقضايا حواء، أو ترسم صورا لمعاناة إنسانية، لأنها تتأثر بشكل أكبر، وتمتلك قدرة على محاكاة الوتر العاطفي و الإنساني، الذي يؤثر على القراء، ويجعلها في نهاية المطاف ترسم مشهدا أكثر إنسانية و تأثيرا، و كأنها تقول :إذا ما كتبت بإحساسك فإنك تستحق الحياة.
تسعى عثمان للكتابة النوعية، وتسقط من حساباتها الاهتمام بالكم، فلا تجري وراء أي دورية صحافية تتاح لها فرصة الوصول إليها، وما يهمها الحديث عن الجديد والمهم و المؤثر، بعيدا عن أضواء الشهرة أو بريق المال ….
" دفعتني الرغبة الدائمة في التنافس، وإثبات الذات للمشاركة في جائزة الصحافيين الشباب التي أطلقت مؤسسة عبد المحسن القطان أول نسخها العام 2002، وحصلت على المرتبة الثالثة ما منحني دفعة معنوية، وأثبت لنفسي ولغيري أنه بمقدوري ممارسة المهنة بتفوق، والجائزة أيضا تقييم للذات ومقارنة مع الصحافيين الشباب من أبناء جيلي، ودفعه إلى الأمام و إضافة مهنية للكاتب وتقديرا لمكانته " على هذا النحو تشرع مسعدة ثانية في الحديث عن سر تنافسها على جائزة القطان للصحافيين الشباب .
تضيف : جاءت مشاركتي بعشر قصص صحافية إنسانية وتقارير صحافية، ولا زلت أتذكر بقوة تلك القصة المؤثرة التي نسجتها عن الشهيد مراد عوايصة الذي تعرض لفظائع إنسانية قبل قتله، إذ شوه جسده بأدوات حادة، ومزقت ملابسه ونزعت عن جسده، وألقي بجانب حاوية للقمامة في منتصف إحدى الطرقات، ولا أنسى أيضا حكاية لجوء أم موسى والدروب التي سلكتها مع أبنائها، مثلما أتخيل دوما قصة الشهيدة رفيدة التي تركت ولدها رضيعا، وحادثة الانفجار المؤلم لقنبلة من مخلفات الاحتلال " وأدت " حياة شابين من مخيم الأمعري، وتحدثت عن طلبة جامعة بيرزيت و أساتذتها وتحديهم لواقع الاحتلال والحصار .
توقعت عثمان الفوز، فهي التي أنفقت وقتا طويلا في اختيار نصوصها وكتبتها بلغة قوية، وتحرت مصداقية ما ورد فيها وثابرت لتطوير نفسها صحافيا . ولم تشعر بالتمييز ضدها في الجائزة، مثلما تملكها الشعور بالثقة، فهي ورغم تجربتها القصيرة وطبيعة عملها المتواضع، اجتهدت وثابرت واعتقدت أن مساحة الفرح والفوز سيشملانها، ولن تجافيها خطوط العرض والطول أو تلقي بها في "منطقة محايدة "للنجاح .
نسأل مسعدة مجددا عن أهمية الفوز، وهل هو لشخصها أم لنصوصها وللأمكنة والأبطال التي عالجتها، فتقول : كان الفوز متقاطعا بيني وبين الشخوص الذين اخترتهم والنصوص التي خطيتها وتفاعلت معها، فكل منهما ساهم في نجاحي، وترجمت مشاعري لكلمات استخدمت لغة قوية وصفية معبرة .
انحياز للتحقيق
تعشق مسعدة وتنحاز للتحقيق الصحافي، فهو المتعة وفق وصفها، لكنها تصطدم أحيانا بأفواه مقفلة ولوائح متيبسة و قوانين بائدة، تمنعها العمل بحرية، والتفاعل مع الحقيقة وإيصالها للقراء . ومنعت، كما تقول، من اللقاء بمسؤولين في الحقل الصحي، "، وترى أن غياب التشجيع المادي والمعنوي لمثل هذا الفن يبعد الصحافيين عنه، لأنه بحاجة لمال ووقت وجهد …
لا زالت مشاهد أحد جرحى الانتفاضة تطرق " جدران ذاكرة" عثمان، لأنها من أصعب المواقف التي مرت بها خلال عملها، إذ تمثل في أعماق مشاهد الانفجار الذي شوه جسد شاب جعله بجوه محترق وأقدام متسلخة و أحشاء خرجت من مكانها، ودم تجمد على فراشه .
