خالد فهد الرواف
11-12-2005, 11:39 AM
لم تصبح المنطقة العربية حتى الآن مشاركا ناشطا في إعادة الهيكلة العالمية، وظلت مساهماتها في تحديد صيغة هذه العملية قليلة. ولا تظهر المعطيات الكمية المتوافرة اندماج المنطقة العربية القوي في الاقتصاد العالمي.
يبدو ان فوائد العولمة الاقتصادية قد تجاوزت المنطقة العربية الى حد كبير. ففي خلال الثمانينات والتسعينات، بقي معدل النمو في الناتج المحلي القائم في المنطقة راكدا الى هذه الدرجة او تلك. كما انخفضت قيمة الصادرات وحصتها من الصادرات العالمية. وبقيت معدلات نمو تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر الى كل من الصناعة والقطاعات غير النفطية متواضعة. ولم تعرف المنطقة عموما نموا اقتصاديا الى درجة تنتج نموا سريعا في فرص العمل. ونتيجة لذلك، بقي استحداث الوظائف محدودا، فيما لم يبلغ الطلب على اليد العاملة المستوى الذي يكفي للتغلب على الحواجز التي تمنع المرأة العربية، حتى المؤهلة والمتمتعة بالخبرة، من دخول سوق العمل.
قد يكون هناك مستفيدون من العولمة، اي اولئك الذين يحوزون رأس المال والمعرفة وشبكات الاتصال التي تمكنهم من الافادة من اعادة الهيكلة العالمية.
الا ان عددهم في المنطقة العربية يبقى صغيرا نسبيا. وتوحي الأدلة المتواترة بأن هؤلاء المستفيدين هم في غالبيتهم من الذكور. من ناحية ثانية، يمكن تمييز أعداد من الخاسرين، ذكورا وإناثا معا. الامر الذي يعكس أنماط الاستقطاب الاجتماعي في اجزاء كثيرة من المنطقة. وتوحي الأدلة ايضا بأن مجموعات الإناث بين الخاسرين تكون في وضع أسوأ من حيث الاستغلال الاقتصادي والبطالة.
على الرغم من الضعف المسجل في معدلات النمو الاقتصادي الحالية وفي مستوى الاندماج في الاقتصاد العالمي، قامت أغلبية الدول العربية بتحرير سياساتها الاقتصادية وإدخال تغييرات على نطاق واسع. مثل هذه السياسات (مثلا: السياسات الانكماشية بما فيها السياسات المالية) يمكن ان تفاقم استقطاب الدخل والفقر وعدم الانصاف بين الجنسين اذا لم تدر بعناية.
حيث تشكل الخصخصة وتحرير التجارة جزءا من جملة سياسات، فانها تتطلب كقاعدة، إحداث تغيرات في قوانين العمل وأنظمته. وتوحي الأدلة بأن للاتجاهات الحالية، انعكاسات سلبية على مشاركة المرأة العربية في القوى العاملة. وهناك اتجاه غير معلن، ولكنه ملموس، لتشجيع النساء على الانسحاب من القوى العاملة. فزيادة حدة التنافس في سوق العمل يجري حلها على حساب النساء الى حد كبير، بما في ذلك أولئك اللواتي يؤهلهن مستواهن التعليمي ومهاراتهن للمساهمة على نحو مهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.
ان هذه الاتجاهات تجري في الاتجاه المعاكس لزيادة مشاركة المرأة في قوة العمل او تأنيث العمل، التي غالبا ما تعتبر كإحدى الصفات المميزة لإعادة الهيكلة العالمية. ففي المنطقة العربية، وبالرغم من وجود بعض الاتجاهات الايجابية ككل خلال العقود الثلاثة الماضية، تبقى مشاركة الإناث في القوى العاملة متدنية، مقارنة مع المناطق النامية الاخرى. وهذا ليس صحيحا من الناحية الكمية اي نسبة اليد العاملة النسائية في مجمل القوى العاملة فحسب، بل انه صحيح كذلك من الناحية النوعية: أي من حيث الوضع الوظيفي والاجور وتوزيع الوظائف القائم على أساس الجنس.
