عبد الباسط خلف
26-09-2005, 10:16 AM
"نساء في الشاحنة": من فلسطين إلى القاهرة "والهم واحد"
كتب عبد الباسط خلف:
يتصل بك صديق ينحاز للأدب كانحياز الأم لجنينها، ويخبرك بأن مجلة فكرية وأدبية تطلق على فضاءاتها"ديوان العرب"، تنظم منافسة في القصة القصيرة لأدباء شباب، لم يتآمر الدهر عليهم بعد ولا زالوا في طائفة السابعة والثلاثين أو أقل.
تفكر ففي الأمر وتبحث في أعماقك عن الذي الوجع الذي يمكن أن تتحالف معه، تقرر بسرعة الانتصار للفلسطينيات العاملات فهن بحاجة لمن يذكر كفاحهن ويشير إلى اضطهادهن و شقائهن " النقي".
تختار نصاً صحافياً كنت قد عالجته في منبر " ينابيع" بعد مناقشات مع الزميل وائل مناصرة الذي ألتقط خبراً في الظل نشرته صحيفة محلية واحدة وتعاملت معه بشكل جاف نقلاً عن مصادر إسرائيلية، عن مجموعة من النساء العاملات دفعتهن الظروف العصيبة وشظف العيش للقبول بشروط عمل غير إنسانية، عبر تهريب أنسهن داخل شاحنة معدة لنقل الخضراوات للالتفاف على الحواجز التي تطوق المدن الفلسطينية وتباعدها عما وراء الفاصل الأخضر .
تمارس " تطهيراً" أدبياً للنص الصحافي الذي نشرته " ينابيع" وكانت الوحيدة من بين وسائل الإعلام المحلية التي تمنحه فرصة النمو والتكاثر، وتنسج سطوراً أدبية تتحدث عن قصة وصفها أستاذ النقد التونسي كمال الرياحي بلوحة سينمائية توثيقية.
يوم التاسع من كانون الثاني الفارق، أعلنت نتائج الدورة الثانية لمسابقة ديوان العرب، المجلة الثقافية الفكرية الأدبية الشهرية، علق الصحافي المصري عبد الحليم محمد، هنا نعلن ونشاهد ونعيش حالة أدبية وفي الأراضي المحتلة جرت أمس انتخابات رئاسية، ولكن الأمنية التي تطوق قلب محمد وعقله ذات صلة بالموقف ل شخوص " نساء في الشاحنة" من العاملات الفلسطينيات من صناديق الاقتراع، وهل أفلح مرشح من السبعة في استقطابهن أو رفع شعاراً يلامس معاناتهن…
زينب حسين صحافية أخرى تعمل في الشأن الثقافي، تبدي تعاطفاً إضافيا مع الفلسطينيات وبخاصة العاملات منهن، فهي أولاً عاملة مثلهن وإن اختلفت ظروفها، فصغيرتها هيا حمدي صباحي ذات الأربع سنوات تطاردها وهي تنشط في بلاط صاحبة الجلالة، وتستقطع منها وقتاً تحتاج إليه لإكمال مصنوعاتها الصحافية.
تجدد عبر كلماتها حالة تضامنها مع نظيراتها الفلسطينيات، وتتمنى لو تتاح لها فرصة الالتقاء بالفارسات الفلسطينيات اللواتي قمن بمطاردة ساخنة للقمة خبز لم تخل من الذل و سطوة الجلاد.
في شبكة المحيط الثقافي، حيث تعمل زينب إيجاز عن الحكاية، مثلما تتذكر ما قرأته عن رائعة غسان كنفاني ورجاله في الشمس الذين لم يصغ أحد لضربات قبضاتهم على الصهاريج التي حاولوا الفرار عبرها إلى فضاءات المال والخيز واللاخيمة.
سيقدم القاص المغربي عبد الواحد أستيتو بقصته الفائزة أيضاً رؤية أخرى تدعم حال الغربة في الأوطان وإن غابت ظلمة المحتل، فيقدم في" مواجهة من نوع آخر" ما حل بمغاربة حاولوا البحث عن الحياة ما وراء المحيط، لكنهم في النهاية يكتشفون أن ربان المركب الذي حاول الولوج بهم إلى أسبانيا قادهم من جديد إلى وطنهم وهناك كانت المفاجأة التي لم يتوقعوها.