فيما تؤثر عليها بدرجة أقل تفاصيل العائلة الفلسطينية التي شاهدت أطفالها هياكل عظمية بفعل الجوع، فيما ملابسهم رثه كمنزلهم المهترء أيضا .
"أعرف الصحافة على أنها فن نقل معاناة الآخر، وتلميع الحقيقة وإظهارها، ومهنة الكشف عن الفساد والتلاعب الإداري" ..هكذا تقول مسعدة وتتابع " أحلم في متابعة عملي الصحافي في المجلات والملاحق المحلية، مهما بلغت من الشهرة أو المهنية، أطمح في الوصول إلى منابر عربية وأجنبية، لأن ذلك سيضاعف حجم القراء، ليتحولوا إلى " شاهد ملك " على معاناتنا ووحشية احتلالنا"، لكن أحلامها المشروعة سرعان ما تخضع لحواجز المصالح والاحتكارات والمادة، فتظل بلا إنعتاق .
تنتظر اليوم مولودها الأول، الذي لن يمنعها كما زواجها من تأدية رسالتها الإعلامية، وتقول إنها تتلقى التشجيع من شريك حياتها خريج كلية الحقوق الجديد . وتسدل الستار على حديثها بالإجابة على استفسارنا حول الاعتيادية التي قد تجعل الحديث عن الألم والمعاناة نوعا من الترف، فتقول : الألم لا يصبح ترفا، مهما كان حاله، فكيف إن كان ألما فلسطينيا، فمن المستحيل أن نتحول لآلات تنقل الألم أو أقلاما تخط أوصافا له دون الشعور به، فهو الذي يظهر كل مره وكأنه أول مرة، ولان الاحتلال يتفنن بابتداعه ويسعى لممارسته، فكيف لنا أن لا نشعر بوجعنا .
نقفل ملفنا ونحيله إلى صفاء أو الطالبة الجامعية التي أسرها الفرح وهي تقرأ عدد الجمعة من صحيفة " الأيام " التي أشارت لحصول مسعدة على جائزة القطان .
تقول صفاء : عرفت من متابعتي أن مؤسسة عبد المحسن القطان رأت النور العام 1994 في المملكة المتحدة، كمؤسسة خيرية تنموية، انتقلت لفلسطين العام 1998، وسعت لصناعة تنمية ثقافية وتربوية وعلمية، وتقوم عائلة القطان بتمويل المؤسسة كون السيد عبد المحسن وعقيلته ليلى، المهجران من وطنهما يافا عروس البحر المتوسط عملا في مستهل حياتهما في دنيا التربية والتعليم.
مسعدة عثمان : الألم لا يصبح ترفا، وأنا لست آلة تنقله بتجرد…
كتب عبد الباسط خلف :
لا زالت مسعدة عثمان تردد في أعماق ذاتها أسرار إقدامها على انتقاء الصحافة كمهنة دون غيرها، لدرجة باتت تحتل حياتها و تنقلها من تصنيفها " الجندري " أو الديمغرافي لفئة المحاربين والشهود على معاناة شعبهم … " أمسكت بقلمي، وشعرت أنني أستطيع الدفاع بطريقتي الخاصة على قضايا المطموسين والمضطهدين في شعبي، فاخترت بعد إنهائي الثانوية العامة جامعة بيرزيت لدراسة الصحافة العلوم السياسية " على هذا النحو تشرع ابنة الرابعة والعشرين أو الفائزة بالترتيب الثالث من النسخة الأولى لجائزة الصحافيين الشباب التي أطلقتها مؤسسة عبد المحسن القطان، العام 2002، بنسج حكايتها .