يعتبر التحسن الذي طرأ في مجال تعليم الإناث وكذلك انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع متوسط العمر عند الزواج الاول من علامات التقدم. ومع ذلك، لم تنجح هذه التغيرات في التصدي للايديولوجيات السائدة التي تركّز على دور المرأة الانجابي الاجتماعي، وتؤكد التمييز القائم على أساس الجنس وتحصر دور المرأة في وظائف العناية التي لا قيمة لها في السوق. فالمرأة العربية لم تواجه عقبات في الوصول الى وظائف في قطاعي التعليم والصحة نظرا لأن هذه الوظائف تتلاءم والدور المناط بها من قبل المجتمع.
كما لم تسجل نسبة اليد العاملة النسائية تغييرا في قطاعات الخدمات الفرعية المرتبطة بإعادة الهيكلة العالمية كتكنولوجيات المعلومات والاتصالات والتجارة والسياحة.
يبقى العمل في القطاع العام الخيار المفضل لدى المرأة العربية المشاركة في القوى العاملة. ويعكس هذا التفضيل ظروف العمل المدعمة بالتشريعات، حيث التمييز القائم على أساس الجنس أقل حدة وحيث الاستقرار الوظيفي والحوافز والخدمات للنساء أفضل. علاوة على ما يوفره هذا القطاع من احترام. وقد أدت الاجراءات التقشفية التي طالت القطاع العام كجزء من استراتيجيات اعادة الهيكلة الاقتصادية الجارية الى خفض فرص العمل المتاحة في القطاع العام، مما ساهم في تفاقم الفجوات بين الجنسين في العمل وتوزيع الوظائف. الامر الذي أثر عموما في النساء اكثر مما أثر في الرجال.
مع ان نسبة اليد العاملة النسائية في القطاع الخاص تسجل زيادة متواضعة في بعض البلدان العربية، وبالنسبة الى بعض فئات الوظائف، لا يشجع هذا القطاع عموما عمل المرأة (لاعتبارات لدى اصحاب العمل تتعلق بالتكلفة كإجازة الامومة(
وان وجدت عمالة نسائية في القطاع الخاص، فهي مركزة الى حد كبير في مهن يعوزها الاستقرار الوظيفي، ذات مكانة متدنية وأجر منخفض عموما. من هذه الناحية، يبدو ان المنطقة تتبع واحدا من الاتجاهات الأكثر سوءا في العالم <<السباق نحو الأسفل>> بتوفيرها يدا عاملة نسائية قليلة المهارة نسبيا، متدنية الأجر وهشّة تساعد في خفض تكاليف الانتاج.
بالنسبة الى المرأة الفقيرة من حيث دخلها وقدراتها، غالبا ما يكون القطاع غير المهيكل هو المشغل الوحيد. ومع هذا، يبدو ان نسبة اليد العاملة النسائية العربية في القطاع غير المهيكل اما ان تكون قد اتجهت نحو الانخفاض، او بقيت متدنية نسبيا. فالعمل المأجور (العمل من المنزل او العمل الخارجي في النشاطات التحويلية، بصورة رئيسية في انتاج المنسوجات والملابس) يستقطب نسبة رئيسية من العمالة النسائية في القطاع غير المهيكل. ويتلاءم هذا النوع من العمل مع الانماط الثقافية التي تمنح دور اعادة الانتاج الاجتماعي أهمية قصوى. وهو ما يتوافق مع النظرة التقليدية الى مسؤوليات المرأة الطبيعية من ناحية، ويمكّنها من التنقل بين العمل غير المأجور وبين النشاطات المولدة للدخل ومع ضرورة تسويق السلع التي تنتجها اليد العاملة النسائية لاستخدام داخل الأسرة لتوفير دخل نقدي، من ناحية اخرى.
