المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نشأة مفهوم المجتمع المدني وتطوره


د. برهان غليون
29-11-2005, 11:18 AM
نشأة مفهوم المجتمع المدني وتطوره
من المفهوم المجرد إلى المنظومة الاجتماعية والدولية

برهان غليون
المفهوم، أصله واستخداماته
ليس هناك مفهوم ثابت وجامد وناجز وقابل للاستخدام في كل زمان ومكان، حتى تلك المفاهيم التي تبدو لنا كذلك. فالمفهوم مرتبط بتاريخ نشأته، أي بالمشكلات التي كانت مطروحة في وقت نشوئه، كما هو مرتبط بالاشكاليات النظرية التي رافقت هذه المشكلات أي بنوعية المناظرة الفكرية التي دارت من حول المشاكل المطروحة والطريقة التي حاول واجهها بها المثقفون. فهو بالضرورة ابن بيئة تاريخية اجتماعية محددة وهو ابن فكر محدد أيضا. ثم إن المفاهيم لا تولد في النظرية فقط وعبر التفكير أي لا يستل واحدها من الآخر بصورة منطقية ورياضية ولكن ظهورها وتطورها يرتبطان بالصراع الاجتماعي، أي بنوع من الاستخدام الاستراتيجي. وليس هناك مفهوم تنطبق عليه هذه العوامل الثلاث التي تجعل منه مفهوما ديناميكيا جدا ومتحولا وملتبسا في الوقت نفسه أكثر من مفهوم المجتمع المدني.

لكن لتقريب الموضوع من الأذهان يمكننا اختصار هذه الاستخدامات المتعددة وجمعها في أربعة استخدامات متميزة رافقت هذا المفهوم منذ نشوئه حتى اليوم.
الاستخدام الأول هو الذي كان يجعل منه مناقضا لمفهوم الطبيعة والمجتمع الطبيعي، الذي هو بالنسبة للبعض المجتمع الحيواني أو المجتمع الأبوي أو المجتمع التقليدي أو مجتمع الحرية الأولى. وقد نشأ هذا الاستخدام في سياق تحلل النمط التقليدي للمجتمع الاقطاعي أو الدولة مابعد الاقطاعية القائمة على البديهة الدينية أو العرفية ونمو الشعور بأن السياسة صناعة أي نشاطا عقليا وتابعا لعمل الانسان والمجتمع، ومن خلف ذلك ظهور النظرية السياسية الحديثة. وكانت الحاجة ضرورية لمفهوم جديد يعكس النزوع المتزايد لاكتشاف ما سوف يسمى بالسياسة المدنية، أي السياسة التي تعبر عن حقيقة الانسان وطبيعة اجتماعه المدني (إقرأ الصنعي) وخصوصيته مقابل ما كان سائدا في الحقبة الوسيطة من انعدام السياسة كمجال عام ومشترك ومن ارتباط السياسة بالدين أو بالإرث الارستقراطي أو بالاثنين معا. فبنية المجتمعات ما قبل الحديثة كانت تقتصر على ثلاث مراتب أساسية من الوجهة السياسية، رجال الدين والكنيسة، طبقة النبلاء أو ملاكين الأرض والإقطاعيين، ثم عامة الشعب. ولم يكن لعامة الشعب أي اعتبار في أي موضوع يخص ما نسميه اليوم موضوعات سياسية.

لقد كانت المشكلة الرئيسية المطروحة على مثقفي القرن السابع عشر والثامن عشر الذين رافقوا تحلل هذا النظام الاجتماعي التقليدي وتطور البرجوازية كطبقة جديدة تطمح إلى إعادة بنائه من منظورات مختلفة تلغي المراتبية الجامدة وتفتح المجال أمام هيمنة سياسية حديثة، هي إعادة بناء السياسة على أسس غير دينية وغير ارستقراطية، أي لا ترتبط بتكليف إلهي ولا بإرث عائلي، ولكن بالمجتمع نفسه، تنبع منه وتصب فيه. ومن هذه النقطة سوف ننتقل تدريجيا من نظرية لا سلطة ممكنة إلا إلهية أو ملكية وراثية، إلى النظرية المناقضة تماما وهي لا سلطة شرعية إلا تلك التي تعبر عن السيادة الشعبية والإرادة الجمعية. وهذا هو أصل الانتقال نحو الحداثة السياسية.

