المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كفاح امرأة


عبد الباسط خلف
31-10-2005, 09:58 AM
undefinedundefinedكفاح امرأة
كتب عبد الباسط خلف:
كانت يسرى خضر، وقورة هادئة تطوقها كعادتها مشاعر متناقضة بين الفرح والشقاء، وتجلس وراء مكتب صغير في حانوت وسط مدينة جنين أطلقت عليه هي ورفيقاتها بازار المنتجات الريفية.
تشرع بالحديث: عدنا من جديد، وعادت إلينا الحياة، بعد أن أجبرننا على إقفال أبواب مركز المنتجات الريفية قبل سنتين.
للبازار الريفي، في أوراق يسرا و رفيقاتها الكثير من الدلالات، فهو أمل عاد من جديد، و معرض للمنتجات الريفية التي تصنعها عشرات النساء المؤمنات بأن قهر الصعاب ممكن جداً، ويعد متنفس يمكن عبره تسويق منتجات طبيعية وتراثية متنوعة صارت كسمك لا يجد من يصطاده.
تقول: في بداية شهر آب الحالي، طرنا من الفرح، لأن مؤسسة كير الدولية وافقت على توفير دعم محدود لشهرين، لفكرة تأسيس بازار خيري لتسويق منتجات تصنعها نساء ريفيات.
قوس قزح
تتابع:بدأنا في التحضير و التنسيق، فاستجرنا مقراً متواضعاً، وبدأنا نؤسس للانطلاق الذي كان في الأسبوع الأول من شهر أيلول الحالي.
في رفوف المعرض-البازار، ننشر طائفة من السلع الطبيعية والخالية من المواد الحافظة أو الصناعية غير الصديقة لصحة الإنسان على غرار: زيت الزيتون، والزيتون الأسود والأخضر، والجبنة البيضاء، والعدس المجفف بأنواعه، والزعتر، والملوخية الجافة، والصابون البلدي المعد بطريقة جديدة.
بإلتفاتة إلى ركن آخر، يمكن النظر لقائمة السلع التي تتوفر نزولاً عند رغبات المتسوقين، كفطائرالزعتر والجبنة والمفتول والمسخن و"البيتزا "والحلاوة والعك والمعمول وأطباق القزحة والكعك الحلبي وكبة و ورق العنب.
تروي: بدأنا باستيراد المنتجات التي تصنعا المنتسبات لمراكز عنزا وميثلون وكفراعي وعابا وجنين النسوية، أو لجمعية التوفير والتسليف المتفرعة عن جمعية التنمية الزراعية، وعاد الزبائن الذين أفتقدونا من جديد.
في جعبتها هي وزميلتها ميساء غزال الكثير من التفاصيل، فالزيتون الأسود والأخضر تصنعه أم اشرف من بلدة كفرراعي، وهي التي نالت المركز الثالث في انتخابات البلدية.
فيما تجود بهية خزيمية من دير غزالة بأصناف العدس المعدة بطواحين تقليدية، وتخصص باسمه حسن بالزعتر البلدي، وتنحاز أم نافع بأوراق الملوخية المجففة التي تشتهر بها بلدتها كفرذان، وتتقن المجموعات التي دربتها إخلاص صوالحة صناعة صنف جديد من الصابون يضاهي في جودته ما تصنعه الشركات الكبرى.
تخشى أم العز من تكرار تجربة مركز منتوجات المرأة الريفية، الذي أجبر على إقفال أبوابه بفعل التراجع الاقتصادي الذي أفرزه العدوان الاحتلالي، واضطرت أم العزيز ورفيقة عمرها مريم نعيرات البحث عن بديل.
لم تتمالك نفسها، وهي تشير لرحلة حياتها من لحظة اقترانها بزوجها، قاسم عبد الحليم، 55 عاما، الذي تعتبره استثنائيا، فهو ورغم فقدانه لنعمة البصر، بات يتحسس الدروب بقلبه المتفتح، وتحول لرجل غير عادي ….
تفاصيل
تغرقنا الناشطة النسوية، ابنة الخامسة والأربعين،والمؤمنة بقيم التطوع، في تفاصيل حكايتها اللافتة، إذ بدأت أم العز، كمتطوعة في جمعية الإغاثة الزراعية، التي أطلقت عام 92 مشروع النادي النسوي في بلدتها عنزا، في محافظة جنين، واستمرت لعام 2000 . لتبدأ بالعمل في مشروع مركز منتوجات المرأة الريفية، الذي كان يعنى بتسويق منتجات طبيعية خالية من الكيماويات الخطرة التي باتت تتسلل إلينا، لتنتقل بعد عامين لعضوية الهيئة الإدارية إلى جمعية تنمية المرأة الريفية، التي تسعى لزيادة مشاركة الريفيات في العملية الإنتاجية، ولتفعيل دور النساء والتنظيمات النسائية في حياة التجمعات الريفية.
تخصصات جديدة
كانت يسرا واحدة من عشرات النساء اللواتي اجتزن دورة تدريبية متقدمة حول زراعة الفطر وإنتاجه، بإشراف إخلاص صوالحة الحاصلة على شهادة البكالوريس في التحاليل الطبية.
انهمكت هي وزميلاتها في تنظيم المهارات الجديدة وتنفيذها، وشرعن بتجهيز قش القمح، والشيد(الجير) والنخالة( قشور حبات القمح)، ووضها في أكياس من الخيش، فغليها في ماء ساخن لمدة تتراوح الساعتين،قبل أن يترك لأربع وعشرين ساعة للتجفيف.
جهزت قاسم مكانا معتما ومعقماً، ونقلن الوسط المنتج من القش وتوابعه إلى أوعية بلاستيكية، ثم قمن بتوزيعه إلى طبقات، ووضعن تقاوي الفطر المشروم فيه، وبعدها وضعنه في كيس بلاستيكي لخمسة وعشرين يوماً، ثم قمن بإحداث فتحات صغيرة في الكيس، ليبدأ المشروم في النمو من خلالها.
تقول: كان الرجال يتهكمون على تجربتنا، وبعد نجاحها أنبهروا بنتيجتها وصاروا يسعون لمحاكاتها.
تضيف: ينتج نصف الكيلو غرام من التقاوي كميات كبيرة من الفطر، ويعد الماء الذي نستخدمه في عملية التعقيم مادة مفيدة للنباتات و تعادل الأسمدة الكيماوية، مثلما نضاعف القشور كميات الحليب في الأبقار والأغنام.