تشير الأدلة الى ان عمل المرأة لحسابها الخاص يتجه نحو الانخفاض في بعض البلدان، في بعض الحالات، فان النساء اللواتي يعملن في القطاع غير المهيكل قد لا يتشجعن على إنشاء المشاريع بسبب التعقيدات العائدة الى التمييز بين الجنسين وغيرها من التعقيدات المتعلقة بالسوق. ويبدو ان النساء يفضلن العمل من المنزل لقاء أجر باعتبار ان عنصر المخاطرة فيه أقل. واذا ما تأكد هذا الاتجاه، فان نجاعة القروض بالغة الصغر بوصفها أداة لتخفيف حدة الفقر بين النساء العربيات تمسي غير مؤكدة.
ثمة اتجاه نحو تأنيث البطالة في المنطقة العربية. فمعدلات بطالة الإناث تشير الى زيادة العرض لدى أولئك اللواتي يبحثن عن عمل. وفي الوقت نفسه، تواجه النساء عوائق تحول دون دخولهن سوق العمل، وهي عوائق بنيوية (اعادة الهيكلة، الركود الاقتصادي، استثمارات محلية وأجنبية محدودة، اضافة الى النزاعات والحروب) وعوائق إيديولوجية (صورة <<الرجل كاسب الرزق المرأة ربة البيت>>). ان هذا الاتجاه لا يأخذ بعين الاعتبار واقع المنطقة الاقتصادي، حيث يوجد كثير من النساء اللواتي يسعين لإيجاد عمل مأجور بغية دعم ميزانيات الأسر الآخذة في الانخفاض، وتجنب تعرضهن المتزايد للفقر. ويبدو ان النساء العاطلات عن العمل في أجزاء مختلفة من المنطقة هن بصورة رئيسية وافدات جديدات الى سوق العمل (مع تحصيل علمي ثانوي)، ولكنهن أيضا فقيرات من حيث الدخل (مع مستوى تعليمي محدود)، اضافة الى نساء سبق لهن العمل ثم ما لبثن ان فقدن وظائفهن بسبب تقليص نشاطات القطاع العام. اما اكثر المشاركات في سوق العمل هشاشة، فهن نساء على درجة قليلة من التعليم او دون تعليم.
هناك ايضا اتجاه واضح، وان لم يكن موثقا بشكل كاف، في ما يتعلق بالنقص في كفاية التشغيل القائم على أساس الأبعاد المختلفة للنوع الاجتماعي في أجزاء من المنطقة العربية. <<فالتشغيل دون المستوى المطلوب>> الظاهري (الناجم عن عوامل بنيوية خارج سيطرة الفرد) والخفي منه (في شكل انتاجية منخفضة ونقص في الاستخدام الأمثل لمهارات العاملين) تؤثر ايضا في القوى العاملة النسائية في اجزاء من المنطقة. ولهذا الوضع انعكاسات بالنسبة الى الفقر عندما تكون الايرادات المنخفضة غير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية وفقا للمعايير والمقاييس السائدة.
ثمة قليل من المعطيات الدقيقة المتعلقة بالهجرة الحديثة للعمالة النسائية العربية داخل المنطقة العربية وخارجها.
ان المردود الاقتصادي لتعليم الإناث هو أقل مما هو متوقع عموما، ويتجلى ذلك في تدني مستويات الاجور وكذلك في ضعف المشاركة في صنع القرار. علاوة على ذلك، فان وصول المرأة العربية الى تكنولوجيات المعلومات والاتصالات، وخاصة الى الامكانات التي توفرها الانترنت، يبقى محدودا. فمن الواضح ان الفقر والتعليم غير الملائم، او الانتقاص من حقوق المواطنة ليست هي بالضرورة المتغيرات الاكثر تأثيرا على مكانة النساء والرجال على حد السواء. ان التمييز القائم على أساس الجنس والفجوات القائمة بين الجنسين تؤثر سلبا في امكانات المرأة العربية الاقتصادية. كل هذا ينعكس في المعطيات الاجمالية المتعلقة بدليل التنمية المرتبط بنوع الجنس ومقياس تمكين المرأة في بلدان المنطقة العربية.