ومن الواضح أن مفهوم المجتمع المدني لا يعني هنا شيئا آخر سوى مفهوم الرابطة الاجتماعية العادية كأساس للاجتماع مقابل الرابطة الدينية أو الارستقراطية التي يمكن ربطها بالعرف والتقليد واعتبارها طبيعية. ولذلك سيرتبط مفهوم المجتمع المدني منذ ذلك الوقت بمفهوم القانون والعقد الاجتماعي كتعبير عن هذا القانون المختلف عن العرف، وبالسيادة الشعبية. إنه يجسد مفهوم السياسة الحديثة بوصفها سياسة نابعة من المجتمع البشري كما هو، وليست مسقطة عليه من قبل عالم آخر. ولذلك فإن كلمتي دولة ومجتمع مدني تتطابقان تماما هنا ولا وجود لأي فصل بينهما.

ويمكن تلخيص هذه الاشكالية بجملة واحدة : السياسة الحديثة هي سياسة مدنية. ومن هذه السياسة المدنية، عكس الدينية والعرفية، سوف تتطور جميع المفاهيم الحديثة الأخرى مثل المواطنية والديمقراطية والدولة القانونية. وهنا تصب اسهامات الكتاب الكلاسيكيين الكبار للقرنين المذكورين مثل هوبز، لوك، توكفيل، مونتسكيو، روسو وسبينوزا. وأفضل تجسيد لهذا الاستخدام الخاص للمفهوم الذي يشير أكثر من أي شيء آخر إلى السياسة الجديدة وليس إلى تناقض بين المجتمع المدني والدولة كما نستخدمه اليوم هو كتاب جون لوك الشهير “رسالة في الحكم المدني”. ويمكن أن نترجمها اليوم برسالة في ماهية السياسة الحديثة في تعارضها مع الحكم الذي يعتمد مصادر دينية أو عرفية ارستقراطية

أما الاستخدام الثاني للمفهوم فقد جاء في القرن التاسع عشر بشكل خاص، وكانت البرجوازية قد حققت ثورتها ونقلت السياسة فعلا من ميدان الديني والعرفي إلى ميدان الاجتماعي، أي جعلتها حقيقية إنسانية تعاقدية. ولم تعد المشكلة المطروحة هي تحرير السياسة عن الدين والعرف الارستقراطي ولكن إعادة بناء مفهوم السياسة الحديثة ذاته والتمييز فيه بين مستوياته المختلفة. فالسياسة الحديثة التي ألغت المراتب الطبقية التقليدية جعلت من الشعب كلية واحدة أي افترضت وحدته في الوقت الذي هو كثرة وأفراد عديديون. والثورة الصناعية التي نقلت المجتمع من نمط العلاقات الحرفية والاقطاعية حيث كانت العلاقات السائدة التي تربط بين الأفراد علاقات عائلية، داخل المشغل الحرفي، أو أبوية داخل الاقطاعة بين سيد وأتباعه، طرحت أيضا مسائل جديدة على المجتمع من حيث هو عدد كبير من الأفراد يتعاملون مع بعضهم البعض ويعتمدون بعضهم على بعض، وهو معنى المجتمع المدني بالضبط. فقد أدت تصفية الحرفة ونشوء الاقتصاد البضاعي وتحلل الملكيات الاقطاعية وتراجع الارستقراطية إلى انخلاع الأفراد عن رحم علاقاتهم القديمة، مما طرح بقوة مشكلة إعادة بناء هذه العلاقات، أي إعادة بناء المجتمع المدني وفهم حقيقته الجديدة في مواجهة وبموازاة الدولة الحديثة معا. وعلى هذه المشاكل والاشكاليات النظرية سوف يرد فلاسفة القرن التاسع عشر الكبار، وفي مقدمهم هيجل وماركس الذين سيسيطرون عمليا على فكر القرن التالي السياسي.

