عبد الباسط خلف
16-08-2005, 07:17 PM
جنين : عبد الباسط خلف
تحفل الذاكرة الفلسطينية بعديد الجراح والمحطات المرة ، التي تضيف لأيامنا نكهة خاصة شهدها علقم … تتدفق " ينابيع " في هذه السطور بسيل من ذكريات نسوية تجهد بعنف للحفاظ على ذاكرتنا ، وتجعلها عصية على النسيان وأقوى من التحلل … فحينما تروي أم عادل عن نكبتها ، وتشاركها الحاجة فاطمة الشعور ذاته مثلما تأتي أم ماهر للإضافة ، وتسترسل أم هشام برسم المشهد المؤلم ، وتسترد أم زيدان ذاكرتها ، فكلهن وقتئذ يقدمن شهادات تؤرخ لذاكرة تتصارع عليها الأحزان …
لجوء " ملكي "
وقفت العجوز أم عادل بقامتها التي حنتها الأيام جنبا إلى جنب مع حفيدتها آية ، أمام أحد مراكز توزيع المساعدات والمؤن ، في ساحة مخيم جنين ، الذي شهد في نيسان من العام الفائت "زلزالا " تردد صداه في كل الأرجاء ……. لم يكن المشهد إلا محطة لإعادة إحياء ذكرى عتيقة بات عمرها اليوم 55 عاما " والحبل على الجرار " كما تقول . عندما وقفت مع والدتها ، وهي بعمر الحفيدة آية ، بانتظار الحصول على خيمة ومساعدات بعد أن ضرب الزلزال الكبير فلسطين بنكبة العام 1948 ، وحين اقتلعوا من مسقط رأسهم ، في المزار ، القرية التي كانت جاثمة في الشمال الشرقي من جنين ، على امتداد مساحة 14,5 ألف دونما ، وكان يعشقها 270 مواطنا قبل ثلاث سنوات من النكبة الكبرى .
نكبتان أو أكثر
واليوم تكون أم عادل قد عاشت نكبتين أو أكثر ، فلم يسلم مسقط رأسها من التدمير مثلما أتت النكبة من جديد لتنال من مسقط رأس حفيدتها الصغيرة وسط أزقة مخيم جنين .
" أنهم يطاردوننا حتى على مخيم ، لقد عشت نكبتنا الأولى وأنا في عمر آيه ، وهجرنا من بلدتنا ، وطردونا من أرضنا ، لكنهم جاءوا مرة أخرى ليدفنونا ونحن أحياء " بهذه الروح تنثر أم عادل ومعها تجاعيد وجهها آلاما تندرج على نحو 62 بالمائة من أبناء شعبنا ، الذين يعيشون غرباء في أصقاع الأرض ، بعد أن سلب وطنهم.
تبدي أم عادل حزنا بالغا على ما سمعته من أنباء استشهاد ثلاثة أشقاء معا ، واعتقال رابعهم ،في حي الشجاعية بغزة خلال توغل الاحتلال أول أيار الفائت.
تقول : شعرت أن محمود و يوسف وأيمن أبو هين أولادي ، وبكيت عليهم ، لأننا نحن الأمهات نعرف معنى أن نخسر ولدا ربيناه طويلا ، فكيف يكون الحال عندما تفقد أما ثلاثة أبناء معا .
تعود لوصف ما حل بقريتها ، حينما تسللت أنباء للأهالي بأن اليهود أخذوا يقتربون من البلدة ، وبعد توالي سقوط أكثر من500 قرية ومدينة ، خسرت أم عادل بلدتها التي كانت تحتضن قبور شهداء معركة عين جالوت .
تسترد أجزاء من ذكرياتها و أسماء لقرى مجاورة فتقول : من القرى التي كانت بجوارنا ، زرعين واللجون ونورس ، ولا زلت أتذكر عين الماء القريبة من زرعين ، حيث كنا نزرع ونلهو .
و تبعا لتقديرات فلسطينية فان عدد لاجئي 1948 و نازحي 1967 ، يقترب من سته ملايين ، يغتربون في 132 بلدا ، 42 بالمائة منهم ، في دول الجوار المحيطة بأرضهم المغتصبة ، فيما 46 بالمائة يقيمون في مخيمات الوطن بين جناحي الضفة الشمالي وغزة الجنوبي .
تعلق أم عادل : لا أحد في الدنيا يعيش مثلنا ، فنحن كل واحد في بلد "
وكانت منظمة العفو الدولية " أمنستي " قد أصدرت العام 2001 ، وثيقة حول حق العودة للاجئين الفلسطينيين ، وعجز المجتمع الدولي من توفير ضمانات حقيقية لإجبار أسرائيل على تنفيذ صيغة " حق العودة " عدا عن تنكر حكومات إسرائيل كلها لحق عودة اللاجئين لديارهم ورفضها الاعتراف بالقرارات الدولية الحالية .
