محمد الحداد
29-11-2005, 12:34 PM
دفاعاً عن المجتمع المدني... رغم أخطائه*
محمد الحداد
اصلاح, ديموقراطية, مجتمع مدني, حقوق الانسان, انفتاح, حريات شخصية, هذه وغيرها مجموع كلمات قدرها ان تظل محاصرة. قبل الأمس اعتبروها دخيلة على قاموسنا وتراثنا وحكموا ان النطق بها من قبيل البدعة. بعد ذلك قالوا انها الفاظ اصطنعت لتهميش القضايا الرئيسية وللتشويش على خطب النفير للمعركة الكبرى التي لم تقع, ثم رأوا ان الحصار لم يزد هذه الكلمات الا انتشاراً وبريقاً فعمدوا بالأمس القريب الى تهيئة طرقات واسعة أنيقة وإقامة نصب في الساحات العمومية واختاروا أياماً من السنة, وعمّدوا ذلك جميعاً بتلك الكلمات واعتبروها ملكهم وسبقهم. اليوم وجدوا حلاً جديداً, هم الذين فتحوا المعابر والحدود لتمر الجيوش الاميركية الى العراق, يقولون: هذه كلمات اصبحت اميركية, من تلفظ بها فقد تشبه بالاميركان, ومن تشبه بقوم فهو منهم عليه يقع وزر ما اقترف في العراق وغير العراق... وغداً سيجدون حججاً جديدة لصرف الأنظار عن الاصلاح والتحديث.
الساحة الثقافية لا تخلو ايضاً من بعض الحرج. هناك من يسيئه ان يشترك مع الاميركان في قاموس سياسي واحد. وهناك من ترجع أسباب الحرج عنده الى أطوار سابقة, الى عهد المد الثوري عندما لم يكن لائقاً الاكثار من استعمال هذه الكلمات. صحيح ان بداية الثمانينات أفقدت المعاجم الثورية بريقها فأصبح استهلاك تلك الكلمات ثمن بقاء أسماء في التداول العام, لكن الفرصة تبدو سانحة اليوم للتراجع. يقولون: لنكتف بالشورى لأن الديموقراطية مسلك لفتح ملف الاقليات, لنستبدل كلمة مجتمع مدني بالوقف الأهلي كي لا تخترق سياسات العولمة نسيج المجتمع, لنتحدث عن الواجبات بدل الحقوق كي لا نهيء للفوضى والاضطراب, وغير ذلك.
ان يكون حكام الولايات المتحدة يستعملون هذه الكلمات لغايات خاصة, فهذا جانب من المسألة. ومن حقنا ان نشك في النوايا الحقيقية للمخططات الأميركية في المنطقة, وان ننقد تلك الوصفات المبسطة التي تقدم على انها برامج اصلاح, وان نندد بالغياب المتعمد للقضايا العميقة, ومنها المسألة الفلسطينية ولا ينبغي ان يكون الأمر كذلك. ان المخططين الأميركان هم أول من يعلم ان برامج الاصلاح التي تقدم انما تتجه اساسا الى الرأي العام الأميركي ليقتنع ان ساسته يخوضون الحروب من أجل المبادئ لا المصالح, خاصة بعد ان سقط المبرر المعلن لحرب العراق, اي امتلاك اسلحة الدمار الشامل. اما قضايا الاصلاح والديموقراطية وحقوق الانسان ودعم المجتمع المدني وتحديث التعليم والانفتاح على العالم, فهي قضايا قد طرحت قبل قرنين على الأقل من التدخل الاميركي, انها قضايا النهضة العربية التي لم تجد الى الآن سبيلها الواضح للتحقق, وهل من تدرج اطول من قرنين دون مكاسب واضحة؟ هل تصبح هذه القضايا مشبوهة لأن بوش او رامسفيلد تلفظ بها, وبين ظهرانينا كتابات خير الدين والطهطاوي والافغاني وعبده وفرح انطون ويعقوب صروف, الا اذا اعتبرنا ان كل ما يرجع الى أصول غربية مرفوض, فيتعين حينئذ ان ندين هؤلاء الرواد أيضاً لأنهم اقتبسوا كلمات ومفاهيم كانت القوى الاستعمارية القديمة, فرنسا وبريطانيا خاصة, توظّفها لمشاريع هيمنتها على العالم؟
ان خطة تأصيل اللغة الاصلاحية لقطع الطريق على استراتيجيات العولمة هي مجرد وهم, فلن تفيد الاصلاح ولن تضر العولمة. لنأخذ مثلاً المجتمع المدني, هذه كلمة جديدة ينظر اليها البعض بارتياب فيقول: انها كلمة ضبابية لأنها لا تعني شيئاً محدداً مثل النقابات والأحزاب, انها اختراع من الخارج لا يستمر لولا الدعم المالي الذي يحظى به, انها بدعة حجبت تجربة العمل الخيري الذي عرفه تراثنا من خلال نظام الوقف. هذه دعاوى ليست بالقوة التي يظنون. أولاً, المجتمع المدني ليس شيئاً محدداً لأنه الرد الطبيعي على أوضاع يمتنع فيها قيام جمعيات واتحادات وأحزاب ونقابات تتمتع بحرية حقيقية وظروف عمل عادية. ما يُعتبر ضبابية في المجتمع المدني هو عنصر القوة فيه, فهو يظل مفتوحاً لعدد اكبر من المبادرات التي لا تتطلب احتراف العمل السياسي او النقابي او غير ذلك. المجتمع المدني هو مجتمع المبادرة في وضع يخضع فيه كل شيء الى المراقبة الصارمة.
