المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قضايا المرأة.. والبعد عن الشرعية


نورة السعد
23-11-2005, 02:25 PM
قضايا المرأة.. والبعد عن الشرعية

هناك بعض الدراسات التي يقال إنها تهتم بقضايا المرأة العربية ولكن القارئ لها سيجد أنها مؤطرة بمفاهيم الحركة النسوية الغربية، وغير مرتبطة بالقيم العقدية والتربوية الخاصة بالنظام الإسلامي.. ومرد هذا الطغيان ملكة التبعية الثقافية والمنهجية للنموذج الغربي في التحليل.. رغم عدول بعض رواد الحركة النسوية Feminisme عن شعاراتها الأولى.. ولكن تيار التقليد الأعمى، لم تصلنا موجته بعد.. فمن يتحدث الأن أو يعد دراسات عن المرأة لا يزال يستمد حبر فكره وقاموس لغته من ذلك الفيض الذي تدفق في بداية هذا القرن مع تيارات الحركة النسوية في أمريكا وأوروبا.

سأستعرض هنا بعض آراء من منحوا أنفسهم الحديث عن واقع المرأة العربية.. فمن دراسة لحليم بركات عن النظام الاجتماعي وعلاقته بمشكلة المرأة العربية.. سأختصر بعض النقاط مثل قوله:

ـ علاقة الدين بمكانة المرأة تنقسم إلى: رأي ديني يقول (إنما المرأة خلقت من ضلع عوجاء) والرأي الذي يغلب عليه اعتبار الدين مسؤولاً عن فرض النظام الأبوي. والرأي الذي ينزه الدين من مسؤولية استعباد المرأة، ويؤكد العكس، أنه حررها وساواها بالرجل والرأي الذي يقر بأن الدين ثبت الفروقات الطبيعية. ويستعرض حليم بركات رأي فاطمة المرينسي الكاتبة المغربية التي ترى أن النظام الأمومي الذي كان معروفاً لدى بعض القبائل في الجزيرة العربية انتهى بظهور الإسلام، فرسخ النظام الأبوي، وأبقى على امتيازات الرجل (كما يظهر من نظام تعدد الزوجات ونظام الطلاق).. أما الرأي الذي يقول بأهمية العادة العائلية فيتضح في رأي فيرينا برزكيان في كتابها (المرأة المسلمة الشرق أوسطية تتكلم) التي تقول: وضع المرأة يقع في نقطة وسطية بين (القرآن) أو (كلمة الله) و(العادة القبلية والعائلية) أو (كلمة الإنسان) كما يتجلى في الحلول الفردية والممارسات اليومية.

أما خالدة سعيد فترى أن المرأة العربية (كائن بغيره لا بذاته) فتحدد هويتها بالنسبة لكونها زوجة فلان، أو بنت فلان، أم فلان أو أخته) إن وضعها يرتبط بالنظام الطبقي، حيث تكون العلاقات علاقات بين سيد ومسود، يصعب أن تجد فيه المرأة الحرية الحقيقية، وأن تستعيد فيه إنسانيتها. فتعاني بذلك اغترابين.. اغتراباً طبقياً واغتراباً على صعيد البنية التحتية في نطاق الأسرة فهي عبدة العبد" ومن هذا المنطلق الاجتماعي ترى نوال السعداوي: أن علاقة المرأة بالرجل تشبه علاقة العبد بالسيد، فالرجل يشتري المرأة بمقدم الصداق، وينص عقد الزواج في أول بنوده على أن الزوجة ملك لزوجها، واجبها الطاعة المطلقة وتخدم الزوجة في بيت زوجها بغير أجر، وأن غضبت أو تذمرت، أو مرضت، أو وهنت، باعها الرجل بحقه المطلق في الطلاق.

ثم ينتقل التحليل إلى سمات النظام الأبوي وسيطرته كما يقولون فأصبح الرجل هو المعيل وأصبح بقية أفراد العائلة عيالاً مهما كانت درجة مشاركتهم في العمل.. ومهما كانت علاقات الإعالة والاعتماد المتبادلة.. حتى الألقاب التي تطلق على الزوجة التي في ظاهرها الفخامة ولكنها تعني التحقير لأنها ملحقة بالرجل مثل "عقيلة" أو "قرينة" فيما يشار إليه بألقاب (رب الأسرة) و(بعل) بما يوحي بالألوهية التي فرضها على أفراد الأسرة.. وعندما تتحول المرأة إلى "قرينة" و(عقيلة) لا تعود تملك نفسها وخصوصيتها ولا حتى شرفها الذي أصبح شرف الرجل.. ولذلك تصبح أسيرة الرجل ومفهومه لها على أنها للإنجاب وتربية الأولاد وتدبير شؤون المنزل والسهر على تلبية حاجات زوجها والخضوع لأوامره والسعي لنيل رضاه بالطاعة والتنافس مع غيرها من النساء للحصول عليه.

