المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حوار صريح في قضايا حساسة (1)


إدارة التحرير
28-06-2004, 11:46 AM
حوار صريح في قضايا حساسة (1)
حوار مع الباحث عبد الواحد علواني
حاوره: علاء الدين آل رشي

السؤال 1:
العملية التربوية تحتاج إلى كثير من التجديد وعلى الرغم من موروثنا التربوي الرائد الذي يحذر من الاستنساخ التربوي ألا أننا نجد الوالدين يريدون من أبنائهم نسخا مكررة عنهم وقد قال عمر بن الخطاب ربوا أولادكم على غير ما ربيتم عليه فإنهم ولدوا لزمن غير زمانكم كيف نربي أولادنا على تقدير ذواتهم وعلى استقلاليتهم وما هي آلية ذلك؟
في الجانب القيمي يبدو لي أن التحول الاجتماعي وتغير الأزمنة كما يعبر عنه ببساطة، مسألة شائكة طوال التاريخ، فشكوى الأجيال السابقة من الأجيال اللاحقة لا يختص بها زمن أو بقعة جغرافية أو ثقافة معينة، وبقيت مسالة إشكالية لا تتخامد، وحتى في هذا العصر حيث يفترض بالمنجز الفكري في مجالات التربية وعلم الاجتماع والتحليل النفسي أن يخفف حدة الانتقاد، فإن واقع التنميط الثقافي الكوني يفرض تحديات أدهى وأمر مما يجعل البيئات الثقافية تنكفئ على نفسها وتحاول ممارسة رقابة وصرامة أكبر مع الأجيال الجديدة لئلا تنجرف مع الاتجاهات الجديدة.
ويبدو لي أيضاً أن الاتجاهات الجديدة المليئة بالقيم البديلة أو المغايرة تسبب المزيد من الرعب عند بيئات كبيئتنا لأنها تعني حقيقة التحول عن الهوية الخاصة إلى هوية أخرى بشكل يماثل تبديل المعتقد أو التحول من دين إلى آخر، بينما الاتجاهات الفارغة من المضمون والمتعلقة بمظاهر وشكليات لا ترقى إلى ذلك الرعب. مع أنها تهدد ببنية فارغة من الأهداف وربما ضائعة. بمعنى أن تكون الأجيال الجديدة تائهة غير متمايزة مقبول أكثر من كونها ذات ثقافة تغريبية مثلا.
الآن المسألة ما عادت في سياق تطور اجتماعي، إنما هي الآن رهن هيمنة إعلامية، ولئن كانت الرقابة بين الأجيال تتعرض لنظرات مختلفة سابقا، فإنها الآن تصبح ضرورة قصوى في راهننا، ولشرح الفكرة نعود أساسا إلى مفاهيم التنشئة التي هي تحويل الكائن البيولوجي الوليد إلى فرد يتمتع بخصائص ثقافية وفكرية وسلوكية تقارب خصائص المجتمع الذي يعيش قيمه وينتمي إليه، هذه العملية التربوية الشاملة تعني تشكيل هوية الفرد، وربطه بانتماء ديني ثقافي اجتماعي خاص. وكانت العملية تتم في المجتمعات التقليدية عبر شكل عفوي حياتي من خلال انخراط الفرد في المجتمع، إضافة إلى الشكل المؤسسي المتمثل في حلقات الكتاب أو إرسال الناشئة إلى البادية، حرصا على التعود على شظف العيش، وكذلك لفصل الأبناء عن الآباء لفترات يتعلمون خلالها مواجهة الحياة وقسوتها بعيدا عن طابع التنعم والتخفيف والرحمة الممارس من الوالدين عادة. أما في راهننا فالوسائل الإعلامية والقيم المصاحبة لأهم منتجات الحضارة المعاصرة من تقنيات، ووسائل الاتصال الحديثة، هذه الوسائل باتت تربي الأجيال الجديدة بدرجة مرعبة قد تصل في نسبتها العامة إلى ما يتجاوز النصف بكثير، أي أنها تكاد تنفرد بتربية الأجيال الجديدة، وهي تربية فكرية وثقافية وسلوكية، بل إنها تربية جمالية واجتماعية أيضا، بمعنى آخر فإن هذا الفرد مؤهل للانفصال التام عن مجتمعه، وهو مشروع اغتراب وعطالة كاملة..
وإذا كنا نميل إلى فسح المجال للأجيال الجديدة، لتختار اتجاهاتها الحياتية وأنماط معيشتها وأساليب تواصلها، بمعنى آخر شكل وجودها و حرية الدفاع عن خصوصيتها وهويتها، فإننا أيضا نميل إلى تكثيف الجهود والتدخل المكثف بوسائل مدروسة لمنع نشوء أجيال جديدة لا تشعر بأي انتماء لمجتمعها وتركض خلف القيم الاستهلاكية لعصر استهلاكي متسارع، وتنسى في غمرة انبهارها بالعصر وملامحه الجديدة كل قضاياها وأهدافها العامة والخاصة، ولذلك لا يمكننا أن نذر أولادنا وزمانهم، حتى لو لم يكن زمانهم زماننا، لأنه لن يكون زمانهم أيضا وهو بهذه الملامح المشوهة.
المرحلة دقيقة والخطورة قائمة وتنذر بضياع شامل، والوعي التربوي ضرورة أكثر من أي مرحلة، والحرص على التواصل مع الأجيال الجديدة أمر حيوي وأساسي للوقوف في وجه آلة التنميط الثقافي الجارفة.