لكن أم إبراهيم تقول في قرارة نفسها : قد يستطيعون سرقة أرضنا ، وتحويل أسماء بلادنا ، لكننا لن ننسى طردنا من بيوتنا وقرانا الأصلية .
كادت تفقد رضيعها!
استجمعت الحاجة فاطمة من إحدى قرى جنين ذاكرتها العتيقة لتروي حكاية مغايرة للنكبة ، تقول وهي تستند لعكازها : كنت أما لطفلين ، فحملت أحدهم فيما حمل زوجي الآخر ، إلا أنني ومن الرعب والزحمة كدت أن أفقد رضيعي ، بعد أن أجبرت على التوقف والجلوس ليلا من الإعياء ، لكنني سرعان ما فقدت السيطرة على نفسي على نفسي ، ولم أعرف ما الذي حل بي .
تضيف في النهاية : لم أعرف أين رضيعي ، ورحت أبحث عنه في أحد الكهوف حيث تجمع المنكوبين ، لأكتشف بأن إحدى جاراتنا تعرفت عليه، اصطحبته وبدأت بالبحث عني .
تربط الطالبة الجامعية حنين ، عندما علمت بالقصة بين ما سمعته وما شاهدته في أحد الأفلام التي أرخت للنكبة بالاستناد لرواية الأديب الكبير غسان كنفاني "عائد إلى حيفا " ، حين تضطر الأم الخروج من منزلها باحثة عن زوجها الطبيب ، بعد أن سقطت المدينة ، تاركة رضيعها في المنزل ، ورافضة دعوة الجيران للنزوح والبحث عن ملاذ آمن . لكنه في النهاية تخسر زوجها الذي يقتل أمام ناظريها ، قبل أن تقضي نحبها ، ويصبح الرضيع وحيدا في مهده ، ليستولي عليه المغتصبون ……
نكبة بين ضفتي النهر
أستعين بمذكراتي للعام 2000 ، وفي الذكرى 52 للنكبة لأستعيد رسم مشهد مثل أمامي لم تغيره الأيام ، فأم ماهر العجوز الفلسطينية بزيها التقليدي المتشح بالسواد و بذاكرتها الحية ، تعيش بعيدا عن مسقط رأسها في اللد ، إذ اضطرت العائلة ذات الولدين و الثلاث بنات للمرور في رحلة شقاء ، وكعائلة تندرج على حال آلاف ، مرت أم ماهر بثنائية ترحال معذبة الأولى داخل الوطن ، والثانية خارجه .
تعود لنا بذكرياتها العتيقة لتروي : " لم أذق طعم السعادة في حياتي "، وتستذكر مشوار عمرها البائس ، فعام 67 استأثرت العائلة النزوح من رام الله لشرقي النهر ، لتكرر السيناريو ذاته الذي واكب الاقتلاع من جذرها اللداوي العام 48 .
كادت العائلة من الهلع و الشائعات تترك الحفيدة ذات الأربع أشهر " سميرة " في رام الله ، لولا القدر والعمة سعده ، التي تعرفت على ابنة أخيها وحملتها ، واجتازت بها النهر الذي يطول بامتداد الـ 253 كيلومترا ، ليخفي الكثير من الأحزان ، ويذكر بما شاع من مقولات حول نهر الأردن الذي يفوق تاريخه مياهه.
تقول الأم : مات الزوج ورفيق الدرب بعد شهرين من النزوح للأردن ، وكبرت العائلة ، إلا أن حزنها كان الأسرع ، وجمعتنا بها الصدفة في عمان ، وكررت لنا جملة تركت إيقاعاتها الحزينة في نفوسنا :" نفسي قبل ما أموت ، أزور دارنا في اللد " أمنية متواضعة لم يذهبها العيش في أرقى أحياء العاصمة .
طفولة مغايرة
قبل انتصاف نهار قائظ ، أخذ أطفال مخيم جنين " يعيدون انتشارهم " من المدرسة إلى البيت ، وأمل الطفلة ذات السنوات العشر ، كانت واحدة من بين هؤلاء ،لكنها تحولت لفتاه أكبر من عمرها ، فهي تجيب نيابة عن والدتها مل من يسأل عن والدها الأسير .
تعيد أمل روي حكاية مختلفة ، شهدتها أروقة أزقة مخيمها " هنا قتلوا الدكتور خليل سليمان الذي حاول إنقاذ طفلة صغيرة ، أطلقوا قنابل حارقة على سيارة الإسعاف وأحترق جسده ، من هناك أخذ الجنود يتفرجون على المنظر المؤلم ، ويمنعون أي أحد من مساعدته حتى قضى حرقا " بهذا الوصف تقدم أمل صورة لما حدث في آذار 2002 عندما أحترق د. سليمان ولم يبق منه غير جمجمته السوداء .
