عبد الباسط خلف
16-08-2005, 07:23 PM
كتب عبد الباسط خلف :
تشرع ، مقدمة برنامج " للنساء فقط " في قناة الجزيرة ، باستعراض أرقام مرعبة عن عالمنا العربي ، فمن الماء إلى الماء يشكل المعاقون وأصحاب الاحتياجات الخاصة 15 مليون وفق الإحصاءات الرسمية ، ويرتفع العدد طبقا للدراسات والأبحاث المستقلة ، إلى ما بين 20-30 مليون ، وتذهل الشبل المشاهدين عندما تشير لنسب أخرى تنطق بمأساة إضافية ، فوفق المؤسسة العربية لتأهيل الطفولة لا يتلقى غير 5 % من هؤلاء التأهيل اللازم ، في وقت تشير منظمة الصحة العالمية أن "سعداء الحظ" من بين هؤلاء هم 2% فقط … ووفق المؤشرات الحديثة فإن نجاح استراتيجيات التنمية قفي الدول مرتبطة بحجم الاهتمام بمن فقدوا " رحيق الحياة " وباتوا أجساداً لا حول لها ولا قوة .
انتقلت عين الكاميرا لدنيا الأطفال الأردنيين الذين ارتبطوا بكراس متحركة قسراً ، وبدأوا يرسمون أحلامهم من فوقها ببطيء ، متناسين عجزهم . تقدم هتاف السيد الأم لثلاثة أطفال معاقين شهادة ألم لبداية علاقتها بأبنائها ، وكيف هاجمها البكاء والإحباط لحظة اكتشافها للحقيقة الصعبة ، قبل أن تتحول لأم وأب وأخت وصديقة وممرضة لزهراتها ، وأخذت تعدهم للحظة الصعبة التي قد تنهال عليهم بسؤال الزملاء الأصحاء : لماذا لا تمشون مثلنا ؟
قدمت الصغيرة رزان ببراءة وتلقائية شهادة صغيرة أخرى : أتمنى أن أمشي ، وإذا لم أمش فسأدخل الجنة … حاولت د. غادة فقيه ، نائب رئيس مجلس إدارة مركز الشفلح لذوي الاحتياجات الخاصة القطري ، جاهدة الإجابة على انفعالية الأسرة وغضبها واستنكارها لحظة اكتشافها لإعاقة الأبناء وتأثير ذلك عليهم ، وبالطبع فإن الأم العربية هي التي تدفع الفاتورة باهظة الثمن لواقع كهذا .
وجهت أخصائية اضطرابات النطق واللغة الأردنية سناء جميل ، دعوة للإسراع في اكتشاف إعاقة الأبناء ، وعدم التشكيك بنتائج التشخيص ، لأن ذلك سيؤثر على الخدمات التأهيلية المقدمة لهم ، مع إبلاء الجانب النفسي أهمية كبيرة .
واقع مرير
وتحدثت طبيب نفس الأطفال إيمان السيد ، عن ضرورة تشكيل فريق متكامل للتعامل مع الأطفال المعاقين ، يتكون من طبيب نفسي متخصص ، وآخر في طب الأطفال ، وأخصائي اجتماعي ونفسي وخبير لغوي ، يعنى بالمشاركة بالتشخيص السليم للحالات المختلفة ، وينقل الوعي للأسرة ويطوره ، ويمنحها إرشاداً عاليا . لكن السيد لم تنكر صورة الواقع العربي الرديء الذي لا يوفر أدنى رعاية للأطفال ، ولا يحاول التعرف على نقاط ضعفهم أو قوتهم … واستعرضت حال التجربة المصرية التي تهتم بهؤلاء ببطء مرعب . وأشارت الفقيه إلى أن الخدمات للمعاقين وإن وجدت ينقصها تكاثف مؤسسات المجتمع ، ففي الولايات المتحدة مثلا ، يتحول الأطفال الصغار المعاقين لمحامين عن أنفسهم ، كون قانون الاحتياجات الخاصة يمنحهم الكثير .