من الواضح ان هناك استثناءات للاتجاهات العامة التي عرضت أعلاه، كما تشير المعلومات وان تكن محدودة عن النساء العربيات باعثات المشاريع اللاتي يبقى عددهن ضئيلا. ويبقى من غير الواضح والى أي مدى يمكن تصنيف هذه الفئة من النساء المشاركات في القوى العاملة ضمن دائرة المستفيدين اقتصاديا من اعادة الهيكلة العالمية.
ان المؤشرات العامة توحي، حتى الآن بأن النساء العربيات باعثات المشاريع قد يواجهن صعوبات في الوصول الى أسواق مربحة بسبب كونهن نساء حتى عندما تكون التشريعات غير مميزة بين الجنسين (مثلا، في ما يتعلق بالحصول على القروض(.
لكل هذه الاتجاهات انعكاسات سلبية بالنسبة الى الجهود المبذولة لتعزيز مفهوم المساواة بين الجنسين في المنطقة في ما يتعلق بحقوق المواطنة والمشاركة في صنع القرار على كافة المستويات. ان الاتجاهات التي تمس حقوق المرأة، تصبح اكثر خطورة بشكل خاص في منطقة لا تعتمد فيها المفاهيم الخاصة بشفافية الحكم الصالح والمشاركة السياسية القاعدية بشكل واسع. اضافة الى ان مؤيدي إرساء الديموقراطية أنفسهم لا يقرّون بأن مسألة النوع الاجتماعي على علاقة بهذه المفاهيم، ايمانا منهم بأن هذه العملية محايدة في هذا الشأن.
ورغم ان الاستنتاجات التي توصل اليها التقرير غير نهائية، فانها تقود الى الاستخلاصين العامين التاليين:
ان الاتجاهات العامة المستندة الى التمييز بين الجنسين التي تعيق وصول المرأة العربية الى نيل حقوقها وتنمية قدراتها، هي في الواقع تحول دون تحقيق تمكينها الذاتي على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ان الفقر يحول دون التمكين الذاتي للمرأة العربية بصفة أعمق وأكثر استمرارا مقارنة بالرجل.
يبدو ان فوائد العولمة الاقتصادية قد تجاوزت المنطقة العربية الى حد كبير. ففي خلال الثمانينات والتسعينات، بقي معدل النمو في الناتج المحلي القائم في المنطقة راكدا الى هذه الدرجة او تلك. كما انخفضت قيمة الصادرات وحصتها من الصادرات العالمية. وبقيت معدلات نمو تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر الى كل من الصناعة والقطاعات غير النفطية متواضعة. ولم تعرف المنطقة عموما نموا اقتصاديا الى درجة تنتج نموا سريعا في فرص العمل. ونتيجة لذلك، بقي استحداث الوظائف محدودا، فيما لم يبلغ الطلب على اليد العاملة المستوى الذي يكفي للتغلب على الحواجز التي تمنع المرأة العربية، حتى المؤهلة والمتمتعة بالخبرة، من دخول سوق العمل.
قد يكون هناك مستفيدون من العولمة، اي اولئك الذين يحوزون رأس المال والمعرفة وشبكات الاتصال التي تمكنهم من الافادة من اعادة الهيكلة العالمية.
الا ان عددهم في المنطقة العربية يبقى صغيرا نسبيا. وتوحي الأدلة المتواترة بأن هؤلاء المستفيدين هم في غالبيتهم من الذكور. من ناحية ثانية، يمكن تمييز أعداد من الخاسرين، ذكورا وإناثا معا. الامر الذي يعكس أنماط الاستقطاب الاجتماعي في اجزاء كثيرة من المنطقة. وتوحي الأدلة ايضا بأن مجموعات الإناث بين الخاسرين تكون في وضع أسوأ من حيث الاستغلال الاقتصادي والبطالة.
