AMAL HASSAN
21-04-2004, 04:37 AM
الحجاب: تعبير عن هوية أم اختصار لموقف سياسي؟
هل الحجاب لباس تقليدي يعبر عن هوية معينة، ام انه يختصر موقفا سياسيا ما؟ ولماذا اقحمت فرنسا نفسها في هذا الامر الذي طرح جدلا واسعا ونقاشا حامياً حول مسيرة تحرر المرأة؟ ثمة مثل فرنسي يقول "اللباس لا يصنع الكاهن"، فهل ينطبق ذلك على من يرتدين الحجاب ايضا؟ في ما يأتي محاولة لمقاربة القضية والقاء الضوء على الخلافات والاختلافات حولها.
رنا شابة في الـ27 من عمرها، لبست الحجاب مذ كانت في الثامنة. تقول إن الأسباب التي دفعتها لارتدائه لم تكن ضغوطاً من الأهل، بل، بكل بساطة، مجرّد "قناعة ذاتية". غير أنها خلعته، مفاجئةً صديقاتها، منذ عام تقريباً، أي قبل إنطلاق الجدل الحالي. لماذا نزعته؟ لم تشأ الدخول في التفاصيل، الاّ أن قلبها لا يزال مليئاً بالإيمان، بحسب تطمينات شيخ من منطقتها. ورغم سفورها الحالي تظل رافضة تماماً لمشروع الرئيس الفرنسي جاك شيراك المانع للحجاب في المدارس والمؤسسات العامّة. وقد قرأت قرار شيراك بمنع الحجاب استفزازاً للمسلمين في فرنسا، و"خطوة ذكية إنتخابية في الدرجة الأولى لاستقطاب اليمين المتطرف واليسار على حدّ سواء". واعتبرت أن هذا المنعٌ يشكل حداً من الحريّة الشخصيّة في اللباس والتفكير. "من المفترض ألا يزعجهم الحجاب لأنه شكل من أشكال اللباس كما القبعة أو "الشال" اللذان يوضعان لأسباب مختلفة ومنها مثلاً إتقاء البرد". وتعترف رنا بأن وضع الـ"إيشارب" ممارسة دينية، ولكن السؤال الذي لا يجد جواباً مقنعاً لديها هو: كيف يسمح في المدارس بإرتداء ملابس غريبة بحجّة الموضة، أو يسمح بوضع أقراط في الأذن وفي الأنف، وفي المقابل يمنع الحجاب منعاً باتاً؟ ونسألها: هل نزلت الى الشارع مع الفتيات تعبيراً عن غضبهن من هذا المشروع؟ أجابت بالنفي وعقبت: "ولكن لو حصل ذلك قبل خلعي الحجاب لنزلت معهنّ". فهل موقفها هذا نابعٌ من عدم تماثلها مع محجّبات اليوم؟ أم لأن الفتاة تشعر لدى إلتزامها الحجاب أنها باتت جزءاً من مجموعة المحجّبات وبعد خلعه تصبح خارجها؟
تقول: "يُطلب منّا (أي الغرب) أن نطالب بحريّتنا في بلداننا العربيّة والإسلاميّة، ولكنهم في المقابل يقومون بسلبنا إياها في بلادهم". وعلى عكس كثر، لا تعتقد رنا أن لهذا الإجراء السياسي الفرنسي إرتباطاً بـ11 أيلول. "يحاولون القول إنهم خائفون من التطرف الإسلامي، ولكن لماذا لم تحذُ بريطانيا حذو فرنسا؟" في رأيها ان التعصب أو التطرف حالياً يأتي من الأشخاص الذين يرفضون الحجاب، وهي توافق من يقول إنه عندما تمنعين أي شخص عن أي شيء، من الطبيعي أن يتحدّى قرار منعك كردّة فعل طبيعيّة، فـ"ماذا يتوقّع شيراك؟ في الضواحي الفرنسية، من الصعب على الفتيات الإلتحاق بمدارس خاصة لظروف ماديّة، وتالياً بات عليهنّ الجلوس في المنزل إذا تعذّر عليهن خلع الحجاب!". رنا من بين الفتيات المدركات أن الخيار في عدم ارتداء الحجاب غير متاح في إيران أو في المملكة العربية السعودية، الاّ أنها لا تزال مقتنعة بأن فرنسا منبع حقوق الإنسان، عليها أن تتصرف في شكل مغاير. وتلفت الى أنه "في زمن والدتها -الذي ليس ببعيد - كان عدد الفتيات المحجبات أقلّ بكثير مما هو اليوم في منطقتها". ربما الكلّ موافق أن "لا إكراه في الدين" ولا إكراه في منع الممارسات الدينية، فالإتحاد السوفياتي "منع" ومن ثم "حصد" تفككاً. وزرع أتاتورك العلمانية في تركيا، واليوم ثمّة تيار منظم يناقض تصوّره! الجدل الحاصل بسبب "علمانية فرنسا" يدفعنا الى السؤال صراحة: لمَ ترتدي الفتيات الحجاب ولمَ تخلعنه؟
حيدر
ترتدي الشاعرة سحر حيدر الحجاب منذ مدّة، تقول: "بداية اخترت الحجاب لسببين أولهما وجودي في المملكة العربية السعودية لفترة طويلة، تأثرت خلالها بالأجواء والأصحاب، وثانيهما لأنني أديّت فريضة الحج، ويفترض بمن تؤديها ارتداء الزيّ الشرعي الإسلامي". أما السبب الشخصي الذي حثّها على ارتدائه فطموحها لأن يتأثر الناس بعقلها وفكرها وليس بشكلها الخارجي. ويحزنها كثيراً لجوء بعض المتطرفين الى تقزيم الإسلام في هذه الشكلية السطحيّة، أي اعتباره شعاراً أو رمزاً للإسلام. فالإسلام في نظرها أكبر وأوسع من أن يختصر في هذا الإطار الضيّق. الإسلام دين إنفتاح يحترم الآخر باختلافه. و نيّة الإنسان وصدقه مع ذاته أهمّ مما يرتدي. أما بالنسبة الى قرار شيراك فهي لا تعتقد أن حجاب المسلمات قد يؤثر على علمانية البلد في شيء. فهو زيّ ترتديه المسلمات مثلما ترتدي سائر الشعوب أزياء خاصة بها (الأفريقية والأندونيسية واليابانية...)، وكان الأجدر به أن يطلب التخفيف من إبراز العلامات الفارقة الدينية مراعاة للذوق العام كما فعلت بريطانيا مثلاً حيث وافقت وزارة التربية على ارتداء الطالبات الحجاب شرط أن يرتدين معه الزيّ المدرسي، حتى أن ثمّة مسلمات محجّبات بين موظفي مطار لندن. وتمنّت سحر أن يعرف المسلمون أينما وجدوا كيف يقيمون حدّاً فاصلاً بين الخاص والعام، بين المعتقد الشخصي والقيم الإجتماعيّة المشتركة ويطبّقون ذلك في بلدانهم ولا يشوّهون صورة الإسلام الحقيقيّة.
