سعود فهد الخالدي
21-11-2005, 10:23 AM
المجتمع المدني العالمي
برز تعبير "المجتمع المدني العالمي" مثله مثل تعبير "المجتمع المدني" ذاته مجددا في سياق التحولات التي رافقت انهيار القطبية الثنائية، وربما يصح ربطه أيضا مع خطاب العولمة.
ينهض هذا الربط لا بفضل الالتقاء حول مضمون معين وإنما بسبب جملة المشروعات والأفكار التي أطلقها انحسار التهديدات المرافقة للقطبية الثنائية وسباق التسلح والحروب الباردة. وقد عكست هذه الخطط والمشروعات روحا تفاؤلية بمستقبل العالم ومحاولة حث الخطى إلى طرق جديدة لعلاج مشكلاته وتطوير بنياته. وتمثلت الفكرة العامة في عدة تصورات للمفهوم يمكن تقسيمها إلى المدارس التالية:
أولا: الرؤية المثالية التي ترى أن ثمة بشرى بحقبة سلام ممتدة تحدث قطيعة نسبية مع النمط التاريخي للعلاقات الدولية كما تأسست في أوربا منذ القرن السابع عشر. وما يسمى بالخطاب المثالي في العلاقات الدولية صار لأول مرة ممكنا. ومن المنظور الغربي بدا ممكنا مثلا توسيع نطاق الرفاهية والسلام الذي عاشته أوربا منذ الحرب العالمية الثانية إلى أرجاء العالم. وتنوعت المداخل التي طرحت لتحقيق هذا التصور.
فالبعض طرح خطاب العولمة الاقتصادية التي تعني مد نطاق السياسات والفعاليات التي قادت إلى الرخاء والسلام في الغرب أو الشمال إلى العالم كله عبر طائفة من الاتفاقيات الدولية والتعديلات الهيكلية المحلية التي تطلق قوى السوق وتدفع إلى تحسين الإنتاجية والإفادة الأفضل من الموارد وتشجع المزيد من التطور التكنولوجي وتحسن من التنظيم الاجتماعي.
فريق ثانٍ طرح في هذا السياق مشروع بناء وتطوير المجتمع المدني العالمي الذي توفرت بالفعل عناصر حقيقية لنشأته ونموه. وتفاوت بالطبع فهم كنه هذا المجتمع وطبيعته.
إذ نظر إليه البعض كجزء من تجليات مشروع العولمة ومستوى مواكبا للمستوى الاقتصادي للعولمة.
ويمكن القول أن هذا الفهم ينطلق من التبشير الليبرالي بنظام سياسي جديد للبشرية.
فالحركة الحرة لرءوس الأموال والتكنولوجيا وأنماط التنظيم والإنتاج المشترك أو "المصنع العالمي" كلها مفاهيم تتعارض مع البنية القومية للتنظيم السياسي للعالم والموروث من القرن السابع عشر (بالنسبة لأوربا الغربية تحديدا).
ويحتاج الاقتصاد المعولم إلى بنية سياسية تناسبه ربما تجسدت يوما من الأيام في حكومة عالمية. وحيث إن التنظيم القومي للعالم نشأ على قاعدة عملية بناء الأمة؛ فالحكومة العالمية يمكن أن تنشأ على قاعدة اجتماعية وبشرية عابرة للحدود القومية وهي "المجتمع المدني العالمي".
فريق ثالث قدم مفهوم المجتمع المدني العالمي كجزء من عملية أخرى، وهي النضال المشترك من أجل العدالة الدولية والسلام العالمي. ويقوم المجتمع المدني بدور القاطرة لعملية التحويل الديمقراطي في الداخل عبر النضال الضروري لاستلهام ووضع إستراتيجيات ورؤى جديدة للتنمية والتطور. كما يقوم بدور الجسم الحي الذي يخوض النضال من أجل نشأة بيئة سياسية واقتصادية دولية مواكبة أو مناسبة للتنمية البشرية وذات الوجه الإنساني في العالم الثالث.
يتجاور مع هذا الفريق رؤى العولمة المضادة التي تقوم على إدراك وترجمة المسئولية المباشرة للعالم المتقدم عن اقتلاع الفقر، وذلك من خلال التوقف عن الاستغلال المالي للعالم الثالث وتعويضه عن فترات الاستعمار والاستنزاف الزائد للثروات الطبيعية وتصفية المديونية والاعتراف بحاجة العالم الثالث لانتهاج طرقه الخاصة بالتطور والنمو والتقدم الاقتصادي الاجتماعي ومنحه معاملة تمييزية تتحيز لإطلاق قواه المنتجة وتعفيه من منافسة يستحيل عليه مقابلتها وتوفر له الموارد اللازمة لانطلاقه الاقتصادي والاجتماعي.