النساء في الشاحنة و الرجال في المركب، وفق تعبير التونسي كمال الرياحي مع قليل من الاقتباس " في الهم شرق".
انحاز آخرون إلى استهلال نص "نساء في الشاحنة" الذي يشرع الأبواب على مصراعيها للألم متعدد الوجوه ة وفيه وفق الناقد وعضو لجنة التحكيم لسوري د. أحمد زياد محبك تعبير عن الانتفاضة والمرأة والمقاومة والإكراه:راح مُكبر الصوت الوقح يطارد سكون القرية الصغيرة بإعلان لأحد السَّمَاسِرة: من تريد العمل هناك، فعليها الإسراع في النوم باكراً، لأن الرحلة ستنطلق في الثانية فجراً. اقتحم النداء مدفوع الأجر للمنادي الأعور أُذن والدة انشراح، نقلت العجوز التي بات الزمن يُعاقبها بمرض لا نهاية له، الفرحة لابنتها:انهضي …انهضي… جاءت البشرى، غداً ستذهبين إلى العمل، "بكرة بتنسي المرض ويومه يما."
تملك الذهول عاصمة جسد انشراح، فقال لسانها بتمرد على العقل: موافقة يا أمي، وسأخلد للنوم حتى تلك الساعة، لا تنس الزوَّادة.
عادت إلى نومها، وتكرر الحال مع مائة امرأة نظيرة لانشراح، ليلى صاحبة الوجه المستدير مثلاً أمرها زوج والدتها بالعمل وتخصيص نسبة من المال له فالإفلاس يطارده منذ سنتين، ونسي كما كان يردد لرفاقه طعم اللحم الأحمر والسجائر المستوردة. سميرة التي خذلها حظها العاثر، زوجها لا يعمل منذ عشر سنوات.سهام يسمونها"عانساً"ولا أحد يعيلها، وتعرف في الحي من لونها الذي حرقه الشمس، فيحاء، الصبية غير المتزوجة أو التي لم يسمح لها بالزواج، تريد مساعدة أختها في إكمال تعليمها الجامعي فهي في السنة الأخيرة، وإذا لم تساعدها فستخسر أحلامها، أم سليم تحتاج لثمن فاتورة الدواء ذي العلبة الصفراء غير المتوفرة في المستشفى الحكومي، أنصاف لم تعرف النقود منذ سنتين وحفنة من الأيام.
أبرمن صفقة على جَناح السرعة مع السَّماسِرة، لم تكن أي واحدة منهن على علم بأي شرط من بنود اتفاقية"باريس الاقتصادية"، مثلما لم يعرن الانتباه لوثيقة "جنيف" التي لم يعرفن قراءة بنودها أو فهم تعابيرها. أنبلجَ الفجر المبكر وهاجرت خيوط الظلام مكانها في عيونهن، استيقظن وهن ينظرن لساعاتهن القلبية التي راحت دقاتها تقرع جرس إنذار يبشر بحلول لعنة لا تَعرف هوامش الخطأ ولم تعتد التزود بالوقود.
نسيت فوزية الزَوّادة، ارتَدت سهام جوارب والدتها المتآكلة، لم تستطع علياء غسل وجهها لأن المياه مقطوعة هذا الصباح عن العائلة بأمر من السلطة المحلية، لعدم تسديد الفواتير المتراكمة على العائلة، فشلت أم علي في وداع صغيرها "سعدو" كما كانوا يدللونه في الحارة، أجبرت ليلى على النهوض قبل الموعد بنصف ساعة؛لأن زوج أمها لم يذق طعما للنوم، وراح في ذلك الليل البارد يضرب أخماساً بأسداس، ويخاطب نفسه:سأشتري تلك العينة من التبغ الحار من حانوت أبي شوقي العلي وسأفلح أخيرا في ابتياع "التوباكو" لأول مرة منذ ثلاث سنوات …
أما أم سليم فأجبرت على مقاومة مرضها، فيما بدرية استدانت من شقيقتها ثمن الخبز الأسود الذي ستصطحبه في طعامها."
نخرج من غرفتنا في فندق" حياة جراند القاهرة"، ونتسلل إلى المطعم، نتصادف ونادلة مصرية تقف على خدمة الزبائن، نستقطع القليل من وقتها ونحاورها في حال نظيراتها، نسألها أيضاً عن المصريين والمصريات الذين لا تسمح لهم جيوبهم بالدخول إلى هذا العالم، تجيب: كثيرون..