ثانياً, المجتمع المدني ينشط بدعم خارجي, فليكن. أليست الحكومات تحظى أيضاً بالدعم الخارجي, والمشاريع الاقتصادية رهينة القروض والاعانات الدولية, والكثير من المشاريع التعليمية والثقافية قائم على دعم المنظمات الدولية المختصة؟ كل قطاعات المجتمع مرتبط بطريقة او بأخرى بالخارج, وليس الارتباط في ذاته جوهر المشكلة. بل المهم ان نميز ارتباطا يوظف لصالح المجتمع عن ارتباط يوظف ضده. المبالغ التي تصرف لفائدة دعم الصناعات وتوفير الحاجات الأساسية هي غير المبالغ التي تصرف في الرشوة وتنمية الحسابات السرية للمنتفعين. وكذلك ما يصرف في التنوير هو غير ما يصرف لتخريب المجتمع وبلبلة الافكار لينتفع الوسطاء دون الجمهور.
ثالثاً, الأشكال القديمة للمبادرة الاجتماعية في المجتمعات العربية تؤكد الحاجة الدائمة والشرعية التاريخية لما يُدعي اليوم بالمجتمع المدني, دون ان يعني ذلك ضرورة استعادة تلك الأشكال في واقع اليوم, لأنها ترتبط ببُنيات اجتماعية ولت وواقع ذهني انقلب انقلاباً كبيراً. نظام الأوقاف مثلا كان له دور عظيم في نشر التعليم ومؤسساته, لكنه كان أيضاً أحد اسباب تضخيم التعليم الديني على حساب التعليم المدني لأن نوايا الوقف كانت أخروية في الغالب. يمكن طبعا ان نتساءل ماذا يكون الوضع لو تطورت الاشكال القديمة ذاتياً لتحتضن حاجات المجتمعات الجديدة, لكن ذلك سؤال أمنية لأن هذا التطور الذاتي لم يقع قبل الاصطدام بالتجارب الاجنبية. نعم حصلت في فترات الانتداب او الاستعمار محاولات عديدة لاقامة مؤسسات تعليمية او صحية ذات نفس حديث تمول بتوظيف الاشكال القديمة, لكن ذلك كان ايضاً أثراً من آثار التجارب الأجنبية, ثم اصبحت تلك المبادرات مسؤولية دولة الاستقلال عند قيامها. فقد ابتلعت الدولة الحديثة المجتمع المدني وخيّبت آماله وتطلعاته في أغلب الاحيان, فلا عجب ان يعود اليوم ليحاسبها على ذلك. اما تواصل نظام الاوقاف في شكله القديم خارج مراقبة الدولة ورعايتها فلم يؤد في الغالب الى مبادرات ايجابية بل الارجح انه كان حاضنة للتطرف والمنظمات التي فرّخت الارهاب, والعيان يغني عن البيان.
بقيت مسألة اخيرة. ان ظاهرة تنامي المبادرات المنضوية تحت تسمية المجتمع المدني لا بد ان تصحبها انحرافات, شأن كل ظاهرة جديدة. توجد تساؤلات مشروعة اليوم عن السبب الذي يجعل بعض الدعم للتنوير تجارة ومضاربات, وعن طريقة محاسبة هيئات لا يتضح مجال اختصاصها وأهداف عملها. كل هذا صحيح وقابل للإدانة بأعلى صوت. لكن المثل الفرنسي صائب عندما يقول ان الرضيع لا يُرمى مع ماء الغسيل. واذا كانت الجمعيات السرية رد المجتمع على احتكار الدولة في العقود الماضية, وقد انحرفت الى العنف احياناً, فإن المبادرات المنضوية تحت تسمية المجتمع المدني هي الرد على احتكار الدولة في المرحلة الراهنة, رغم انه سيولد ايضاً انحرافاً عنوانه الانتهازية.
