د. هند خالد خليفة
06-12-2005, 12:20 PM
حول تطوير ثقافة الطفل في المجتمع السعودي
أدب الطفل كنموذج
د. هند خالد خليفة - جامعة الملك سعود - الرياض
مقدمة:
إن التغيرات السريعة التي تشهدها المجتمعات المعاصرة يجعل الإهتمام بثقافة الطفل هدفا استراتيجيا وتنمويا. فالأطفال هم مستقبل الأمة وحملة إرثها وهويتها، كما هم حاضرها الذي يعكس درجة تقدمها ومكانتها بين مصاف الأمم.
إن الإهتمام بثقافة الطفل لا يعني فقط إحياء الماضي أو استشراف المستقبل، بل لابد أيضا أن ينبع من الحاضر ويتعامل معه. ومن ثم تظهر أهمية وضع تصور متكامل لخطة تربوية تنموية للوصول الى أهداف عليا مشتركة، من شأنها أن ترتقي بواقع الطفل وتخطط لمستقبله وتحي تراثه.
لا يختلف اثنان على أن الأمة العربية تعيش مرحلة حاسمة من تاريخها، وهي بحاجة الى ساعد كل فرد فيها، بما في ذلك السواعد الصغيرة. ولا بد من هبة حاسمة جادة للعمل على إحداث تغييرات فعلية في ثقافة الطفل، ومن هنا تأتي أهمية مبادرة وزارة الثقافة والإعلام في إقامة الملتقى الأول للمثقفين السعوديين بهدف وضع تصور استراتيجي شامل وخطة تترجم الى برامج وأنشطة تنفذ على أرض الواقع في كل المجالات الثقافية، بما في ذلك ثقافة الطفل.
مفهوم ثقافة الطفل:
الحديث عن ثقافة الطفل يطول...
بدءا لابد أن نحدد ماذا نقصد بثقافة الطفل؟ هل هو المفهوم الإجتماعي والذي تشير الثقافة فيه الى مجمل جوانب الحياة المادية والمعيارية في مجتمع بعينه؟ أم نستخدم مصطلح الثقافة لنتحدث عن العلم والأدب والفنون وما شابه ذلك؟
سأستند الى المفهوم الاجتماعي في هذه الورقة، ومن ثم تصبح قضية تطوير ثقافة الطفل قضية مجتمعية يتحمل المجتمع بكافة قطاعاته ومؤسساته مسؤوليات تجاهها.
من المهم أيضا توضيح من هو الطفل؟ هل هو طفل الريف أم المدينة؟ ومتى تبدأ الطفولة ومتى تنتهي؟
الطفل هنا هو أي طفل في المملكة، في أي بيئة جغرافية واجتماعية، ذكرا كان أم أنثى. ومرحلة الطفولة تمتد من لحظة الميلاد الى سن الثامنة عشر وفقا لمفهوم الأمم المتحدة.
ولأن ثقافة الطفل تصب فيها روافد كثيرة تصبح القضايا متعددة والمشاكل متشعبة، لدرجة تبدو المسألة هلامية لا نعرف من أين نمسك بها ومن أين نبدأ! من الأسرة، المدرسة، أم الإعلام؟ وكيف نبدأ؟ بتدريب المعلمين، أم بتوعية الأسرة، أم بإغلاق أجهزة التلفاز ومراقبة صفحات الإنترنت؟ أم بكل ذلك معا؟ وهو رأي قد يوافق عليه الأغلبية، ولكن كيف نضمن أن تكون الأهداف واضحة ومشتركة لجميع الأطراف التي تتعامل مع الطفل، وأن تكون خطة العمل سائرة باتجاه واحد؟ هذه أسئلة هامة تبحث عن أجوبة واقعية تطبيقية.
انطلاقا من المفهوم الشمولي لثقافة الطفل، وللمسؤولية المشتركة بين مؤسسات المجتمع المختلفة، سأتقدم ببعض المقترحات حول آليات تطوير ثقافة الطفل في المجتمع السعودي، مرتكزة بشكل أساسي في ذلك على مناقشة وضع أدب الطفل وأهم التحديات التي تواجهه، باعتبار أن الأدب مرآة المجتمع بما في ذلك أدب الطفل، والذي هو أحد العناصر الأساسية التي تشكل ثقافة الطفل، وفي الوقت ذاته تعكس درجة ونوعية الإهتمام بهذا الأدب مكانة الأطفال في المجتمع وأسلوب تقييمهم.