تنتقل أمل لروي حكاية جمال الفايد 38 عاما ، محمد سلامه 25 عاما ، وهما معاقين لم تشفع لهما أوضاعهما الصحية من الموت ، فالفايد " هدموا المنزل فوق رأسه ، ولم يستطع أن يحرك ساكنا ، وسلامه : لم يكن يعرف أن الرصاص سينال من جسده ، رغم أنه لا يدرك أي شيء يدور حوله .
تشكل ريم جمال ،15 عاما ، انعطافه ما في علاقة الطفولة باللجوء ، فقد عمدت خلال "زلزال المخيم" في نيسان الدم 2002 على أرشفة وتدوين يوميات الموت ، إذ سجلت كل ما سمعته وشاهدته بدءا من الثالث من نيسان وحتى العاشر منه .
يعلق أحمد : أننا هنا نستذكر كل ما حل بنا من العام 1948 ، وحتى اللحظة ، ولن نضعف لأن الإرادة لا دم لها ولا جسد ، وبالتالي لا يمكن قتلها ، وسنرجع يوما هناك ، حيث البحر لا الخيمة .
صيانة الذاكرة
وسط المخيم الذي تحولت أزقته الضيقة وبيوته المتلاصقة لميدان ، بفعل فظاعات المحتل ، تجمع مئات الأهلي قبل أيام من ذكرى نكبتهم محتجين على مماطلة "الأنروا " والجهات المسؤولة في إعادة بناء منازلهم المهدمة ، لصيانة ذاكرة محنتهم .
وليس غريبا أن يكون بين أولئك أطفال ونساء ، كحال أم محمد و أنجالها و أحفادها ، وكأنها تقول : هانحن نتوارث المعاناة .
تروي ما تخشاه حفيدتها الصغيرة من أن تتكرر بهم مأساة عائلة المواطن محروس حنيدق في خانيونس الذي قلص القصف الإسرائيلي عدد أعضاء أسرته من أحد عشر إلى ثلاثة ، بعد أن غادروا منزلهم بحثا عن خيمة آمنة ، فاحترقوا فيها .
لا زالت حفيدة الصغيرة تتذكر بعض تفاصيل ما حل بعائلة حنيدق التي احترقت في خيمة بعد أن أشعلت الصغيرة تركية ، خمسة أعوام ، خلال رحلة البحث عن شربة ماء ،.لكنها بعد أن روت عطشها تركت الشمعة مشتعلة ، لتشكل حريقا أودى بحياة معظم أفراد العائلة ، الوالدين و الأبناء :ناصر ( 3 سنوات ) ، وتركية ( 5 سنوات ) ، وفادي ( 6 أعوام ) ، و سفيان ( أبن الربيع السابع ) ، و حسن ( 9 سنوات ) ، و محمد (16 عاما )
تقول الجدة أم محمد : نتناسى همومنا ونتضامن مع غيرنا ، حينما نشاهد مآسيهم .
تصف إيمان محمود كل أيام المخيم بذكريات للنكبة على مدار العام ، ولا تنحصر في يوم النكبة قبل 55 عاما . ففي السنتين الأخيرتين ، بحسب إيمان ، وبدءا من آذار 2002 ، أصبح المخيم مسرحا لجرائم ومجازر واقتحامات بشكل دوري ، ولا يكاد يمر أسبوع إلا ونستيقظ على أصوات التدمير والقتل والرصاص .
تسدل الستار على حديثه : رغم كل الموت بقي المخيم بأزقته وخيامه وأكوام الدمار فيه ……
نطوي سنة أخرى لنكبتنا ، فيما تتكرر محنتنا في العراق ، التي عاد اللاجئون فيه للخيام مرة أخرى بعد سقوط نظام صدام حسين، والفوضى العارمة التي شهدتها بغداد . ليذكرنا مشهد العجوز التي يساعدها صبي على المسير داخل مخيم طالما لازمنا وكأنه يطاردنا للأبد……
الأمهات يتذكرن
قريبا من ذكرى النكبة تطل النكسة علينا ، لتجعل صيفنا مرا " ، على هذا النحو المقتضب ، اختزلت " سيدة روحي " المولودة في حيفا ، ذكرياتها التي تصارعت عليها الويلات اللصيقة بنا .