هموم خريجة
استنزفت أحلام مسعدة بالحصول على وظيفة معظم طاقتها، وتكسرت أمانيها الوردية على عتبات سوق عمل مثقل بالوساطة والمحسوبية والاستغلال لطاقات الخريجين وقدراتهم … وبدأت أعينها تنظر بخوف من عقارب زمن يسير بسرعة، ولا ينتظر أحدا للحاق به …
في دفتر يوميات مسعدة، أو الفتاة التي تختزل حياة شريحة خريجين تتشكل من جيش عملاق، باتت هموم الوظيفة والمستقبل والفرص تشكل " المانشيت " الرئيس لقصص تكرر نفسها كل يوم، ويتضاعف معها مجموع وعود كاذبة بعمل لا رصيد له، وغير قابل للصرف . بدأت منذ العام 2001 أو سنة التخرج التي تحلم بها كل فتاة وشاب،وراحت تتغير عندما قررت ومجموعة من الزميلات والنظراء خوض تجربة الكتابة في الملاحق الصحافية التي تصدرها غير مؤسسة ..
تروي، في حديث قهرت التكنولوجيا والشبكة العنكبوتية للإنترنت عقبات ميلاده الكلاسيكي: بدأت تجربتي الأولى مع مجلة " ينابيع " التي تصدرها جمعية المرأة العاملة للتنمية، ووجدت تشجيعا كبيرا من رئيس تحريرها السابق عدنان داغر، إذ ساعدني في انتقاء المحاور الإعلامية، وراح يعرفني بمجلات وملاحق أخرى .
جدول أعمال
تصف : بدأت عبر ينابيع بممارسة جزء من أحلامي، ورحت أكتب عن المرأة الفلسطينية بمعاناتها وكفاحها وانتصارها لذاتها، والتقيت العديد من أمهات الشهداء الثكلى، وتلك اللواتي ينتظرن شفاء فلذات أكبادهن وتحررهم من أسرة الشفاء وكراسي الإعاقة،أو التحرر من قضبان أسر تقتطع حريتهم، وقابلت أسيرات محررات وسياسيات ومكافحات انتصرت على عوائق الحياة الذكورية ، وأثبتن مقدرتهن على التحدي والانتصار، وبحثت عن أخريات ناضلن وحملن هموم قضيتنا و سرن معها، متناسيات أنوثتهن والحواجز المصطنعة و " نقاط التمييز " التي ينصبها كثر في مجتمعنا .
تسترسل : كان للفقراء صدى كبيرا في ذاتي، ففتشت عن هؤلاء الذين تركتهم ظروف الحصار والعدوان بلا أمل، ودافعت عن العاملات في مجتمعنا الذي ينكر على حواء حقها واختيارها الحر، مثلما انسابت مشاعري مع أسر الشهداء و الأسرى خلال أيام الاجتياح الإسرائيلي لرام الله في نيسان 2002، وتأثرت بتوسلات الأطفال وصرخات الأمهات .
انتقلت مسعدة من ينابيع التي رفدتها بهموم ولآمال تدفقت للقراء، إلى " صوت النساء " الصحيفة نصف الشهرية التي تعنى بقضايا المجتمع وتعد منبرا للفلسطينيات، و " البيدر " الملحق التنموي الذي يرى النور عن برنامج دراسات التنمية المنبثق عن جامعة بيرزيت، وفتشت عن متديات أخرى، حتى وصلت إلى " بلسم " المجلة الصحية الشهرية لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، ومجلة " صوت الوطن " .
لا زالت عثمان تتذكر جيدا التجربة المؤثرة التي عمدت لخوضها ومجموعة من الخريجين، حينما أصدروا مجلة تعنى بالشباب وتضع الإصبع على جراحاتهم وتداعب آمالهم، غير أن الشق المادي و الاستغلال المؤسسي و المعنوي تسلل إلى الجهة الممولة " منظمة أصدقاء بلا حدود " لتقرر " وأد " مجلة " شباب جدا " بعدد يتيم لم يتكرر .