ثقافة الطفل والمجتمع:
هنالك جملة من العوامل الاجتماعية والمادية التي تؤثر على استراتيجية ومنهجية التعامل مع الأطفال وثقافتهم، ويدخل في ذلك أدب الأطفال. يمكن تقسيم هذه العوامل كالتالي:
العوامل الاجتماعية: وهي عوامل ترتبط بمفهوم الطفولة ومكانة الأطفال في المجتمع وطبيعة علاقة الراشدين بالأطفال والأدوار المعطاة لهم. تنتج العوامل الاجتماعية المؤثرة على في أدب الطفل العربي عدة إشكاليات، منها: إشكالية علاقة الراشد بالطفل -إشكالية المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة- وإشكالية التركيز على الماضي أو المستقبل وتهميش الحاضر. وسنلاحظ أن هذه الإشكاليات تؤثر على أسلوب الكتابة للطفل كما تؤثر على أساليب التربية، وبشكل عام على موقف المجتمع من الأطفال.
العوامل المادية: وتشير الى الظروف الواقعية المرتبطة بطبيعة التغير في المجتمع، وبكيفية توظيف الموارد المادية المخصصة لتطوير ثقافة الطفل وفلسفة التغيير وآلياتها، وتوزيع الأدوار والمسؤوليات بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص في ذلك.
في مجال أدب الطفل العربي يمكن تصنيف العوامل المادية المؤثرة على الإنتاج الأدبي كالتالي: إشكالية مواصفات الكتاب بين المؤلف والناشر - إشكالية توزيع الكتاب- إشكالية التواصل بين المكتبات العامة والجمهور- إشكالية الكتاب داخل الأسرة والمدرسة- وإشكالية إخراج الكتاب.
ويلاحظ أن العوامل المادية تعكس العوامل الاجتماعية وتتداخل معها في كثير من الأحيان.
ويمكن تلخيص أهم معوقات تطوير ثقافة الطفل، بما في ذلك أدب الطفل كالتالي:
طبيعة علاقة الراشدين بالأطفال ومفاهيم الطفولة السائدة في المجتمع. ولو أخذنا أدب الطفل كمثال، سنجد أن إشكاليات هذا الأدب واخفاقاته جزء كبير منها يرتبط بموقع الأطفال في المجتمع وعلاقة الراشدين بهم. فأدب الطفل العربي غالبا يعبر عن كاتبه وليس عن جمهوره (الأطفال)، ويعكس مشاكل وإشكاليات الراشدين لا الأطفال، بدليل أن جزءا كبيرا مما كتب هو محاولة للمزواجة بين الأصالة والمعاصرة ويركز على الماضي أو المستقبل مع تهميش الحاضر. إن معظم الأعمال الأدبية للأطفال في المجتمع العربي تعبر عن وجهة نظر الراشدين. سواء من حيث الأفكار المتضمنة في العمل، أو من حيث حجم النص، أو المفردات اللغوية المستخدمة، وحتى إخراج العمل الأدبي ونشره وتوزيعه. ولما كان إدراك الطفل، عموما، يتفاوت مع إدراك الراشد، فإنه لا يتوقع من الطفل استيعاب المعاني التي قصد بها الراشد عند كتابة النص الأدبي أو طرح العمل الإبداعي (خليفه 2004).
إن العلاقة بين الراشد والطفل تحكمها عدة ظروف، منها اختلاف القدرات الجسدية والعقلية، وحاجة الطفل الى رعاية الراشد. ولذلك فإن التدرج الهرمي في هذه العلاقة يصبح لصالح الراشد وعلى حساب الطفل. ويعامل الأطفال عموما على أنهم متلقيين سلبيين، وناقصين عقليا وإراديا واجتماعيا. كما وينظر إليهم عموما على أنهم امتداد للأسرة بل وملكية لها. تشير بعض الدراسات إلى ظهور هذه العلاقة عند التعامل مع قضايا الطفل العربي بشكل عام، فمثلا تكشف القراءة التحليلية لبحوث حاجات الطفولة العربية الى أن هناك تصور عام للطفل في هذه الدراسات يعيق تحقيق الأهداف التنموية. فالطفل يعامل في هذه البحوث باعتباره طرفا سلبيا متلقيا، يجب تشكيلة من خلال عملية التنشئة المجتمعية التي تقوم الأسرة ثم المدرسة بأدوار بارزة فيها. كما أن دور الراشدين في إشباع حاجات الأطفال تمتزج فيه الشهامة بالإحسان وبفعل الخير، ويغيب اعتبار أن إشباع حاجات الأطفال حقا من حقوقهم، كما هو حقهم في التمتع بطفولتهم وأنها أساس ضروري لإعدادهم لأدوارهم التنموية والمستقبلية (99:1996).