تؤرخ ، وكأن زيها التقليدي ينطق أيضا ، ليوم ولادتها فتقول : أخبرتني أمي رحمها الله ، أنني ولدت في أيام ثورة العام 36 ، وقبل أسبوع واحد من استشهاد الشيخ عز الدين القسام في أحراش يعبد غرب جنين ، واليوم تكمل والدتي 67 عاما ، ليكون حتى عمرها مثل الرقم الذي لا تطيق سماعه ، عدى عن قرينه 48 "
تسترد أجزاء من ذكرياتها ، فقبل أسبوع من النكسة ، قدم أربعة جنود أردنيين إلى منطقة مرج ابن عامر التي تجثم مدينة جنين على أطرافه ، واستبدلوا زيهم العسكري بلباس المزارعين وكوفياتهم ، واختفوا … وبعد ساعتين ونصف ، حينما كنا منهمكين في الحصاد ، رأينا الناس يتراكضون باتجاه جنين من منطقة مقيبلة القرية الفلسطينية التي كانت تابعة لجنين ، قبل أن تصبح العلامة البارزة لما أطلق عليه " الخط الأخضر "
تروي أم هشام التي تقطن إحدى قرى جنين : لا زال المشهد ماثلا أمامي ، الشارع مليء بالناس الخائفين الذين أخذوا يتراكضون باتجاه مناطق أكثر أمنا ، في وقت كانت الشائعات تستشري " كالنار فبي الهشيم " …. البعض يقول : هذه القوات المصرية ، تقصف إسرائيل ، فيما ذهب آخرون لأبعد من ذلك ، معتقدين أن الذي يشاهدوه جيشا جزائريا ، جاء لنجدتهم !
مسرحية الضياع
لا زالت أم هشام تستذكر جيدا حال العجوز الستينية آنذاك ، أم كامل ، التي أطلقت زغرودة لفرح حينما رأت جحافل جيش الاحتلال ظننا منها أنه الجيش العربي القادم لتقديم طوق نجاة لقات الحرس الوطني التي كانت تقوم بحسب ، أبي محمد 76 عامل بمسرحية رسمتها له سلطات عليا ، فهو كأحد أفراد هذه القوات كان مطالبا بإلقاء القبض على المحتلين أو المهاجمين ، مع عدم إطلاق النار عليهم ، حتى أن أسلحتهم الرثة ، كانت كالعصي ، فذخائرها قد أصابها التلف ، في وقت كانت كل مجموعة تتكون من 4-6 رجال ، أحدهم يحمل سلاحا إنجليزيا عفى عليه الزمن .
يضيف : ما أن أنطلق العدوان الأمريكي على العراق ، إلا واعتقدنا أننا سنعيش حربا طويلة تختلف عن الأيام الستة ، إلا أننا ، وكما يقول ، و استنادا لإحدى رسوم الكاريكاتير ، أصبنا بفقسة ، عندما شاهدنا " نمرا من ورق " يتهاوى كالخيال .
نكبة ونكسة وذكريات
تستعيد أم هاشم حديثها لتقول أفقدتنا النكبة بلدتنا الأم ، خبيزة القرية الواقعة إلى الحنوب الشرقي من حيفا ، وعلى بعد 39 كم منها ، بلغت مساحة أراضيها المسلوبة حوالي 2.4 ألف دونما ، و انشأ المحتلون عليها قرية زراعية " كيبوتس" أطلقوا عليه " إيفين يتسحاق " عام 54 بلغ عدد عشاقها مائة وأربعين نسمة ارتفعوا لـ 209 عام 45 .
تضيف : وجاءت النكسة لتقسم عائلتنا إلى قسمين ، فثلاثة من أشقائي رحلوا قسرا ، فيما أخي الرابع وأنا وأختي مكثنا هنا .
تحفظ أم هاشم وحتى اليوم ، عن ظهر قلب الكثير من أسماء القرى المدمرة في قضاء حيفا عام 48 ، تماما كاحتفاظها بتفاصيل النكسة وتشريد الكثيرين إلى الأردن وسواها .
يضيف ولدها محمد : لا تفترق النكبة عن النكسة إلا في حرفي الباء والسين ، وقد تضطر لاختراع مسمى ثالث يعبر لا قدر الله عن مأساة إضافية .
تقول : هناك في " عين حوض " أقاموا مستوطنة " عين هود " التي بحسب نجلها قرية للفنانين اليهود ، فيما سرق المحتلون حتى اسم قرية عين غزال التي كانت جنوب حيفا وحولوها ل " موشاف عين إيالا " .
تسترد أسماء لقرى أخرى : كحال قنير وقاقون والمزار أو بلد الشيخ يحيى ، وعين المنسي والسنديانة و الدامون وطيرة اللوز والطنطورة ، البلدة التي ارتبط اسمها بمذبحة كشف النقاب عنها أكاديمي إسرائيلي جرد من درجته العلمية كونه توصل لاستنتاج ارتكاب قوات الاحتلال لمجزرة في القرية الجاثمة في الشطر الجنوبي لحيفا .
