عبد الباسط خلف
16-08-2005, 07:21 PM
كتب عبد الباسط خلف:
استظل متضامنون مع أسرى الحرية الذين شرعوا منتصف آب الحالي في حرب الجوع أو "الأمعاء الخاوية" كما يطلق عليها القابعون وراء جدران اليأس ، شجرة توت عملاقة تستلقي باسترخاء وسط ميدان الهلال الأحمر في أطراف مدينة جنين: أمهات معذبات تختلف رواية كل واحدة منهن لكنها تتحد في المعاناة، أخوة، وأبناء وآباء يوزعون نظراتهم على جدارية تغص بعشرات الصور للأسرى.
يمكن للمرء رؤية أطفال الأسير مصطفى القنيري الذين يحتضنون صورة عملاقة لوالدهم الذي سيغيب لسبع سنوات ونصف، وبوسعه أيضاً النظر في عيون محمد و حسين وبهاء الدين و مجدي ونسيم ، إذ تآمرت القضبان على أربع عشرة سنة من عمر والدهم محمود أبو جلده.
وبالتفافته إلى اليسار تستقر النظرات عند أمينة ضبايا أو أم محمد يجانب ولدها رائد الذي يحتضن ابنته الرضيعة في وداع غير رسمي، وتتناقل الألسن حكايتها مع ثنائية الشهادة والأسر: حتى الصغار باتوا يتعرفون على حقيقة مأساتها: لؤي وفادي استشهدا خلال العدوان الأول، إذ سقط في مواجهات عند حاجز الجلمة، فيما الثاني عرف الرصاص الأعمى الطريق إليه في آذار خلال رحلة قتل إسرائيلية في أزقة المخيم، وتستقطع قضبان الأسر 16 سنة من نجلها خضر، فيما ينتظر رائد حكما لن يكون إلا جائراً….
في ركن ثانٍ للجدارية تجثم صورة يوسف رائد القيسي المحكوم 18 عاماً و على الجهة المقايلة تجلس والدته المعذبة ومجموعة من الأمهات المحزونات…
صورة الأسير محمود أبو سرية تحتل أيضاً جانباً من الحيز المجاور لخيمة الاعتصام والتضامن، وفي المقابل تقف والدته أم محمد تحاول الإطاحة بالقهر، وتحث نظيراتها على الصبر على الرغم من مؤامرة القيد على ابنها الذي سرق من عمره 110 أعوام فقط!
تروي أمه: كان عمره 19 عاماً عندما اعتقل في مدخل معسكر للجيش في بلدة عرابة العام 1996، واليوم يكون قد أتم السابعة والعشرين وهذا يعني أنه يحتاج لمائة عام وثلاث سنوات أبضاً حتى يرى الحرية….!!
طاردت الأحزان أم محمد في فترة سابقة من العدوان الحالي، إذ اجتمع أربعة من أبنائها الخمسة وراء قضبان الأسر دفعة واحدة: محمود و حسن و أحمد وأمين، وكل واحد في سجن، ولم تسمح الحرية إلا للشقيق والابن الخامس محمد بمرافقتها..
تتناقل الأمهات ومسؤول نادي الأسير الفلسطيني في جنين راغب أبو دياك، روايات عن الأمهات المعذبات بجرعات زائدة، وهن كما تقول أم إبراهيم من يفتقدن أكثر من زهرة في "قبور" الأحياء.
أوجاع صافية
فالأحزان مثلاً استقرت في وجه فتحية يوسف عارضة " أم محمد"، ابنة العقود الستة، فيما تنافست صور أولادها الثلاثة وابنتها الرابعة الذين استقطعت حريتهم لاحتلال موقع من حضنها.
في يوميات أم محمد الغائية اليوم لأسباب طارئة عن الاعتصام: الكثير من التفاصيل الصغيرة التي لا يمكن نزع فتيل حزنها فمحمود أبن الثامنة والعشرين محكوم علية بالسجن مدى الحياة ، وأحمد يقتطع القيد 22 سنة من شبابه، فيما حكمت فضبان الأسر على أيام رداد بسرقة 17 سنة منها، وقبل شهر تآمر السجان على الابنة هدى لتصاف إلى القائمة التي سمحت مؤقتاً للابن شداد بالتخلص منها بعد ثلاث سنوات ونصف .
في جعبة فتحية عارضة الساكنة في بلدة عرابة غرب جنين الكثير من الوثائق والأحزان: قصاصات ورق صادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تخبر بالحكم المؤبد على الابن محمود، ،و إطار ضخم يجمع أولادها، و ذكريات من سيرة حياة أحمد الغائب قسراً منذ العام 1987 والذي تسرق قضبان الأسر زهرة شبابه كما تقول، و أوراق الابن ردّاد الذي تشير بحكم جائر بالسجن 17 عاماً، وأشياء هدى الخاصة الابنة التي غابت عنها زهرة قلبها منذ مدة…
تقدم الأم لنظيراتها في الحزن كشف حساب، يظهر أيضاً رباطة جأش وإخفاء للدموع، وتقول: ابني محمود حكموا علية 17 سنة بعد اعتقاله في شهر أيلول عام 92، قضى منها أربع سنوات ثم خرج في افراجات مبكرة، وبعد ستة أشهر فقط أعادوا سرقته وحكموه بالسجن مدى الحياة…
ظلت الأم طوال فترة الستة أشهر تلك ترجو من ولدها أن يبقى في جوارها، ولكن الاحتلال كان له كلام آخر، كما يصف شداد.