في أجندة مسعدة عثمان الصحافية الطموحة والمغمورة، تحظى قضايا المرأة بحصة الأسد من الاهتمام والمتابعة، لكن ذلك لا يعني برأيها أنها تتناسى النصف الآخر من المجتمع، فهي عاشقة لكتابة التحقيقات الصحافية، وكشف قضايا التلاعب والفساد والوساطة أو المرض العضال الذي يطارد الخريجين .
تنقلت مسعدة بين تحقيقات واكبت جرائم الأحداث وعمالتهم، وأدخلت قلمها لعالم السيارات المسروقة وغير القانونية، وفقدان السائقين لأخلاقيات المهنة كحال التراخيص و"بوليصات" التأمين، مثلما تحدثت كتاباتها عن الفساد المستشري في بعض المستشفيات والمؤسسات .
قدرات نسوية
نطرح عليها تساؤلا برائحة " جندرية " عن الأقدر برأيها في الكتابة بإحساس مرهف من بين النساء والرجال، فتأتينا الإجابة : المرأة قادرة على الكتابة بأسلوب يفوق الرجل، عندما تشير لقضايا حواء، أو ترسم صورا لمعاناة إنسانية، لأنها تتأثر بشكل أكبر، وتمتلك قدرة على محاكاة الوتر العاطفي و الإنساني، الذي يؤثر على القراء، ويجعلها في نهاية المطاف ترسم مشهدا أكثر إنسانية و تأثيرا، و كأنها تقول :إذا ما كتبت بإحساسك فإنك تستحق الحياة.
تسعى عثمان للكتابة النوعية، وتسقط من حساباتها الاهتمام بالكم، فلا تجري وراء أي دورية صحافية تتاح لها فرصة الوصول إليها، وما يهمها الحديث عن الجديد والمهم و المؤثر، بعيدا عن أضواء الشهرة أو بريق المال ….
" دفعتني الرغبة الدائمة في التنافس، وإثبات الذات للمشاركة في جائزة الصحافيين الشباب التي أطلقت مؤسسة عبد المحسن القطان أول نسخها العام 2002، وحصلت على المرتبة الثالثة ما منحني دفعة معنوية، وأثبت لنفسي ولغيري أنه بمقدوري ممارسة المهنة بتفوق، والجائزة أيضا تقييم للذات ومقارنة مع الصحافيين الشباب من أبناء جيلي، ودفعه إلى الأمام و إضافة مهنية للكاتب وتقديرا لمكانته " على هذا النحو تشرع مسعدة ثانية في الحديث عن سر تنافسها على جائزة القطان للصحافيين الشباب .
تضيف : جاءت مشاركتي بعشر قصص صحافية إنسانية وتقارير صحافية، ولا زلت أتذكر بقوة تلك القصة المؤثرة التي نسجتها عن الشهيد مراد عوايصة الذي تعرض لفظائع إنسانية قبل قتله، إذ شوه جسده بأدوات حادة، ومزقت ملابسه ونزعت عن جسده، وألقي بجانب حاوية للقمامة في منتصف إحدى الطرقات، ولا أنسى أيضا حكاية لجوء أم موسى والدروب التي سلكتها مع أبنائها، مثلما أتخيل دوما قصة الشهيدة رفيدة التي تركت ولدها رضيعا، وحادثة الانفجار المؤلم لقنبلة من مخلفات الاحتلال " وأدت " حياة شابين من مخيم الأمعري، وتحدثت عن طلبة جامعة بيرزيت و أساتذتها وتحديهم لواقع الاحتلال والحصار .
توقعت عثمان الفوز، فهي التي أنفقت وقتا طويلا في اختيار نصوصها وكتبتها بلغة قوية، وتحرت مصداقية ما ورد فيها وثابرت لتطوير نفسها صحافيا . ولم تشعر بالتمييز ضدها في الجائزة، مثلما تملكها الشعور بالثقة، فهي ورغم تجربتها القصيرة وطبيعة عملها المتواضع، اجتهدت وثابرت واعتقدت أن مساحة الفرح والفوز سيشملانها، ولن تجافيها خطوط العرض والطول أو تلقي بها في "منطقة محايدة "للنجاح .