على الرغم من الضعف المسجل في معدلات النمو الاقتصادي الحالية وفي مستوى الاندماج في الاقتصاد العالمي، قامت أغلبية الدول العربية بتحرير سياساتها الاقتصادية وإدخال تغييرات على نطاق واسع. مثل هذه السياسات (مثلا: السياسات الانكماشية بما فيها السياسات المالية) يمكن ان تفاقم استقطاب الدخل والفقر وعدم الانصاف بين الجنسين اذا لم تدر بعناية.
حيث تشكل الخصخصة وتحرير التجارة جزءا من جملة سياسات، فانها تتطلب كقاعدة، إحداث تغيرات في قوانين العمل وأنظمته. وتوحي الأدلة بأن للاتجاهات الحالية، انعكاسات سلبية على مشاركة المرأة العربية في القوى العاملة. وهناك اتجاه غير معلن، ولكنه ملموس، لتشجيع النساء على الانسحاب من القوى العاملة. فزيادة حدة التنافس في سوق العمل يجري حلها على حساب النساء الى حد كبير، بما في ذلك أولئك اللواتي يؤهلهن مستواهن التعليمي ومهاراتهن للمساهمة على نحو مهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.
ان هذه الاتجاهات تجري في الاتجاه المعاكس لزيادة مشاركة المرأة في قوة العمل او تأنيث العمل، التي غالبا ما تعتبر كإحدى الصفات المميزة لإعادة الهيكلة العالمية. ففي المنطقة العربية، وبالرغم من وجود بعض الاتجاهات الايجابية ككل خلال العقود الثلاثة الماضية، تبقى مشاركة الإناث في القوى العاملة متدنية، مقارنة مع المناطق النامية الاخرى. وهذا ليس صحيحا من الناحية الكمية اي نسبة اليد العاملة النسائية في مجمل القوى العاملة فحسب، بل انه صحيح كذلك من الناحية النوعية: أي من حيث الوضع الوظيفي والاجور وتوزيع الوظائف القائم على أساس الجنس.
يعتبر التحسن الذي طرأ في مجال تعليم الإناث وكذلك انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع متوسط العمر عند الزواج الاول من علامات التقدم. ومع ذلك، لم تنجح هذه التغيرات في التصدي للايديولوجيات السائدة التي تركّز على دور المرأة الانجابي الاجتماعي، وتؤكد التمييز القائم على أساس الجنس وتحصر دور المرأة في وظائف العناية التي لا قيمة لها في السوق. فالمرأة العربية لم تواجه عقبات في الوصول الى وظائف في قطاعي التعليم والصحة نظرا لأن هذه الوظائف تتلاءم والدور المناط بها من قبل المجتمع.
كما لم تسجل نسبة اليد العاملة النسائية تغييرا في قطاعات الخدمات الفرعية المرتبطة بإعادة الهيكلة العالمية كتكنولوجيات المعلومات والاتصالات والتجارة والسياحة.
يبقى العمل في القطاع العام الخيار المفضل لدى المرأة العربية المشاركة في القوى العاملة. ويعكس هذا التفضيل ظروف العمل المدعمة بالتشريعات، حيث التمييز القائم على أساس الجنس أقل حدة وحيث الاستقرار الوظيفي والحوافز والخدمات للنساء أفضل. علاوة على ما يوفره هذا القطاع من احترام. وقد أدت الاجراءات التقشفية التي طالت القطاع العام كجزء من استراتيجيات اعادة الهيكلة الاقتصادية الجارية الى خفض فرص العمل المتاحة في القطاع العام، مما ساهم في تفاقم الفجوات بين الجنسين في العمل وتوزيع الوظائف. الامر الذي أثر عموما في النساء اكثر مما أثر في الرجال.