نهرب من العالم الصناعي وندخل فضاءات القاهرة العتيقة، نعيش أولاً مع السائق مصطفى علي الذي أجبر على الهروب من وظيفته الحكومية والعمل وراء مقود، لأن تعليم الأولاد لا يطعم أسرته الفطير المشلتت أو الخبز الحاف.
في حي الحسين و الفجّالة وقريباً من الأزهر نلمس عالماً آخرا، فهنا نساء يجثمن على قارعة الطريق، يلفهن السواد ويختفين وراء ضباب القاهرة الصناعي الملوث، يروجن لبضاعة تسلل إليها الكساد من صحف وتمور وفاكهة.
نتوغل في حي الحسين، ونقتحم قلبه، ننحاز لشراء ما نرغب من صحف من امرأة نحاورها قليلاً ، ونستشف من كلامها المقتضب كيف تتعاضد وزوجها للعيش، لكن أخريات لا يمتلكن حتى اليوم الحرية في التحكم بذمتهن المالية.
هنا في العاصمة المصرية، حيث تنتفي الحواجز القذرة و الجدران الوقحة و أصوات الرصاص وروائح الموت الصناعي السريع لا تنتفي معاناة المرأة، ولا تتألق في عيشها و يومياتها و ظروف عيشها عن فلسطينيات جنين ورام الله وغزة وسواها، فهن في شاحنات من فئة محتلفة، ويحُاصرن ويحاصِرن و تجبر أو لا تجبر عينة منهن على دخول عوالم مظلمة تشوه صورة حواء الناعمة الوضاءة.
تستوقف صديقنا التونسي وسواه يوميات انشراح بطلة القصة، بعد عودتها من العمل، ويستشف منها محاور كبيرة تصلح لحل النساء لعربيات المضطهدات وإن غابت ظلمة الاحتلال عنهن.
تفتح القصة ويومياتها نوافذ على أزمنة سوداء:في اليوم الأول:تمنيت الموت لأنه أرحم من الحياة بهذا الشكل.
في اليوم التالي كتب: اللهم الموت…
بعده: لو كان غسان كنفاني موجوداً لكتب رواية ثانية، وهذه المرة لنساء في الثلاجة أو الذل .
المحطة الرابعة: لولا لطف الله، لسقطت أم سليم في حفرة عميقة.
خامس أيام الذل: شعرت بأنني كعلبة الطونه الرخيصة.
في اليوم السادس: بدأت أفكر بالخلاص من هذه الدنيا.
ثم:تمنيت أن تنشق الأرض لتأكلني، فربما اعثر على راحة!!
ثامن أيام الهوان:حاولت تجرع مبيد للأعشاب، فلعلي أرتاح من هذا الوجع!
في اليوم التاسع:تعرضت للضرب بعصا من ديفيد، لأنني اقتربت قليلا من جدار الثلاجة عندما توقف قرب إشارة ضوئية.
في المحطة العاشرة: لم نر الشمس لا في الشاحنتين أو على الأرض.
اليوم الحادي عشر: وعدنا بتلقي أجر.
النقطة الثالثة عشرة: نسيت طعامي.
اليوم الرابع عشر:أقتص البرد من جسدي وزميلاتي، وفتشنا ديفيد خشية تهريب البرتقال.
عند الخامس عشر من أيام العذاب: تعرضنا لمطاردة ونحن نتهرب عبر الأسيجة، وأطلقوا علينا الغاز المدمع.
في نهارنا السادس عشر: تفاقمت أوجاع أم سليم.
بعده: طالبنا بأجرنا، لكننا تلقينا وعدا آخر.
في اليوم الثامن عشر:نال مني المرض، كنت أتمنى الغياب في اليوم التالي، وأجبرت على الذهاب.
الاثنين: أمطرت السماء بغزارة، وغرقنا في الوحل.
الثلاثاء أو اليوم العشرون: فتشت عن سمٍ ثانية.
الأربعاء: انتهى الذل، ولم يَدُقنا الشوك، فلم نتسلم أي أَغُورة!!
في صباح اليوم التالي تسلل المرض إلى جسدها، واحتجزها في الفراش لخمسة أيام، ولم تعثر على دواء…
نودع القاهرة، ونتحاور في أجواء غير محايدة، مع جيراننا المؤقتين عن حال النساء في بلدنا المحتل، وكيف تدفع المرأة العاملة الثمن لحظة في إثر لحظة.