يستذكر الابن والأم والأبناء شهر أيلول من العام 1993، عندما أعتقل جيش الاحتلال الابن والأخ محمود ويعد ستة أشهر جاءوا لاعتقال الشقيق عبد الله ، وفي نيسان 1994 أسرع الموت إلى الأب ، ولم يعرف عبد الله أو محمود النبأ الحزين إلا بعد إنهاء وجبات التحقيق والإهانة التي عرضا لها في معتقلات الاحتلال وزنازينه.
منعت قضبان الأسر الأم من ممارسة حنانها، فمنذ أربع سنوات لم يسمح لها بزيارة محمود الابن المعزول في سجن بئر السبع الصحراوي ، فيما تفصلها ثلاث سنوات عن ردّاد وكذا الابن أحمد.
واليوم يتوزع قلبها إلى عدة محاور: سجن بئر السبع الصحراوي، حيث محمود و أحمد وعسقلان الذي يسرق حرية ردّاد وأقبية تحقيق سجن الجلمة التي طاردت الابنة هدى.
باتت أم محمد كما يقول شداد على دراية بخريطة المعتقلات الإسرائيلية السابقة والحالية: جنين المركزي، معتقل الفارعة ، جنيد المركزي ، نابلس القديم، معتقل الظاهرية ، سجن عتليت، مجدو، الدامون، شطة ، نفحة، بئر السبع الصحراوي، عسقلان ، الجلمة، أنصار ثلاثة" النقب" ،معسكر سالم أيضاً..
يدون أبناء العائلة فترات غياب والدتهم التي كانت تُكره في مناسبات كثيرة على التنقل بين السجون لدرجة أنها لم تكن تعرف الجلوس في البيت سوى يوماً واحداً في الأسبوع.
منعت القيود الجيل الجديد أبناء الشاب محمد : رهف ( سبع سنوات) وسارة ( ابنة الربيع الخامس) وهديل ( ثلاثة أعوام ) من مشاهدة أعمامهم الثلاثة وباتت الصورة الوسيلة الوحيدة للتقريب بين القلوب والأجيال والأقارب.
أحزان " نقية"
والأحزان أيضاً تستعمر وجه مسعدة ذياب " أم هشام"، ابنة الرابعة والخمسين، فأولادها الأربعة حرموا من الحرية.
تروي :في كل مناسبة استيقظ باكراً، وأشدد الرحال إلى جنين لأتضامن مع أبنائي وأبناء مثيلاتي.
في جعبة مسعدة القادمة من بلدة كفر راعي غرب جنين الكثير من الوثائق والتفاصيل الصغيرة التي تنفي عنها السعادة بخلاف اسمها: قصاصات ورق من صحف عبرية تظهر نجلها بسام وهو في لحظة تعذيب، إطار ضخم يجمع أولادها في ناحيته المقابلة، يقف علام ابن التاسعة عشرة..
وفي الركن المقابل، يستقر رسم بلال ، الابن الأصغر لأم معذبة توفي زوجها نبيل سعيد ذياب قبل 17 عاماً تاركها تتجرع الشقاء كالماء. في الزاوية السفلى للإطار الذي لا بفارقها في مناسبات واعتصامات كهذه يستلقي رسم عزام أبن الخامسة والعشرين.
تتابع، وقد تحولت لخبيرة بشؤون المعتقلات السجون وتضاريسها وأوصافها: لا زلت أتذكر جيداً السادس عشر من آب العام 2001، حينما سرق جيش الاحتلال مني ولدي عزام، وبعد نحو عام حكموا عليه بالسجن مدى الحياة. لم يبق في بيتها سوى أربعة أبناء، وانتقلت ابنتاها إلى بيت الزوجية.
تتهاطل الدموع من عينيها، لتخبر بأنها لم تعرف بالحكم على عزام إلا بعد مرور ستة أشهر، إذ حاول أشقاؤه تأجيله عن مسامعها قدر الإمكان.
تستأنف لحظة ألم مزدوجة أخرى، ففي الثاني من تشرين الأول 2001 ، أعتقل جنود الاحتلال ابنيها بسام وبلال .
تشرع من جديد في رسم "مساراً" لأوجاعها، فقلبها يتوزع على سجن عسقلان حيث بلال وبسام، وعوفر وحواره وأنصار ثلاثة في صحراء النقب والدامون حيث تنقل علام الصغير.
تعيد نشر قهرها ، فعلام كان بصدد إكمال دراسة الثانوية العامة، وهو المدلل الذي أصبح يشاركها ليلها وحلمها المزعج .
تسترسل: إذا ما طلع النهار وتوجه الطلبة لمدارسهم أتذكر علام، وإذا ما حان موعد إعداد طعام الإفطار يشاركني البكاء على أولادي الأربعة، وحينما أتوجه إلى حقلي أتخيل الأيام الماضية عندما كنا نعمل معاً ونملأ الأرض.
وفي اللحظة التي أفتح فيها خزانة الملابس وأعيد ترتيب الغسيل، تتجدد الأحزان على من غابوا، وإذا ما صعدت على سطح المنزل أبدأ بالنداء على بسام، ولا تفارقني الحسرة على عزام إذا ما طهوت الطعام الذي كان مولعاً به.