مع ان نسبة اليد العاملة النسائية في القطاع الخاص تسجل زيادة متواضعة في بعض البلدان العربية، وبالنسبة الى بعض فئات الوظائف، لا يشجع هذا القطاع عموما عمل المرأة (لاعتبارات لدى اصحاب العمل تتعلق بالتكلفة كإجازة الامومة(
وان وجدت عمالة نسائية في القطاع الخاص، فهي مركزة الى حد كبير في مهن يعوزها الاستقرار الوظيفي، ذات مكانة متدنية وأجر منخفض عموما. من هذه الناحية، يبدو ان المنطقة تتبع واحدا من الاتجاهات الأكثر سوءا في العالم <<السباق نحو الأسفل>> بتوفيرها يدا عاملة نسائية قليلة المهارة نسبيا، متدنية الأجر وهشّة تساعد في خفض تكاليف الانتاج.
بالنسبة الى المرأة الفقيرة من حيث دخلها وقدراتها، غالبا ما يكون القطاع غير المهيكل هو المشغل الوحيد. ومع هذا، يبدو ان نسبة اليد العاملة النسائية العربية في القطاع غير المهيكل اما ان تكون قد اتجهت نحو الانخفاض، او بقيت متدنية نسبيا. فالعمل المأجور (العمل من المنزل او العمل الخارجي في النشاطات التحويلية، بصورة رئيسية في انتاج المنسوجات والملابس) يستقطب نسبة رئيسية من العمالة النسائية في القطاع غير المهيكل. ويتلاءم هذا النوع من العمل مع الانماط الثقافية التي تمنح دور اعادة الانتاج الاجتماعي أهمية قصوى. وهو ما يتوافق مع النظرة التقليدية الى مسؤوليات المرأة الطبيعية من ناحية، ويمكّنها من التنقل بين العمل غير المأجور وبين النشاطات المولدة للدخل ومع ضرورة تسويق السلع التي تنتجها اليد العاملة النسائية لاستخدام داخل الأسرة لتوفير دخل نقدي، من ناحية اخرى.
تشير الأدلة الى ان عمل المرأة لحسابها الخاص يتجه نحو الانخفاض في بعض البلدان، في بعض الحالات، فان النساء اللواتي يعملن في القطاع غير المهيكل قد لا يتشجعن على إنشاء المشاريع بسبب التعقيدات العائدة الى التمييز بين الجنسين وغيرها من التعقيدات المتعلقة بالسوق. ويبدو ان النساء يفضلن العمل من المنزل لقاء أجر باعتبار ان عنصر المخاطرة فيه أقل. واذا ما تأكد هذا الاتجاه، فان نجاعة القروض بالغة الصغر بوصفها أداة لتخفيف حدة الفقر بين النساء العربيات تمسي غير مؤكدة.
ثمة اتجاه نحو تأنيث البطالة في المنطقة العربية. فمعدلات بطالة الإناث تشير الى زيادة العرض لدى أولئك اللواتي يبحثن عن عمل. وفي الوقت نفسه، تواجه النساء عوائق تحول دون دخولهن سوق العمل، وهي عوائق بنيوية (اعادة الهيكلة، الركود الاقتصادي، استثمارات محلية وأجنبية محدودة، اضافة الى النزاعات والحروب) وعوائق إيديولوجية (صورة <<الرجل كاسب الرزق المرأة ربة البيت>>). ان هذا الاتجاه لا يأخذ بعين الاعتبار واقع المنطقة الاقتصادي، حيث يوجد كثير من النساء اللواتي يسعين لإيجاد عمل مأجور بغية دعم ميزانيات الأسر الآخذة في الانخفاض، وتجنب تعرضهن المتزايد للفقر. ويبدو ان النساء العاطلات عن العمل في أجزاء مختلفة من المنطقة هن بصورة رئيسية وافدات جديدات الى سوق العمل (مع تحصيل علمي ثانوي)، ولكنهن أيضا فقيرات من حيث الدخل (مع مستوى تعليمي محدود)، اضافة الى نساء سبق لهن العمل ثم ما لبثن ان فقدن وظائفهن بسبب تقليص نشاطات القطاع العام. اما اكثر المشاركات في سوق العمل هشاشة، فهن نساء على درجة قليلة من التعليم او دون تعليم.
