سعود فهد الخالدي
28-11-2005, 02:12 PM
يثير موضوع المجتمع المدني العديد من القضايا والتساؤلات على صعيد المجتمع بقواه وتكويناته ومؤسساته وأنماط ثقافته ، كما يثير أيضاً العديد من الإشكاليات على صعيد الدولة بأجهزتها وقوانينها وسياستها في المجالات المختلفة . ذلك أن طبيعة الحركة وحدودها ومساحتها أمام المجتمع المدني تتحدد ملامحها وسماتها من خلال تحديد أنماط العلاقة بين الدولة من ناحية ومنظمات المجتمع المدني من ناحية أخرى .
أولاً : المجتمع المدني .. المفهوم ودلالاته :
المجتمع المدني وثيق الصلة بالثقافة الغربية ويضرب بجذوره في أصولها القديمة وتنعكس على مدلولاته ، خبراتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وبرز ذلك من خلال المدارس الفكرية التي تبلورت على أساس هذه الخبرات . ومع أن المدارس التي استخدمت هذا المفهوم لا تتفق على توصيف معين للمجتمع المدني إلا أن هناك قسمات مشتركة بين التفسيرات المتعددة التي أعطتها ، مما يبرر استمرار استخدام المفهوم نفسه للإشارة إلى الجوانب المتعددة التي أكدتها هذه المدارس .
من أهم هذه المدارس التي ساهمت في صياغة مفهوم المجتمع المدني مدرسة العقد الاجتماعي وهيغل والمدرسة الماركسية ، وخصوصاً المفكر الإيطالي غرامشي . وعلى الرغم من صعوبة الإحاطة بمساهمات كل هذه المدارس في هذا الإطار إلا انه من الضروري الإشارة إلى تعدد المساهمات حتى لا يتكون الانطباع بان المضمون الوحيد لهذا المفهوم هو كونه سلاحاً في يد الحركات الليبرالية الهادفة إلى الحد من سلطة الدولة الإقطاعية . فالمفكر الألماني هيغل استخدم هذا المفهوم لتأكيد أهمية الدولة في تحقيق الوحدة داخل المجتمع ، ونفي أن يكون للمجتمع المدني أية قدرة على تحقيق تماسكه دون أن تكسبه الدولة هذا التماسك والانضباط . وتحدث المفكر الإيطالي غرامشي عن دور النقابات والأحزاب التي تعبر عن الطبقات الخاضعة في توليد الهيمنة المضادة التي تفتح الطريق أمام تغيير ثوري للمجتمع في اتجاه الاشتراكية .
نظرية العقد الاجتماعي : تجاوز المنظور الديني للدولة :
تبلور مفهوم المجتمع المدني في صيغته الاصطلاحية السياسية في سياق نظرية العقد الاجتماعي . وفقاً لهذه النظرية كان مفهوم المجتمع المدني مرادفاً لمفهوم المجتمع السياسي أي المجتمع المؤسس بناء على العقد الاجتماعي فيقول جون لوك " وهكذا فحيث يؤلف عدد من الناس جماعة واحدة ، ويتخلى كل منهم عن سلطة تنفيذ السنة الطبيعية التي تخصه ، ويتنازل عنها للمجتمع ، ينشأ عندنا حينذاك فقط مجتمع سياسي أو مدني " . وتبرز رسالة جون لوك في الحكم المدني أن الغاية من اتحاد الناس في المجتمع المدني ـ إضافة تحقيق الأمن والسلام ، وهي المفاهيم الواضحة في فلسفة هوبز ـ هي المحافظة على أملاك الأفراد ( سعيد بنسعيد وآخرون ، ص 74( .
إن الخلفية السياسية المؤطرة للمفهوم في هذا الإطار تميل إلى الأبعاد الفلسفية التي بلورتها نظرية العقد الاجتماعي كنظرية معادية لنظرية الحق الإلهي للملوك في مجال الحكم .
من هنا يأتي اقتران المجتمع المدني بالمجال الدنيوي حيث يتخلص المجال السياسي من أرث العصور الوسطى المسيحي الكنيسي أي من هيمنة المقدس ، وتصبح الدولة والقوانين والمؤسسات نتاج التجربة التاريخية المستقلة عن المجال الروحي في صورته الدينية .