كتب عبد الباسط خلف:
يتصل بك صديق ينحاز للأدب كانحياز الأم لجنينها، ويخبرك بأن مجلة فكرية وأدبية تطلق على فضاءاتها"ديوان العرب"، تنظم منافسة في القصة القصيرة لأدباء شباب، لم يتآمر الدهر عليهم بعد ولا زالوا في طائفة السابعة والثلاثين أو أقل.
تفكر ففي الأمر وتبحث في أعماقك عن الذي الوجع الذي يمكن أن تتحالف معه، تقرر بسرعة الانتصار للفلسطينيات العاملات فهن بحاجة لمن يذكر كفاحهن ويشير إلى اضطهادهن و شقائهن " النقي".
تختار نصاً صحافياً كنت قد عالجته في منبر " ينابيع" بعد مناقشات مع الزميل وائل مناصرة الذي ألتقط خبراً في الظل نشرته صحيفة محلية واحدة وتعاملت معه بشكل جاف نقلاً عن مصادر إسرائيلية، عن مجموعة من النساء العاملات دفعتهن الظروف العصيبة وشظف العيش للقبول بشروط عمل غير إنسانية، عبر تهريب أنسهن داخل شاحنة معدة لنقل الخضراوات للالتفاف على الحواجز التي تطوق المدن الفلسطينية وتباعدها عما وراء الفاصل الأخضر .
تمارس " تطهيراً" أدبياً للنص الصحافي الذي نشرته " ينابيع" وكانت الوحيدة من بين وسائل الإعلام المحلية التي تمنحه فرصة النمو والتكاثر، وتنسج سطوراً أدبية تتحدث عن قصة وصفها أستاذ النقد التونسي كمال الرياحي بلوحة سينمائية توثيقية.
يوم التاسع من كانون الثاني الفارق، أعلنت نتائج الدورة الثانية لمسابقة ديوان العرب، المجلة الثقافية الفكرية الأدبية الشهرية، علق الصحافي المصري عبد الحليم محمد، هنا نعلن ونشاهد ونعيش حالة أدبية وفي الأراضي المحتلة جرت أمس انتخابات رئاسية، ولكن الأمنية التي تطوق قلب محمد وعقله ذات صلة بالموقف ل شخوص " نساء في الشاحنة" من العاملات الفلسطينيات من صناديق الاقتراع، وهل أفلح مرشح من السبعة في استقطابهن أو رفع شعاراً يلامس معاناتهن…
زينب حسين صحافية أخرى تعمل في الشأن الثقافي، تبدي تعاطفاً إضافيا مع الفلسطينيات وبخاصة العاملات منهن، فهي أولاً عاملة مثلهن وإن اختلفت ظروفها، فصغيرتها هيا حمدي صباحي ذات الأربع سنوات تطاردها وهي تنشط في بلاط صاحبة الجلالة، وتستقطع منها وقتاً تحتاج إليه لإكمال مصنوعاتها الصحافية.
تجدد عبر كلماتها حالة تضامنها مع نظيراتها الفلسطينيات، وتتمنى لو تتاح لها فرصة الالتقاء بالفارسات الفلسطينيات اللواتي قمن بمطاردة ساخنة للقمة خبز لم تخل من الذل و سطوة الجلاد.
في شبكة المحيط الثقافي، حيث تعمل زينب إيجاز عن الحكاية، مثلما تتذكر ما قرأته عن رائعة غسان كنفاني ورجاله في الشمس الذين لم يصغ أحد لضربات قبضاتهم على الصهاريج التي حاولوا الفرار عبرها إلى فضاءات المال والخيز واللاخيمة.
سيقدم القاص المغربي عبد الواحد أستيتو بقصته الفائزة أيضاً رؤية أخرى تدعم حال الغربة في الأوطان وإن غابت ظلمة المحتل، فيقدم في" مواجهة من نوع آخر" ما حل بمغاربة حاولوا البحث عن الحياة ما وراء المحيط، لكنهم في النهاية يكتشفون أن ربان المركب الذي حاول الولوج بهم إلى أسبانيا قادهم من جديد إلى وطنهم وهناك كانت المفاجأة التي لم يتوقعوها.
النساء في الشاحنة و الرجال في المركب، وفق تعبير التونسي كمال الرياحي مع قليل من الاقتباس " في الهم شرق".