تطوي "ينابيع " ملفاتها ، لكن الذكريات تظل أكبر من أن تختزل بقصة صحافية ، أو مشهد متجدد لا زال يعيد للأذهان أن أيامنا تصارعنا عليها الويلات المتلاحقة كل لحظة ، لتغتال البسمة من وجوهنا ، ولتكبل أيدينا التي تحاول الدق على "جدار الخزان " دون جدوى ……
تحفل الذاكرة الفلسطينية بعديد الجراح والمحطات المرة ، التي تضيف لأيامنا نكهة خاصة شهدها علقم … تتدفق " ينابيع " في هذه السطور بسيل من ذكريات نسوية تجهد بعنف للحفاظ على ذاكرتنا ، وتجعلها عصية على النسيان وأقوى من التحلل … فحينما تروي أم عادل عن نكبتها ، وتشاركها الحاجة فاطمة الشعور ذاته مثلما تأتي أم ماهر للإضافة ، وتسترسل أم هشام برسم المشهد المؤلم ، وتسترد أم زيدان ذاكرتها ، فكلهن وقتئذ يقدمن شهادات تؤرخ لذاكرة تتصارع عليها الأحزان …
لجوء " ملكي "
وقفت العجوز أم عادل بقامتها التي حنتها الأيام جنبا إلى جنب مع حفيدتها آية ، أمام أحد مراكز توزيع المساعدات والمؤن ، في ساحة مخيم جنين ، الذي شهد في نيسان من العام الفائت "زلزالا " تردد صداه في كل الأرجاء ……. لم يكن المشهد إلا محطة لإعادة إحياء ذكرى عتيقة بات عمرها اليوم 55 عاما " والحبل على الجرار " كما تقول . عندما وقفت مع والدتها ، وهي بعمر الحفيدة آية ، بانتظار الحصول على خيمة ومساعدات بعد أن ضرب الزلزال الكبير فلسطين بنكبة العام 1948 ، وحين اقتلعوا من مسقط رأسهم ، في المزار ، القرية التي كانت جاثمة في الشمال الشرقي من جنين ، على امتداد مساحة 14,5 ألف دونما ، وكان يعشقها 270 مواطنا قبل ثلاث سنوات من النكبة الكبرى .
نكبتان أو أكثر
واليوم تكون أم عادل قد عاشت نكبتين أو أكثر ، فلم يسلم مسقط رأسها من التدمير مثلما أتت النكبة من جديد لتنال من مسقط رأس حفيدتها الصغيرة وسط أزقة مخيم جنين .
" أنهم يطاردوننا حتى على مخيم ، لقد عشت نكبتنا الأولى وأنا في عمر آيه ، وهجرنا من بلدتنا ، وطردونا من أرضنا ، لكنهم جاءوا مرة أخرى ليدفنونا ونحن أحياء " بهذه الروح تنثر أم عادل ومعها تجاعيد وجهها آلاما تندرج على نحو 62 بالمائة من أبناء شعبنا ، الذين يعيشون غرباء في أصقاع الأرض ، بعد أن سلب وطنهم.
تبدي أم عادل حزنا بالغا على ما سمعته من أنباء استشهاد ثلاثة أشقاء معا ، واعتقال رابعهم ،في حي الشجاعية بغزة خلال توغل الاحتلال أول أيار الفائت.
تقول : شعرت أن محمود و يوسف وأيمن أبو هين أولادي ، وبكيت عليهم ، لأننا نحن الأمهات نعرف معنى أن نخسر ولدا ربيناه طويلا ، فكيف يكون الحال عندما تفقد أما ثلاثة أبناء معا .
تعود لوصف ما حل بقريتها ، حينما تسللت أنباء للأهالي بأن اليهود أخذوا يقتربون من البلدة ، وبعد توالي سقوط أكثر من500 قرية ومدينة ، خسرت أم عادل بلدتها التي كانت تحتضن قبور شهداء معركة عين جالوت .
تسترد أجزاء من ذكرياتها و أسماء لقرى مجاورة فتقول : من القرى التي كانت بجوارنا ، زرعين واللجون ونورس ، ولا زلت أتذكر عين الماء القريبة من زرعين ، حيث كنا نزرع ونلهو .
و تبعا لتقديرات فلسطينية فان عدد لاجئي 1948 و نازحي 1967 ، يقترب من سته ملايين ، يغتربون في 132 بلدا ، 42 بالمائة منهم ، في دول الجوار المحيطة بأرضهم المغتصبة ، فيما 46 بالمائة يقيمون في مخيمات الوطن بين جناحي الضفة الشمالي وغزة الجنوبي .
تعلق أم عادل : لا أحد في الدنيا يعيش مثلنا ، فنحن كل واحد في بلد "
وكانت منظمة العفو الدولية " أمنستي " قد أصدرت العام 2001 ، وثيقة حول حق العودة للاجئين الفلسطينيين ، وعجز المجتمع الدولي من توفير ضمانات حقيقية لإجبار أسرائيل على تنفيذ صيغة " حق العودة " عدا عن تنكر حكومات إسرائيل كلها لحق عودة اللاجئين لديارهم ورفضها الاعتراف بالقرارات الدولية الحالية .