وفي موضوع تحرير المرأة كما جاء في تلك الدراسة.. فقد تم ربطه بالانجازات العديدة ـ من وجهة نظرهم ـ التي حدثت خلال القرن الأخير مثل: نزع الحجاب وارتداء الملابس الحديثة، والاختلاط بين الجنسين، والنسبة المتزايدة لإقبال النساء على العلم والمشاركة الفعلية في الحياة العامة خارج البيت..

وتم تعزيزه بما قالته خالدة سعيد: (يمكن القول، يكفي المرأة أنها تخلصت من الحجاب، ولم تعد تنزوي في البيت بل فتحت أمامها أبواب العلم والعمل وطلب العلم، ونالت الحق في الانتخاب وكما قالت لها إحدى زميلاتها: كيف نبحث قضية المرأة ونساء بلادنا بلباس الميني جوب؟ ولكن تؤكد خالدة سعيد في ردها على زميلتها تلك أن الميني جوب يقف في مستوى واحد مع الحجاب المعتم أو الملاءة باعتبار الحالتين إقراراً بأن المرأة أولاً وأخيراً جسد يُمتلك ويصان، ويخبَّأ أو يعرض؟

** هذه بعض خصائص الخطاب النسوي في عالمنا العربي وما ذكرته نموذج من دراسة واحدة فقط ـ وسأستعرض سواها في الزوايا القادمة إن شاء الله ـ وسأعلق على بعض منها الآن:

يتضح الخلل في منهجية التحليل وغياب الأحكام الشرعية ومقاصدها الجليلة للحياة الأسرية سواء فيما يخص عقد الزواج أو علاقة الزوج بزوجته وأبنائه، أو مفهوم القوامة أو حكم التعدد أو الطلاق.. ويتضح كيف يتم اجتزاء الأحاديث الشريفة وعدم الدقة ليس في صياغتها وصحتها فقط ولكن في المراد منها وما هو شرحها والظرف الذي قيلت فيه.. وكيف يتم تحليل الواقع وفق أخطاء التطبيق ليس في علاقة الزوج بزوجته فقط ولكن في التغير الاجتماعي الذي مر بمجتمعاتنا العربية وأسقط الحجاب المعنوي والشرعي. ولا ننسى كيف نزل أحد رؤساء تونس ليطبق عملياً نزع الحجاب عن رؤوس النساء وتم بث هذا المنظر تلفازياً فكان ينزع الحجاب ذا اللون الأبيض من على شعور النساء ثم يقبلهن!! والبعض يبتسمن والبعض متجهمات الملامح.. هذه الأحداث المأساوية في تاريخ المرأة المسلمة مع إضعاف تدريس المواد الدينية، وموجة التغريب الذهني والفكري والثقافي التي انتشرت.. أفقدت هؤلاء الكاتبات القدرة على الرؤية الصحيحة، وفي ظل غياب القاعدة الإيمانية والأحكام الشريعة، يتم اللجوء إلى تحليل ما تعارف المجتمع على ممارسته وليس على ما هو النموذج القدوة الذي يجب العودة إليه والركون إلى منطلقاته.. وتتنامى عبارات: إثبات الذات، عدم الاستسلام للضعف، عدم توقع الوفاء من الزوج، امتيازات الرجل، الخ.. عبارات وشعارات استفزازية ليس الهدف منها الاصلاح أو ايجاد الحلول وإنما السير في ركاب مفاهيم الحركة النسوية الغربية.

لهذا أثق ان مهمتنا اليوم نساء ورجالاً أمهات ومربيات ومثقفات هو العمل معاً لتنقية الخطاب التوعوي للمرأة وللرجل من هذه النقائص والعودة الى البحث عن سبل الخصال المستمدة من التشريع الاسلامي، التي تعيد صياغة السلوك والفكر وتعيد التماسك الأسري وليس خلخلته وفق منظومة (الأنا) والتعالي (الفردية).

مجتمعاتنا ليست مثالية.. نعم.. ولكن إيجاد حلول الخلل فيها لابد أن يستمد من منظومتنا العقدية وليس من مجتمعات غربية تعيش حاليا مأساة انحلالها الاخلاقي لانها أخفقت في الحفاظ على بنائها الاخلاقي وايضا في الحفاظ على (مفهوم الأسرة) اللبنة الأساسية لكل مجتمع.


بقلم : نورة السعد