عبد الباسط خلف
16-08-2005, 07:20 PM
كتب عبد الباسط خلف:
حينما كانت رائحة الحرب تشتعل في الخليج العربي وتصل في مدها للقدس العام 1991، تصاعدت في مشفى الجارة القريبة رام الله صرخات ميلاد عبد السلام فوزي حمايل لتختلط وصدى " صفارات الإنذار"… لم يكن أحد يعلم حينها أن ست رصاصات من عيار 250 مليمتر ستخترق جسده بعد أثني عشر عاماً وتمزقه.
دخلنا منزل عائلة الشهيد الذي يستلقي على مشارف شارع رم الله – القدس، فاجأتنا صورة ضخمة لعبد السلام كانت كمن يستقبلنا ويلقي علينا كلمات الترحاب، في ركن البيت الآخر أجذبتنا مطرزة لفلسطين كان في حياته يطيل النظر إليها ويحاول محاكاتها في رسوماته.
بصوت منهك وبعيون اقتحمتها الدموع، استعاد عبد الرحمن( 21 عاماً) حكاية موت شقيقه: خرج أخي لشراء الخبز من حانوت مجاور، في خريف العام 2002، ولم يكن يعلم بومها بوجود دبابة عند مفرق حي الشرفة…
بعد دقائق سمعنا أصوات لإطلاق رصاص كالرعد، عندها صرخت أمي" هذا عيد السلام.." هرعنا إلى الشارع، وجدناه" يسبح في بركة دم" … لم نصدق أن الرصاص الثقيل مزق جسده الصغير وأحدث فيه ست فتحات عميقة.
بعد موسم الوداع الأخير،، ورحيل صغير العائلة ، اشتدت أوجاع الوالدة وأرتفع ضغط دمها لدرجة تحول معها لأسيرة للأحزان و اضطرت لـ " سجن" دموعها الحارقة.
يروي عبد الرحمن: عندما تذكر أمي عبد السلام تجلس وحيدة في غرفة وتخفي عنا دموعها الماطرة، ولا نجرؤ على الاقتراب منها.
تصادفت زيارتنا ومغادرة الأم ذات الكبد المجروح للطبيب عساه يخفف قليلاً من روع أوجاعها، وآثرت العائلة أن لا "نعيد نشر" أحزانها حتى لا يعود إليها الجرح مرنان: واحدة بفعل عبد السلام الابن والأخرى بسبب عاشقها الصغير كما يصفه الجار أبو أحمد الذي أحذت التجاعيد تتآمر على وجهه كما الدموع التي يحاول نظراؤه التستر عليها.
طائرة وموت
علِقت طائرة عبد السلام الورقيه على سطح الجيران، قيل يومين من رحيله، ما دفعه للاستعانة بأخيه لإحضارها، لكنها صعدت إلى الفضاء واختفت مسرعة كروح عبد السلام.
يقول عبد الرحمن: كنت أحضر لأخي الورق كل يوم، فيما أختص والدي في تأمين الخيوط اللازمة ليناء الطائرة التي تكسرت أجنحتها قبل أسبوع من استشهاده.
يصف صديقه ناصر حال طائرتهما المشركة التي أصبحت من دون طيار، فيقول: خسارة راح عبد!!
اعتاد عبد السلام " صغير العائلة المدلل" على تكرار النوم تحت طاولة السفرة، والقول لأمه: سأنام هنا سأموت هنا..
الهدّاف الغائب
افتقدت عائلة حمايل" أميرها الصغير" كما أسماه الجار العجوز أبو خليل الذي بدأ الزمن يوجه الطعنات إلى جسده ويضعف من عزيمته مثلما خسرت "الشرفه" لاعب كرة القدم الطموح والهدّاف. يستذكر صديقه غلي سامر: كان عبد السلام يسجل أهدافاً كثيرة ورائعة، ويتصدى لكرات عديدة في جسده، لكنه لم يستطع التصدي للرصاصات الثماني التي أطلقها عليه الجنود، فاخترقت ستة منها جسده واثنتان الحائط، وسجله شهيداً يستحق الفوز بـ " كأس الحرية"
باتت العائلة " تُحَرّم" البكاء الجماعي المعلن للتخفيف عن الأم الموجوعة والمريضة، فلا تتحدث عن راحلها إلا فرادى، ولا يبكي أحد أمام الآخر ح " لا نفتح مواجع بعضنا البعض" مثلما قال عبد الرحمن.