ثمة أشياء وعناصر مشتركة بين كل تلك الرؤى؛ فجميع تلك الرؤى تصورت المجتمع المدني العالمي على ضوء البشارة المتمثلة في أفق ممتد للسلام العالمي في عصر ما بعد الحرب الباردة، حتى المناهضون للعولمة يرفعون شعار: هناك عالم أفضل ممكن.
وعلى النقيض فإن المنطق كان يدفع للاعتقاد بأن انهيار المناخ التفاؤلي الذي ساد بعد نهاية الحرب الباردة سوف يقود من جديد إلى موجة صعود أخرى للفكر الإستراتيجي التقليدي المرتبط بالقوة والقدرات العسكرية في العلاقات الدولية وإلى إعادة الهيمنة إلى خطاب الأمن القومي على العقول وعلى الإستراتيجيات القومية. وقد وقع هذا الانهيار بالفعل بسبب رد الفعل الأمريكي لأحداث 11 سبتمبر. فقد تأسست إستراتيجية اليمين الأمريكي الحاكم على فكرة الحروب المفتوحة التي يتم تبريرها باسم مكافحة الإرهاب و السلام العالمي- أو الأمريكي.
ولكن ما وقع في يوم 15 فبراير 2003 خفض حدة التشاؤم، فقد تجلى المجتمع المدني العالمي بأعظم معانيه ودلالالته في المسيرات الحاشدة والمتزامنة في نحو 6000 مدينة وأكثر من 70 دولة في العالم لمناهضة الحرب الأمريكية المزمعة ضد العراق. وقد فرض هذا اليوم نفسه حتى على أكثر المتشككين في مفهوم المجتمع المدني العالمي باعتباره يوما فريدا في تاريخ العالم وظاهرة لا يضاهيها شيء في تاريخ البشرية أو واقعها الحديث.
وسوف يسعى كثيرون لفترة طويلة لفهم ما حدث في هذا اليوم واستكشاف طبيعته ودلالاته بعيدة المدى. فكيف ننطلق مما سبق لفهم مفهوم "المجتمع المدني العالمي"؟[/FONT]
برز تعبير "المجتمع المدني العالمي" مثله مثل تعبير "المجتمع المدني" ذاته مجددا في سياق التحولات التي رافقت انهيار القطبية الثنائية، وربما يصح ربطه أيضا مع خطاب العولمة.
ينهض هذا الربط لا بفضل الالتقاء حول مضمون معين وإنما بسبب جملة المشروعات والأفكار التي أطلقها انحسار التهديدات المرافقة للقطبية الثنائية وسباق التسلح والحروب الباردة. وقد عكست هذه الخطط والمشروعات روحا تفاؤلية بمستقبل العالم ومحاولة حث الخطى إلى طرق جديدة لعلاج مشكلاته وتطوير بنياته. وتمثلت الفكرة العامة في عدة تصورات للمفهوم يمكن تقسيمها إلى المدارس التالية:
أولا: الرؤية المثالية التي ترى أن ثمة بشرى بحقبة سلام ممتدة تحدث قطيعة نسبية مع النمط التاريخي للعلاقات الدولية كما تأسست في أوربا منذ القرن السابع عشر. وما يسمى بالخطاب المثالي في العلاقات الدولية صار لأول مرة ممكنا. ومن المنظور الغربي بدا ممكنا مثلا توسيع نطاق الرفاهية والسلام الذي عاشته أوربا منذ الحرب العالمية الثانية إلى أرجاء العالم. وتنوعت المداخل التي طرحت لتحقيق هذا التصور.
فالبعض طرح خطاب العولمة الاقتصادية التي تعني مد نطاق السياسات والفعاليات التي قادت إلى الرخاء والسلام في الغرب أو الشمال إلى العالم كله عبر طائفة من الاتفاقيات الدولية والتعديلات الهيكلية المحلية التي تطلق قوى السوق وتدفع إلى تحسين الإنتاجية والإفادة الأفضل من الموارد وتشجع المزيد من التطور التكنولوجي وتحسن من التنظيم الاجتماعي.
فريق ثانٍ طرح في هذا السياق مشروع بناء وتطوير المجتمع المدني العالمي الذي توفرت بالفعل عناصر حقيقية لنشأته ونموه. وتفاوت بالطبع فهم كنه هذا المجتمع وطبيعته.