لأم ظافر أبو خضر أيضاً مع القيود المزدوجة حكاية، فهي وفق راغب أبو دياك، أم لأربعة أسرى، فمحمد تستقطع القيود منه 30 شهراً، وتسرق القيود من أحمد أياماً لا تحصى، فمحكوم عليه بالأسر أحد عشر مؤبداً إضافة لعشرين سنة أخرى، ومحمود مأسور لثلاث سنوات، أما عبد الرحمن فستستولي جدران اليأس على سبع سنوات من شبابه، وكذا الحال لأم علي عويس التي سرقت القيود ابنتيها في ليليتين سوادوين….
أطفال في الظلام!
ووفق أحدث إحصائية صدرت عن نادي الأسير يوم الثاني عشر من آب الحالي، فإن جدران اليأس تسرق 7400 عاشقاً للحرية، بينهم 470 طفلاً دون الثامنة عشرة، و 107 أسيرات، من بينهن 21 أماً و 16 قاصرة و طفلين رأيا النور المظلم وراء القضبان وهما وائل ونور، وخمس أسيرات محكوما إداريا، و 700 مريضاً بحاجة ماسة لعلاج جراحي، و700 أسير إداري بلا محكمة، و 32 قاصراً محكومين إدارياً، و30 تعزلهم إدارات القهر انفراديا، و17 أمضوا أكثر من عشرين سنة وراء القضبان، ينهم الأسير سعيد العتبة الذي اقتطعت الجدران المظلمة 28 سنة من عمره. وقدر النادي، إجمالي المواطنين الفلسطينيين الذين أعتقلهم الاحتلال بأربعين ألف و 2500 طفلاً و 300 أسيرة…
وشرع عشاق الحرية بخوض حرب الجوع، احتجاجا على تردي أوضاعهم، وامتهان إنسانيتهم، ولوقف ممارسات القهر والإذلال المنظم الذي مارسه إدارات السجون بحقهم، الأمر الذي يتعارض وأبسط حقوق الإنسان، ويشكل انتهاكاً صارخاً للمواثيق والاتفاقات الدولية.
علي و رهام…
في الثامن عشر من آب الحالي أيضاً، وضع الفتى على إبراهيم برنامجاً للتضامن مع شقيقه القابع خلف قضبان معتقل مجدو، فمنذ الصباح الباكر رافق والدته، وأحتضن صورة شقيقه، واتجها لمقر الهلال الأحمر، ثمة الاعتصام..
تحدى علي والعشرات من نظراؤه والمئات من الأمهات و غيرهم قيظ الصيف ، وجابوا شوارع المدينة.
يقول علي: إذا كنا نتعب من مسيرة ساعة، فكيف بأخي ورفاقه، يهانون كل ساعة من سجانيهم!!
لرهام حسن، الطالبة الجامعية، حكاية مغايرة مع القيد. فهي تهتم بعنف بتفاعلات الأسر والقضبان. ومع انطلاق الانتفاضة بدأت بأرشفة القصاصات الصحافية التي تركز على الأسيرات وأوجاعهن.
تروي رهام: لعله أكثر ما نقش ذاكرتي وأثر في، ما نشر مؤخرا حول الأسيرة أسماء أبو الهيجاء من مخيم جنين، التي حكم الاحتلال عليها بالسجن 6 أشهر، فيما نجلها عبد السلام معتقل منذ الربيع الماضي، وأتى القيد على الأب جمال أبو الهيجاء بعد فترة وجيزة. ليتحول ثلاثتهم لأسرى يفتقدون للحرية الحمراء.
تقول: شطر الاحتلال عائلة أبو الهيجاء إلى قسمين. المجموعة الأولى، الأب والأم- قبل إطلاق سراحها- والابن الأكبر عبد السلام، يتوزعون على سجون ( هادارايم ) و ( شطة ) و( الرملة ) فيما الصغار حمزة، ابن الربيع التاسع وساجدة ( 7 سنوات وعاصم ( 12 عاما ) وعماد ابن الخامسة عشرة تركوا بعد أن هدم الاحتلال منزلهم للعيش وحيدين في بيت جدهم الراحل داخل أزقة مخيم جنين.
تضيف : الأنكى من ذلك كله كون الأم أسماء تعاني سرطانا في الدماغ ، وكتلة من اللحم الزائد عن الحاجة ، بعد أن أجريت لها عملية جراحية في مشافي عمان قبل فترة وجيزة . وكانت الأم بحاجة لعلاج كيماوي لمدة طويلة عقب عملية جراحية كان مقررا إجراؤها في القدس بعد عيد الأضحى، فيما كان للاحتلال كلام آخر..
تختتم : أكثر ما أثر في ذلك العنوان الذي اختارته دورية " صوت النساء" : لماذا اعتقلوا والدتنا المريضة ، في إشارة لتساؤلات الصغار الأربعة . وتشير لحديث الابن عماد : لقد تركونا بلا حضن دافئ .
أطفال الحرية
يشير الأسير السابق سامر إبراهيم للأطفال الأسرى فيقول : أصدر الاحتلال في أواخر شهر آذار من العام الفائت ، أمرا عسكريا يحمل الرقم ( 1500 ) الذي لم يفرق في سن الأسرى بين بالغ أو قاصر ، دون إعطاء أي استثناء للأطفال .