إن الراشد هو الوسيط بين الطفل والكتاب. ولذلك تظل علاقة الراشد بالأطفال عامل أساسي في علاقة الأطفال بالنص الأدبي. هذه العلاقة هي غالبا جزء من التركيبة الاجتماعية، فالمكانة الاجتماعية للأطفال من حيث موقعهم في سلم التدرج الاجتماعي، وتصنيف إمكانياتهم وقدراتهم ومن ثم أدوارهم في المجتمع تنعكس في كيفية تعامل الكاتب مع الأطفال من خلال النص الأدبي. وتحتوي كتب الأطفال عموما على تصورات الراشدين لما يفهمه الأطفال، وما يجب أن يفهموه. كما أن الوسيط الراشد له دور في نقل النص الأدبي للأطفال، وبذلك يعتبر هذا النقل أحد المتغيرات التي تؤثر في تفاعل الأطفال مع الكتاب، ليصبح مناسب أو غير مناسب (جعفر: 1992).
وتحتل قضية الحفاظ على الهوية مكانة بارزة في تربية النشء، وفي تحميلهم مسؤولية نقل التراث من جيل الى جيل. ولقد انعكست هذه الاشكاليه على أدب الأطفال وثقافتهم، فظهرت محاولة المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة في كثير من الأعمال الأدبية، وجاء غالبيتها ليعكس رؤية الراشدين ويهمش أهمية الظروف المتغيرة التي يعيشها أطفال اليوم (الخطة الشاملة للثقافة العربية: 1986) (محمود: 1995). وترى كثير من الدراسات إن واقعنا الحاضر، بما في ذلك التعامل مع أدب الأطفال، لا يدل على فهم صحيح للتراث ولا للحاضر وبالتالي يحجب إمكانية تصور رؤية واقعية للمستقبل. فهو يعمل على اسر الحاضر وتكبيله، ويعطل نمو أجنحة تنقلنا للمستقبل (علواني، 1995).
ومن العوامل الأخرى التي تؤثر على أدب الطفل العربي إشكالية التركيز على الماضي أو المستقبل. إذ يلاحظ ندرة الأعمال الأدبية المقدمة للأطفال في المجتمع العربي والتي تتعامل مع واقع الطفل وتحاور حياته اليومية. كما ويغلب على معظم الكتابات الطابع التلقيني والذي يلغي دور الطفل في التحليل والاستنتاج، وبالتالي يقلص إمكانية غرس التفكير الموضوعي لدى الأطفال، بالرغم من أن العمل على تنمية هذه القدرات قد ظهر كتوصية أساسية انتهت إليها معظم الدراسات والندوات التي تناولت ثقافة الطفل العربي. بالمقابل يلاحظ شيوع الكتابات التي تتناول الماضي أو المستقبل في أدب الطفل العربي. ففكرة تمجيد الماضي تتردد بشكل واسع، ويطرح المستقبل إما ليكون استكمالا للدور الذي بدأته الأجيال السابقة في الماضي، أو أن يكون اقتحام للفضاء في سفن فضائية مشابهة لما تقدمه أفلام الكرتون اليابانية. بين الماضي والمستقبل كثيرا ما تنحسر المساحة المتاحة لحاضر الطفل.