لقد كان جون لوك من أكثر مفكري مدرسة العقد الاجتماعي اهتماماً بمفهوم المجتمع المدني ، والذي قصد به وصف ذلك المجتمع الذي دخله الأفراد لضمان حقوقهم المتساوية التي تمتعوا بها في ظل القانون الطبيعي ، لكن غياب السلطة القادرة على الضبط في المجتمع الطبيعي كان يهدد ممارستهم لهذه الحقوق . لذلك اتفق هؤلاء الأفراد على تكوين ذلك المجتمع المدني ضماناً لهذه الحقوق ، ثم تخلوا عن حقهم في إدارة شؤونهم العامة لسلطة جديدة قامت برضائهم والتزمت بصيانة حقوقهم الأساسية في الحياة والحرية والتملك . والتزم أفراد ذلك المجتمع المدني بطاعة تلك السلطة طالما التزمت بعناصر ذلك الاتفاق معهم ، أما إذا خرجت عليه ، فإنها تفقد كل أسس طاعتهم لها ، ويصبح من حقهم أن يثوروا عليها ويحلوا محلها سلطة أخرى أكثر اتساقاً في احترامها لحقوقهم ( بنسعيد وآخرون ، ص 644).
إذن عندما ظهر مفهوم المجتمع المدني في القرن السابع عشر ، وفي إطار المنظومة الفكرية السياسي الحديثة ، كان يرادف مفهوم الدولة باعتبارها " آلة اصطناعية ، ساعة كبيرة تتجه نحو ضبط سلوك الأفراد وحماية أمنهم وسلامتهم وما يملكون " ، حسب تعبير هوبز .
في هذا السياق ، كانت نظرية العقد الاجتماعية في الدولة تجسم مستوى التنظير السياسي ، التحولات التاريخية والاجتماعية في أوروبا ، تواكبها وتبررها وتعمل على عقلنتها وتبرير وجودها واستمراريتها بصياغة مفاهيمها ومبادئها .
- 2هيغل : المجتمع المدني كمجال للتنافس بين المصالح المتعارضة ...
أعطى الفيلسوف الألماني جورج فريدريك هيغل صورة مخالفة للمجتمع المدني في غياب الدولة . فهو مجتمع تسوده الفرقة والصراع والتمزق . ولا يتحقق لهذا المجتمع استقراره ووحدته إلا في وجود الدولة التي تخلغ عليها طابعاً أخلاقياً ، وتوجهه نحو غاية أخلاقية محددة . فالدولة في رأيه هي المثل العقلاني في التطور ، وهي العنصر الروحي حقاً في الثقافة . ( سعيد بنسعيد وآخرون ، ص 644 (
ينكر هيغل الانسجام الذي تفترضه نظرية العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع المدني مؤكداً عجز هذا الأخير عن إقامة وتحقيق العقل والحرية من تلقاء ذاته ، ويقترح أن تكون الدولة هي الإطار القوي لقادر على تحقيق هذه الغاية .
يرى هيغل أن المجتمع المدني هو مجال تقسيم العمل وإشباع الحاجات المادية ، وهو في الوقت نفسه مجال تنافس المصالح الخاصة والمتعارضة . هكذا يصاغ مفهوم المجتمع المدني ف يمنظور هيغل ، لا ليطابق المجتمع السياسي أو الدولة كما هو الحال في نظرية العقد الاجتماعي ، بل يستخدمه ليشير إلى مجال إنتاج وتبادل الخبرات المادية ، مجال المبادرة الخاصة والمصلحة الخاصة . وتشكل الدولة في إطار هذا الفهم المجال الجوهري المجسد للمصلح العامة ( سعيد بنسعيد وآخرون ، ص 75 ـ 76(.
ويعتمد المجال المدني على الدولة حتى في القيام بوظائفه الأساسية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية ، التي لا يستقيم أداؤها من دون التنظيمات التي تضعها الدولة . ووسيلة الدولة في توجيه أفراد المجتمع نحو غايتها الأخلاقية هي بالعمل من خلال الطوائف والاتحادات المهنية ، ومن خلال الطبقات والمجتمعات المحلية التي من دونها يتحول المواطنون إلى مجرد تجمع بدون هوية .
ولقد أشار كثيرون ممن درسوا فلسفة هيغل إلا أن رؤيته الخاصة للمجتمع المدني عكست تقييمه لأحوال المجتمع الألماني في بداية القرن التاسع عشر قبل أن تتحقق وحدته . وقد اعتبر هيغل أن خروج المجتمع الألماني من أزمته يرتبط بظهور الدولة الواحدة التي ترشد تطوره وتقوده علي سلم التطور ( سعيد بنسعيد وآخرون ، ص 644(.