لكن أم إبراهيم تقول في قرارة نفسها : قد يستطيعون سرقة أرضنا ، وتحويل أسماء بلادنا ، لكننا لن ننسى طردنا من بيوتنا وقرانا الأصلية .
كادت تفقد رضيعها!
استجمعت الحاجة فاطمة من إحدى قرى جنين ذاكرتها العتيقة لتروي حكاية مغايرة للنكبة ، تقول وهي تستند لعكازها : كنت أما لطفلين ، فحملت أحدهم فيما حمل زوجي الآخر ، إلا أنني ومن الرعب والزحمة كدت أن أفقد رضيعي ، بعد أن أجبرت على التوقف والجلوس ليلا من الإعياء ، لكنني سرعان ما فقدت السيطرة على نفسي على نفسي ، ولم أعرف ما الذي حل بي .
تضيف في النهاية : لم أعرف أين رضيعي ، ورحت أبحث عنه في أحد الكهوف حيث تجمع المنكوبين ، لأكتشف بأن إحدى جاراتنا تعرفت عليه، اصطحبته وبدأت بالبحث عني .
تربط الطالبة الجامعية حنين ، عندما علمت بالقصة بين ما سمعته وما شاهدته في أحد الأفلام التي أرخت للنكبة بالاستناد لرواية الأديب الكبير غسان كنفاني "عائد إلى حيفا " ، حين تضطر الأم الخروج من منزلها باحثة عن زوجها الطبيب ، بعد أن سقطت المدينة ، تاركة رضيعها في المنزل ، ورافضة دعوة الجيران للنزوح والبحث عن ملاذ آمن . لكنه في النهاية تخسر زوجها الذي يقتل أمام ناظريها ، قبل أن تقضي نحبها ، ويصبح الرضيع وحيدا في مهده ، ليستولي عليه المغتصبون ……
نكبة بين ضفتي النهر
أستعين بمذكراتي للعام 2000 ، وفي الذكرى 52 للنكبة لأستعيد رسم مشهد مثل أمامي لم تغيره الأيام ، فأم ماهر العجوز الفلسطينية بزيها التقليدي المتشح بالسواد و بذاكرتها الحية ، تعيش بعيدا عن مسقط رأسها في اللد ، إذ اضطرت العائلة ذات الولدين و الثلاث بنات للمرور في رحلة شقاء ، وكعائلة تندرج على حال آلاف ، مرت أم ماهر بثنائية ترحال معذبة الأولى داخل الوطن ، والثانية خارجه .
تعود لنا بذكرياتها العتيقة لتروي : " لم أذق طعم السعادة في حياتي "، وتستذكر مشوار عمرها البائس ، فعام 67 استأثرت العائلة النزوح من رام الله لشرقي النهر ، لتكرر السيناريو ذاته الذي واكب الاقتلاع من جذرها اللداوي العام 48 .
كادت العائلة من الهلع و الشائعات تترك الحفيدة ذات الأربع أشهر " سميرة " في رام الله ، لولا القدر والعمة سعده ، التي تعرفت على ابنة أخيها وحملتها ، واجتازت بها النهر الذي يطول بامتداد الـ 253 كيلومترا ، ليخفي الكثير من الأحزان ، ويذكر بما شاع من مقولات حول نهر الأردن الذي يفوق تاريخه مياهه.
تقول الأم : مات الزوج ورفيق الدرب بعد شهرين من النزوح للأردن ، وكبرت العائلة ، إلا أن حزنها كان الأسرع ، وجمعتنا بها الصدفة في عمان ، وكررت لنا جملة تركت إيقاعاتها الحزينة في نفوسنا :" نفسي قبل ما أموت ، أزور دارنا في اللد " أمنية متواضعة لم يذهبها العيش في أرقى أحياء العاصمة .
طفولة مغايرة
قبل انتصاف نهار قائظ ، أخذ أطفال مخيم جنين " يعيدون انتشارهم " من المدرسة إلى البيت ، وأمل الطفلة ذات السنوات العشر ، كانت واحدة من بين هؤلاء ،لكنها تحولت لفتاه أكبر من عمرها ، فهي تجيب نيابة عن والدتها مل من يسأل عن والدها الأسير .
تعيد أمل روي حكاية مختلفة ، شهدتها أروقة أزقة مخيمها " هنا قتلوا الدكتور خليل سليمان الذي حاول إنقاذ طفلة صغيرة ، أطلقوا قنابل حارقة على سيارة الإسعاف وأحترق جسده ، من هناك أخذ الجنود يتفرجون على المنظر المؤلم ، ويمنعون أي أحد من مساعدته حتى قضى حرقا " بهذا الوصف تقدم أمل صورة لما حدث في آذار 2002 عندما أحترق د. سليمان ولم يبق منه غير جمجمته السوداء .