يعرض سامر الذي أمضى في سجون الاحتلال 7 سنوات، حال الأطفال هؤلاء، إذ يحرمون من مقابلة محاميهم أو زيارة ذويهم، ويتعرضون لأصناف تعذيب مختلفة، ويمنعون من الأكل والنوم، ويتركون تحت المطر بلا ملاذ.
تضيف: الأقسى أن إدارة السجون تعتبر المعتقلين الذين تزيد أعمارهم عن 16 عاما أطفالا. وبالتالي فإنها تعاملهم على أساس كونهم بالغين.
ومن هم دون سن السادسة عشر يعتبرون أطفالا دون منحهم أي خصوصية سوى وضعهم أحيانا في غرف منفصلة كالحال الموجود سابقا في معتقل مجدو، الذي كان يخصص القسم الثالث لهؤلاء.
يختتم سامر: لا تقف المسائل عند هذا الحد، إذ يتم دمج المعتقلين السياسيين الأطفال مع الجنائيين الأحداث الإسرائيليين، الأمر الذي يعد " تعذيبا إضافيا " لهؤلاء الصغار.
تذكرت هنا رد سجان جلاد على أطفال سجن الخليل الذين طلبوا رؤية أشعة الشمس، فرسم لهم على حائط زنزانتهم قرصا أصفر ليلقي القبض على أحلامهم مرة أخرى.
أم إبراهيم والقيد
لأم إبراهيم مع القيد حكاية أخرى، إذ تناوب ثلاثة من أبنائها: إبراهيم وعادل ومجدي على المعتقلات خلال الانتفاضتين " الكبرى87 والأقصى 2000 " فباتت تلم بكل الترتيبات للمعتقلات، وبقوائم ما يسمح وما لا يسمح بإدخاله خلال الزيارات التي أصبحت غائبة جدا، وأماكن تجمع الحافلات وترتيباتها وحتى أسماء المعتقلات ومواقعها الجغرافية.
أسرعت أم إبراهيم لمقر الصليب الأحمر في مدينة جنين للتأكد من صحة الأحاديث حول استئناف زيارات المعتقلين. لكن فرحتها لم تكتمل حينما علمت أن أسرى جنين ليس مسموحا بزيارتهم بعد.
ومع ذلك فرحت لأمهات أسرى قلقيلية ورام الله وأريحا اللواتي سيتمكن من زيارة أبنائهن . انطلقت الأم المعذبة وهي تتمنى رؤية نجلها الذي لم تره منذ سنة ونصف ، وإن كانت الهواتف النقالة تسمح لها بسماع صوته ، لكنا تتحسر لأن الصوت لن يغنيها عن الصورة .
يتذكرون أبو السكر
يرتبط أحمد سعيد، 28 عاما، مع السجن بذكريات مرة. يقول:قبل العام 1990 وحكم عليه بالسجن لثلاث سنوات.
يقول : أتذكر أدبيات الأسر ، وكيف كنا نقرأ ونتعلم ، ما دفعني للاستمرار بعد الإفراج بتتبع أخبار رفاق القيد
" الأسير أبو السكر، الرجل الرمز لآلاف الأسرى القابعين في عتمة القضبان، مثال حي على الإرادة " بهذا الإيجاز عبر أحمد عن علاقة صاغها مع قضايا كبيرة يجب أن يدركها من لم يذق قسوة القيد والجلاد.
" رسالة لم يحملها البريد "
لا زال أحمد يحتفظ برسالة نشرتها إحدى الصحف المحلية من أم إلى ابنها الذي قضى ربع قرن وأكثر خلف القضبان.
يروي : كم تأثرت وأنا أقرأ كلمات والدة سعيد العتبة ( أبو الحكم ) ابن نابلس الذي يعد ثاني أقدم أسير فلسطيني ، إذ اعتقل العام 79 وهو ابن 28 عاما أضيف إليها مثلها تقريبا في زنازين المحتل .
يقتبس بعضا مما قالته الأم: " الأرض دائما تشتاق لعناق أهلها ورجالاتها الأقوياء، وفي آخر زيارة يقول ابني: مات أبي وعمي الآخر وخالتي وخالتي الأخرى وجدتي وجدتي الأخرى، ومات الصمت القاتل وشعبي لم يمت. ولولا الرغبة لأن أضم ابني إلى صدري قبل أن أرى وجه ربي، لأدمنت الصبر "
أم أحمد
تعود رهام حسن، لروي حكاية أخرى عن أم أحمد التي كان أربعة من أبنائها يقبعون في سجون الاحتلال حتى بداية العام الحالي تروي: لأم أحمد عوادة استثناء مختلفا، فهي في الأربعينيات من عمرها، وتفتقد فلذات كبدها الأربعة. فأحمد معتقل منذ نيسان عام 2002 ويقبع في معتقل النقب ، فيما أشرف معتقل منذ الشهر ذاته في سجن عوفر ، بينما أمجد خلف قضبان مجدو ، وأيمن اعتقل في تموز 2002 ، وأخضع للتحقيق في سجن الجلمة . والحالة كهذه، بحسب رهام، فإن أم أحمد، وتبعا لما تناقلته وسائل الإعلام قبل فترة، تحفظ عن ظهر قلب أسماء السجون الإسرائيلية، حيث ينفى أبناءها الأربعة بعيدين عن فضاءات الحرية.
ولا تكاد أم أحمد وأم إبراهيم، إلا نموذجان تندرج على حال مئات الأمهات، اللواتي يجمع بعضهن بين مرارات الاعتقال، والاستشهاد أو الإعاقة... كيف لا وهن " سيدات الروح ".