شيراك والإسلام
في خطاب شيراك حول مبدأ العلمانية في الجمهوريّة الفرنسيّة، قال أن "العالم يتغيّر والحدود تتلاشى والمبادلات تتكاثر. وفي الوقت نفسه فإن المطالب بالتمسّك بالهويّة أو الإنتماء الى مجموعات تتأكد وتتأجج، مهددة في الجنوح نحو التقوقع والإنغلاق على الذات ونحو الأنانية وأحياناً عدم التسامح أيضاً". وفي مكان آخر قال: "ولكي تظلّ فرنسا على ما هي، علينا اليوم الردّ على التساؤلات وأن ننزع فتيل التوترات التي تعبر مجتمعنا". واستناداً الى التقرير الصادر عن اللجنة الموكلة التفكير حول تطبيق مبدأ العلمنة في الجمهوريّة برئاسة برنار ستازي قال الرئيس شيراك: "لذا وبضمير واع، أعتبر أن ارتداء لباس أو أي إعلانات أخرى تشير جهاراً الى الإنتماء الديني يجب أن يتمّ حظرها في المدارس والمعاهد التكميليّة والثانويات. هناك علامات مستورة، غير ظاهرة سيبقى بالطبع مسموح بها، كالصليب على سبيل المثال أو نجمة داود أو يدّ فاطمة. ولكن العلامات الجليّة الفاضحة، أي تلك التي من شأن إرتدائها أن يؤدي الى تميّز الفرد بإختلافه عن الآخرين والتعرف عليه على الفور من خلال إنتمائه الديني، لا يجوز السماح بها. إن كلّ تلك العلامات، أي الحجاب الإسلامي، أو أيّاً كان المسمى الذي يطلق عليه، أو القبعة اليهوديّة أو الصليب ذا الحجم المبالغ به جهاراً، لن يكون لها مكان داخل أسوار المدارس الحكوميّة العامّة. فالمدرسة الحكوميّة ستبقى علمانيّة". وفي كتاب مفتوح وجهه العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله الى الرئيس الفرنسي أكدّ له فيه أن الحجاب في الإسلام هو التزام ديني كما هي الفريضة الدينيّة، مشيراً الى "أن منعه يمثّل اضطهاداً لحريّة الإنسان المسلم". وتساءل: "هل بلغت العلمانية مستوى من الضعف بحيث يخاف القائمون عليها من قطعة قماش توضع على الرأس؟"
لاحظت إحدى المدرّسات في لبنان أن عدداً من طالباتها يخلعن الحجاب والبعض الآخر يلبسه. هل الحجاب لباس تقليدي يعبّر عن هويّة معيّنة أم أنه يختصر موقفاً سياسياً؟ لماذا يحقّ لمن يريد تلوين شعره تلوينه؟ لماذا أدخلت فرنسا نفسها في هذه الحالة؟ هل كل الأسباب إنتخابية كما يقول البعض؟
يقول عليّ إن مشروع القانون الذي اقترحه الرئيس الفرنسي "ينبغي عدم إعتباره معادياً للإسلام بما أن الرئيس عبّر مراراً عن احترامه لكل العائلات الروحية، وكل ما أراده هو التأكيد أن العلمانية هي مبدأ راسخ في التقاليد الفرنسية. وهذا من حقّه". يختلف الحجاب بين بلد عربي وآخر. فالبعض يعتبره فريضة وليس رمزاً دينياً (فريضة سادسة)، ومنهم من يقول إنه كان فرضاً فقط على نساء النبي، وأن السيدة عائشة لم تلتزم الإحتجاب تماماً. بعض النساء المسلمات انتقدن من نزلن الى الشارع للدفاع عن حقوقهن بارتداء الحجاب في فرنسا، أنه كان أولى بهنّ التظاهر رفضاً للقوانين الجائرة بحقهنّ في البلدان العربية والإسلامية.
تظاهرات عالميّة إحتجاجاً على منع الحجاب، دعت المرأة "غير المحجّبة" المدافِعَة عن حقوق المرأة عموماً، الى التساؤل إذا كان من واجبها النزول أيضاً الى الشارع لدعم بنات جنسها. وتساءلن في ما لو كانت الحال "مقلوبة": هل كانت المحجبات ستنزلن الى الشارع للدفاع عن النساء اللواتي لا يرغبن في إرتداء الحجاب يوم يلزمن به؟ ففي إيران، مثلاً، هناك العديد من النساء المرغمات على ارتداء الحجاب ومنهنّ غير مسلمات. ولماذا تجاهل الناس أنّ مشروع القانون هذا لا يحظّر فقط الحجاب بل يحظر أيضاً القلنسوة والصليب في المدارس والمؤسسات العامّة. وقد قالت إحدى الجامعيات انه لو كان الثمن عدم إرتداء اليهود لقلنسوتهم فلمَ لا ندفعه؟
وثمة من قال إن الحجاب يزيد من أنوثة المرأة، ومنهم من قال إن كلّ محجوب مرغوب، وآخرون قالوا على العكس عندما نلبس الحجاب ونتمشى في شوارع القاهرة مثلاً نشعر بأننا محصّنات ضد المعاكسات غير المرغوبة. جدلية واسعة طرحها الحجاب. عندما صرّح شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي أنه "من حقّ" فرنسا إصدار قانون يحظّر الحجاب رغم تأكيده أن الحجاب فرض إلهي مرتبط بعيشها في دولة إسلامية. ولكن المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله اعتبر في تصريح شيخ الأزهر إساءة الى الإسلام وطالبه بالإعتذار. كما فتح الحجاب النقاش من جديد حول تقدّم مسيرة تحرر المرأة، فسأل البعض لماذا تتظاهر النساء في فرنسا ضد مشروع القانون هذا ولا يتظاهرن ضد الختان في مصر والسودان مثلاً؟ وأنه لو لم تتزايد ظاهرة إرتداء الحجاب من الفتيات المسلمات في فرنسا لما كان التفت شيراك الى هذه الظاهرة!