" أطنان" وجع
" تبكي والدتي بمفردها، نتذكره كل يوم على مائدة الإفطار الرمضاني، أنام وشقيقي مراد وتفتقد عبد السلام، كان لا ينام إلا على سريره لكنه نام قبل رحيله بليلة تحت طاولة السفرة، يزورنا أخي في أحلامنا، أخفت والدتي حقيبته المدرسية وكراساته، يشعر والدي بالألم كلما يعود من عمله حينما يتذكر مساعدة أخي له في رفع السلم الخشبي الذي كان يستخدمه في عمله في الطلاء" على هذا النحو تتهاطل الأحزان على العائلة ويخفي أيضا عبد الرحمن العائد لتوه من معتقل " المسكوبية" في القدس المحتلة وراء كل عبارة" طناً" من الأوجاع وبخاصة عندما يتذكر مداعبته أثناء طفولته الأولى، وكيف كان يعشق أرجوحة الأيدي في حضنه.
يطالعونا على سريره الشاغر وأشيائه التي لا زالت كما هي، يخبرونا كيف أحب عبد السلام التطوع في المخيمات الصيفية، ويتذكرون صورته بين مجموعة من الأطفال في إحداها، لكنه لن يعود إليها وإلى الأيد.
يخبروك عن شغفه بشراء دمى لأسلحة و ذخائر خلال الأعياد، لكنه كما يقول أحد مدرسيه: لم يكن يعلم بأن نسخة ألعابه المحببة الأصلية ستضع حداً لحياته.
الوداع
في طريقنا من رام الله لمنزل عائلة حمايل شاهدنا حانوتاً لبيع الطيور، قلت لنفسي ربما كان عبد السلام شغوفاً بتربيتها، لم تكن سوى لحظات إلا وعلمنا بشغفه للعصافير، حدثونا عن رحيله وتركه لثلاث منها لحقت به بعد أسبوع وكأنها لم طق وداعه…
تخاصم إبراهيم جمعه وزميله عبد السلام يوماً قبل استشهاده، و استذكر كيف وجه الراحل لكمات إليه، لكنه بكى صديقه بحرقة، ونمنى لو لم يره في ذلك اليوم حتى لا يتخاصما، وتبقى آخر لحظاتهما جميلة.
يستعيد عبد العزيز الطويل( 12 ربيعاً) آخر لحظاه مع ابن عمته عبد السلام حمايل" سمري"، فيقول بعفوية وبحسرة تنساب من فيه: كنا في ساحة المدرسة قبل يوم من استشهاده، اقترب مني وهمس في أذني طالباً خمسة شواقل( دولار والقليل من السنتات) لشراء طعام للعصافير، وعندما عدنا إلى البيت، اتصل بي وقال: الطيور بخير، وسأعطيك واحد منها"
يستذكر الطويل لجوء صديقه للنوم تحت طاولة السفرة، وحديثه لأمه" بدي أنام هون"…
يقول: حلمت بأننا نلقي الحجارة على دبابة، فأخبرته باكراً في اليوم التالي، وأستقبله بالضحك، وذهبنا إلى المدرسة، ثم لعبنا في أحدى ملاهي رام الله وزرنا سوق الخضار المركزي، حيث يعمل خالي.
أنتقل عبد السلام قبل استشهاده لمدرسة أمين الحسيني المتاخمة لمستعمرة" إبسغوت"، لكنه لم يمض غبر أسبوعين فيها، وأنتقل لاستراحته الأخيرة في مقبرة البيرة الملاصقة للمدرسة.
ظل مقعد عبد السلام في الصف شاغراً لأيام بعد رحيله، فوضع رفاقه شهادة انتقاله للمدرسة، وأكاليل من الزهور، وشاهد قبر من الكرتون، فيما خلده رفاقه بصورة ضخمه بعد انقضاء إجازة عيد الفطر.