غياب وجود هيئة رسمية تشرف على ثقافة الطفل وتتمتع بصلاحيات تخطيطية وتنفيذية. تبرز أهمية هذه الهيئة لإمكانية كونها مظلة للتنسيق بين الجهات المختلفة المسؤولة عن الطفل، وكذلك عن توفير الدعم المادي والمعنوي وحماية وتوجيه وتدريب العاملين في هذا القطاع. وعلى سبيل المثال نجد أن كتاب الطفل يعانون من عدم وجود رابطة تجمع بينهم وتتخذ إجراءات قانونية ورقابية للحفاظ على حقوقهم وعلى مستوى الإنتاج الأدبي والترويج له، وترتبط هذه المعاناة بتناقض مصلحة الكاتب في إنتاج كتاب بمواصفات جيدة على الأقل من الناحية الشكلية وبين المصلحة المادية لدور النشر. إن التقييم الاجتماعي لأدب الطفل والذي يضعه في مكانة أقل من أصناف الأدب الأخرى يؤثر على حركة التأليف والنشر والتوزيع، فمن يكتب للأطفال لا يوازي في مكانته الكتاب الآخرين، وبالتالي فإن الإنفاقٌ والدعم المادي للمؤلفين محدود. و يعتبر غياب المؤسسات والمنظمات المؤهلة أدبيا والقادرة ماديا على تبني الإشراف على التأليف والنشر والتوزيع عائقا أساسيا يحول دون قيام مشاريع أدبية طويلة المدى، ولذلك تظل حركة التأليف في مجال أدب الأطفال تعتمد على مبادرات فردية وقلما تعتمد كحركة أدبية. كما أن عدم وجود رقابة تحفظ حقوق المؤلفين وكاتبي أدب الأطفال أسهم في تعامل كثير من مؤسسات النشر والطباعة مع كتب الأطفال من منطلق تجاري وقد أدى ذلك إلى تدني مستوى المطبوعات وبخس حق المؤلفين. ولما كانت تكاليف طباعة كتب الأطفال مرتفعة نسبيا، إذا ما روعي فيها شروط الكتاب الجيد من حيث الورق والطباعة والألوان و التصميم، فإن تحمل الأفراد لهذه التكاليف، بما فيهم المؤلفين، يطرح مشروع كتابة قصيرة الأمد (جريدة الرياض 1995،: العدد 15254،15253). وفي ظل هذه الظروف يصبح الإنتاج الأدبي على حساب القارئ، ولا ينجح الكتاب بمواصفاته المتواضعة في جذب الأطفال إلى القراءة.
أدب الطفل كنموذج
د. هند خالد خليفة - جامعة الملك سعود - الرياض
مقدمة:
إن التغيرات السريعة التي تشهدها المجتمعات المعاصرة يجعل الإهتمام بثقافة الطفل هدفا استراتيجيا وتنمويا. فالأطفال هم مستقبل الأمة وحملة إرثها وهويتها، كما هم حاضرها الذي يعكس درجة تقدمها ومكانتها بين مصاف الأمم.
إن الإهتمام بثقافة الطفل لا يعني فقط إحياء الماضي أو استشراف المستقبل، بل لابد أيضا أن ينبع من الحاضر ويتعامل معه. ومن ثم تظهر أهمية وضع تصور متكامل لخطة تربوية تنموية للوصول الى أهداف عليا مشتركة، من شأنها أن ترتقي بواقع الطفل وتخطط لمستقبله وتحي تراثه.
لا يختلف اثنان على أن الأمة العربية تعيش مرحلة حاسمة من تاريخها، وهي بحاجة الى ساعد كل فرد فيها، بما في ذلك السواعد الصغيرة. ولا بد من هبة حاسمة جادة للعمل على إحداث تغييرات فعلية في ثقافة الطفل، ومن هنا تأتي أهمية مبادرة وزارة الثقافة والإعلام في إقامة الملتقى الأول للمثقفين السعوديين بهدف وضع تصور استراتيجي شامل وخطة تترجم الى برامج وأنشطة تنفذ على أرض الواقع في كل المجالات الثقافية، بما في ذلك ثقافة الطفل.
مفهوم ثقافة الطفل:
الحديث عن ثقافة الطفل يطول...
بدءا لابد أن نحدد ماذا نقصد بثقافة الطفل؟ هل هو المفهوم الإجتماعي والذي تشير الثقافة فيه الى مجمل جوانب الحياة المادية والمعيارية في مجتمع بعينه؟ أم نستخدم مصطلح الثقافة لنتحدث عن العلم والأدب والفنون وما شابه ذلك؟
سأستند الى المفهوم الاجتماعي في هذه الورقة، ومن ثم تصبح قضية تطوير ثقافة الطفل قضية مجتمعية يتحمل المجتمع بكافة قطاعاته ومؤسساته مسؤوليات تجاهها.