هناك مثل فرنسي شهير يقول: "اللباس لا يصنع الكاهن". فهل ينطبق ذلك على من يرتدون الحجاب أيضاً؟ إذ نسمع الكثير عن محاسن الحجاب ونسمع أيضاً عن استغلاله من البعض لإخفاء بعض حالات الفلتان الأخلاقي.
ونسأل: ماذا عن الفتيات المحجبات اللواتي يرغبن في الذهاب الى الجامعة وعائلاتهن يرفضن خروجهنّ من دونه؟ ماذا عن الفتيات المقتنعات بوضعه من منطلق ديني؟ وماذا عن المجموعة التي ترتديه لتسجيل موقف سياسي فتحافظ بالتالي على تقاليد بلدها وتجبه أيضاً اخطار العولمة وامّحاء هويتها؟
ختاماً، اياً تكن الظروف القاهرة التي يمرّ بها عصرنا، أي التعصبّ في جميع الإتجاهات ومن كل الأصناف والجنسيات، ينبغي على المؤمنين بالديموقراطية الحقيقية أن يتبعوا قولاً شهيراً لفولتير في الأوساط الصحافية يقول : "لا أوافقك الرأي، ولكني سأدافع الى آخر المطاف عن حقك في قوله".
مي اليان رزق
هل الحجاب لباس تقليدي يعبر عن هوية معينة، ام انه يختصر موقفا سياسيا ما؟ ولماذا اقحمت فرنسا نفسها في هذا الامر الذي طرح جدلا واسعا ونقاشا حامياً حول مسيرة تحرر المرأة؟ ثمة مثل فرنسي يقول "اللباس لا يصنع الكاهن"، فهل ينطبق ذلك على من يرتدين الحجاب ايضا؟ في ما يأتي محاولة لمقاربة القضية والقاء الضوء على الخلافات والاختلافات حولها.
رنا شابة في الـ27 من عمرها، لبست الحجاب مذ كانت في الثامنة. تقول إن الأسباب التي دفعتها لارتدائه لم تكن ضغوطاً من الأهل، بل، بكل بساطة، مجرّد "قناعة ذاتية". غير أنها خلعته، مفاجئةً صديقاتها، منذ عام تقريباً، أي قبل إنطلاق الجدل الحالي. لماذا نزعته؟ لم تشأ الدخول في التفاصيل، الاّ أن قلبها لا يزال مليئاً بالإيمان، بحسب تطمينات شيخ من منطقتها. ورغم سفورها الحالي تظل رافضة تماماً لمشروع الرئيس الفرنسي جاك شيراك المانع للحجاب في المدارس والمؤسسات العامّة. وقد قرأت قرار شيراك بمنع الحجاب استفزازاً للمسلمين في فرنسا، و"خطوة ذكية إنتخابية في الدرجة الأولى لاستقطاب اليمين المتطرف واليسار على حدّ سواء". واعتبرت أن هذا المنعٌ يشكل حداً من الحريّة الشخصيّة في اللباس والتفكير. "من المفترض ألا يزعجهم الحجاب لأنه شكل من أشكال اللباس كما القبعة أو "الشال" اللذان يوضعان لأسباب مختلفة ومنها مثلاً إتقاء البرد". وتعترف رنا بأن وضع الـ"إيشارب" ممارسة دينية، ولكن السؤال الذي لا يجد جواباً مقنعاً لديها هو: كيف يسمح في المدارس بإرتداء ملابس غريبة بحجّة الموضة، أو يسمح بوضع أقراط في الأذن وفي الأنف، وفي المقابل يمنع الحجاب منعاً باتاً؟ ونسألها: هل نزلت الى الشارع مع الفتيات تعبيراً عن غضبهن من هذا المشروع؟ أجابت بالنفي وعقبت: "ولكن لو حصل ذلك قبل خلعي الحجاب لنزلت معهنّ". فهل موقفها هذا نابعٌ من عدم تماثلها مع محجّبات اليوم؟ أم لأن الفتاة تشعر لدى إلتزامها الحجاب أنها باتت جزءاً من مجموعة المحجّبات وبعد خلعه تصبح خارجها؟