وأعربت جميل عن الحاجة الماسة لهؤلاء من أجل الوقوف إلى جانبهم ، وضرورة محو أمية الأسر حتى التي لا يوجد بها معاقين ، كي يكون العلاج ناجعاً ، مع الابتعاد عن القدرية في هذه المسائل لأنها قد تأتي بمردود سلبي .
تقول : في المدارس العربية وطوال اثنتي عشرة سنة ، لم تتطرق المناهج لمصطلح المعاق ، ولو مرة واحدة . وربما صورته أحيانا ذاك الطفل الذي يساعد ضريرا على قطع الشارع بشكل عابر . في حين لا يقدم الإعلام أي جهد للوقاية أو التعريف بهذا الواقع الصعب الذي يبقى الجهل فيه العنوان الأبرز .
بدورها ، غرقت السيد في تعريف مرض " التوحد" المنتشر في العالم العربي ، والذي هو أحد الإعاقات المؤثرة على قدرات الأطفال النفسية ، والسلبية جداً في اندماجهم المجتمعي ، وما يرافقه من حركات سلوكية ونطقية ، والتعبير عن القدرات الذهنية . لكن الخطير أن مرضاً كهذا يلفه الجهل ، وفي حالات كثيرة تكتشف الأمهات متأخراً إصابة أبنائهن بهذا الداء الذي وصفته جميل بالمتزامن، مع التفاوت الاجتماعي واللغوي والمهاراتي لدى المصابين به .
المعاق متهم أيضاً..
وقالت الشبل إن المرأة العربية تدفع الثمن مرتين ، في حالة إصابة أولادها بإعاقات ، فهي أولاً التي تتحمل مسؤولية مواصفات طفل كهذا ، ثم تصبح المسولة اليتيمة عند رعايته . وأضافت أن الكثير من الأسر العربية تتعامل مع الطفل المعاق وكأنه عار وجريمة ، وتغلق عليه الباب . وأشارت الفقيه إلى أن المطلوب من مجتمعنا تفهم الحال القاسي لهؤلاء والعمل على دمجهم لا رفضهم . وذهبت أخصائية الاضطرابات اللغوية والنطقية للاعتقاد بأن هناك نظرة سلبية تسبق الإعاقة ، وتحاكمها على أنها تخلف وعار ، وتقلل من قيمتها .مشيرة لإشكالية الأسر الفقيرة التي تكون قد علقت آمالاً على طفلها قبل الإعاقة ، لكن العكس يصيبها بالنكسة .
وقالت جميل إن كل فضائيات الأرض تخصص برامج للموضة والطبخ ، لكنها لا تقدم شيئاً للمعاق أو تشرح احتياجاته .
وقدم الليبي المقيم في سويسرا ، والكفيف منذ الولادة، عمر عبد العزيز ، في اتصال هاتفي ، صورة لواقع بلده الرافض حتى فترات حديثة لدمج الكفيف ، أو تزويجه ، ما اضطر " العميان القدامى " للزواج من أقطار أخرى .
واستعرض حال التربية السويسرية ، فالأطفال حينما يمنحون معلومات عن الكفيفين ، يطلب منهم إغماض أعينهم ثم السفر في الغابة والسير في الشارع كي يشعروا بزملائهم .
وروى عبد العزيز قصة مدرسته التي نقلت إليه المعارف الكثيرة ، فقد أبقت عيناها مغمضتين لستة أشهر كي تستطيع فهم مشاعر طلابها وحاجاتهم ، وأن لا تمارس عليهم نظريات مجردة سرعان ما تسقط .
وتجولت الكاميرا ثانية في أروقة مؤسسة زهرة الشفلح القطرية، المدرسة التي تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة إذ أجمع عاملوها على أن الحب ضروري للمعاق من جانب أسرته ، لكن الشفقة مرفوضة . وأسس المركز وحدة خاصة لتدريب الأهالي على طرق التواصل والاندماج مع أطفالهم ، حتى لا يشعروا بأن لديهم عجزاً ، لم يكونوا مسؤولين عن وجوده ولم يساهموا في تحديد ملامحه .
