محمد حيان حافظ
21-12-2005, 02:05 PM
لعل من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع المدني في العالم العربي ، وترسم إلى حد بعيد ملامح تطوره المستقبلية ، هو التحدي الديمقراطي . فالديمقراطية ليست نظام سياسي ناجز ونهائي بقدر ما هي أسلوب في الحياة تزداد نجاعته بقدر مطاولته كافة مجالات المجتمع ، في المؤسسات والمدارس والجامعات ...
ولا يحتاج الخطاب الثقافي إلى تأكيد أهمية الديمقراطية وبيان ضروراتها ، حيث تشكل تلك الأهمية القاسم المشترك لمعظم التيارات الفكرية والسياسية على الساحة العربية ، على الأقل في مستوى خطابها المعلن والرسمي . وإن اختلفت وجهات النظر في مقومات هذه الديمقراطية ومرجعياتها وسبل تحقيقها ، حيث يمكن القول إن الوعي المتزايد لأهمية الشرط الديمقراطي قد أضحى واحدا من سمات الثقافة العربية المعاصرة ، رغم بعض الاستثناءات ، وبدت محاولات إعاقة أو تأجيل هذا المطلب تضعف وتفقد مصداقيتها تدريجيا ، ولم يعد مستساغا القول بأولوية الوحدة أو العدالة أو التنمية ، بعد أن ثبت أن تأجيل هذا المطلب ووضعه في آخر قائمة الأولويات لم يسفر عن الإخفاق في تحقيق تلك الأهداف فحسب ، بل كان سببا في ذلك الإخفاق ، وهو بهذا المعنى قد ساهم في تفسيره .
وحيث إن المجتمع المدني يشكل الفضاء الذي تستطيع الثقافة أن تقوم بأدوارها ووظائفها من خلاله ، فإن الشرط المتمم لذلك إنما يكمن في قدرة هذه الثقافة على تحديد قضاياها ومشكلاتها وإمكانياتها في مواجهة التحديات التي تواجه العرب في القرن الحادي والعشرين . وقد بات جليا أنه بغير حرية الفكر والرأي وسيادة المناخ الديمقراطي ، تعجز الثقافة عن تحقيق تراكمها الضروري ، وارتياد آفاق البحث واجتراح الحلول ، فالثقافة والديمقراطية بهذا المعنى صنوان ، بمعنى أن منطلق الثقافة هو البحث المستمر عن الحقيقة ، والبحث عن حيثيات مناسبة للتفاعل مع المحيط طبيعيا كان أم اجتماعيا . ومن الواضح أن ذلك يعني مساءلة الواقع وارتياد مناطقه المجهولة والمهملة ، وهو أمر لا يستقيم بغير الحرية ، وامتلاك الرؤية النقدية التي يحتاجها أي جهد بحثي لا يركن إلى المعارف الجاهزة والإجابات السهلة أو الشائعة .
والديمقراطية بهذا المعنى ، ليست جاهزة يمكن استيراد نموذجها الليبرالي الغربي مثلا ، أو غيره من النماذج ، رغم أهمية الاستفادة منه ، من خلال التمييز بين المشترك والعام في الديمقراطية ، والخاص والمحلي فيها ، والعام في الديمقراطية هو أنها ذلك النظام السياسي الأكثر تعبيرا عن مقاومة الشعوب لضروب الظلم والقهر والتمييز ، والأكثر تجسيدا لتطلعاتها إلى الحرية والعدالة والمساواة ، بهذا المعنى يكون العام في الديمقراطية عنصرا مشتركا يتواجد في ثقافات الأمم والشعوب بدرجات ونسب متفاوتة . والديمقراطية في جوهرها ، إذا أمكن الحديث عن الجوهر ، تأكيد على حق الشعوب في تقرير مصيرها وصنع حياتها وفقا لرؤيتها ، وهذا ما يتم السكوت عنه غالبا ، بل وتقل أهميته عند الحديث عن الديمقراطية الغربية التي تصدر إلينا مصطبغة بمصالح صانعيها وأطماعهم .
ونحن هنا لا نقلل من أهمية الديمقراطية الغربية وتجربتها الخصبة ، بقدر ما نشير إلى الطابع المزدوج لحداثة الغرب ، فحرية الرأي والاحتكام إلى الشعب بالإضافة إلى المساواة السياسية والقانونية وصولا إلى التداول السلمي للسلطة استنادا إلى مبدأ الاقتراع المباشر أو التمثيلي ، تشكل إسهامات فعلية لتجربة الحداثة الغربية ، وهي بقدر ما تطمح لأن تكون أنموذجا كونيا يحتذى به ، بصيغ مباشرة أو مبطنة ، بقدر ما تقدم تجربتها التاريخية وعلاقتها مع بلدان العالم الأخرى ، والتي مرت بأطوار عديدة ، أولها الغزو العسكري وآخرها محاولات الهيمنة الشاملة على مقدراتها ومواردها ، تعد أنموذجا سلبيا يخلق الرفض ويلاقي الاستهجان والمقاومة عند أبناء الدول النامية .