فالبنسبة لهيجل ليس المجتمع المدني باعتباره مجموع الروابط القانونية والاقتصادية التي تنظم علاقات الناس الأفراد فيما بينهم وتضمن تعاونهم واعتمادهم بعضهم على البعض الآخر سوى لحظة في صيرورة أكبر تجد تجسيدها في الدولة ذاتها، وهي في الواقع الدولة القومية. فالمجتمع المدني بوصفه كما ذكرت مجموع هذه الروابط يمثل تقدما نوعيا بالمقارنة مع الطبيعة الخام، لكنه لا يجد مضمونه الحقيقي إلا في الدولة التي تجسد ما هو مطلق، أي الحرية والقانون والغاية التاريخية في أجلى تجلياتها. فالمجتمع يظل على مستوى المجتمع المدني مجتمع المصالح الفردية والمشاريع الخصوصية، أي مجتمع الانقسام والتملك الفردي والصراع، ولا يجد خلاصه إلا في الدولة. ومن هذه النزعة الهيجلية إلى رفع الدولة إلى مستوى الحل والمفتاح معا للمجتمع سوف تتغذى الحركات والفلسفات القومية التي تضع الدولة فوق المجتمع والتي قادت إلى إضفاء صفة سلبية على مفهوم المجتمع المدني أيضا لصالح تقديس متزايد لمفهوم الدولة كما سوف نرى.

أما ماركس فقد نظر إلى الموضوع من منظار التناقض الذي كشف عنه في مسيرة الحداثة البرجوازية ذاتها ومشروعها التحرري نفسه. ففي نظر ماركس إن مشروع التحرير السياسي الذي قامت به البرجوازية بالفعل عندما نقلت المجتمعات من النظام القديم إلى النظام الحديث ليس في العمق إلا مشروع استلاب جديد. بل إن السياسة هي في قلب هذا الاستلاب وهي تجسد أعظم أشكال هذا الاستلاب. ففي اللحظة ذاتها التي خلقت فيها برجوازية الدولة كمجال للعام، خلقت أيضا مجال الخاص. وبذلك قضت على الفرد بالتصدع أو الانشقاق في ذاته وهويته نفسها بين ماهيتين متنابذتين ولا يمكن التوفيق بينهما، ماهيته كمواطن، وماهيته كمنتج. فالعام (المواطنية وما تعنيه من حق المساواة) فيه يعيش حالة صدام ونزاع مستمر مع الحقيقة الانتاجية الاجتماعية الفعلية التي تعني التفاوت والتباين الشديدين في شروط الحياة والعيش والممارسة. لذلك سوف يقول إن الحرية التي تعكسها المواطنية التسووية هنا شكلية تماما، ولن يكون هناك تحرر حقيقي للفرد إلا عندما تتوافق شروط الحرية السياسية مع شروط الحرية الاجتماعية. وهذه هي غاية الشيوعية وبرنامجها، أي المطابقة بين العام والخاص، بين الدولة إطار الحرية لكن الشكلية والمجتمع المدني إطار المصالح لكن البرجوازية الخصوصية فحسب، وذلك بتجاوز الدولة والمجتمع المدني البرجوازي الطبقي في الوقت نفسه. فكلاهما الدولة والمجتمع البرجوازيان مجال للاستلاب. وليست الشيوعية سوى برنامج التجاوز التاريخي هذا للدولة الديمقراطية الشكلية وللمجتمع المدني البرجوازي الرأسمالي معا، ومثالها أن تأتي بنظام مجتمعي تكون حرية الفرد فيه شرطا لحرية المجموع، أي يتحقق فيه الانسجام المطلق بين العام (الدولة- النظام، الحرية) والخاص (المجتمع المدني-الفردية، المصلحة) وتتعانق فيه الفردية والجمعية معا. إن الصدع الذي أحدثته البرجوازية بين العام والخاص في كل فرد هو أصل السياسة التي يوجه إليها ماركس نقدا قويا باعتبارها أكبر تجسيد للاستلاب البرجوازي. ولذلك فقد تصور المجتمع الشيوعي من دون دولة ومن دون سياسة، أي مجتمعا متحررا من هذا الصدع منبع الاستلاب.