فساد
نقلت مقدمة البرنامج ، صورة لما رسمته صحافية عربية لمؤسسات الرعاية بأصحاب الاحتياجات الخاصة ، فقد أطلقت على تلك المراكز لقب" دور احتجاز الفتيات" ، إذ وجدت أن المعاقات أنفسهن يقمن بمساعدة بعضهن البعض ، وفي حالات أخرى ظلت فتاة كسرت يدها تحظى برعاية زميلتها حتى ماتت .
والصبية ليسوا بأحسن حال فهم بملابس رثة وأوضاع مزرية ، فيما الأطباء يتحدثون على انفراد ويتبادلون الضحك ، ويتعاملون معهم وفق إحدى الأمهات " كالأغنام " ، لدرجة أنهم يركلونهم بالأرجل
وقالت جميل إن مشكلة المراكز التي تقف على رعاية المعاقين تكمن في تسلل الفهم التجاري لها ، وتحولها إلى مراكز إيوائية ، وكأنها دور للعجزة ، بعد تخلص بعض الأسر من أطفالهم الذين يصورونهم عبئا نفسيا . وتحدث مفيدة بن يعلان من بروكسل عن مفارقة العالم العربي الذي لا يهتم بالإنسان السليم ولا يقدم له الرعاية أو الاهتمام ، فكيف الحال بالنسبة للمعاقين الذي يحاطون بخجل الأهل وارتباكهم ورفضهم .
وأبحرت د. أيمان السيد في مخاطر دمج الأطفال في المجتمع ، ومحاسنه ، فقالت إن المعاق لا يؤثر على غيره في حال تلقيه التعليم الأكاديمي معه ، لكنه يحتاج لرعاية فائقة ، والذي ينقصه الدمج الجزئي ، فيما نكرانه اجتماعياً سيولد ضغوطاً نفسية عليه تسبب الاكتئاب والنقمة تجاه مجتمع ينكر وجوده ويخالفه في السلوك .
وأشارت فقيه إلى أن العالم العربي بحاجة للكثير من الاختبارات والدراسات كي تعرفنا بكيفية الاستفادة من المعاقين بعد دمجهم وتأهيلهم ، وأنهت جميل حديثها بالقول : إن الاتجاه الحالي في عالمنا العربي يرفض أطفال الإعاقات الخاصة ، فيما كان التعبير الأخير للونا الشبل : الإعاقة ليست جريمة والمعاق ليس مجرماً .
الفلسطينيات الغائبات
لكن اللافت في الحواريات النسوية هذه ، غياب الأمهات الفلسطينيات التي راكم إليهن الرصاص الإسرائيلي إعاقات أخرى ، فهن اللواتي ثكلن 463 طفلا خلال سنتي الانتفاضة الأولتين ، وتجرعن مر انتزاع روح الحياة عن أكثر من 25 ألف " حبيب " ، فباتوا أجساداً خاوية تعاني موتاً سريرياً ، وتجبر على" توقيع معاهدة صداقة" مع العجلات الخاصة ، ويكبر فيها الموت كل يوم ، بعد أن تكسرت أجنحتهم وزرعت رصاصات الحقد في أجسادهم عجزاً أبدياً . وحواء الفلسطينية تحولت إلى راعية لأطفالها المعاقين بفعل الرصاص ، إذ تيعش لحظات قاسية كل يوم وهي تنظر إلى فلذة كبدها الذي تحول لمجرد جسد هزيل…… .
تصف أم محمد زكارنة من بلدة قباطية ، جنوب جنين ، كيف عاد ابنها " 16 عاما " الذي أصابه الشلل لرضيع مرة أخرى ،وأصبح يحتاج إلى حفاظات ورعاية أولية ثانية . تروي ختام أبو ناعسة : عند تلك اللحظة شعرت بعذابات لا تكاد تنتهي ، وطرأت تغيرات على حياتنا ، فأصبحنا نحرم الأطباق التي كان محمد مولع بها ، وتحولت غرفة نومه إلى مكان موحش ، وأشياؤه الخاصة التي ما زالت هنا تفتح جراحنا . وأم محمد تختزل بأوجاعها حال آلاف الفلسطينيات اللواتي حرمن من مرح أعزائهن المعاقين بعنف .
