المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المرأة


عبدالله الحصين
19-12-2005, 10:36 AM
المرأة

عبدالله الحصين


تجربة التاريخ في حياة الشعوب لا تحكمها الانطباعات والأماني الحالمة ولكن تحكمها المسيرة الزمنية المشحونة بقيم الفكر الذي يقود رؤية الإنسان من مرحلة إلى أخرى وربما من حسن إلى أحسن. والإصلاح في تجارب الأمم هو (البوصلة) التي توجه خطوات الأمة في ظل النقلات أو المتغيرات الكبيرة. والمجتمع السعودي لم يكن ولن يكون خارج القانون الزمني الذي احتكمت إليه المتغيرات في تاريخ الأمم والشعوب. بل كانت المملكة ومازالت تواجه النقلات وفي فترات التغير والتبدل بالحكمة والأناة وإدراك البُعد للقفزات غير المحسوبة. والمرأة في مسيرة الإصلاح وفي أي مجتمع مازالت موجودة في عمق قضايا الحياة. ومنذ العصر الأول للإسلام كان للمرأة كما كان للرجل دور ريادي والوحي يتنزل على صفوة خلق الله صلى الله عليه وسلم. ومن ثم فالمرأة السعودية في حركة الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والإداري وفي رحلة التطور العلمي والتقني الذي يحكم حركة الحياة ما كانت ولن تكون كمّا مهملاً أو مجرد رقم. في ذاكرة الإحصاء السكاني المرأة السعودية دخلت بثبات وقدرة لأداء دورها الفاعل ومشاركاتها الخيرة مساهمةً في بناء المجتمع, مشاركةً في معارك الحياة وفي تعميق مفهوم المجتمع المدني, ولن تتوقف ولن ترهبها أو توقفها منابر التحذير. وإذا كانت الحياة مساحة واسعة تتقابل فيها الأفكار كما تتلاحق فيها سنن التغيير فإن المرأة المسلمة في العهد النبوي وفي عصر الخلافة الراشدة قد أسهمت في مختلف جوانب الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية. كانت رفيدة الأسلمية تقيم الخيمة بجوار المسجد النبوي والتي عُرفت بخيمة بني غفار تعالج الجرحى والمرضى وكانت نسيبة بنت كعب الأنصارية رضي الله عنها تُدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يروي الحديث وبكثيرٍ من التقدير لهذه المرأة الصحابية الجليلة, يقول صلى الله عليه وسلم ما التفت يميناً إلا وجدت نسيبة تدافع عني وما التفت شمالاً حتى وجدتها تدافع عني. وفي غزوة خيبر أبلت الصحابية الجليلة أميمة الغفارية أحسن البلاء في الدفاع والشجاعة والقتال وقد منحها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم قلادة تقديراً لشجاعتها ومواقفها وثباتها. والتاريخ يحدثنا عن قدرة المرأة وصبرها وشجاعتها وفهمها للعمل السياسي. جاء ذلك في مبايعة المؤمنات لرسول الله وفي الهجرة وفي المواقف الحرجة بل في المواقف السياسية التي كان للمرأة المسلمة دور كبير والوحي يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومازالت قصة الصحابية التي استمع الله إلى شكواها في أول آية من سورة المجادلة: {لقد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير.. الآية} (المجادلة:1). فهل ثمة اعتراف لدور المرأة وبحقها وبكرامتها أعظم من قول الله وحكمه. فهل يتأمل ذلك كله المتشددون والخائفون والمترددون والرافضون?! وحركة البناء في أي مجتمع لن تكتمل إلا بالتعاون بين مختلف الفئات, والمرأة لها دور في حركة البناء وهي الأم التي كرّمها الله والزوجة التي تُشارك الرجل حياته ومسؤولياتها, وهي الأخت والابنة, وهن جميعاً عماد الحياة وبهجتها وسناؤها, ومن ثم فدورهن لا يمكن أن يتوقف عند حصول المرأة على رخصة القيادة أو هوية أو بطاقة. وإذا كان هناك من يرفض اليوم الضوء كيفما كان مصدره لأنه مصاب بالإعشاء في بصيرته, وربما توقف فهمه لمقاصد الشريعة, فهذا شأنه, لكن هذا لن يوقف مسيرة الحياة التي تنطلق اليوم بثبات وروية وقدرة على التناغم مع احتياجات الأسرة لتصبح الأسرة السعودية قادرة برجالها ونسائها على مواجهة سلبيات الحياة وأخطائها, لأننا في مرحلة نحتاج فيها إلى فهم فقه الأولويات. فلقد كرّم الله الإنسان رجلاً كان أو امرأة, فلماذا نحاول أحياناً تحويل ما ألفناها إلى قاعدة شرعية? أفليس من الأجدر أن نتأمل ما فعله الخليفة الراشد أبوبكر الصديق عندما جمع القرآن فوضعه عند أم المؤمنين حفصة مع وجود كبار الصحابة والبدريين, بمن فيهم عمر وعلي وأبوعبيدة وطلحة وغيرهم? فهل نأخذ بمواقف وفقه أبي بكر رفيق رسول الله وصاحبه وصفيه وخليفته, أم نأخذ بفقه الملا عمر وأتباعه والمعجبين بانغلاقه. المصحف الشريف وضعه الخليفة الراشد عند أم المؤمنين وهو مرجع الأمة في الدين والتشريع, أفلا يؤكد هذا الموقف القيمة الهامة للمرأة وأهمية دورها ومشاركاتها والثقة بأمانتها, بل سنرى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد كلف الشفاء المخزومية على حسبة السوق. والحسبة إشراف وقضاء. ومن ثم فما أحسب بعد هذا كله وبعد الأدلة والشواهد أن طالب علم أو باحث فقه سيكون أكثر حرصاً أو فهماً أو صدق إيمان أو حرصاً على صيانة المرأة من خليفتي رسول الله أبي بكر وعمر.
ولا أخال مطلقاً أن طالب علم أو باحثاً عن إشكال فقهي يستطيع أن يتطاول أو يهمز من قناة صحابة رسول الله والتابعين الذين جثوا على الركب يتلقون العلم عن خيرة النساء فقهاً وعلماً, وفي مقدمتهم ميمونة بنت سعد مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم, أخذوا عنها الحديث ومنهم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه, بل سنجد بعد ذلك أن أبا بكر البغدادي, وهو العالم الشهير, قرأ البخاري على كريمة المروزية بمكة المكرمة. المرأة شقيقة الرجل فهل يمكن أن نواجه الحقائق بكثير من الهدوء والتأمل وبكثير من الشفافية.