لكن المجتمع المدني ليس ميدانا منفتحا على الاختلاف والتناقض بصيغة قانون الغاب ، أي بصيغة تذكر بتناقضات المجتمع الطبيعي السابق على العقد الاجتماعي ، بل هو حقل الإنتاج الاجتماعي بكل ما ينطوي عليه وجود البشر في هيئة اجتماعية منظمة ومنقسمة على ذاتها لإدارة وتسيير أمورها ، من علاقات وقوانين وصيغ تعمل وتدار وتراقب ويعاد النظر في آلياتها باستمرار .
إن طغيان الثنائية المجتمع المدني / الدولة ، في أدبيات المسألة منذ البداية حتى اليوم جعل البعض يقع في لبس ، بل قل في خلط ، فأصبحت الدولة تعني لديهم السياسية ، فذهبوا إلى القول : إن قوى المجتمع المدني يجب أن تكون مستقلة عن القوى السياسية ، بل ذهب بعضهم بعيدا قائلا : ينبغي أن تكون في الطرف المقابل للقوى السياسية ، وهذا في رأيي خطأ ، فكيف تستطيع أن تذود عن المجتمع المدني ، وعن مصالح مختلف الفئات الاجتماعية التي تمثلها دون أن يكون لها أثر ذو بال في شؤون السياسة ، فلا نغفل في هذا الصدد عن الإشارة إلى أنها تمثل في نهاية الأمر مصالح قوى معينة تدافع عنها .
إن هذا الموقف السلبي تجاه السياسة يساعد عن وعي أو غير وعي السلطة على تهميش الأحزاب السياسية ، والمنظمات الاجتماعية ، وهو أمر خطير ، ولا سيما في العالم العربي ، فالأوضاع المتردية لأحزاب المعارضة ، يجب ألا توقعنا في الفخ فتحجب الشجرة الغابة ، فالبون شاسع بين السياسة بمعناها النبيل الهادفة إلى خدمة المجتمع وتقدمه ، وبين سوء السياسة الهادفة أساسا إلى أخفاء ما في الزوايا من خبايا .
ولا يحتاج الخطاب الثقافي إلى تأكيد أهمية الديمقراطية وبيان ضروراتها ، حيث تشكل تلك الأهمية القاسم المشترك لمعظم التيارات الفكرية والسياسية على الساحة العربية ، على الأقل في مستوى خطابها المعلن والرسمي . وإن اختلفت وجهات النظر في مقومات هذه الديمقراطية ومرجعياتها وسبل تحقيقها ، حيث يمكن القول إن الوعي المتزايد لأهمية الشرط الديمقراطي قد أضحى واحدا من سمات الثقافة العربية المعاصرة ، رغم بعض الاستثناءات ، وبدت محاولات إعاقة أو تأجيل هذا المطلب تضعف وتفقد مصداقيتها تدريجيا ، ولم يعد مستساغا القول بأولوية الوحدة أو العدالة أو التنمية ، بعد أن ثبت أن تأجيل هذا المطلب ووضعه في آخر قائمة الأولويات لم يسفر عن الإخفاق في تحقيق تلك الأهداف فحسب ، بل كان سببا في ذلك الإخفاق ، وهو بهذا المعنى قد ساهم في تفسيره .
وحيث إن المجتمع المدني يشكل الفضاء الذي تستطيع الثقافة أن تقوم بأدوارها ووظائفها من خلاله ، فإن الشرط المتمم لذلك إنما يكمن في قدرة هذه الثقافة على تحديد قضاياها ومشكلاتها وإمكانياتها في مواجهة التحديات التي تواجه العرب في القرن الحادي والعشرين . وقد بات جليا أنه بغير حرية الفكر والرأي وسيادة المناخ الديمقراطي ، تعجز الثقافة عن تحقيق تراكمها الضروري ، وارتياد آفاق البحث واجتراح الحلول ، فالثقافة والديمقراطية بهذا المعنى صنوان ، بمعنى أن منطلق الثقافة هو البحث المستمر عن الحقيقة ، والبحث عن حيثيات مناسبة للتفاعل مع المحيط طبيعيا كان أم اجتماعيا . ومن الواضح أن ذلك يعني مساءلة الواقع وارتياد مناطقه المجهولة والمهملة ، وهو أمر لا يستقيم بغير الحرية ، وامتلاك الرؤية النقدية التي يحتاجها أي جهد بحثي لا يركن إلى المعارف الجاهزة والإجابات السهلة أو الشائعة .