تشرع ، مقدمة برنامج " للنساء فقط " في قناة الجزيرة ، باستعراض أرقام مرعبة عن عالمنا العربي ، فمن الماء إلى الماء يشكل المعاقون وأصحاب الاحتياجات الخاصة 15 مليون وفق الإحصاءات الرسمية ، ويرتفع العدد طبقا للدراسات والأبحاث المستقلة ، إلى ما بين 20-30 مليون ، وتذهل الشبل المشاهدين عندما تشير لنسب أخرى تنطق بمأساة إضافية ، فوفق المؤسسة العربية لتأهيل الطفولة لا يتلقى غير 5 % من هؤلاء التأهيل اللازم ، في وقت تشير منظمة الصحة العالمية أن "سعداء الحظ" من بين هؤلاء هم 2% فقط … ووفق المؤشرات الحديثة فإن نجاح استراتيجيات التنمية قفي الدول مرتبطة بحجم الاهتمام بمن فقدوا " رحيق الحياة " وباتوا أجساداً لا حول لها ولا قوة .
انتقلت عين الكاميرا لدنيا الأطفال الأردنيين الذين ارتبطوا بكراس متحركة قسراً ، وبدأوا يرسمون أحلامهم من فوقها ببطيء ، متناسين عجزهم . تقدم هتاف السيد الأم لثلاثة أطفال معاقين شهادة ألم لبداية علاقتها بأبنائها ، وكيف هاجمها البكاء والإحباط لحظة اكتشافها للحقيقة الصعبة ، قبل أن تتحول لأم وأب وأخت وصديقة وممرضة لزهراتها ، وأخذت تعدهم للحظة الصعبة التي قد تنهال عليهم بسؤال الزملاء الأصحاء : لماذا لا تمشون مثلنا ؟
قدمت الصغيرة رزان ببراءة وتلقائية شهادة صغيرة أخرى : أتمنى أن أمشي ، وإذا لم أمش فسأدخل الجنة … حاولت د. غادة فقيه ، نائب رئيس مجلس إدارة مركز الشفلح لذوي الاحتياجات الخاصة القطري ، جاهدة الإجابة على انفعالية الأسرة وغضبها واستنكارها لحظة اكتشافها لإعاقة الأبناء وتأثير ذلك عليهم ، وبالطبع فإن الأم العربية هي التي تدفع الفاتورة باهظة الثمن لواقع كهذا .
وجهت أخصائية اضطرابات النطق واللغة الأردنية سناء جميل ، دعوة للإسراع في اكتشاف إعاقة الأبناء ، وعدم التشكيك بنتائج التشخيص ، لأن ذلك سيؤثر على الخدمات التأهيلية المقدمة لهم ، مع إبلاء الجانب النفسي أهمية كبيرة .
واقع مرير
وتحدثت طبيب نفس الأطفال إيمان السيد ، عن ضرورة تشكيل فريق متكامل للتعامل مع الأطفال المعاقين ، يتكون من طبيب نفسي متخصص ، وآخر في طب الأطفال ، وأخصائي اجتماعي ونفسي وخبير لغوي ، يعنى بالمشاركة بالتشخيص السليم للحالات المختلفة ، وينقل الوعي للأسرة ويطوره ، ويمنحها إرشاداً عاليا . لكن السيد لم تنكر صورة الواقع العربي الرديء الذي لا يوفر أدنى رعاية للأطفال ، ولا يحاول التعرف على نقاط ضعفهم أو قوتهم … واستعرضت حال التجربة المصرية التي تهتم بهؤلاء ببطء مرعب . وأشارت الفقيه إلى أن الخدمات للمعاقين وإن وجدت ينقصها تكاثف مؤسسات المجتمع ، ففي الولايات المتحدة مثلا ، يتحول الأطفال الصغار المعاقين لمحامين عن أنفسهم ، كون قانون الاحتياجات الخاصة يمنحهم الكثير .