تقول: "يُطلب منّا (أي الغرب) أن نطالب بحريّتنا في بلداننا العربيّة والإسلاميّة، ولكنهم في المقابل يقومون بسلبنا إياها في بلادهم". وعلى عكس كثر، لا تعتقد رنا أن لهذا الإجراء السياسي الفرنسي إرتباطاً بـ11 أيلول. "يحاولون القول إنهم خائفون من التطرف الإسلامي، ولكن لماذا لم تحذُ بريطانيا حذو فرنسا؟" في رأيها ان التعصب أو التطرف حالياً يأتي من الأشخاص الذين يرفضون الحجاب، وهي توافق من يقول إنه عندما تمنعين أي شخص عن أي شيء، من الطبيعي أن يتحدّى قرار منعك كردّة فعل طبيعيّة، فـ"ماذا يتوقّع شيراك؟ في الضواحي الفرنسية، من الصعب على الفتيات الإلتحاق بمدارس خاصة لظروف ماديّة، وتالياً بات عليهنّ الجلوس في المنزل إذا تعذّر عليهن خلع الحجاب!". رنا من بين الفتيات المدركات أن الخيار في عدم ارتداء الحجاب غير متاح في إيران أو في المملكة العربية السعودية، الاّ أنها لا تزال مقتنعة بأن فرنسا منبع حقوق الإنسان، عليها أن تتصرف في شكل مغاير. وتلفت الى أنه "في زمن والدتها -الذي ليس ببعيد - كان عدد الفتيات المحجبات أقلّ بكثير مما هو اليوم في منطقتها". ربما الكلّ موافق أن "لا إكراه في الدين" ولا إكراه في منع الممارسات الدينية، فالإتحاد السوفياتي "منع" ومن ثم "حصد" تفككاً. وزرع أتاتورك العلمانية في تركيا، واليوم ثمّة تيار منظم يناقض تصوّره! الجدل الحاصل بسبب "علمانية فرنسا" يدفعنا الى السؤال صراحة: لمَ ترتدي الفتيات الحجاب ولمَ تخلعنه؟
حيدر
ترتدي الشاعرة سحر حيدر الحجاب منذ مدّة، تقول: "بداية اخترت الحجاب لسببين أولهما وجودي في المملكة العربية السعودية لفترة طويلة، تأثرت خلالها بالأجواء والأصحاب، وثانيهما لأنني أديّت فريضة الحج، ويفترض بمن تؤديها ارتداء الزيّ الشرعي الإسلامي". أما السبب الشخصي الذي حثّها على ارتدائه فطموحها لأن يتأثر الناس بعقلها وفكرها وليس بشكلها الخارجي. ويحزنها كثيراً لجوء بعض المتطرفين الى تقزيم الإسلام في هذه الشكلية السطحيّة، أي اعتباره شعاراً أو رمزاً للإسلام. فالإسلام في نظرها أكبر وأوسع من أن يختصر في هذا الإطار الضيّق. الإسلام دين إنفتاح يحترم الآخر باختلافه. و نيّة الإنسان وصدقه مع ذاته أهمّ مما يرتدي. أما بالنسبة الى قرار شيراك فهي لا تعتقد أن حجاب المسلمات قد يؤثر على علمانية البلد في شيء. فهو زيّ ترتديه المسلمات مثلما ترتدي سائر الشعوب أزياء خاصة بها (الأفريقية والأندونيسية واليابانية...)، وكان الأجدر به أن يطلب التخفيف من إبراز العلامات الفارقة الدينية مراعاة للذوق العام كما فعلت بريطانيا مثلاً حيث وافقت وزارة التربية على ارتداء الطالبات الحجاب شرط أن يرتدين معه الزيّ المدرسي، حتى أن ثمّة مسلمات محجّبات بين موظفي مطار لندن. وتمنّت سحر أن يعرف المسلمون أينما وجدوا كيف يقيمون حدّاً فاصلاً بين الخاص والعام، بين المعتقد الشخصي والقيم الإجتماعيّة المشتركة ويطبّقون ذلك في بلدانهم ولا يشوّهون صورة الإسلام الحقيقيّة.