إذ نظر إليه البعض كجزء من تجليات مشروع العولمة ومستوى مواكبا للمستوى الاقتصادي للعولمة.
ويمكن القول أن هذا الفهم ينطلق من التبشير الليبرالي بنظام سياسي جديد للبشرية.
فالحركة الحرة لرءوس الأموال والتكنولوجيا وأنماط التنظيم والإنتاج المشترك أو "المصنع العالمي" كلها مفاهيم تتعارض مع البنية القومية للتنظيم السياسي للعالم والموروث من القرن السابع عشر (بالنسبة لأوربا الغربية تحديدا).
ويحتاج الاقتصاد المعولم إلى بنية سياسية تناسبه ربما تجسدت يوما من الأيام في حكومة عالمية. وحيث إن التنظيم القومي للعالم نشأ على قاعدة عملية بناء الأمة؛ فالحكومة العالمية يمكن أن تنشأ على قاعدة اجتماعية وبشرية عابرة للحدود القومية وهي "المجتمع المدني العالمي".
فريق ثالث قدم مفهوم المجتمع المدني العالمي كجزء من عملية أخرى، وهي النضال المشترك من أجل العدالة الدولية والسلام العالمي. ويقوم المجتمع المدني بدور القاطرة لعملية التحويل الديمقراطي في الداخل عبر النضال الضروري لاستلهام ووضع إستراتيجيات ورؤى جديدة للتنمية والتطور. كما يقوم بدور الجسم الحي الذي يخوض النضال من أجل نشأة بيئة سياسية واقتصادية دولية مواكبة أو مناسبة للتنمية البشرية وذات الوجه الإنساني في العالم الثالث.
يتجاور مع هذا الفريق رؤى العولمة المضادة التي تقوم على إدراك وترجمة المسئولية المباشرة للعالم المتقدم عن اقتلاع الفقر، وذلك من خلال التوقف عن الاستغلال المالي للعالم الثالث وتعويضه عن فترات الاستعمار والاستنزاف الزائد للثروات الطبيعية وتصفية المديونية والاعتراف بحاجة العالم الثالث لانتهاج طرقه الخاصة بالتطور والنمو والتقدم الاقتصادي الاجتماعي ومنحه معاملة تمييزية تتحيز لإطلاق قواه المنتجة وتعفيه من منافسة يستحيل عليه مقابلتها وتوفر له الموارد اللازمة لانطلاقه الاقتصادي والاجتماعي.
ثمة أشياء وعناصر مشتركة بين كل تلك الرؤى؛ فجميع تلك الرؤى تصورت المجتمع المدني العالمي على ضوء البشارة المتمثلة في أفق ممتد للسلام العالمي في عصر ما بعد الحرب الباردة، حتى المناهضون للعولمة يرفعون شعار: هناك عالم أفضل ممكن.
وعلى النقيض فإن المنطق كان يدفع للاعتقاد بأن انهيار المناخ التفاؤلي الذي ساد بعد نهاية الحرب الباردة سوف يقود من جديد إلى موجة صعود أخرى للفكر الإستراتيجي التقليدي المرتبط بالقوة والقدرات العسكرية في العلاقات الدولية وإلى إعادة الهيمنة إلى خطاب الأمن القومي على العقول وعلى الإستراتيجيات القومية. وقد وقع هذا الانهيار بالفعل بسبب رد الفعل الأمريكي لأحداث 11 سبتمبر. فقد تأسست إستراتيجية اليمين الأمريكي الحاكم على فكرة الحروب المفتوحة التي يتم تبريرها باسم مكافحة الإرهاب و السلام العالمي- أو الأمريكي.
ولكن ما وقع في يوم 15 فبراير 2003 خفض حدة التشاؤم، فقد تجلى المجتمع المدني العالمي بأعظم معانيه ودلالالته في المسيرات الحاشدة والمتزامنة في نحو 6000 مدينة وأكثر من 70 دولة في العالم لمناهضة الحرب الأمريكية المزمعة ضد العراق. وقد فرض هذا اليوم نفسه حتى على أكثر المتشككين في مفهوم المجتمع المدني العالمي باعتباره يوما فريدا في تاريخ العالم وظاهرة لا يضاهيها شيء في تاريخ البشرية أو واقعها الحديث.
وسوف يسعى كثيرون لفترة طويلة لفهم ما حدث في هذا اليوم واستكشاف طبيعته ودلالاته بعيدة المدى. فكيف ننطلق مما سبق لفهم مفهوم "المجتمع المدني العالمي"؟[/FONT]