اعتاد عبد العزيز على مرافقه بد السلام في الذهاب للمدرسة والعودة منها ورغم مرور شهرين على رحيله ظل الأول يمارس السلوك نفسه، فينتظر الثاني أمام بوابة المنزل، وفي ساحة المدرسة، وأضاف لذلك زيارته إلى القبر ومنحه دموعاً ممزوجة بالألم….
يقول: أذهب إلى القبر بعض المرات لوحدي، فيما ترافقني والدتي في أيام أخرى، وتأخذ ببكاء أبن خالي وابن أخيها…
الأرجوحة
على مدخل المنزل تجذبك أرجوحة نال منها الصدأ، اعتاد عبد السلام ورفاقه وأخوته اللهو بها ، لكنها ظلت شاغرة برحيله، و" حرّمها" الأطفال على أنفسهم، فلا تراها شقيقته رنين( 15) عاماً غير ذكرى تدق جرس الوجع والفراق بصوتها.
ارتبط عبد السلام بصداقات وأطفال الجيران الذين يقطنون بلدة بني نيم المجاورة لمدينة الليل، يقول رامي مناصرة أو بائع السجّاد، وقد بدا الحزن يستقطع مساحات من وجهه: عندما علم أخوتي باستشهاد صديقهم عبر الهاتف، أخذوا بالصراخ والبكاء، وتمنوا وداع جثمانه…
" لم يكتف الجيش يقتله، لكنهم عادوا لمحيط المنزل في اليوم التالي، ولم يسمحوا بجنازة" حرة" لطفل صغير، على هذا النحو وصف رامي يوم وداع عبد السلام…
غادرنا الشرفة، فيما صوت المذياع يخبرنا بحصاد يوم دموي آخر: ثلاثة شهداء في جنين ونابلس، ولازمتنا الحسرة على " زهرة الحي" كما وصفتها الجارة أم سمير، وتذكرنا عصافير عبد السلام التي لم تطق موته فآثرت اللحاق به لترحل أربعة عصافير لغير رجعة….
حينما كانت رائحة الحرب تشتعل في الخليج العربي وتصل في مدها للقدس العام 1991، تصاعدت في مشفى الجارة القريبة رام الله صرخات ميلاد عبد السلام فوزي حمايل لتختلط وصدى " صفارات الإنذار"… لم يكن أحد يعلم حينها أن ست رصاصات من عيار 250 مليمتر ستخترق جسده بعد أثني عشر عاماً وتمزقه.
دخلنا منزل عائلة الشهيد الذي يستلقي على مشارف شارع رم الله – القدس، فاجأتنا صورة ضخمة لعبد السلام كانت كمن يستقبلنا ويلقي علينا كلمات الترحاب، في ركن البيت الآخر أجذبتنا مطرزة لفلسطين كان في حياته يطيل النظر إليها ويحاول محاكاتها في رسوماته.
بصوت منهك وبعيون اقتحمتها الدموع، استعاد عبد الرحمن( 21 عاماً) حكاية موت شقيقه: خرج أخي لشراء الخبز من حانوت مجاور، في خريف العام 2002، ولم يكن يعلم بومها بوجود دبابة عند مفرق حي الشرفة…
بعد دقائق سمعنا أصوات لإطلاق رصاص كالرعد، عندها صرخت أمي" هذا عيد السلام.." هرعنا إلى الشارع، وجدناه" يسبح في بركة دم" … لم نصدق أن الرصاص الثقيل مزق جسده الصغير وأحدث فيه ست فتحات عميقة.
بعد موسم الوداع الأخير،، ورحيل صغير العائلة ، اشتدت أوجاع الوالدة وأرتفع ضغط دمها لدرجة تحول معها لأسيرة للأحزان و اضطرت لـ " سجن" دموعها الحارقة.
يروي عبد الرحمن: عندما تذكر أمي عبد السلام تجلس وحيدة في غرفة وتخفي عنا دموعها الماطرة، ولا نجرؤ على الاقتراب منها.