*عن صحيفة الحياة 2004/03/28
محمد الحداد
اصلاح, ديموقراطية, مجتمع مدني, حقوق الانسان, انفتاح, حريات شخصية, هذه وغيرها مجموع كلمات قدرها ان تظل محاصرة. قبل الأمس اعتبروها دخيلة على قاموسنا وتراثنا وحكموا ان النطق بها من قبيل البدعة. بعد ذلك قالوا انها الفاظ اصطنعت لتهميش القضايا الرئيسية وللتشويش على خطب النفير للمعركة الكبرى التي لم تقع, ثم رأوا ان الحصار لم يزد هذه الكلمات الا انتشاراً وبريقاً فعمدوا بالأمس القريب الى تهيئة طرقات واسعة أنيقة وإقامة نصب في الساحات العمومية واختاروا أياماً من السنة, وعمّدوا ذلك جميعاً بتلك الكلمات واعتبروها ملكهم وسبقهم. اليوم وجدوا حلاً جديداً, هم الذين فتحوا المعابر والحدود لتمر الجيوش الاميركية الى العراق, يقولون: هذه كلمات اصبحت اميركية, من تلفظ بها فقد تشبه بالاميركان, ومن تشبه بقوم فهو منهم عليه يقع وزر ما اقترف في العراق وغير العراق... وغداً سيجدون حججاً جديدة لصرف الأنظار عن الاصلاح والتحديث.
الساحة الثقافية لا تخلو ايضاً من بعض الحرج. هناك من يسيئه ان يشترك مع الاميركان في قاموس سياسي واحد. وهناك من ترجع أسباب الحرج عنده الى أطوار سابقة, الى عهد المد الثوري عندما لم يكن لائقاً الاكثار من استعمال هذه الكلمات. صحيح ان بداية الثمانينات أفقدت المعاجم الثورية بريقها فأصبح استهلاك تلك الكلمات ثمن بقاء أسماء في التداول العام, لكن الفرصة تبدو سانحة اليوم للتراجع. يقولون: لنكتف بالشورى لأن الديموقراطية مسلك لفتح ملف الاقليات, لنستبدل كلمة مجتمع مدني بالوقف الأهلي كي لا تخترق سياسات العولمة نسيج المجتمع, لنتحدث عن الواجبات بدل الحقوق كي لا نهيء للفوضى والاضطراب, وغير ذلك.
ان يكون حكام الولايات المتحدة يستعملون هذه الكلمات لغايات خاصة, فهذا جانب من المسألة. ومن حقنا ان نشك في النوايا الحقيقية للمخططات الأميركية في المنطقة, وان ننقد تلك الوصفات المبسطة التي تقدم على انها برامج اصلاح, وان نندد بالغياب المتعمد للقضايا العميقة, ومنها المسألة الفلسطينية ولا ينبغي ان يكون الأمر كذلك. ان المخططين الأميركان هم أول من يعلم ان برامج الاصلاح التي تقدم انما تتجه اساسا الى الرأي العام الأميركي ليقتنع ان ساسته يخوضون الحروب من أجل المبادئ لا المصالح, خاصة بعد ان سقط المبرر المعلن لحرب العراق, اي امتلاك اسلحة الدمار الشامل. اما قضايا الاصلاح والديموقراطية وحقوق الانسان ودعم المجتمع المدني وتحديث التعليم والانفتاح على العالم, فهي قضايا قد طرحت قبل قرنين على الأقل من التدخل الاميركي, انها قضايا النهضة العربية التي لم تجد الى الآن سبيلها الواضح للتحقق, وهل من تدرج اطول من قرنين دون مكاسب واضحة؟ هل تصبح هذه القضايا مشبوهة لأن بوش او رامسفيلد تلفظ بها, وبين ظهرانينا كتابات خير الدين والطهطاوي والافغاني وعبده وفرح انطون ويعقوب صروف, الا اذا اعتبرنا ان كل ما يرجع الى أصول غربية مرفوض, فيتعين حينئذ ان ندين هؤلاء الرواد أيضاً لأنهم اقتبسوا كلمات ومفاهيم كانت القوى الاستعمارية القديمة, فرنسا وبريطانيا خاصة, توظّفها لمشاريع هيمنتها على العالم؟
ان خطة تأصيل اللغة الاصلاحية لقطع الطريق على استراتيجيات العولمة هي مجرد وهم, فلن تفيد الاصلاح ولن تضر العولمة. لنأخذ مثلاً المجتمع المدني, هذه كلمة جديدة ينظر اليها البعض بارتياب فيقول: انها كلمة ضبابية لأنها لا تعني شيئاً محدداً مثل النقابات والأحزاب, انها اختراع من الخارج لا يستمر لولا الدعم المالي الذي يحظى به, انها بدعة حجبت تجربة العمل الخيري الذي عرفه تراثنا من خلال نظام الوقف. هذه دعاوى ليست بالقوة التي يظنون. أولاً, المجتمع المدني ليس شيئاً محدداً لأنه الرد الطبيعي على أوضاع يمتنع فيها قيام جمعيات واتحادات وأحزاب ونقابات تتمتع بحرية حقيقية وظروف عمل عادية. ما يُعتبر ضبابية في المجتمع المدني هو عنصر القوة فيه, فهو يظل مفتوحاً لعدد اكبر من المبادرات التي لا تتطلب احتراف العمل السياسي او النقابي او غير ذلك. المجتمع المدني هو مجتمع المبادرة في وضع يخضع فيه كل شيء الى المراقبة الصارمة.