وأعربت جميل عن الحاجة الماسة لهؤلاء من أجل الوقوف إلى جانبهم ، وضرورة محو أمية الأسر حتى التي لا يوجد بها معاقين ، كي يكون العلاج ناجعاً ، مع الابتعاد عن القدرية في هذه المسائل لأنها قد تأتي بمردود سلبي .
تقول : في المدارس العربية وطوال اثنتي عشرة سنة ، لم تتطرق المناهج لمصطلح المعاق ، ولو مرة واحدة . وربما صورته أحيانا ذاك الطفل الذي يساعد ضريرا على قطع الشارع بشكل عابر . في حين لا يقدم الإعلام أي جهد للوقاية أو التعريف بهذا الواقع الصعب الذي يبقى الجهل فيه العنوان الأبرز .
بدورها ، غرقت السيد في تعريف مرض " التوحد" المنتشر في العالم العربي ، والذي هو أحد الإعاقات المؤثرة على قدرات الأطفال النفسية ، والسلبية جداً في اندماجهم المجتمعي ، وما يرافقه من حركات سلوكية ونطقية ، والتعبير عن القدرات الذهنية . لكن الخطير أن مرضاً كهذا يلفه الجهل ، وفي حالات كثيرة تكتشف الأمهات متأخراً إصابة أبنائهن بهذا الداء الذي وصفته جميل بالمتزامن، مع التفاوت الاجتماعي واللغوي والمهاراتي لدى المصابين به .
المعاق متهم أيضاً..
وقالت الشبل إن المرأة العربية تدفع الثمن مرتين ، في حالة إصابة أولادها بإعاقات ، فهي أولاً التي تتحمل مسؤولية مواصفات طفل كهذا ، ثم تصبح المسولة اليتيمة عند رعايته . وأضافت أن الكثير من الأسر العربية تتعامل مع الطفل المعاق وكأنه عار وجريمة ، وتغلق عليه الباب . وأشارت الفقيه إلى أن المطلوب من مجتمعنا تفهم الحال القاسي لهؤلاء والعمل على دمجهم لا رفضهم . وذهبت أخصائية الاضطرابات اللغوية والنطقية للاعتقاد بأن هناك نظرة سلبية تسبق الإعاقة ، وتحاكمها على أنها تخلف وعار ، وتقلل من قيمتها .مشيرة لإشكالية الأسر الفقيرة التي تكون قد علقت آمالاً على طفلها قبل الإعاقة ، لكن العكس يصيبها بالنكسة .
وقالت جميل إن كل فضائيات الأرض تخصص برامج للموضة والطبخ ، لكنها لا تقدم شيئاً للمعاق أو تشرح احتياجاته .
وقدم الليبي المقيم في سويسرا ، والكفيف منذ الولادة، عمر عبد العزيز ، في اتصال هاتفي ، صورة لواقع بلده الرافض حتى فترات حديثة لدمج الكفيف ، أو تزويجه ، ما اضطر " العميان القدامى " للزواج من أقطار أخرى .
واستعرض حال التربية السويسرية ، فالأطفال حينما يمنحون معلومات عن الكفيفين ، يطلب منهم إغماض أعينهم ثم السفر في الغابة والسير في الشارع كي يشعروا بزملائهم .
وروى عبد العزيز قصة مدرسته التي نقلت إليه المعارف الكثيرة ، فقد أبقت عيناها مغمضتين لستة أشهر كي تستطيع فهم مشاعر طلابها وحاجاتهم ، وأن لا تمارس عليهم نظريات مجردة سرعان ما تسقط .
وتجولت الكاميرا ثانية في أروقة مؤسسة زهرة الشفلح القطرية، المدرسة التي تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة إذ أجمع عاملوها على أن الحب ضروري للمعاق من جانب أسرته ، لكن الشفقة مرفوضة . وأسس المركز وحدة خاصة لتدريب الأهالي على طرق التواصل والاندماج مع أطفالهم ، حتى لا يشعروا بأن لديهم عجزاً ، لم يكونوا مسؤولين عن وجوده ولم يساهموا في تحديد ملامحه .