استظل متضامنون مع أسرى الحرية الذين شرعوا منتصف آب الحالي في حرب الجوع أو "الأمعاء الخاوية" كما يطلق عليها القابعون وراء جدران اليأس ، شجرة توت عملاقة تستلقي باسترخاء وسط ميدان الهلال الأحمر في أطراف مدينة جنين: أمهات معذبات تختلف رواية كل واحدة منهن لكنها تتحد في المعاناة، أخوة، وأبناء وآباء يوزعون نظراتهم على جدارية تغص بعشرات الصور للأسرى.
يمكن للمرء رؤية أطفال الأسير مصطفى القنيري الذين يحتضنون صورة عملاقة لوالدهم الذي سيغيب لسبع سنوات ونصف، وبوسعه أيضاً النظر في عيون محمد و حسين وبهاء الدين و مجدي ونسيم ، إذ تآمرت القضبان على أربع عشرة سنة من عمر والدهم محمود أبو جلده.
وبالتفافته إلى اليسار تستقر النظرات عند أمينة ضبايا أو أم محمد يجانب ولدها رائد الذي يحتضن ابنته الرضيعة في وداع غير رسمي، وتتناقل الألسن حكايتها مع ثنائية الشهادة والأسر: حتى الصغار باتوا يتعرفون على حقيقة مأساتها: لؤي وفادي استشهدا خلال العدوان الأول، إذ سقط في مواجهات عند حاجز الجلمة، فيما الثاني عرف الرصاص الأعمى الطريق إليه في آذار خلال رحلة قتل إسرائيلية في أزقة المخيم، وتستقطع قضبان الأسر 16 سنة من نجلها خضر، فيما ينتظر رائد حكما لن يكون إلا جائراً….
في ركن ثانٍ للجدارية تجثم صورة يوسف رائد القيسي المحكوم 18 عاماً و على الجهة المقايلة تجلس والدته المعذبة ومجموعة من الأمهات المحزونات…
صورة الأسير محمود أبو سرية تحتل أيضاً جانباً من الحيز المجاور لخيمة الاعتصام والتضامن، وفي المقابل تقف والدته أم محمد تحاول الإطاحة بالقهر، وتحث نظيراتها على الصبر على الرغم من مؤامرة القيد على ابنها الذي سرق من عمره 110 أعوام فقط!
تروي أمه: كان عمره 19 عاماً عندما اعتقل في مدخل معسكر للجيش في بلدة عرابة العام 1996، واليوم يكون قد أتم السابعة والعشرين وهذا يعني أنه يحتاج لمائة عام وثلاث سنوات أبضاً حتى يرى الحرية….!!
طاردت الأحزان أم محمد في فترة سابقة من العدوان الحالي، إذ اجتمع أربعة من أبنائها الخمسة وراء قضبان الأسر دفعة واحدة: محمود و حسن و أحمد وأمين، وكل واحد في سجن، ولم تسمح الحرية إلا للشقيق والابن الخامس محمد بمرافقتها..
تتناقل الأمهات ومسؤول نادي الأسير الفلسطيني في جنين راغب أبو دياك، روايات عن الأمهات المعذبات بجرعات زائدة، وهن كما تقول أم إبراهيم من يفتقدن أكثر من زهرة في "قبور" الأحياء.
أوجاع صافية
فالأحزان مثلاً استقرت في وجه فتحية يوسف عارضة " أم محمد"، ابنة العقود الستة، فيما تنافست صور أولادها الثلاثة وابنتها الرابعة الذين استقطعت حريتهم لاحتلال موقع من حضنها.
في يوميات أم محمد الغائية اليوم لأسباب طارئة عن الاعتصام: الكثير من التفاصيل الصغيرة التي لا يمكن نزع فتيل حزنها فمحمود أبن الثامنة والعشرين محكوم علية بالسجن مدى الحياة ، وأحمد يقتطع القيد 22 سنة من شبابه، فيما حكمت فضبان الأسر على أيام رداد بسرقة 17 سنة منها، وقبل شهر تآمر السجان على الابنة هدى لتصاف إلى القائمة التي سمحت مؤقتاً للابن شداد بالتخلص منها بعد ثلاث سنوات ونصف .
في جعبة فتحية عارضة الساكنة في بلدة عرابة غرب جنين الكثير من الوثائق والأحزان: قصاصات ورق صادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تخبر بالحكم المؤبد على الابن محمود، ،و إطار ضخم يجمع أولادها، و ذكريات من سيرة حياة أحمد الغائب قسراً منذ العام 1987 والذي تسرق قضبان الأسر زهرة شبابه كما تقول، و أوراق الابن ردّاد الذي تشير بحكم جائر بالسجن 17 عاماً، وأشياء هدى الخاصة الابنة التي غابت عنها زهرة قلبها منذ مدة…
تقدم الأم لنظيراتها في الحزن كشف حساب، يظهر أيضاً رباطة جأش وإخفاء للدموع، وتقول: ابني محمود حكموا علية 17 سنة بعد اعتقاله في شهر أيلول عام 92، قضى منها أربع سنوات ثم خرج في افراجات مبكرة، وبعد ستة أشهر فقط أعادوا سرقته وحكموه بالسجن مدى الحياة…
ظلت الأم طوال فترة الستة أشهر تلك ترجو من ولدها أن يبقى في جوارها، ولكن الاحتلال كان له كلام آخر، كما يصف شداد.