من المهم أيضا توضيح من هو الطفل؟ هل هو طفل الريف أم المدينة؟ ومتى تبدأ الطفولة ومتى تنتهي؟
الطفل هنا هو أي طفل في المملكة، في أي بيئة جغرافية واجتماعية، ذكرا كان أم أنثى. ومرحلة الطفولة تمتد من لحظة الميلاد الى سن الثامنة عشر وفقا لمفهوم الأمم المتحدة.
ولأن ثقافة الطفل تصب فيها روافد كثيرة تصبح القضايا متعددة والمشاكل متشعبة، لدرجة تبدو المسألة هلامية لا نعرف من أين نمسك بها ومن أين نبدأ! من الأسرة، المدرسة، أم الإعلام؟ وكيف نبدأ؟ بتدريب المعلمين، أم بتوعية الأسرة، أم بإغلاق أجهزة التلفاز ومراقبة صفحات الإنترنت؟ أم بكل ذلك معا؟ وهو رأي قد يوافق عليه الأغلبية، ولكن كيف نضمن أن تكون الأهداف واضحة ومشتركة لجميع الأطراف التي تتعامل مع الطفل، وأن تكون خطة العمل سائرة باتجاه واحد؟ هذه أسئلة هامة تبحث عن أجوبة واقعية تطبيقية.
انطلاقا من المفهوم الشمولي لثقافة الطفل، وللمسؤولية المشتركة بين مؤسسات المجتمع المختلفة، سأتقدم ببعض المقترحات حول آليات تطوير ثقافة الطفل في المجتمع السعودي، مرتكزة بشكل أساسي في ذلك على مناقشة وضع أدب الطفل وأهم التحديات التي تواجهه، باعتبار أن الأدب مرآة المجتمع بما في ذلك أدب الطفل، والذي هو أحد العناصر الأساسية التي تشكل ثقافة الطفل، وفي الوقت ذاته تعكس درجة ونوعية الإهتمام بهذا الأدب مكانة الأطفال في المجتمع وأسلوب تقييمهم.
ثقافة الطفل والمجتمع:
هنالك جملة من العوامل الاجتماعية والمادية التي تؤثر على استراتيجية ومنهجية التعامل مع الأطفال وثقافتهم، ويدخل في ذلك أدب الأطفال. يمكن تقسيم هذه العوامل كالتالي:
العوامل الاجتماعية: وهي عوامل ترتبط بمفهوم الطفولة ومكانة الأطفال في المجتمع وطبيعة علاقة الراشدين بالأطفال والأدوار المعطاة لهم. تنتج العوامل الاجتماعية المؤثرة على في أدب الطفل العربي عدة إشكاليات، منها: إشكالية علاقة الراشد بالطفل -إشكالية المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة- وإشكالية التركيز على الماضي أو المستقبل وتهميش الحاضر. وسنلاحظ أن هذه الإشكاليات تؤثر على أسلوب الكتابة للطفل كما تؤثر على أساليب التربية، وبشكل عام على موقف المجتمع من الأطفال.
العوامل المادية: وتشير الى الظروف الواقعية المرتبطة بطبيعة التغير في المجتمع، وبكيفية توظيف الموارد المادية المخصصة لتطوير ثقافة الطفل وفلسفة التغيير وآلياتها، وتوزيع الأدوار والمسؤوليات بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص في ذلك.
في مجال أدب الطفل العربي يمكن تصنيف العوامل المادية المؤثرة على الإنتاج الأدبي كالتالي: إشكالية مواصفات الكتاب بين المؤلف والناشر - إشكالية توزيع الكتاب- إشكالية التواصل بين المكتبات العامة والجمهور- إشكالية الكتاب داخل الأسرة والمدرسة- وإشكالية إخراج الكتاب.
ويلاحظ أن العوامل المادية تعكس العوامل الاجتماعية وتتداخل معها في كثير من الأحيان.