- 3 ماركس : المجتمع المدني باعتباره والقاعدة المادية المؤسسة للدولة ...
إذا كانت الفلسفة الماركسية قد خرجت من تحت عباءة هيغل ، إلا ان تصورها للعلاقة بين المجتمع المدني والدولة كان مغايراً لتصور هيغل مثلما كان تصورها لطبيعة العملية الجدلية ونوع القوى المحركة للتطور التاريخي . فالمجتمع المدني في رأي كارل ماركس هو القاعدة التي تحدد طبيعة البنية الفوقية بما فيها من دولة ونظم ثقافية ومعتقدات .
ففي مؤلفات ماركس الناضج " حسب تعبير الثوسير " نجد أن مفهوم المجتمع المدني يتطابق مع مفهوم البنية التحتية . بل في الواقع فإن ماركس لم يعد يستعمل المفهوم وحاول عن طريق استخدام مفهومي البنية التحتية والبنية الفوقية ، تحديد الأسس المادية والأيدلوجية لمؤطِرة للوجود المجتمعي ، ولقد بنى المفكرون الماركسيون على هذا الفهم للمجتمع المدني تحليلات أكثر شمولاً لمنظمات المجتمع المدني وعلاقته بكل من الدولة من ناحية وعلاقات الإنتاج من ناحية أخرى ( سعيد بنسعيد وآخرون ، ص 645 (.
4 - غرامشي : المجتمع المدني كفضاء للتنافس الأيدلوجي من أجل الهيمنة ...
يتبين من تصور كل من هيغل وماركس لمفهوم المجتمع المدني ـ رغم الاختلافات الموجودة بينهما ـ أن هناك تخلياً عن مرادفة المجتمع المدني بالدولة أي بالمجتمع السياسي في صياغة لوك وهوبز وروسو ، فقد أصبح المفهوم يشير إلى درجة التوسط القائمة بين الدولة والمواطن . ولقد أسهمت ليبرالية القرنالتاسع عشر في إبراز دور التنظيمات المجتمعية مثل الجمعيات والنقابات والأحزاب في تنظيم المجتمع المدني ، وفي ربط صلات الاتصال والانفصال بينه وبين الدولة ، أي بينه وبين أجهزة تسيير الحكم البيروقراطية والعسكرية . ( سعيد بنسعيد وآخرون ، ص 77 ( .
أعطى غرامشي لمنظمات المجتمع المدني دوراً مهماً جداً في إكساب الوعي بالوحدة لدى طبقات المجتمع وفي تمكين طبقة متسيدة اقتصادياً من تحويل سيطرتها على مجتمعها إلى هيمنة مقبولة من أفراد كافة . فهذه الطبقة تسعى أن تكون الاتحادات المهنية والنقابات العمالية والأحزاب السياسية ، بل والمؤسسات الدينية والاجتماعية في صفها ، وأن تكون أداة لصبغ كل المجتمع برؤيتها للعالم . سعد بنسعيد ، ص 546 .
من ناحية أخرى فإن هذه الهيمنة تبدأ في الانهيار عندما تنجح الطبقاتالخاضعة في تطوير منظمات المجتمع المدني الخاصة بها ، وتوجهها تحت قيادة مثقفيها إلى بلورة هيمنتها المضادة التي يعتبر ظهور بوادرها علامة على تحول ثوري قادم في هذا المجتمع ، لا يقتصر على انتقال أجهزة الدولة فيه إلى ممثلي أو حلفاء الطبقة الصاعدة ، وإنما يمتد هذاالتحول إلى العلاقات الإنتاجية ذاتها وقوة الإنتاج أو قاعدة نمط الإنتاج .
إن السؤال الذي جعل غرامشي يستدعي مفهوم المجتمع المدني هو : ما هي الشروط الاجتماعية التي مكنت الطبقة العاملة من الاستيلاء على السلطة في روسيا رغم خصوصيتها الاقتصادية والاجتماعية المتميزة عن أوروبا ؟ ولقد أوضح غرامشي أن سبب النجاح يعود إلى أن الدولة في روسيا كانت تمثل كل شيء مقابل هلامية وهشاشة وفقر المجتمع المدني ، بينما نجد أن الدولة في الغرب تتميز بتلاحمها مع المجتمع المدنية . من هنا فإن الاستيلاء على السلطة في الغرب يقتضي تطوير استراتيجية جديدة مخالفة لاستراتيجية البلاشفة ، استراجية تقوم على استخدام الأيدلوجيا في سبيل الهيمنة ، أي استخدام المثقفين لإنتاج رأس مال رمزي بواسطة النقابات والمدارس لتحقيق الهيمنة ( سعيد بنسعيد وآخرون ، ص 79 .