يستذكر الابن والأم والأبناء شهر أيلول من العام 1993، عندما أعتقل جيش الاحتلال الابن والأخ محمود ويعد ستة أشهر جاءوا لاعتقال الشقيق عبد الله ، وفي نيسان 1994 أسرع الموت إلى الأب ، ولم يعرف عبد الله أو محمود النبأ الحزين إلا بعد إنهاء وجبات التحقيق والإهانة التي عرضا لها في معتقلات الاحتلال وزنازينه.
منعت قضبان الأسر الأم من ممارسة حنانها، فمنذ أربع سنوات لم يسمح لها بزيارة محمود الابن المعزول في سجن بئر السبع الصحراوي ، فيما تفصلها ثلاث سنوات عن ردّاد وكذا الابن أحمد.
واليوم يتوزع قلبها إلى عدة محاور: سجن بئر السبع الصحراوي، حيث محمود و أحمد وعسقلان الذي يسرق حرية ردّاد وأقبية تحقيق سجن الجلمة التي طاردت الابنة هدى.
باتت أم محمد كما يقول شداد على دراية بخريطة المعتقلات الإسرائيلية السابقة والحالية: جنين المركزي، معتقل الفارعة ، جنيد المركزي ، نابلس القديم، معتقل الظاهرية ، سجن عتليت، مجدو، الدامون، شطة ، نفحة، بئر السبع الصحراوي، عسقلان ، الجلمة، أنصار ثلاثة" النقب" ،معسكر سالم أيضاً..
يدون أبناء العائلة فترات غياب والدتهم التي كانت تُكره في مناسبات كثيرة على التنقل بين السجون لدرجة أنها لم تكن تعرف الجلوس في البيت سوى يوماً واحداً في الأسبوع.
منعت القيود الجيل الجديد أبناء الشاب محمد : رهف ( سبع سنوات) وسارة ( ابنة الربيع الخامس) وهديل ( ثلاثة أعوام ) من مشاهدة أعمامهم الثلاثة وباتت الصورة الوسيلة الوحيدة للتقريب بين القلوب والأجيال والأقارب.
أحزان " نقية"
والأحزان أيضاً تستعمر وجه مسعدة ذياب " أم هشام"، ابنة الرابعة والخمسين، فأولادها الأربعة حرموا من الحرية.
تروي :في كل مناسبة استيقظ باكراً، وأشدد الرحال إلى جنين لأتضامن مع أبنائي وأبناء مثيلاتي.
في جعبة مسعدة القادمة من بلدة كفر راعي غرب جنين الكثير من الوثائق والتفاصيل الصغيرة التي تنفي عنها السعادة بخلاف اسمها: قصاصات ورق من صحف عبرية تظهر نجلها بسام وهو في لحظة تعذيب، إطار ضخم يجمع أولادها في ناحيته المقابلة، يقف علام ابن التاسعة عشرة..
وفي الركن المقابل، يستقر رسم بلال ، الابن الأصغر لأم معذبة توفي زوجها نبيل سعيد ذياب قبل 17 عاماً تاركها تتجرع الشقاء كالماء. في الزاوية السفلى للإطار الذي لا بفارقها في مناسبات واعتصامات كهذه يستلقي رسم عزام أبن الخامسة والعشرين.
تتابع، وقد تحولت لخبيرة بشؤون المعتقلات السجون وتضاريسها وأوصافها: لا زلت أتذكر جيداً السادس عشر من آب العام 2001، حينما سرق جيش الاحتلال مني ولدي عزام، وبعد نحو عام حكموا عليه بالسجن مدى الحياة. لم يبق في بيتها سوى أربعة أبناء، وانتقلت ابنتاها إلى بيت الزوجية.
تتهاطل الدموع من عينيها، لتخبر بأنها لم تعرف بالحكم على عزام إلا بعد مرور ستة أشهر، إذ حاول أشقاؤه تأجيله عن مسامعها قدر الإمكان.
تستأنف لحظة ألم مزدوجة أخرى، ففي الثاني من تشرين الأول 2001 ، أعتقل جنود الاحتلال ابنيها بسام وبلال .
تشرع من جديد في رسم "مساراً" لأوجاعها، فقلبها يتوزع على سجن عسقلان حيث بلال وبسام، وعوفر وحواره وأنصار ثلاثة في صحراء النقب والدامون حيث تنقل علام الصغير.
تعيد نشر قهرها ، فعلام كان بصدد إكمال دراسة الثانوية العامة، وهو المدلل الذي أصبح يشاركها ليلها وحلمها المزعج .
تسترسل: إذا ما طلع النهار وتوجه الطلبة لمدارسهم أتذكر علام، وإذا ما حان موعد إعداد طعام الإفطار يشاركني البكاء على أولادي الأربعة، وحينما أتوجه إلى حقلي أتخيل الأيام الماضية عندما كنا نعمل معاً ونملأ الأرض.
وفي اللحظة التي أفتح فيها خزانة الملابس وأعيد ترتيب الغسيل، تتجدد الأحزان على من غابوا، وإذا ما صعدت على سطح المنزل أبدأ بالنداء على بسام، ولا تفارقني الحسرة على عزام إذا ما طهوت الطعام الذي كان مولعاً به.