ويمكن تلخيص أهم معوقات تطوير ثقافة الطفل، بما في ذلك أدب الطفل كالتالي:
طبيعة علاقة الراشدين بالأطفال ومفاهيم الطفولة السائدة في المجتمع. ولو أخذنا أدب الطفل كمثال، سنجد أن إشكاليات هذا الأدب واخفاقاته جزء كبير منها يرتبط بموقع الأطفال في المجتمع وعلاقة الراشدين بهم. فأدب الطفل العربي غالبا يعبر عن كاتبه وليس عن جمهوره (الأطفال)، ويعكس مشاكل وإشكاليات الراشدين لا الأطفال، بدليل أن جزءا كبيرا مما كتب هو محاولة للمزواجة بين الأصالة والمعاصرة ويركز على الماضي أو المستقبل مع تهميش الحاضر. إن معظم الأعمال الأدبية للأطفال في المجتمع العربي تعبر عن وجهة نظر الراشدين. سواء من حيث الأفكار المتضمنة في العمل، أو من حيث حجم النص، أو المفردات اللغوية المستخدمة، وحتى إخراج العمل الأدبي ونشره وتوزيعه. ولما كان إدراك الطفل، عموما، يتفاوت مع إدراك الراشد، فإنه لا يتوقع من الطفل استيعاب المعاني التي قصد بها الراشد عند كتابة النص الأدبي أو طرح العمل الإبداعي (خليفه 2004).
إن العلاقة بين الراشد والطفل تحكمها عدة ظروف، منها اختلاف القدرات الجسدية والعقلية، وحاجة الطفل الى رعاية الراشد. ولذلك فإن التدرج الهرمي في هذه العلاقة يصبح لصالح الراشد وعلى حساب الطفل. ويعامل الأطفال عموما على أنهم متلقيين سلبيين، وناقصين عقليا وإراديا واجتماعيا. كما وينظر إليهم عموما على أنهم امتداد للأسرة بل وملكية لها. تشير بعض الدراسات إلى ظهور هذه العلاقة عند التعامل مع قضايا الطفل العربي بشكل عام، فمثلا تكشف القراءة التحليلية لبحوث حاجات الطفولة العربية الى أن هناك تصور عام للطفل في هذه الدراسات يعيق تحقيق الأهداف التنموية. فالطفل يعامل في هذه البحوث باعتباره طرفا سلبيا متلقيا، يجب تشكيلة من خلال عملية التنشئة المجتمعية التي تقوم الأسرة ثم المدرسة بأدوار بارزة فيها. كما أن دور الراشدين في إشباع حاجات الأطفال تمتزج فيه الشهامة بالإحسان وبفعل الخير، ويغيب اعتبار أن إشباع حاجات الأطفال حقا من حقوقهم، كما هو حقهم في التمتع بطفولتهم وأنها أساس ضروري لإعدادهم لأدوارهم التنموية والمستقبلية (99:1996).
إن الراشد هو الوسيط بين الطفل والكتاب. ولذلك تظل علاقة الراشد بالأطفال عامل أساسي في علاقة الأطفال بالنص الأدبي. هذه العلاقة هي غالبا جزء من التركيبة الاجتماعية، فالمكانة الاجتماعية للأطفال من حيث موقعهم في سلم التدرج الاجتماعي، وتصنيف إمكانياتهم وقدراتهم ومن ثم أدوارهم في المجتمع تنعكس في كيفية تعامل الكاتب مع الأطفال من خلال النص الأدبي. وتحتوي كتب الأطفال عموما على تصورات الراشدين لما يفهمه الأطفال، وما يجب أن يفهموه. كما أن الوسيط الراشد له دور في نقل النص الأدبي للأطفال، وبذلك يعتبر هذا النقل أحد المتغيرات التي تؤثر في تفاعل الأطفال مع الكتاب، ليصبح مناسب أو غير مناسب (جعفر: 1992).
وتحتل قضية الحفاظ على الهوية مكانة بارزة في تربية النشء، وفي تحميلهم مسؤولية نقل التراث من جيل الى جيل. ولقد انعكست هذه الاشكاليه على أدب الأطفال وثقافتهم، فظهرت محاولة المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة في كثير من الأعمال الأدبية، وجاء غالبيتها ليعكس رؤية الراشدين ويهمش أهمية الظروف المتغيرة التي يعيشها أطفال اليوم (الخطة الشاملة للثقافة العربية: 1986) (محمود: 1995). وترى كثير من الدراسات إن واقعنا الحاضر، بما في ذلك التعامل مع أدب الأطفال، لا يدل على فهم صحيح للتراث ولا للحاضر وبالتالي يحجب إمكانية تصور رؤية واقعية للمستقبل. فهو يعمل على اسر الحاضر وتكبيله، ويعطل نمو أجنحة تنقلنا للمستقبل (علواني، 1995).