والاستخدام الثالث هو الذي نشأ في النصف الأول من القرن العشرين وذلك في إطار احتدام الصراع الثوري وفي سياق إعادة بناء الاستراتيجية الثورية في مجتمعات أوربة الصناعية. وكان أكبر مسؤول عن تطوير هذا الاستخدام الجديد المفكر الايطالي الشيوعي أنطونيو غرامشي. وغرامشي هو الذي ترك أكبر الأثر على المفهوم كما يستخدم اليوم، بعد استبعاد عناصر فلسفية وعقائدية كثيرة منه. لقد حاول غرامشي أن يطرح موضوع المجتمع المدني في إطار نظرية السيطرة والهيمنة الطبقية ويستخدمه لإعادة بناء استراتيجية الثورة الشيوعية أو التحررية. وبالنسبة لغرامشي سواء أكان ذلك في كتابه الأمير الحديث أو دفاتر السجن هناك مجالان رئيسيان يضمنان استقرار سيطرة البرجوازية ونظامها. المجال الأول هو مجال الدولة وما تملكه من أجهزة، وفيه تتحقق السيطرة المباشرة، أي السياسية، والمجال الثاني هو مجال المجتمع المدني وما يمثله من أحزاب ونقابات وجمعيات ووسائل إعلام ومدارس ومساجد أو كنائس إلخ. وفيه تتحقق وظيفة ثانية لا بد منها لبقاء أي نظام هي الهيمنة الايديولوجية والثقافية. ولذلك لا يكفي للوصول إلى السلطة في نظر غرامشي والاحتفاظ بها السيطرة على جهاز الدولة ولكن لا بد من تحقيق الهيمنة على المجتمع، ولا يتم ذلك إلا من خلال منظمات المجتمع المدني وعبر العمل الثقافي بالدرجة الرئيسية. وفي هذا التحليل يبلور غرامشي للحزب الشيوعي الطامح إلى السيطرة استراتيجية جديدة تقول إن من الممكن البدء في معركة التغيير الاجتماعي المنشود، أي الشيوعي، من استراتيجية تركز على العمل على مستوى المجتمع المدني وتعبئة المثقفين لكسب معركة الهيمنة الايديولوجية التي ستعلب دورا كبيرا في مساعدة الحزب على عبور الخطوة الثانية وهي السيطرة على جهاز الدولة. وهي استراتيجية مباينة تماما للاستراتيجية البلشفية التي سودها لينين والتي تعتمد على التنظيم الاحترافي للثورة، والتي اعتمدت في الواقع شكل الانقلاب الذي تقوم به فئة منظمة قوية ومسلحة بهدف إحكام قبضتها على جهاز الدولة. ففي مقابل استراتيجية الانقلاب العسكري أو شبه العسكري يقترح غرامشي عملية التربية والتعبئة الشاملة للمجتمع، أي السيطرة التدريجية والفكرية على الأطر التي تنظم علاقاته اليومية. ففي منظور غرامشي المجتمع المدني هو المجال الذي تتجلى فيه وظيفة الهيمنة الاجتماعية مقابل المجتمع السياسي أو الدولة الذي تتجلى فيه وتتحقق وظيفة السيطرة أو القيادة السياسية المباشرة. ولأن الهيمنة مرتبطة بالايديولوجية فإن المثقفين هم أداتها. ومن هنا جاءت حاجة غرامشي لإعادة تعريف المثقف وتحليل دوره والرهان الكبير الذي وضعه عليه في التحويل الاجتماعي.[/font]