تنتقل أمل لروي حكاية جمال الفايد 38 عاما ، محمد سلامه 25 عاما ، وهما معاقين لم تشفع لهما أوضاعهما الصحية من الموت ، فالفايد " هدموا المنزل فوق رأسه ، ولم يستطع أن يحرك ساكنا ، وسلامه : لم يكن يعرف أن الرصاص سينال من جسده ، رغم أنه لا يدرك أي شيء يدور حوله .
تشكل ريم جمال ،15 عاما ، انعطافه ما في علاقة الطفولة باللجوء ، فقد عمدت خلال "زلزال المخيم" في نيسان الدم 2002 على أرشفة وتدوين يوميات الموت ، إذ سجلت كل ما سمعته وشاهدته بدءا من الثالث من نيسان وحتى العاشر منه .
يعلق أحمد : أننا هنا نستذكر كل ما حل بنا من العام 1948 ، وحتى اللحظة ، ولن نضعف لأن الإرادة لا دم لها ولا جسد ، وبالتالي لا يمكن قتلها ، وسنرجع يوما هناك ، حيث البحر لا الخيمة .
صيانة الذاكرة
وسط المخيم الذي تحولت أزقته الضيقة وبيوته المتلاصقة لميدان ، بفعل فظاعات المحتل ، تجمع مئات الأهلي قبل أيام من ذكرى نكبتهم محتجين على مماطلة "الأنروا " والجهات المسؤولة في إعادة بناء منازلهم المهدمة ، لصيانة ذاكرة محنتهم .
وليس غريبا أن يكون بين أولئك أطفال ونساء ، كحال أم محمد و أنجالها و أحفادها ، وكأنها تقول : هانحن نتوارث المعاناة .
تروي ما تخشاه حفيدتها الصغيرة من أن تتكرر بهم مأساة عائلة المواطن محروس حنيدق في خانيونس الذي قلص القصف الإسرائيلي عدد أعضاء أسرته من أحد عشر إلى ثلاثة ، بعد أن غادروا منزلهم بحثا عن خيمة آمنة ، فاحترقوا فيها .
لا زالت حفيدة الصغيرة تتذكر بعض تفاصيل ما حل بعائلة حنيدق التي احترقت في خيمة بعد أن أشعلت الصغيرة تركية ، خمسة أعوام ، خلال رحلة البحث عن شربة ماء ،.لكنها بعد أن روت عطشها تركت الشمعة مشتعلة ، لتشكل حريقا أودى بحياة معظم أفراد العائلة ، الوالدين و الأبناء :ناصر ( 3 سنوات ) ، وتركية ( 5 سنوات ) ، وفادي ( 6 أعوام ) ، و سفيان ( أبن الربيع السابع ) ، و حسن ( 9 سنوات ) ، و محمد (16 عاما )
تقول الجدة أم محمد : نتناسى همومنا ونتضامن مع غيرنا ، حينما نشاهد مآسيهم .
تصف إيمان محمود كل أيام المخيم بذكريات للنكبة على مدار العام ، ولا تنحصر في يوم النكبة قبل 55 عاما . ففي السنتين الأخيرتين ، بحسب إيمان ، وبدءا من آذار 2002 ، أصبح المخيم مسرحا لجرائم ومجازر واقتحامات بشكل دوري ، ولا يكاد يمر أسبوع إلا ونستيقظ على أصوات التدمير والقتل والرصاص .
تسدل الستار على حديثه : رغم كل الموت بقي المخيم بأزقته وخيامه وأكوام الدمار فيه ……
نطوي سنة أخرى لنكبتنا ، فيما تتكرر محنتنا في العراق ، التي عاد اللاجئون فيه للخيام مرة أخرى بعد سقوط نظام صدام حسين، والفوضى العارمة التي شهدتها بغداد . ليذكرنا مشهد العجوز التي يساعدها صبي على المسير داخل مخيم طالما لازمنا وكأنه يطاردنا للأبد……
الأمهات يتذكرن
قريبا من ذكرى النكبة تطل النكسة علينا ، لتجعل صيفنا مرا " ، على هذا النحو المقتضب ، اختزلت " سيدة روحي " المولودة في حيفا ، ذكرياتها التي تصارعت عليها الويلات اللصيقة بنا .