لأم ظافر أبو خضر أيضاً مع القيود المزدوجة حكاية، فهي وفق راغب أبو دياك، أم لأربعة أسرى، فمحمد تستقطع القيود منه 30 شهراً، وتسرق القيود من أحمد أياماً لا تحصى، فمحكوم عليه بالأسر أحد عشر مؤبداً إضافة لعشرين سنة أخرى، ومحمود مأسور لثلاث سنوات، أما عبد الرحمن فستستولي جدران اليأس على سبع سنوات من شبابه، وكذا الحال لأم علي عويس التي سرقت القيود ابنتيها في ليليتين سوادوين….
أطفال في الظلام!
ووفق أحدث إحصائية صدرت عن نادي الأسير يوم الثاني عشر من آب الحالي، فإن جدران اليأس تسرق 7400 عاشقاً للحرية، بينهم 470 طفلاً دون الثامنة عشرة، و 107 أسيرات، من بينهن 21 أماً و 16 قاصرة و طفلين رأيا النور المظلم وراء القضبان وهما وائل ونور، وخمس أسيرات محكوما إداريا، و 700 مريضاً بحاجة ماسة لعلاج جراحي، و700 أسير إداري بلا محكمة، و 32 قاصراً محكومين إدارياً، و30 تعزلهم إدارات القهر انفراديا، و17 أمضوا أكثر من عشرين سنة وراء القضبان، ينهم الأسير سعيد العتبة الذي اقتطعت الجدران المظلمة 28 سنة من عمره. وقدر النادي، إجمالي المواطنين الفلسطينيين الذين أعتقلهم الاحتلال بأربعين ألف و 2500 طفلاً و 300 أسيرة…
وشرع عشاق الحرية بخوض حرب الجوع، احتجاجا على تردي أوضاعهم، وامتهان إنسانيتهم، ولوقف ممارسات القهر والإذلال المنظم الذي مارسه إدارات السجون بحقهم، الأمر الذي يتعارض وأبسط حقوق الإنسان، ويشكل انتهاكاً صارخاً للمواثيق والاتفاقات الدولية.
علي و رهام…
في الثامن عشر من آب الحالي أيضاً، وضع الفتى على إبراهيم برنامجاً للتضامن مع شقيقه القابع خلف قضبان معتقل مجدو، فمنذ الصباح الباكر رافق والدته، وأحتضن صورة شقيقه، واتجها لمقر الهلال الأحمر، ثمة الاعتصام..
تحدى علي والعشرات من نظراؤه والمئات من الأمهات و غيرهم قيظ الصيف ، وجابوا شوارع المدينة.
يقول علي: إذا كنا نتعب من مسيرة ساعة، فكيف بأخي ورفاقه، يهانون كل ساعة من سجانيهم!!
لرهام حسن، الطالبة الجامعية، حكاية مغايرة مع القيد. فهي تهتم بعنف بتفاعلات الأسر والقضبان. ومع انطلاق الانتفاضة بدأت بأرشفة القصاصات الصحافية التي تركز على الأسيرات وأوجاعهن.
تروي رهام: لعله أكثر ما نقش ذاكرتي وأثر في، ما نشر مؤخرا حول الأسيرة أسماء أبو الهيجاء من مخيم جنين، التي حكم الاحتلال عليها بالسجن 6 أشهر، فيما نجلها عبد السلام معتقل منذ الربيع الماضي، وأتى القيد على الأب جمال أبو الهيجاء بعد فترة وجيزة. ليتحول ثلاثتهم لأسرى يفتقدون للحرية الحمراء.
تقول: شطر الاحتلال عائلة أبو الهيجاء إلى قسمين. المجموعة الأولى، الأب والأم- قبل إطلاق سراحها- والابن الأكبر عبد السلام، يتوزعون على سجون ( هادارايم ) و ( شطة ) و( الرملة ) فيما الصغار حمزة، ابن الربيع التاسع وساجدة ( 7 سنوات وعاصم ( 12 عاما ) وعماد ابن الخامسة عشرة تركوا بعد أن هدم الاحتلال منزلهم للعيش وحيدين في بيت جدهم الراحل داخل أزقة مخيم جنين.
تضيف : الأنكى من ذلك كله كون الأم أسماء تعاني سرطانا في الدماغ ، وكتلة من اللحم الزائد عن الحاجة ، بعد أن أجريت لها عملية جراحية في مشافي عمان قبل فترة وجيزة . وكانت الأم بحاجة لعلاج كيماوي لمدة طويلة عقب عملية جراحية كان مقررا إجراؤها في القدس بعد عيد الأضحى، فيما كان للاحتلال كلام آخر..
تختتم : أكثر ما أثر في ذلك العنوان الذي اختارته دورية " صوت النساء" : لماذا اعتقلوا والدتنا المريضة ، في إشارة لتساؤلات الصغار الأربعة . وتشير لحديث الابن عماد : لقد تركونا بلا حضن دافئ .
أطفال الحرية
يشير الأسير السابق سامر إبراهيم للأطفال الأسرى فيقول : أصدر الاحتلال في أواخر شهر آذار من العام الفائت ، أمرا عسكريا يحمل الرقم ( 1500 ) الذي لم يفرق في سن الأسرى بين بالغ أو قاصر ، دون إعطاء أي استثناء للأطفال .
يعرض سامر الذي أمضى في سجون الاحتلال 7 سنوات، حال الأطفال هؤلاء، إذ يحرمون من مقابلة محاميهم أو زيارة ذويهم، ويتعرضون لأصناف تعذيب مختلفة، ويمنعون من الأكل والنوم، ويتركون تحت المطر بلا ملاذ.