فساد
نقلت مقدمة البرنامج ، صورة لما رسمته صحافية عربية لمؤسسات الرعاية بأصحاب الاحتياجات الخاصة ، فقد أطلقت على تلك المراكز لقب" دور احتجاز الفتيات" ، إذ وجدت أن المعاقات أنفسهن يقمن بمساعدة بعضهن البعض ، وفي حالات أخرى ظلت فتاة كسرت يدها تحظى برعاية زميلتها حتى ماتت .
والصبية ليسوا بأحسن حال فهم بملابس رثة وأوضاع مزرية ، فيما الأطباء يتحدثون على انفراد ويتبادلون الضحك ، ويتعاملون معهم وفق إحدى الأمهات " كالأغنام " ، لدرجة أنهم يركلونهم بالأرجل
وقالت جميل إن مشكلة المراكز التي تقف على رعاية المعاقين تكمن في تسلل الفهم التجاري لها ، وتحولها إلى مراكز إيوائية ، وكأنها دور للعجزة ، بعد تخلص بعض الأسر من أطفالهم الذين يصورونهم عبئا نفسيا . وتحدث مفيدة بن يعلان من بروكسل عن مفارقة العالم العربي الذي لا يهتم بالإنسان السليم ولا يقدم له الرعاية أو الاهتمام ، فكيف الحال بالنسبة للمعاقين الذي يحاطون بخجل الأهل وارتباكهم ورفضهم .
وأبحرت د. أيمان السيد في مخاطر دمج الأطفال في المجتمع ، ومحاسنه ، فقالت إن المعاق لا يؤثر على غيره في حال تلقيه التعليم الأكاديمي معه ، لكنه يحتاج لرعاية فائقة ، والذي ينقصه الدمج الجزئي ، فيما نكرانه اجتماعياً سيولد ضغوطاً نفسية عليه تسبب الاكتئاب والنقمة تجاه مجتمع ينكر وجوده ويخالفه في السلوك .
وأشارت فقيه إلى أن العالم العربي بحاجة للكثير من الاختبارات والدراسات كي تعرفنا بكيفية الاستفادة من المعاقين بعد دمجهم وتأهيلهم ، وأنهت جميل حديثها بالقول : إن الاتجاه الحالي في عالمنا العربي يرفض أطفال الإعاقات الخاصة ، فيما كان التعبير الأخير للونا الشبل : الإعاقة ليست جريمة والمعاق ليس مجرماً .
الفلسطينيات الغائبات
لكن اللافت في الحواريات النسوية هذه ، غياب الأمهات الفلسطينيات التي راكم إليهن الرصاص الإسرائيلي إعاقات أخرى ، فهن اللواتي ثكلن 463 طفلا خلال سنتي الانتفاضة الأولتين ، وتجرعن مر انتزاع روح الحياة عن أكثر من 25 ألف " حبيب " ، فباتوا أجساداً خاوية تعاني موتاً سريرياً ، وتجبر على" توقيع معاهدة صداقة" مع العجلات الخاصة ، ويكبر فيها الموت كل يوم ، بعد أن تكسرت أجنحتهم وزرعت رصاصات الحقد في أجسادهم عجزاً أبدياً . وحواء الفلسطينية تحولت إلى راعية لأطفالها المعاقين بفعل الرصاص ، إذ تيعش لحظات قاسية كل يوم وهي تنظر إلى فلذة كبدها الذي تحول لمجرد جسد هزيل…… .
تصف أم محمد زكارنة من بلدة قباطية ، جنوب جنين ، كيف عاد ابنها " 16 عاما " الذي أصابه الشلل لرضيع مرة أخرى ،وأصبح يحتاج إلى حفاظات ورعاية أولية ثانية . تروي ختام أبو ناعسة : عند تلك اللحظة شعرت بعذابات لا تكاد تنتهي ، وطرأت تغيرات على حياتنا ، فأصبحنا نحرم الأطباق التي كان محمد مولع بها ، وتحولت غرفة نومه إلى مكان موحش ، وأشياؤه الخاصة التي ما زالت هنا تفتح جراحنا . وأم محمد تختزل بأوجاعها حال آلاف الفلسطينيات اللواتي حرمن من مرح أعزائهن المعاقين بعنف .