المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كلمات الزميلة عطاف يوسف الموجعة:


عبد الباسط خلف
28-10-2007, 11:00 AM
كلمات الزميلة عطاف يوسف الموجعة:
حين يحاصرك الموت

هناك أحداث لا يطويها النسيان مهما مر عليها الزمان، تسكن عميقا في النفس البشرية، تبقى متقدة كجمرة تحت الرماد، لا تحتاج سوى لنفخة صغيرة تزيح عنها الرماد لتتوهج من جديد، وتلسع كما لو أنها حدثت بالأمس.
في عام 1983، وبعد ما جرى من اجتياح للبنان أدى |إلى رحيل المقاومة الفلسطينية وتشتتها في المنافي البعيدة، وعلى أثر أبشع مذبحة ارتكبت بحق اللاجئين الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا، قررنا نحن السجينات الفلسطينيات السياسيات في سجن نفترتسيا الإسرائيلي (سجن الرملة للنساء"، إعلان الإضراب المفتوح احتجاجا على ما حصل، وتصميما على تحقيق حياة أفضل حتى لو كانت وراء القضبان. كان أطول إضراب مفتوح خاضته السجينات الفلسطينيات منذ افتتاح السجون الإسرائيلية وحتى ذلك الوقت.
بدأ الإضراب بالامتناع عن العمل، وتخلله إضراب عن الطعام لأكثر من يوم أحيانا، وكلما استمر الإضراب كانت إدارة السجن تزيد من بطشها وقسوتها ضد السجينات بوسائل متعددة، بدءا من حشرنا في الغرف طوال اليوم ما عدا ساعة واحدة نستطيع الخروج فيها إلى الساحة، ولتعميق الفصل وقطع التواصل بين السجينات عملت الإدارة على إخراج كل غرفة لوحدها، علما أن الغرفة كانت تتسع لست سجينات فقط، كان عددنا يقارب الخمسين سجينة من فلسطينيات ولبنانيات، وحتى أنه كان بيننا سجينة كردية من حزب العمال الكردستاني التركي، كانت قد اعتقلت أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان.
استمرت العقوبات وتصاعدت، وشملت حرماننا من رؤية التلفاز ومن قراءة الكتب، وتمت مصادرة الأوراق والأقلام القليلة التي كانت في حوزتنا، وحتى الخرز والصوف وكل ما يتعلق بالأشغال اليدوية، وصولا إلى لعبة الزهر والشطرنج، ولم يبق لدينا ما نعمله سوى اختراع بعض الألعاب كالمبارزات الشعرية ومثيلاتها.
وصل الضغط أشده في بداية شهر تشرين الثاني من العام 1983، وكان لا بد من الانفجار، وحصل ذلك عندما مرضت إحدى السجينات ولم تستجب إدارة السجن لطلبنا بنقلها إلى المستشفى، كان الوقت ليلا، بدأنا بالطرق على الأبواب والصراخ، لكن الإدارة أصرت على عدم الاستجابة، فبدأنا وبصوت واحد واقفات أمام الكوة الصغيرة في الباب ننشد للوطن، ونهتف ضد السجن والسجان والاحتلال. لم يمض وقت طويل حتى سمعنا جلبة أقدام قوية تدخل القسم المكون من غرف متقابلة بينها ممر طويل، وسمعنا أبواب تفتح اكتشفنا فيما بعد أنهم قاموا بإخراج السجينات الإسرائيليات المتواجدات معنا في القسم، كان حظي التعس أنني كنت في أول غرفة وكان معي أربع سجينات احدهما تعاني من أزمة في الصدر.
لم يمر سوى دقائق حتى سمعنا هسيسا تبعه رائحة خانقة غمرت المكان، وقبل أن نبتعد عن الباب كان الغاز قد ملأ وجوهنا والغرف جميعا، حيث قام الجنود من الوحدة الخاصة بقمع السجون برش الغرف جميعها.
في هذه الحالة من الطبيعي أن يبحث الإنسان عن نسمة هواء نظيفة، فاتجهنا تلقائيا نحو النافذة الوحيدة، لكن وقبل وصولنا كان الغاز يتدفق منها أيضا فأصبحنا محاصرين وسط الغرفة. سمعت صراخا في الحمام، كنت اقترب كثيرا من حالة الإغماء فلم استطع أن احذر زميلاتي من استخدام الماء، كونه يتفاعل مع الغاز ويؤدي إلى الحرق.
اختنقنا، وكتبت بعدها قصيدة جاء فيها "واختنقنا بالدخان يا أمي" ولم أكن اعرف أن الشاعر راشد حسين قد كتب هذه الجملة في إحدى قصائده، وأنه لاحقا مات اختناقا بالدخان.
ساد الهدوء القسم لفترة ما، ثم بدأت الأصوات تخرج مبحوحة للاطمئنان على باقي السجينات، وعندما تأكدنا أن لا إصابات خطيرة بيننا، انطوت كل منا على آلامها، إما مستلقية على سريرها البائس، أو مسندة ظهرها إلى الحائط، لكن دموعا غزيرة سالت، بفعل الغاز أولا وبفعل القهر ثانيا، ألا يكفي السجن والحرمان من الحياة الطبيعية ليأتي الألم الفظيع؟
لم تفتح الغرف لتهويتها لا في تلك الليلة ولا في اليوم التالي، وكنا قد أعلنا الإضراب عن الطعام احتجاجا، فلم نخرج من الغرف، بينما كانت السجانات يقمن بعملهن في تفقدنا وهن مرتديات أقنعة مضادة للغاز.
بعد أسبوع حضر وفد من أعضاء الكنيست، ولم يستطيعوا الوقوف، لأن رائحة الغاز كانت لا تزال تنبعث من ملابسنا وأسرتنا وحتى من جدران زنازيننا.
أيام قليلة بعدها وجاء الفرج بعملية تبادل للأسرى، كنت وأربعة من زميلاتي من بين المحظوظات، حيث شملنا الإفراج، لكنها كانت فرحة منقوصة، حيث فرض علينا أن نغادر الوطن بلا رجعة.
عندما خرجنا كان البعض منا لا يزال يحمل أثار الحروق التي تسبب بها الغاز، زالت الحروق ولم تترك أثرا على أجسادنا، لكنها حفرت عميقا في أرواحنا، ولا زلنا نذكرها رغم مرور حوالي ربع قرن عليها.
ما حدث في سجن النقب من اعتداء على الأسرى وسقوط شهيد من بينهم ومئات الجرحى، أعاد لي هذه الذكرى البشعة، فليس أصعب على الإنسان من أن يحاصره الموت في مكان هو به محاصر أصلاً