محمد زاهي المغيربي ، ص 6
أولاً : المجتمع المدني .. المفهوم ودلالاته :
المجتمع المدني وثيق الصلة بالثقافة الغربية ويضرب بجذوره في أصولها القديمة وتنعكس على مدلولاته ، خبراتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وبرز ذلك من خلال المدارس الفكرية التي تبلورت على أساس هذه الخبرات . ومع أن المدارس التي استخدمت هذا المفهوم لا تتفق على توصيف معين للمجتمع المدني إلا أن هناك قسمات مشتركة بين التفسيرات المتعددة التي أعطتها ، مما يبرر استمرار استخدام المفهوم نفسه للإشارة إلى الجوانب المتعددة التي أكدتها هذه المدارس .
من أهم هذه المدارس التي ساهمت في صياغة مفهوم المجتمع المدني مدرسة العقد الاجتماعي وهيغل والمدرسة الماركسية ، وخصوصاً المفكر الإيطالي غرامشي . وعلى الرغم من صعوبة الإحاطة بمساهمات كل هذه المدارس في هذا الإطار إلا انه من الضروري الإشارة إلى تعدد المساهمات حتى لا يتكون الانطباع بان المضمون الوحيد لهذا المفهوم هو كونه سلاحاً في يد الحركات الليبرالية الهادفة إلى الحد من سلطة الدولة الإقطاعية . فالمفكر الألماني هيغل استخدم هذا المفهوم لتأكيد أهمية الدولة في تحقيق الوحدة داخل المجتمع ، ونفي أن يكون للمجتمع المدني أية قدرة على تحقيق تماسكه دون أن تكسبه الدولة هذا التماسك والانضباط . وتحدث المفكر الإيطالي غرامشي عن دور النقابات والأحزاب التي تعبر عن الطبقات الخاضعة في توليد الهيمنة المضادة التي تفتح الطريق أمام تغيير ثوري للمجتمع في اتجاه الاشتراكية .
نظرية العقد الاجتماعي : تجاوز المنظور الديني للدولة :
تبلور مفهوم المجتمع المدني في صيغته الاصطلاحية السياسية في سياق نظرية العقد الاجتماعي . وفقاً لهذه النظرية كان مفهوم المجتمع المدني مرادفاً لمفهوم المجتمع السياسي أي المجتمع المؤسس بناء على العقد الاجتماعي فيقول جون لوك " وهكذا فحيث يؤلف عدد من الناس جماعة واحدة ، ويتخلى كل منهم عن سلطة تنفيذ السنة الطبيعية التي تخصه ، ويتنازل عنها للمجتمع ، ينشأ عندنا حينذاك فقط مجتمع سياسي أو مدني " . وتبرز رسالة جون لوك في الحكم المدني أن الغاية من اتحاد الناس في المجتمع المدني ـ إضافة تحقيق الأمن والسلام ، وهي المفاهيم الواضحة في فلسفة هوبز ـ هي المحافظة على أملاك الأفراد ( سعيد بنسعيد وآخرون ، ص 74( .
إن الخلفية السياسية المؤطرة للمفهوم في هذا الإطار تميل إلى الأبعاد الفلسفية التي بلورتها نظرية العقد الاجتماعي كنظرية معادية لنظرية الحق الإلهي للملوك في مجال الحكم .
من هنا يأتي اقتران المجتمع المدني بالمجال الدنيوي حيث يتخلص المجال السياسي من أرث العصور الوسطى المسيحي الكنيسي أي من هيمنة المقدس ، وتصبح الدولة والقوانين والمؤسسات نتاج التجربة التاريخية المستقلة عن المجال الروحي في صورته الدينية .