تؤرخ ، وكأن زيها التقليدي ينطق أيضا ، ليوم ولادتها فتقول : أخبرتني أمي رحمها الله ، أنني ولدت في أيام ثورة العام 36 ، وقبل أسبوع واحد من استشهاد الشيخ عز الدين القسام في أحراش يعبد غرب جنين ، واليوم تكمل والدتي 67 عاما ، ليكون حتى عمرها مثل الرقم الذي لا تطيق سماعه ، عدى عن قرينه 48 "
تسترد أجزاء من ذكرياتها ، فقبل أسبوع من النكسة ، قدم أربعة جنود أردنيين إلى منطقة مرج ابن عامر التي تجثم مدينة جنين على أطرافه ، واستبدلوا زيهم العسكري بلباس المزارعين وكوفياتهم ، واختفوا … وبعد ساعتين ونصف ، حينما كنا منهمكين في الحصاد ، رأينا الناس يتراكضون باتجاه جنين من منطقة مقيبلة القرية الفلسطينية التي كانت تابعة لجنين ، قبل أن تصبح العلامة البارزة لما أطلق عليه " الخط الأخضر "
تروي أم هشام التي تقطن إحدى قرى جنين : لا زال المشهد ماثلا أمامي ، الشارع مليء بالناس الخائفين الذين أخذوا يتراكضون باتجاه مناطق أكثر أمنا ، في وقت كانت الشائعات تستشري " كالنار فبي الهشيم " …. البعض يقول : هذه القوات المصرية ، تقصف إسرائيل ، فيما ذهب آخرون لأبعد من ذلك ، معتقدين أن الذي يشاهدوه جيشا جزائريا ، جاء لنجدتهم !
مسرحية الضياع
لا زالت أم هشام تستذكر جيدا حال العجوز الستينية آنذاك ، أم كامل ، التي أطلقت زغرودة لفرح حينما رأت جحافل جيش الاحتلال ظننا منها أنه الجيش العربي القادم لتقديم طوق نجاة لقات الحرس الوطني التي كانت تقوم بحسب ، أبي محمد 76 عامل بمسرحية رسمتها له سلطات عليا ، فهو كأحد أفراد هذه القوات كان مطالبا بإلقاء القبض على المحتلين أو المهاجمين ، مع عدم إطلاق النار عليهم ، حتى أن أسلحتهم الرثة ، كانت كالعصي ، فذخائرها قد أصابها التلف ، في وقت كانت كل مجموعة تتكون من 4-6 رجال ، أحدهم يحمل سلاحا إنجليزيا عفى عليه الزمن .
يضيف : ما أن أنطلق العدوان الأمريكي على العراق ، إلا واعتقدنا أننا سنعيش حربا طويلة تختلف عن الأيام الستة ، إلا أننا ، وكما يقول ، و استنادا لإحدى رسوم الكاريكاتير ، أصبنا بفقسة ، عندما شاهدنا " نمرا من ورق " يتهاوى كالخيال .
نكبة ونكسة وذكريات
تستعيد أم هاشم حديثها لتقول أفقدتنا النكبة بلدتنا الأم ، خبيزة القرية الواقعة إلى الحنوب الشرقي من حيفا ، وعلى بعد 39 كم منها ، بلغت مساحة أراضيها المسلوبة حوالي 2.4 ألف دونما ، و انشأ المحتلون عليها قرية زراعية " كيبوتس" أطلقوا عليه " إيفين يتسحاق " عام 54 بلغ عدد عشاقها مائة وأربعين نسمة ارتفعوا لـ 209 عام 45 .
تضيف : وجاءت النكسة لتقسم عائلتنا إلى قسمين ، فثلاثة من أشقائي رحلوا قسرا ، فيما أخي الرابع وأنا وأختي مكثنا هنا .
تحفظ أم هاشم وحتى اليوم ، عن ظهر قلب الكثير من أسماء القرى المدمرة في قضاء حيفا عام 48 ، تماما كاحتفاظها بتفاصيل النكسة وتشريد الكثيرين إلى الأردن وسواها .
يضيف ولدها محمد : لا تفترق النكبة عن النكسة إلا في حرفي الباء والسين ، وقد تضطر لاختراع مسمى ثالث يعبر لا قدر الله عن مأساة إضافية .
تقول : هناك في " عين حوض " أقاموا مستوطنة " عين هود " التي بحسب نجلها قرية للفنانين اليهود ، فيما سرق المحتلون حتى اسم قرية عين غزال التي كانت جنوب حيفا وحولوها ل " موشاف عين إيالا " .
تسترد أسماء لقرى أخرى : كحال قنير وقاقون والمزار أو بلد الشيخ يحيى ، وعين المنسي والسنديانة و الدامون وطيرة اللوز والطنطورة ، البلدة التي ارتبط اسمها بمذبحة كشف النقاب عنها أكاديمي إسرائيلي جرد من درجته العلمية كونه توصل لاستنتاج ارتكاب قوات الاحتلال لمجزرة في القرية الجاثمة في الشطر الجنوبي لحيفا .
تطوي "ينابيع " ملفاتها ، لكن الذكريات تظل أكبر من أن تختزل بقصة صحافية ، أو مشهد متجدد لا زال يعيد للأذهان أن أيامنا تصارعنا عليها الويلات المتلاحقة كل لحظة ، لتغتال البسمة من وجوهنا ، ولتكبل أيدينا التي تحاول الدق على "جدار الخزان " دون جدوى ……