انحاز آخرون إلى استهلال نص "نساء في الشاحنة" الذي يشرع الأبواب على مصراعيها للألم متعدد الوجوه ة وفيه وفق الناقد وعضو لجنة التحكيم لسوري د. أحمد زياد محبك تعبير عن الانتفاضة والمرأة والمقاومة والإكراه:راح مُكبر الصوت الوقح يطارد سكون القرية الصغيرة بإعلان لأحد السَّمَاسِرة: من تريد العمل هناك، فعليها الإسراع في النوم باكراً، لأن الرحلة ستنطلق في الثانية فجراً. اقتحم النداء مدفوع الأجر للمنادي الأعور أُذن والدة انشراح، نقلت العجوز التي بات الزمن يُعاقبها بمرض لا نهاية له، الفرحة لابنتها:انهضي …انهضي… جاءت البشرى، غداً ستذهبين إلى العمل، "بكرة بتنسي المرض ويومه يما."
تملك الذهول عاصمة جسد انشراح، فقال لسانها بتمرد على العقل: موافقة يا أمي، وسأخلد للنوم حتى تلك الساعة، لا تنس الزوَّادة.
عادت إلى نومها، وتكرر الحال مع مائة امرأة نظيرة لانشراح، ليلى صاحبة الوجه المستدير مثلاً أمرها زوج والدتها بالعمل وتخصيص نسبة من المال له فالإفلاس يطارده منذ سنتين، ونسي كما كان يردد لرفاقه طعم اللحم الأحمر والسجائر المستوردة. سميرة التي خذلها حظها العاثر، زوجها لا يعمل منذ عشر سنوات.سهام يسمونها"عانساً"ولا أحد يعيلها، وتعرف في الحي من لونها الذي حرقه الشمس، فيحاء، الصبية غير المتزوجة أو التي لم يسمح لها بالزواج، تريد مساعدة أختها في إكمال تعليمها الجامعي فهي في السنة الأخيرة، وإذا لم تساعدها فستخسر أحلامها، أم سليم تحتاج لثمن فاتورة الدواء ذي العلبة الصفراء غير المتوفرة في المستشفى الحكومي، أنصاف لم تعرف النقود منذ سنتين وحفنة من الأيام.
أبرمن صفقة على جَناح السرعة مع السَّماسِرة، لم تكن أي واحدة منهن على علم بأي شرط من بنود اتفاقية"باريس الاقتصادية"، مثلما لم يعرن الانتباه لوثيقة "جنيف" التي لم يعرفن قراءة بنودها أو فهم تعابيرها. أنبلجَ الفجر المبكر وهاجرت خيوط الظلام مكانها في عيونهن، استيقظن وهن ينظرن لساعاتهن القلبية التي راحت دقاتها تقرع جرس إنذار يبشر بحلول لعنة لا تَعرف هوامش الخطأ ولم تعتد التزود بالوقود.
نسيت فوزية الزَوّادة، ارتَدت سهام جوارب والدتها المتآكلة، لم تستطع علياء غسل وجهها لأن المياه مقطوعة هذا الصباح عن العائلة بأمر من السلطة المحلية، لعدم تسديد الفواتير المتراكمة على العائلة، فشلت أم علي في وداع صغيرها "سعدو" كما كانوا يدللونه في الحارة، أجبرت ليلى على النهوض قبل الموعد بنصف ساعة؛لأن زوج أمها لم يذق طعما للنوم، وراح في ذلك الليل البارد يضرب أخماساً بأسداس، ويخاطب نفسه:سأشتري تلك العينة من التبغ الحار من حانوت أبي شوقي العلي وسأفلح أخيرا في ابتياع "التوباكو" لأول مرة منذ ثلاث سنوات …
أما أم سليم فأجبرت على مقاومة مرضها، فيما بدرية استدانت من شقيقتها ثمن الخبز الأسود الذي ستصطحبه في طعامها."
نخرج من غرفتنا في فندق" حياة جراند القاهرة"، ونتسلل إلى المطعم، نتصادف ونادلة مصرية تقف على خدمة الزبائن، نستقطع القليل من وقتها ونحاورها في حال نظيراتها، نسألها أيضاً عن المصريين والمصريات الذين لا تسمح لهم جيوبهم بالدخول إلى هذا العالم، تجيب: كثيرون..