هناك ايضا اتجاه واضح، وان لم يكن موثقا بشكل كاف، في ما يتعلق بالنقص في كفاية التشغيل القائم على أساس الأبعاد المختلفة للنوع الاجتماعي في أجزاء من المنطقة العربية. <<فالتشغيل دون المستوى المطلوب>> الظاهري (الناجم عن عوامل بنيوية خارج سيطرة الفرد) والخفي منه (في شكل انتاجية منخفضة ونقص في الاستخدام الأمثل لمهارات العاملين) تؤثر ايضا في القوى العاملة النسائية في اجزاء من المنطقة. ولهذا الوضع انعكاسات بالنسبة الى الفقر عندما تكون الايرادات المنخفضة غير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية وفقا للمعايير والمقاييس السائدة.
ثمة قليل من المعطيات الدقيقة المتعلقة بالهجرة الحديثة للعمالة النسائية العربية داخل المنطقة العربية وخارجها.
ان المردود الاقتصادي لتعليم الإناث هو أقل مما هو متوقع عموما، ويتجلى ذلك في تدني مستويات الاجور وكذلك في ضعف المشاركة في صنع القرار. علاوة على ذلك، فان وصول المرأة العربية الى تكنولوجيات المعلومات والاتصالات، وخاصة الى الامكانات التي توفرها الانترنت، يبقى محدودا. فمن الواضح ان الفقر والتعليم غير الملائم، او الانتقاص من حقوق المواطنة ليست هي بالضرورة المتغيرات الاكثر تأثيرا على مكانة النساء والرجال على حد السواء. ان التمييز القائم على أساس الجنس والفجوات القائمة بين الجنسين تؤثر سلبا في امكانات المرأة العربية الاقتصادية. كل هذا ينعكس في المعطيات الاجمالية المتعلقة بدليل التنمية المرتبط بنوع الجنس ومقياس تمكين المرأة في بلدان المنطقة العربية.
من الواضح ان هناك استثناءات للاتجاهات العامة التي عرضت أعلاه، كما تشير المعلومات وان تكن محدودة عن النساء العربيات باعثات المشاريع اللاتي يبقى عددهن ضئيلا. ويبقى من غير الواضح والى أي مدى يمكن تصنيف هذه الفئة من النساء المشاركات في القوى العاملة ضمن دائرة المستفيدين اقتصاديا من اعادة الهيكلة العالمية.
ان المؤشرات العامة توحي، حتى الآن بأن النساء العربيات باعثات المشاريع قد يواجهن صعوبات في الوصول الى أسواق مربحة بسبب كونهن نساء حتى عندما تكون التشريعات غير مميزة بين الجنسين (مثلا، في ما يتعلق بالحصول على القروض(.
لكل هذه الاتجاهات انعكاسات سلبية بالنسبة الى الجهود المبذولة لتعزيز مفهوم المساواة بين الجنسين في المنطقة في ما يتعلق بحقوق المواطنة والمشاركة في صنع القرار على كافة المستويات. ان الاتجاهات التي تمس حقوق المرأة، تصبح اكثر خطورة بشكل خاص في منطقة لا تعتمد فيها المفاهيم الخاصة بشفافية الحكم الصالح والمشاركة السياسية القاعدية بشكل واسع. اضافة الى ان مؤيدي إرساء الديموقراطية أنفسهم لا يقرّون بأن مسألة النوع الاجتماعي على علاقة بهذه المفاهيم، ايمانا منهم بأن هذه العملية محايدة في هذا الشأن.
ورغم ان الاستنتاجات التي توصل اليها التقرير غير نهائية، فانها تقود الى الاستخلاصين العامين التاليين:
ان الاتجاهات العامة المستندة الى التمييز بين الجنسين التي تعيق وصول المرأة العربية الى نيل حقوقها وتنمية قدراتها، هي في الواقع تحول دون تحقيق تمكينها الذاتي على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ان الفقر يحول دون التمكين الذاتي للمرأة العربية بصفة أعمق وأكثر استمرارا مقارنة بالرجل.