ثانياً, المجتمع المدني ينشط بدعم خارجي, فليكن. أليست الحكومات تحظى أيضاً بالدعم الخارجي, والمشاريع الاقتصادية رهينة القروض والاعانات الدولية, والكثير من المشاريع التعليمية والثقافية قائم على دعم المنظمات الدولية المختصة؟ كل قطاعات المجتمع مرتبط بطريقة او بأخرى بالخارج, وليس الارتباط في ذاته جوهر المشكلة. بل المهم ان نميز ارتباطا يوظف لصالح المجتمع عن ارتباط يوظف ضده. المبالغ التي تصرف لفائدة دعم الصناعات وتوفير الحاجات الأساسية هي غير المبالغ التي تصرف في الرشوة وتنمية الحسابات السرية للمنتفعين. وكذلك ما يصرف في التنوير هو غير ما يصرف لتخريب المجتمع وبلبلة الافكار لينتفع الوسطاء دون الجمهور.
ثالثاً, الأشكال القديمة للمبادرة الاجتماعية في المجتمعات العربية تؤكد الحاجة الدائمة والشرعية التاريخية لما يُدعي اليوم بالمجتمع المدني, دون ان يعني ذلك ضرورة استعادة تلك الأشكال في واقع اليوم, لأنها ترتبط ببُنيات اجتماعية ولت وواقع ذهني انقلب انقلاباً كبيراً. نظام الأوقاف مثلا كان له دور عظيم في نشر التعليم ومؤسساته, لكنه كان أيضاً أحد اسباب تضخيم التعليم الديني على حساب التعليم المدني لأن نوايا الوقف كانت أخروية في الغالب. يمكن طبعا ان نتساءل ماذا يكون الوضع لو تطورت الاشكال القديمة ذاتياً لتحتضن حاجات المجتمعات الجديدة, لكن ذلك سؤال أمنية لأن هذا التطور الذاتي لم يقع قبل الاصطدام بالتجارب الاجنبية. نعم حصلت في فترات الانتداب او الاستعمار محاولات عديدة لاقامة مؤسسات تعليمية او صحية ذات نفس حديث تمول بتوظيف الاشكال القديمة, لكن ذلك كان ايضاً أثراً من آثار التجارب الأجنبية, ثم اصبحت تلك المبادرات مسؤولية دولة الاستقلال عند قيامها. فقد ابتلعت الدولة الحديثة المجتمع المدني وخيّبت آماله وتطلعاته في أغلب الاحيان, فلا عجب ان يعود اليوم ليحاسبها على ذلك. اما تواصل نظام الاوقاف في شكله القديم خارج مراقبة الدولة ورعايتها فلم يؤد في الغالب الى مبادرات ايجابية بل الارجح انه كان حاضنة للتطرف والمنظمات التي فرّخت الارهاب, والعيان يغني عن البيان.
بقيت مسألة اخيرة. ان ظاهرة تنامي المبادرات المنضوية تحت تسمية المجتمع المدني لا بد ان تصحبها انحرافات, شأن كل ظاهرة جديدة. توجد تساؤلات مشروعة اليوم عن السبب الذي يجعل بعض الدعم للتنوير تجارة ومضاربات, وعن طريقة محاسبة هيئات لا يتضح مجال اختصاصها وأهداف عملها. كل هذا صحيح وقابل للإدانة بأعلى صوت. لكن المثل الفرنسي صائب عندما يقول ان الرضيع لا يُرمى مع ماء الغسيل. واذا كانت الجمعيات السرية رد المجتمع على احتكار الدولة في العقود الماضية, وقد انحرفت الى العنف احياناً, فإن المبادرات المنضوية تحت تسمية المجتمع المدني هي الرد على احتكار الدولة في المرحلة الراهنة, رغم انه سيولد ايضاً انحرافاً عنوانه الانتهازية.
*عن صحيفة الحياة 2004/03/28