تضيف: الأقسى أن إدارة السجون تعتبر المعتقلين الذين تزيد أعمارهم عن 16 عاما أطفالا. وبالتالي فإنها تعاملهم على أساس كونهم بالغين.
ومن هم دون سن السادسة عشر يعتبرون أطفالا دون منحهم أي خصوصية سوى وضعهم أحيانا في غرف منفصلة كالحال الموجود سابقا في معتقل مجدو، الذي كان يخصص القسم الثالث لهؤلاء.
يختتم سامر: لا تقف المسائل عند هذا الحد، إذ يتم دمج المعتقلين السياسيين الأطفال مع الجنائيين الأحداث الإسرائيليين، الأمر الذي يعد " تعذيبا إضافيا " لهؤلاء الصغار.
تذكرت هنا رد سجان جلاد على أطفال سجن الخليل الذين طلبوا رؤية أشعة الشمس، فرسم لهم على حائط زنزانتهم قرصا أصفر ليلقي القبض على أحلامهم مرة أخرى.
أم إبراهيم والقيد
لأم إبراهيم مع القيد حكاية أخرى، إذ تناوب ثلاثة من أبنائها: إبراهيم وعادل ومجدي على المعتقلات خلال الانتفاضتين " الكبرى87 والأقصى 2000 " فباتت تلم بكل الترتيبات للمعتقلات، وبقوائم ما يسمح وما لا يسمح بإدخاله خلال الزيارات التي أصبحت غائبة جدا، وأماكن تجمع الحافلات وترتيباتها وحتى أسماء المعتقلات ومواقعها الجغرافية.
أسرعت أم إبراهيم لمقر الصليب الأحمر في مدينة جنين للتأكد من صحة الأحاديث حول استئناف زيارات المعتقلين. لكن فرحتها لم تكتمل حينما علمت أن أسرى جنين ليس مسموحا بزيارتهم بعد.
ومع ذلك فرحت لأمهات أسرى قلقيلية ورام الله وأريحا اللواتي سيتمكن من زيارة أبنائهن . انطلقت الأم المعذبة وهي تتمنى رؤية نجلها الذي لم تره منذ سنة ونصف ، وإن كانت الهواتف النقالة تسمح لها بسماع صوته ، لكنا تتحسر لأن الصوت لن يغنيها عن الصورة .
يتذكرون أبو السكر
يرتبط أحمد سعيد، 28 عاما، مع السجن بذكريات مرة. يقول:قبل العام 1990 وحكم عليه بالسجن لثلاث سنوات.
يقول : أتذكر أدبيات الأسر ، وكيف كنا نقرأ ونتعلم ، ما دفعني للاستمرار بعد الإفراج بتتبع أخبار رفاق القيد
" الأسير أبو السكر، الرجل الرمز لآلاف الأسرى القابعين في عتمة القضبان، مثال حي على الإرادة " بهذا الإيجاز عبر أحمد عن علاقة صاغها مع قضايا كبيرة يجب أن يدركها من لم يذق قسوة القيد والجلاد.
" رسالة لم يحملها البريد "
لا زال أحمد يحتفظ برسالة نشرتها إحدى الصحف المحلية من أم إلى ابنها الذي قضى ربع قرن وأكثر خلف القضبان.
يروي : كم تأثرت وأنا أقرأ كلمات والدة سعيد العتبة ( أبو الحكم ) ابن نابلس الذي يعد ثاني أقدم أسير فلسطيني ، إذ اعتقل العام 79 وهو ابن 28 عاما أضيف إليها مثلها تقريبا في زنازين المحتل .
يقتبس بعضا مما قالته الأم: " الأرض دائما تشتاق لعناق أهلها ورجالاتها الأقوياء، وفي آخر زيارة يقول ابني: مات أبي وعمي الآخر وخالتي وخالتي الأخرى وجدتي وجدتي الأخرى، ومات الصمت القاتل وشعبي لم يمت. ولولا الرغبة لأن أضم ابني إلى صدري قبل أن أرى وجه ربي، لأدمنت الصبر "
أم أحمد
تعود رهام حسن، لروي حكاية أخرى عن أم أحمد التي كان أربعة من أبنائها يقبعون في سجون الاحتلال حتى بداية العام الحالي تروي: لأم أحمد عوادة استثناء مختلفا، فهي في الأربعينيات من عمرها، وتفتقد فلذات كبدها الأربعة. فأحمد معتقل منذ نيسان عام 2002 ويقبع في معتقل النقب ، فيما أشرف معتقل منذ الشهر ذاته في سجن عوفر ، بينما أمجد خلف قضبان مجدو ، وأيمن اعتقل في تموز 2002 ، وأخضع للتحقيق في سجن الجلمة . والحالة كهذه، بحسب رهام، فإن أم أحمد، وتبعا لما تناقلته وسائل الإعلام قبل فترة، تحفظ عن ظهر قلب أسماء السجون الإسرائيلية، حيث ينفى أبناءها الأربعة بعيدين عن فضاءات الحرية.
ولا تكاد أم أحمد وأم إبراهيم، إلا نموذجان تندرج على حال مئات الأمهات، اللواتي يجمع بعضهن بين مرارات الاعتقال، والاستشهاد أو الإعاقة... كيف لا وهن " سيدات الروح ".