نهرب من العالم الصناعي وندخل فضاءات القاهرة العتيقة، نعيش أولاً مع السائق مصطفى علي الذي أجبر على الهروب من وظيفته الحكومية والعمل وراء مقود، لأن تعليم الأولاد لا يطعم أسرته الفطير المشلتت أو الخبز الحاف.
في حي الحسين و الفجّالة وقريباً من الأزهر نلمس عالماً آخرا، فهنا نساء يجثمن على قارعة الطريق، يلفهن السواد ويختفين وراء ضباب القاهرة الصناعي الملوث، يروجن لبضاعة تسلل إليها الكساد من صحف وتمور وفاكهة.
نتوغل في حي الحسين، ونقتحم قلبه، ننحاز لشراء ما نرغب من صحف من امرأة نحاورها قليلاً ، ونستشف من كلامها المقتضب كيف تتعاضد وزوجها للعيش، لكن أخريات لا يمتلكن حتى اليوم الحرية في التحكم بذمتهن المالية.
هنا في العاصمة المصرية، حيث تنتفي الحواجز القذرة و الجدران الوقحة و أصوات الرصاص وروائح الموت الصناعي السريع لا تنتفي معاناة المرأة، ولا تتألق في عيشها و يومياتها و ظروف عيشها عن فلسطينيات جنين ورام الله وغزة وسواها، فهن في شاحنات من فئة محتلفة، ويحُاصرن ويحاصِرن و تجبر أو لا تجبر عينة منهن على دخول عوالم مظلمة تشوه صورة حواء الناعمة الوضاءة.
تستوقف صديقنا التونسي وسواه يوميات انشراح بطلة القصة، بعد عودتها من العمل، ويستشف منها محاور كبيرة تصلح لحل النساء لعربيات المضطهدات وإن غابت ظلمة الاحتلال عنهن.
تفتح القصة ويومياتها نوافذ على أزمنة سوداء:في اليوم الأول:تمنيت الموت لأنه أرحم من الحياة بهذا الشكل.
في اليوم التالي كتب: اللهم الموت…
بعده: لو كان غسان كنفاني موجوداً لكتب رواية ثانية، وهذه المرة لنساء في الثلاجة أو الذل .
المحطة الرابعة: لولا لطف الله، لسقطت أم سليم في حفرة عميقة.
خامس أيام الذل: شعرت بأنني كعلبة الطونه الرخيصة.
في اليوم السادس: بدأت أفكر بالخلاص من هذه الدنيا.
ثم:تمنيت أن تنشق الأرض لتأكلني، فربما اعثر على راحة!!
ثامن أيام الهوان:حاولت تجرع مبيد للأعشاب، فلعلي أرتاح من هذا الوجع!
في اليوم التاسع:تعرضت للضرب بعصا من ديفيد، لأنني اقتربت قليلا من جدار الثلاجة عندما توقف قرب إشارة ضوئية.
في المحطة العاشرة: لم نر الشمس لا في الشاحنتين أو على الأرض.
اليوم الحادي عشر: وعدنا بتلقي أجر.
النقطة الثالثة عشرة: نسيت طعامي.
اليوم الرابع عشر:أقتص البرد من جسدي وزميلاتي، وفتشنا ديفيد خشية تهريب البرتقال.
عند الخامس عشر من أيام العذاب: تعرضنا لمطاردة ونحن نتهرب عبر الأسيجة، وأطلقوا علينا الغاز المدمع.
في نهارنا السادس عشر: تفاقمت أوجاع أم سليم.
بعده: طالبنا بأجرنا، لكننا تلقينا وعدا آخر.
في اليوم الثامن عشر:نال مني المرض، كنت أتمنى الغياب في اليوم التالي، وأجبرت على الذهاب.
الاثنين: أمطرت السماء بغزارة، وغرقنا في الوحل.
الثلاثاء أو اليوم العشرون: فتشت عن سمٍ ثانية.
الأربعاء: انتهى الذل، ولم يَدُقنا الشوك، فلم نتسلم أي أَغُورة!!
في صباح اليوم التالي تسلل المرض إلى جسدها، واحتجزها في الفراش لخمسة أيام، ولم تعثر على دواء…
نودع القاهرة، ونتحاور في أجواء غير محايدة، مع جيراننا المؤقتين عن حال النساء في بلدنا المحتل، وكيف تدفع المرأة العاملة الثمن لحظة في إثر لحظة.