22 عاما مع " الفرنسية "
تعيد خضر التاريخ للوراء 22 عاما، لتستذكر قصة زواجها من صديق شقيقها قاسم عبد الحليم، الذي يشكل الداعم الرئيس لها، وساعدها الأيمن، إذ شجعها على الانضمام في برامج تطوعية، وأصبح يخطط معها لما يمكن تنفيذه، ووضع لها كلمات مهرجانات وبرامج مختلفة . تقول : تزوجت من قاسم لأنني شعرت فيه أكثر من مبصر، إذ كان يتمتع بالإيثار الكبير، على حساب مصالحه الخاصة . تضيف : أتقن زوجي الإنجليزية إلى جانب دراسته للشريعة في الجامعة الإسلامية بغزة، واستطاع تعلم اللغة الفرنسية بنفسه، معتمدا على تسجيل دروسها من خلال المذياع، واستمر مدة 22 عاما وحتى اليوم بتدوين قواعد لغة " الفرانكوفونيين "، لدرجة أنه انتسب ذات مرة لدروة متخصصة جعلت أستاذها لا يصدق أن عبد الحليم تعلم كل ما يعرفه من خلال الأثير …
الإسفنج
تسترد أجزاء من لحظات كفاحها، فعشية الانتفاضة الأولى أطلقت وزوجها وأولادها، مشروع صناعة الإسفنج، واستمرت فيه لثمان سنوات . تعلمت من خلاله المثابرة والكفاح وقيم التفاني والعطاء، وكانت العائلة كلها تعمل كاليد الواحدة، وبات للمصنع المتواضع زبائن كثر من داخل الخط الأخضر إلى أن توقف بفعل تراجع التسويق بعد انطلاق الانتفاضة الثانية في أيلول 2000، واشتداد حالة الحصار والعدوان .
تستذكر رئيس مركز نسوي عنزا، لحظات كفاحها، وفي إحدى الأيام قدمت إليها " طلبية " مستعجلة لصناعة 500 زوج من المخدات، وتزامن ذلك مع نشاطات تطوعية ودورات تدريبية، فعمدت إلى طهي طعام غداء الأسرة ليلا، لتتفرغ للعمل في الإسفنج هي وأسرتها حتى العاشرة صباحا، اتجهت بعدها للأعمال التطوعية في المركز للساعة الثالثة عصرا، ثم عادت إلى ورشة الإسفنج وأكملت مشوارها حتى الواحدة والنصف صباحا .
تقول : كلنا انخرط في العمل، حيث أخذ زوجي يغلف الوسائد بالنايلون، فيما انهمكنا أنا والأولاد وامرأة أخرى كانت تعمل معنا في أوقات الأزمات لتأمين الطلبية .
متطوعات
تسترجع أم العز، حكايتها مع التطوع الذي أحبته، إذ استهلت العمل في إطار تعاونيات نسوية متواضعة، بدأت تنتج الفريكة والزعتر والبقوليات، وحثها شريك عمرها على المثابرة والعمل دون انتظار مقابل مادي، و أسسا مصنع الإسفنج . وتحولا للعيش لثلاث سنوات بعيدا عن بلدتهم الجاثمة على هضبة صغيرة بجوار شارع جنين- نابلس الرئيس، وتحيطها أشجار الزيتون واللوز والحقول متناهية الطول صغيرة العرض على مد النظر إلى بلدة الجديدة بمحافظة جنين، كون تغيرا طرأ على عمل الزوج في مسجد القرية . وأخذ يعمل شبه متطوعا في تدريس أقرانه الكفيفين في إحدى مدارس جنين فيما الزوجة لا تزال تتذكر جيدا علاقتها مع المفتول الذي كانت تعده بعناية قبل عرضه في مشروع منتوجات النساء الريفيات .

انضمت يسرى خضر، التي عاشت حياة مدرسية تمنت تطويرها، ولم تساعدها الظروف للانضمام إلى مقاعد الجامعة رغم تفوقها في الثانوية العامة، والتحقت بسيل من الدورات في مجالات القيادة والتمكين والتصنيع الغذائي والإسعاف الأولي والمشروعات الصغيرة وتربية النحل والدواجن والماشية ومسك الحسابات والإدارة وغيرها، لكنها تفكر بجدية اليوم الاتجاه نحو المعلوماتية والحاسوب لمواكبة متغيرات العصر.
ومن خلال موقعها النسوي، حاولت خضر أكثر من مرة تنظيم دورات لمحو الأمية، ومن فاتهن قطار الثانوية العامة فرصة جديدة، غير أنها اكتشفت حقيقة مشجعة مفادها، خلو قريتها من الفتيات غير المتعلمات إذ يتفاخر الأهالي بتعليم بناتهم قبل الأبناء.