شيراك والإسلام
في خطاب شيراك حول مبدأ العلمانية في الجمهوريّة الفرنسيّة، قال أن "العالم يتغيّر والحدود تتلاشى والمبادلات تتكاثر. وفي الوقت نفسه فإن المطالب بالتمسّك بالهويّة أو الإنتماء الى مجموعات تتأكد وتتأجج، مهددة في الجنوح نحو التقوقع والإنغلاق على الذات ونحو الأنانية وأحياناً عدم التسامح أيضاً". وفي مكان آخر قال: "ولكي تظلّ فرنسا على ما هي، علينا اليوم الردّ على التساؤلات وأن ننزع فتيل التوترات التي تعبر مجتمعنا". واستناداً الى التقرير الصادر عن اللجنة الموكلة التفكير حول تطبيق مبدأ العلمنة في الجمهوريّة برئاسة برنار ستازي قال الرئيس شيراك: "لذا وبضمير واع، أعتبر أن ارتداء لباس أو أي إعلانات أخرى تشير جهاراً الى الإنتماء الديني يجب أن يتمّ حظرها في المدارس والمعاهد التكميليّة والثانويات. هناك علامات مستورة، غير ظاهرة سيبقى بالطبع مسموح بها، كالصليب على سبيل المثال أو نجمة داود أو يدّ فاطمة. ولكن العلامات الجليّة الفاضحة، أي تلك التي من شأن إرتدائها أن يؤدي الى تميّز الفرد بإختلافه عن الآخرين والتعرف عليه على الفور من خلال إنتمائه الديني، لا يجوز السماح بها. إن كلّ تلك العلامات، أي الحجاب الإسلامي، أو أيّاً كان المسمى الذي يطلق عليه، أو القبعة اليهوديّة أو الصليب ذا الحجم المبالغ به جهاراً، لن يكون لها مكان داخل أسوار المدارس الحكوميّة العامّة. فالمدرسة الحكوميّة ستبقى علمانيّة". وفي كتاب مفتوح وجهه العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله الى الرئيس الفرنسي أكدّ له فيه أن الحجاب في الإسلام هو التزام ديني كما هي الفريضة الدينيّة، مشيراً الى "أن منعه يمثّل اضطهاداً لحريّة الإنسان المسلم". وتساءل: "هل بلغت العلمانية مستوى من الضعف بحيث يخاف القائمون عليها من قطعة قماش توضع على الرأس؟"
لاحظت إحدى المدرّسات في لبنان أن عدداً من طالباتها يخلعن الحجاب والبعض الآخر يلبسه. هل الحجاب لباس تقليدي يعبّر عن هويّة معيّنة أم أنه يختصر موقفاً سياسياً؟ لماذا يحقّ لمن يريد تلوين شعره تلوينه؟ لماذا أدخلت فرنسا نفسها في هذه الحالة؟ هل كل الأسباب إنتخابية كما يقول البعض؟
يقول عليّ إن مشروع القانون الذي اقترحه الرئيس الفرنسي "ينبغي عدم إعتباره معادياً للإسلام بما أن الرئيس عبّر مراراً عن احترامه لكل العائلات الروحية، وكل ما أراده هو التأكيد أن العلمانية هي مبدأ راسخ في التقاليد الفرنسية. وهذا من حقّه". يختلف الحجاب بين بلد عربي وآخر. فالبعض يعتبره فريضة وليس رمزاً دينياً (فريضة سادسة)، ومنهم من يقول إنه كان فرضاً فقط على نساء النبي، وأن السيدة عائشة لم تلتزم الإحتجاب تماماً. بعض النساء المسلمات انتقدن من نزلن الى الشارع للدفاع عن حقوقهن بارتداء الحجاب في فرنسا، أنه كان أولى بهنّ التظاهر رفضاً للقوانين الجائرة بحقهنّ في البلدان العربية والإسلامية.