نسأل مسعدة مجددا عن أهمية الفوز، وهل هو لشخصها أم لنصوصها وللأمكنة والأبطال التي عالجتها، فتقول : كان الفوز متقاطعا بيني وبين الشخوص الذين اخترتهم والنصوص التي خطيتها وتفاعلت معها، فكل منهما ساهم في نجاحي، وترجمت مشاعري لكلمات استخدمت لغة قوية وصفية معبرة .
انحياز للتحقيق
تعشق مسعدة وتنحاز للتحقيق الصحافي، فهو المتعة وفق وصفها، لكنها تصطدم أحيانا بأفواه مقفلة ولوائح متيبسة و قوانين بائدة، تمنعها العمل بحرية، والتفاعل مع الحقيقة وإيصالها للقراء . ومنعت، كما تقول، من اللقاء بمسؤولين في الحقل الصحي، "، وترى أن غياب التشجيع المادي والمعنوي لمثل هذا الفن يبعد الصحافيين عنه، لأنه بحاجة لمال ووقت وجهد …
لا زالت مشاهد أحد جرحى الانتفاضة تطرق " جدران ذاكرة" عثمان، لأنها من أصعب المواقف التي مرت بها خلال عملها، إذ تمثل في أعماق مشاهد الانفجار الذي شوه جسد شاب جعله بجوه محترق وأقدام متسلخة و أحشاء خرجت من مكانها، ودم تجمد على فراشه .
فيما تؤثر عليها بدرجة أقل تفاصيل العائلة الفلسطينية التي شاهدت أطفالها هياكل عظمية بفعل الجوع، فيما ملابسهم رثه كمنزلهم المهترء أيضا .
"أعرف الصحافة على أنها فن نقل معاناة الآخر، وتلميع الحقيقة وإظهارها، ومهنة الكشف عن الفساد والتلاعب الإداري" ..هكذا تقول مسعدة وتتابع " أحلم في متابعة عملي الصحافي في المجلات والملاحق المحلية، مهما بلغت من الشهرة أو المهنية، أطمح في الوصول إلى منابر عربية وأجنبية، لأن ذلك سيضاعف حجم القراء، ليتحولوا إلى " شاهد ملك " على معاناتنا ووحشية احتلالنا"، لكن أحلامها المشروعة سرعان ما تخضع لحواجز المصالح والاحتكارات والمادة، فتظل بلا إنعتاق .
تنتظر اليوم مولودها الأول، الذي لن يمنعها كما زواجها من تأدية رسالتها الإعلامية، وتقول إنها تتلقى التشجيع من شريك حياتها خريج كلية الحقوق الجديد . وتسدل الستار على حديثها بالإجابة على استفسارنا حول الاعتيادية التي قد تجعل الحديث عن الألم والمعاناة نوعا من الترف، فتقول : الألم لا يصبح ترفا، مهما كان حاله، فكيف إن كان ألما فلسطينيا، فمن المستحيل أن نتحول لآلات تنقل الألم أو أقلاما تخط أوصافا له دون الشعور به، فهو الذي يظهر كل مره وكأنه أول مرة، ولان الاحتلال يتفنن بابتداعه ويسعى لممارسته، فكيف لنا أن لا نشعر بوجعنا .
نقفل ملفنا ونحيله إلى صفاء أو الطالبة الجامعية التي أسرها الفرح وهي تقرأ عدد الجمعة من صحيفة " الأيام " التي أشارت لحصول مسعدة على جائزة القطان .
تقول صفاء : عرفت من متابعتي أن مؤسسة عبد المحسن القطان رأت النور العام 1994 في المملكة المتحدة، كمؤسسة خيرية تنموية، انتقلت لفلسطين العام 1998، وسعت لصناعة تنمية ثقافية وتربوية وعلمية، وتقوم عائلة القطان بتمويل المؤسسة كون السيد عبد المحسن وعقيلته ليلى، المهجران من وطنهما يافا عروس البحر المتوسط عملا في مستهل حياتهما في دنيا التربية والتعليم.