لقد كان جون لوك من أكثر مفكري مدرسة العقد الاجتماعي اهتماماً بمفهوم المجتمع المدني ، والذي قصد به وصف ذلك المجتمع الذي دخله الأفراد لضمان حقوقهم المتساوية التي تمتعوا بها في ظل القانون الطبيعي ، لكن غياب السلطة القادرة على الضبط في المجتمع الطبيعي كان يهدد ممارستهم لهذه الحقوق . لذلك اتفق هؤلاء الأفراد على تكوين ذلك المجتمع المدني ضماناً لهذه الحقوق ، ثم تخلوا عن حقهم في إدارة شؤونهم العامة لسلطة جديدة قامت برضائهم والتزمت بصيانة حقوقهم الأساسية في الحياة والحرية والتملك . والتزم أفراد ذلك المجتمع المدني بطاعة تلك السلطة طالما التزمت بعناصر ذلك الاتفاق معهم ، أما إذا خرجت عليه ، فإنها تفقد كل أسس طاعتهم لها ، ويصبح من حقهم أن يثوروا عليها ويحلوا محلها سلطة أخرى أكثر اتساقاً في احترامها لحقوقهم ( بنسعيد وآخرون ، ص 644).
إذن عندما ظهر مفهوم المجتمع المدني في القرن السابع عشر ، وفي إطار المنظومة الفكرية السياسي الحديثة ، كان يرادف مفهوم الدولة باعتبارها " آلة اصطناعية ، ساعة كبيرة تتجه نحو ضبط سلوك الأفراد وحماية أمنهم وسلامتهم وما يملكون " ، حسب تعبير هوبز .
في هذا السياق ، كانت نظرية العقد الاجتماعية في الدولة تجسم مستوى التنظير السياسي ، التحولات التاريخية والاجتماعية في أوروبا ، تواكبها وتبررها وتعمل على عقلنتها وتبرير وجودها واستمراريتها بصياغة مفاهيمها ومبادئها .
- 2هيغل : المجتمع المدني كمجال للتنافس بين المصالح المتعارضة ...
أعطى الفيلسوف الألماني جورج فريدريك هيغل صورة مخالفة للمجتمع المدني في غياب الدولة . فهو مجتمع تسوده الفرقة والصراع والتمزق . ولا يتحقق لهذا المجتمع استقراره ووحدته إلا في وجود الدولة التي تخلغ عليها طابعاً أخلاقياً ، وتوجهه نحو غاية أخلاقية محددة . فالدولة في رأيه هي المثل العقلاني في التطور ، وهي العنصر الروحي حقاً في الثقافة . ( سعيد بنسعيد وآخرون ، ص 644 (
ينكر هيغل الانسجام الذي تفترضه نظرية العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع المدني مؤكداً عجز هذا الأخير عن إقامة وتحقيق العقل والحرية من تلقاء ذاته ، ويقترح أن تكون الدولة هي الإطار القوي لقادر على تحقيق هذه الغاية .
يرى هيغل أن المجتمع المدني هو مجال تقسيم العمل وإشباع الحاجات المادية ، وهو في الوقت نفسه مجال تنافس المصالح الخاصة والمتعارضة . هكذا يصاغ مفهوم المجتمع المدني ف يمنظور هيغل ، لا ليطابق المجتمع السياسي أو الدولة كما هو الحال في نظرية العقد الاجتماعي ، بل يستخدمه ليشير إلى مجال إنتاج وتبادل الخبرات المادية ، مجال المبادرة الخاصة والمصلحة الخاصة . وتشكل الدولة في إطار هذا الفهم المجال الجوهري المجسد للمصلح العامة ( سعيد بنسعيد وآخرون ، ص 75 ـ 76(.
ويعتمد المجال المدني على الدولة حتى في القيام بوظائفه الأساسية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية ، التي لا يستقيم أداؤها من دون التنظيمات التي تضعها الدولة . ووسيلة الدولة في توجيه أفراد المجتمع نحو غايتها الأخلاقية هي بالعمل من خلال الطوائف والاتحادات المهنية ، ومن خلال الطبقات والمجتمعات المحلية التي من دونها يتحول المواطنون إلى مجرد تجمع بدون هوية .
ولقد أشار كثيرون ممن درسوا فلسفة هيغل إلا أن رؤيته الخاصة للمجتمع المدني عكست تقييمه لأحوال المجتمع الألماني في بداية القرن التاسع عشر قبل أن تتحقق وحدته . وقد اعتبر هيغل أن خروج المجتمع الألماني من أزمته يرتبط بظهور الدولة الواحدة التي ترشد تطوره وتقوده علي سلم التطور ( سعيد بنسعيد وآخرون ، ص 644(.
- 3 ماركس : المجتمع المدني باعتباره والقاعدة المادية المؤسسة للدولة ...