تظاهرات عالميّة إحتجاجاً على منع الحجاب، دعت المرأة "غير المحجّبة" المدافِعَة عن حقوق المرأة عموماً، الى التساؤل إذا كان من واجبها النزول أيضاً الى الشارع لدعم بنات جنسها. وتساءلن في ما لو كانت الحال "مقلوبة": هل كانت المحجبات ستنزلن الى الشارع للدفاع عن النساء اللواتي لا يرغبن في إرتداء الحجاب يوم يلزمن به؟ ففي إيران، مثلاً، هناك العديد من النساء المرغمات على ارتداء الحجاب ومنهنّ غير مسلمات. ولماذا تجاهل الناس أنّ مشروع القانون هذا لا يحظّر فقط الحجاب بل يحظر أيضاً القلنسوة والصليب في المدارس والمؤسسات العامّة. وقد قالت إحدى الجامعيات انه لو كان الثمن عدم إرتداء اليهود لقلنسوتهم فلمَ لا ندفعه؟
وثمة من قال إن الحجاب يزيد من أنوثة المرأة، ومنهم من قال إن كلّ محجوب مرغوب، وآخرون قالوا على العكس عندما نلبس الحجاب ونتمشى في شوارع القاهرة مثلاً نشعر بأننا محصّنات ضد المعاكسات غير المرغوبة. جدلية واسعة طرحها الحجاب. عندما صرّح شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي أنه "من حقّ" فرنسا إصدار قانون يحظّر الحجاب رغم تأكيده أن الحجاب فرض إلهي مرتبط بعيشها في دولة إسلامية. ولكن المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله اعتبر في تصريح شيخ الأزهر إساءة الى الإسلام وطالبه بالإعتذار. كما فتح الحجاب النقاش من جديد حول تقدّم مسيرة تحرر المرأة، فسأل البعض لماذا تتظاهر النساء في فرنسا ضد مشروع القانون هذا ولا يتظاهرن ضد الختان في مصر والسودان مثلاً؟ وأنه لو لم تتزايد ظاهرة إرتداء الحجاب من الفتيات المسلمات في فرنسا لما كان التفت شيراك الى هذه الظاهرة!
هناك مثل فرنسي شهير يقول: "اللباس لا يصنع الكاهن". فهل ينطبق ذلك على من يرتدون الحجاب أيضاً؟ إذ نسمع الكثير عن محاسن الحجاب ونسمع أيضاً عن استغلاله من البعض لإخفاء بعض حالات الفلتان الأخلاقي.
ونسأل: ماذا عن الفتيات المحجبات اللواتي يرغبن في الذهاب الى الجامعة وعائلاتهن يرفضن خروجهنّ من دونه؟ ماذا عن الفتيات المقتنعات بوضعه من منطلق ديني؟ وماذا عن المجموعة التي ترتديه لتسجيل موقف سياسي فتحافظ بالتالي على تقاليد بلدها وتجبه أيضاً اخطار العولمة وامّحاء هويتها؟
ختاماً، اياً تكن الظروف القاهرة التي يمرّ بها عصرنا، أي التعصبّ في جميع الإتجاهات ومن كل الأصناف والجنسيات، ينبغي على المؤمنين بالديموقراطية الحقيقية أن يتبعوا قولاً شهيراً لفولتير في الأوساط الصحافية يقول : "لا أوافقك الرأي، ولكني سأدافع الى آخر المطاف عن حقك في قوله".
مي اليان رزق