والديمقراطية بهذا المعنى ، ليست جاهزة يمكن استيراد نموذجها الليبرالي الغربي مثلا ، أو غيره من النماذج ، رغم أهمية الاستفادة منه ، من خلال التمييز بين المشترك والعام في الديمقراطية ، والخاص والمحلي فيها ، والعام في الديمقراطية هو أنها ذلك النظام السياسي الأكثر تعبيرا عن مقاومة الشعوب لضروب الظلم والقهر والتمييز ، والأكثر تجسيدا لتطلعاتها إلى الحرية والعدالة والمساواة ، بهذا المعنى يكون العام في الديمقراطية عنصرا مشتركا يتواجد في ثقافات الأمم والشعوب بدرجات ونسب متفاوتة . والديمقراطية في جوهرها ، إذا أمكن الحديث عن الجوهر ، تأكيد على حق الشعوب في تقرير مصيرها وصنع حياتها وفقا لرؤيتها ، وهذا ما يتم السكوت عنه غالبا ، بل وتقل أهميته عند الحديث عن الديمقراطية الغربية التي تصدر إلينا مصطبغة بمصالح صانعيها وأطماعهم .
ونحن هنا لا نقلل من أهمية الديمقراطية الغربية وتجربتها الخصبة ، بقدر ما نشير إلى الطابع المزدوج لحداثة الغرب ، فحرية الرأي والاحتكام إلى الشعب بالإضافة إلى المساواة السياسية والقانونية وصولا إلى التداول السلمي للسلطة استنادا إلى مبدأ الاقتراع المباشر أو التمثيلي ، تشكل إسهامات فعلية لتجربة الحداثة الغربية ، وهي بقدر ما تطمح لأن تكون أنموذجا كونيا يحتذى به ، بصيغ مباشرة أو مبطنة ، بقدر ما تقدم تجربتها التاريخية وعلاقتها مع بلدان العالم الأخرى ، والتي مرت بأطوار عديدة ، أولها الغزو العسكري وآخرها محاولات الهيمنة الشاملة على مقدراتها ومواردها ، تعد أنموذجا سلبيا يخلق الرفض ويلاقي الاستهجان والمقاومة عند أبناء الدول النامية .
لكن المجتمع المدني ليس ميدانا منفتحا على الاختلاف والتناقض بصيغة قانون الغاب ، أي بصيغة تذكر بتناقضات المجتمع الطبيعي السابق على العقد الاجتماعي ، بل هو حقل الإنتاج الاجتماعي بكل ما ينطوي عليه وجود البشر في هيئة اجتماعية منظمة ومنقسمة على ذاتها لإدارة وتسيير أمورها ، من علاقات وقوانين وصيغ تعمل وتدار وتراقب ويعاد النظر في آلياتها باستمرار .
إن طغيان الثنائية المجتمع المدني / الدولة ، في أدبيات المسألة منذ البداية حتى اليوم جعل البعض يقع في لبس ، بل قل في خلط ، فأصبحت الدولة تعني لديهم السياسية ، فذهبوا إلى القول : إن قوى المجتمع المدني يجب أن تكون مستقلة عن القوى السياسية ، بل ذهب بعضهم بعيدا قائلا : ينبغي أن تكون في الطرف المقابل للقوى السياسية ، وهذا في رأيي خطأ ، فكيف تستطيع أن تذود عن المجتمع المدني ، وعن مصالح مختلف الفئات الاجتماعية التي تمثلها دون أن يكون لها أثر ذو بال في شؤون السياسة ، فلا نغفل في هذا الصدد عن الإشارة إلى أنها تمثل في نهاية الأمر مصالح قوى معينة تدافع عنها .
إن هذا الموقف السلبي تجاه السياسة يساعد عن وعي أو غير وعي السلطة على تهميش الأحزاب السياسية ، والمنظمات الاجتماعية ، وهو أمر خطير ، ولا سيما في العالم العربي ، فالأوضاع المتردية لأحزاب المعارضة ، يجب ألا توقعنا في الفخ فتحجب الشجرة الغابة ، فالبون شاسع بين السياسة بمعناها النبيل الهادفة إلى خدمة المجتمع وتقدمه ، وبين سوء السياسة الهادفة أساسا إلى أخفاء ما في الزوايا من خبايا .