إذا كانت الفلسفة الماركسية قد خرجت من تحت عباءة هيغل ، إلا ان تصورها للعلاقة بين المجتمع المدني والدولة كان مغايراً لتصور هيغل مثلما كان تصورها لطبيعة العملية الجدلية ونوع القوى المحركة للتطور التاريخي . فالمجتمع المدني في رأي كارل ماركس هو القاعدة التي تحدد طبيعة البنية الفوقية بما فيها من دولة ونظم ثقافية ومعتقدات .
ففي مؤلفات ماركس الناضج " حسب تعبير الثوسير " نجد أن مفهوم المجتمع المدني يتطابق مع مفهوم البنية التحتية . بل في الواقع فإن ماركس لم يعد يستعمل المفهوم وحاول عن طريق استخدام مفهومي البنية التحتية والبنية الفوقية ، تحديد الأسس المادية والأيدلوجية لمؤطِرة للوجود المجتمعي ، ولقد بنى المفكرون الماركسيون على هذا الفهم للمجتمع المدني تحليلات أكثر شمولاً لمنظمات المجتمع المدني وعلاقته بكل من الدولة من ناحية وعلاقات الإنتاج من ناحية أخرى ( سعيد بنسعيد وآخرون ، ص 645 (.
4 - غرامشي : المجتمع المدني كفضاء للتنافس الأيدلوجي من أجل الهيمنة ...
يتبين من تصور كل من هيغل وماركس لمفهوم المجتمع المدني ـ رغم الاختلافات الموجودة بينهما ـ أن هناك تخلياً عن مرادفة المجتمع المدني بالدولة أي بالمجتمع السياسي في صياغة لوك وهوبز وروسو ، فقد أصبح المفهوم يشير إلى درجة التوسط القائمة بين الدولة والمواطن . ولقد أسهمت ليبرالية القرنالتاسع عشر في إبراز دور التنظيمات المجتمعية مثل الجمعيات والنقابات والأحزاب في تنظيم المجتمع المدني ، وفي ربط صلات الاتصال والانفصال بينه وبين الدولة ، أي بينه وبين أجهزة تسيير الحكم البيروقراطية والعسكرية . ( سعيد بنسعيد وآخرون ، ص 77 ( .
أعطى غرامشي لمنظمات المجتمع المدني دوراً مهماً جداً في إكساب الوعي بالوحدة لدى طبقات المجتمع وفي تمكين طبقة متسيدة اقتصادياً من تحويل سيطرتها على مجتمعها إلى هيمنة مقبولة من أفراد كافة . فهذه الطبقة تسعى أن تكون الاتحادات المهنية والنقابات العمالية والأحزاب السياسية ، بل والمؤسسات الدينية والاجتماعية في صفها ، وأن تكون أداة لصبغ كل المجتمع برؤيتها للعالم . سعد بنسعيد ، ص 546 .
من ناحية أخرى فإن هذه الهيمنة تبدأ في الانهيار عندما تنجح الطبقاتالخاضعة في تطوير منظمات المجتمع المدني الخاصة بها ، وتوجهها تحت قيادة مثقفيها إلى بلورة هيمنتها المضادة التي يعتبر ظهور بوادرها علامة على تحول ثوري قادم في هذا المجتمع ، لا يقتصر على انتقال أجهزة الدولة فيه إلى ممثلي أو حلفاء الطبقة الصاعدة ، وإنما يمتد هذاالتحول إلى العلاقات الإنتاجية ذاتها وقوة الإنتاج أو قاعدة نمط الإنتاج .
إن السؤال الذي جعل غرامشي يستدعي مفهوم المجتمع المدني هو : ما هي الشروط الاجتماعية التي مكنت الطبقة العاملة من الاستيلاء على السلطة في روسيا رغم خصوصيتها الاقتصادية والاجتماعية المتميزة عن أوروبا ؟ ولقد أوضح غرامشي أن سبب النجاح يعود إلى أن الدولة في روسيا كانت تمثل كل شيء مقابل هلامية وهشاشة وفقر المجتمع المدني ، بينما نجد أن الدولة في الغرب تتميز بتلاحمها مع المجتمع المدنية . من هنا فإن الاستيلاء على السلطة في الغرب يقتضي تطوير استراتيجية جديدة مخالفة لاستراتيجية البلاشفة ، استراجية تقوم على استخدام الأيدلوجيا في سبيل الهيمنة ، أي استخدام المثقفين لإنتاج رأس مال رمزي بواسطة النقابات والمدارس لتحقيق الهيمنة ( سعيد بنسعيد وآخرون ، ص 79 .
محمد زاهي المغيربي ، ص 6