تصادفت زيارتنا ومغادرة الأم ذات الكبد المجروح للطبيب عساه يخفف قليلاً من روع أوجاعها، وآثرت العائلة أن لا "نعيد نشر" أحزانها حتى لا يعود إليها الجرح مرنان: واحدة بفعل عبد السلام الابن والأخرى بسبب عاشقها الصغير كما يصفه الجار أبو أحمد الذي أحذت التجاعيد تتآمر على وجهه كما الدموع التي يحاول نظراؤه التستر عليها.
طائرة وموت
علِقت طائرة عبد السلام الورقيه على سطح الجيران، قيل يومين من رحيله، ما دفعه للاستعانة بأخيه لإحضارها، لكنها صعدت إلى الفضاء واختفت مسرعة كروح عبد السلام.
يقول عبد الرحمن: كنت أحضر لأخي الورق كل يوم، فيما أختص والدي في تأمين الخيوط اللازمة ليناء الطائرة التي تكسرت أجنحتها قبل أسبوع من استشهاده.
يصف صديقه ناصر حال طائرتهما المشركة التي أصبحت من دون طيار، فيقول: خسارة راح عبد!!
اعتاد عبد السلام " صغير العائلة المدلل" على تكرار النوم تحت طاولة السفرة، والقول لأمه: سأنام هنا سأموت هنا..
الهدّاف الغائب
افتقدت عائلة حمايل" أميرها الصغير" كما أسماه الجار العجوز أبو خليل الذي بدأ الزمن يوجه الطعنات إلى جسده ويضعف من عزيمته مثلما خسرت "الشرفه" لاعب كرة القدم الطموح والهدّاف. يستذكر صديقه غلي سامر: كان عبد السلام يسجل أهدافاً كثيرة ورائعة، ويتصدى لكرات عديدة في جسده، لكنه لم يستطع التصدي للرصاصات الثماني التي أطلقها عليه الجنود، فاخترقت ستة منها جسده واثنتان الحائط، وسجله شهيداً يستحق الفوز بـ " كأس الحرية"
باتت العائلة " تُحَرّم" البكاء الجماعي المعلن للتخفيف عن الأم الموجوعة والمريضة، فلا تتحدث عن راحلها إلا فرادى، ولا يبكي أحد أمام الآخر ح " لا نفتح مواجع بعضنا البعض" مثلما قال عبد الرحمن.
" أطنان" وجع
" تبكي والدتي بمفردها، نتذكره كل يوم على مائدة الإفطار الرمضاني، أنام وشقيقي مراد وتفتقد عبد السلام، كان لا ينام إلا على سريره لكنه نام قبل رحيله بليلة تحت طاولة السفرة، يزورنا أخي في أحلامنا، أخفت والدتي حقيبته المدرسية وكراساته، يشعر والدي بالألم كلما يعود من عمله حينما يتذكر مساعدة أخي له في رفع السلم الخشبي الذي كان يستخدمه في عمله في الطلاء" على هذا النحو تتهاطل الأحزان على العائلة ويخفي أيضا عبد الرحمن العائد لتوه من معتقل " المسكوبية" في القدس المحتلة وراء كل عبارة" طناً" من الأوجاع وبخاصة عندما يتذكر مداعبته أثناء طفولته الأولى، وكيف كان يعشق أرجوحة الأيدي في حضنه.
يطالعونا على سريره الشاغر وأشيائه التي لا زالت كما هي، يخبرونا كيف أحب عبد السلام التطوع في المخيمات الصيفية، ويتذكرون صورته بين مجموعة من الأطفال في إحداها، لكنه لن يعود إليها وإلى الأيد.
يخبروك عن شغفه بشراء دمى لأسلحة و ذخائر خلال الأعياد، لكنه كما يقول أحد مدرسيه: لم يكن يعلم بأن نسخة ألعابه المحببة الأصلية ستضع حداً لحياته.