ومن العوامل الأخرى التي تؤثر على أدب الطفل العربي إشكالية التركيز على الماضي أو المستقبل. إذ يلاحظ ندرة الأعمال الأدبية المقدمة للأطفال في المجتمع العربي والتي تتعامل مع واقع الطفل وتحاور حياته اليومية. كما ويغلب على معظم الكتابات الطابع التلقيني والذي يلغي دور الطفل في التحليل والاستنتاج، وبالتالي يقلص إمكانية غرس التفكير الموضوعي لدى الأطفال، بالرغم من أن العمل على تنمية هذه القدرات قد ظهر كتوصية أساسية انتهت إليها معظم الدراسات والندوات التي تناولت ثقافة الطفل العربي. بالمقابل يلاحظ شيوع الكتابات التي تتناول الماضي أو المستقبل في أدب الطفل العربي. ففكرة تمجيد الماضي تتردد بشكل واسع، ويطرح المستقبل إما ليكون استكمالا للدور الذي بدأته الأجيال السابقة في الماضي، أو أن يكون اقتحام للفضاء في سفن فضائية مشابهة لما تقدمه أفلام الكرتون اليابانية. بين الماضي والمستقبل كثيرا ما تنحسر المساحة المتاحة لحاضر الطفل.
غياب وجود هيئة رسمية تشرف على ثقافة الطفل وتتمتع بصلاحيات تخطيطية وتنفيذية. تبرز أهمية هذه الهيئة لإمكانية كونها مظلة للتنسيق بين الجهات المختلفة المسؤولة عن الطفل، وكذلك عن توفير الدعم المادي والمعنوي وحماية وتوجيه وتدريب العاملين في هذا القطاع. وعلى سبيل المثال نجد أن كتاب الطفل يعانون من عدم وجود رابطة تجمع بينهم وتتخذ إجراءات قانونية ورقابية للحفاظ على حقوقهم وعلى مستوى الإنتاج الأدبي والترويج له، وترتبط هذه المعاناة بتناقض مصلحة الكاتب في إنتاج كتاب بمواصفات جيدة على الأقل من الناحية الشكلية وبين المصلحة المادية لدور النشر. إن التقييم الاجتماعي لأدب الطفل والذي يضعه في مكانة أقل من أصناف الأدب الأخرى يؤثر على حركة التأليف والنشر والتوزيع، فمن يكتب للأطفال لا يوازي في مكانته الكتاب الآخرين، وبالتالي فإن الإنفاقٌ والدعم المادي للمؤلفين محدود. و يعتبر غياب المؤسسات والمنظمات المؤهلة أدبيا والقادرة ماديا على تبني الإشراف على التأليف والنشر والتوزيع عائقا أساسيا يحول دون قيام مشاريع أدبية طويلة المدى، ولذلك تظل حركة التأليف في مجال أدب الأطفال تعتمد على مبادرات فردية وقلما تعتمد كحركة أدبية. كما أن عدم وجود رقابة تحفظ حقوق المؤلفين وكاتبي أدب الأطفال أسهم في تعامل كثير من مؤسسات النشر والطباعة مع كتب الأطفال من منطلق تجاري وقد أدى ذلك إلى تدني مستوى المطبوعات وبخس حق المؤلفين. ولما كانت تكاليف طباعة كتب الأطفال مرتفعة نسبيا، إذا ما روعي فيها شروط الكتاب الجيد من حيث الورق والطباعة والألوان و التصميم، فإن تحمل الأفراد لهذه التكاليف، بما فيهم المؤلفين، يطرح مشروع كتابة قصيرة الأمد (جريدة الرياض 1995،: العدد 15254،15253). وفي ظل هذه الظروف يصبح الإنتاج الأدبي على حساب القارئ، ولا ينجح الكتاب بمواصفاته المتواضعة في جذب الأطفال إلى القراءة.