الوداع
في طريقنا من رام الله لمنزل عائلة حمايل شاهدنا حانوتاً لبيع الطيور، قلت لنفسي ربما كان عبد السلام شغوفاً بتربيتها، لم تكن سوى لحظات إلا وعلمنا بشغفه للعصافير، حدثونا عن رحيله وتركه لثلاث منها لحقت به بعد أسبوع وكأنها لم طق وداعه…
تخاصم إبراهيم جمعه وزميله عبد السلام يوماً قبل استشهاده، و استذكر كيف وجه الراحل لكمات إليه، لكنه بكى صديقه بحرقة، ونمنى لو لم يره في ذلك اليوم حتى لا يتخاصما، وتبقى آخر لحظاتهما جميلة.
يستعيد عبد العزيز الطويل( 12 ربيعاً) آخر لحظاه مع ابن عمته عبد السلام حمايل" سمري"، فيقول بعفوية وبحسرة تنساب من فيه: كنا في ساحة المدرسة قبل يوم من استشهاده، اقترب مني وهمس في أذني طالباً خمسة شواقل( دولار والقليل من السنتات) لشراء طعام للعصافير، وعندما عدنا إلى البيت، اتصل بي وقال: الطيور بخير، وسأعطيك واحد منها"
يستذكر الطويل لجوء صديقه للنوم تحت طاولة السفرة، وحديثه لأمه" بدي أنام هون"…
يقول: حلمت بأننا نلقي الحجارة على دبابة، فأخبرته باكراً في اليوم التالي، وأستقبله بالضحك، وذهبنا إلى المدرسة، ثم لعبنا في أحدى ملاهي رام الله وزرنا سوق الخضار المركزي، حيث يعمل خالي.
أنتقل عبد السلام قبل استشهاده لمدرسة أمين الحسيني المتاخمة لمستعمرة" إبسغوت"، لكنه لم يمض غبر أسبوعين فيها، وأنتقل لاستراحته الأخيرة في مقبرة البيرة الملاصقة للمدرسة.
ظل مقعد عبد السلام في الصف شاغراً لأيام بعد رحيله، فوضع رفاقه شهادة انتقاله للمدرسة، وأكاليل من الزهور، وشاهد قبر من الكرتون، فيما خلده رفاقه بصورة ضخمه بعد انقضاء إجازة عيد الفطر.
اعتاد عبد العزيز على مرافقه بد السلام في الذهاب للمدرسة والعودة منها ورغم مرور شهرين على رحيله ظل الأول يمارس السلوك نفسه، فينتظر الثاني أمام بوابة المنزل، وفي ساحة المدرسة، وأضاف لذلك زيارته إلى القبر ومنحه دموعاً ممزوجة بالألم….
يقول: أذهب إلى القبر بعض المرات لوحدي، فيما ترافقني والدتي في أيام أخرى، وتأخذ ببكاء أبن خالي وابن أخيها…
الأرجوحة
على مدخل المنزل تجذبك أرجوحة نال منها الصدأ، اعتاد عبد السلام ورفاقه وأخوته اللهو بها ، لكنها ظلت شاغرة برحيله، و" حرّمها" الأطفال على أنفسهم، فلا تراها شقيقته رنين( 15) عاماً غير ذكرى تدق جرس الوجع والفراق بصوتها.
ارتبط عبد السلام بصداقات وأطفال الجيران الذين يقطنون بلدة بني نيم المجاورة لمدينة الليل، يقول رامي مناصرة أو بائع السجّاد، وقد بدا الحزن يستقطع مساحات من وجهه: عندما علم أخوتي باستشهاد صديقهم عبر الهاتف، أخذوا بالصراخ والبكاء، وتمنوا وداع جثمانه…
" لم يكتف الجيش يقتله، لكنهم عادوا لمحيط المنزل في اليوم التالي، ولم يسمحوا بجنازة" حرة" لطفل صغير، على هذا النحو وصف رامي يوم وداع عبد السلام…
غادرنا الشرفة، فيما صوت المذياع يخبرنا بحصاد يوم دموي آخر: ثلاثة شهداء في جنين ونابلس، ولازمتنا الحسرة على " زهرة الحي" كما وصفتها الجارة أم سمير، وتذكرنا عصافير عبد السلام التي لم تطق موته فآثرت اللحاق به لترحل أربعة عصافير لغير رجعة….