السؤال 2:
في المشاريع التغييرية العربية المعاصرة هناك تغييب لمفهوم الطفولة وليس من تعويل على الأطفال ،ما هو سبب ذلك هل هو عدم مقدرتنا على التعامل مع الطفل أم لثقل العملية التربوية التي تخضع لموروث شعبي منهك بالقسر وقهر الإمكانيات؟
حقيقة تخضع الطفولة لمفاهيم و رؤى أقل ما يقال فيها أنها عاطفية إلى درجة مبالغ فيها، واعتباطية إلى درجة عبثية، وما زالت الطفولة خارج فهمها، مع أن المنجز التربوي في تراثنا و ما استجد من منجزات للحضارة المعاصرة في مجال فهم التنشئة وتعريف الطفولة وتوصيفها وإدراك أساليب التعامل معها وتوجيهها هي حقيقة إنجازات هامة وأساسية، ولكن هذه الإنجازات القديمة والحديثة لم تدخل في بنية الممارسة التربوية اجتماعيا، وما زالت الممارسة الاجتماعية مرهونة بفهم تقليدي عفوي، ومع الحياة المعاصرة التي تلقي بثقلها على أكتاف الأسرة المعاصرة نجد أن الوالدين قد غادرا المنزل أو انشغلا عن المنزل بمتابعة التلفاز أو الانشغال بالاتصال الهاتفي أو أي أمر آخر، ولذلك فقد الأمل في أن يكون هناك فهم لاحق، وان كان يقال إن الطفل الأول يربي الوالدين ليقوما بتربية بقية الأبناء، فإن هذا الأمر أيضا لم يعد موجودا، ولذلك من الطبيعي أن نجد أن أسرة فيها عدد من الأبناء الذين بلغوا وكبروا ولا زال الوالدان مشغولان ولم يتفرغا لتربية أبنائهما بعد، أن الموروث الشعبي على الرغم من كل العلل التي تنتابه، كان أكثر جدوى من الإهمال المعاصر.
والمشاريع التغييرية إسلاميا وعربيا تفتقد بالدرجة الأولى الجدية، ولذلك نجد أنها تبحث في ترتيب عالم الكبار دون أن تفقه أن عالم الصغار هو العالم القادم للكبار، وأي خطة طموحة وواقعية تحتاج إلى جيلين أو ثلاثة حتى تؤتي أكلها وخاصة عند الأمم المتخلفة عن ركب الحضارة المعاصرة، ومع ذلك لا يتم التوجه إلى عالم الأطفال إلا من قبيل المجاملة أحيانا وبنوع من النفاق الواضح للاتجاهات العالمية أو المجتمعات الأكثر تقدما، وما زلنا عاجزين عن فهم الطفولة كمفاهيم مستقلة وخاصة ومرحلية ولازلنا أيضا نراوح مكاننا في فهم حقيقة أساسية عبر أحدهم عنها تعبيرا لطيفا ودقيقا بقوله: أن الأطفال هم نصف الحاضرين، ولكنهم كل المستقبل! أين نحن من التخطيط للمستقبل ونحن نهمل الطفولة ونتركها تنمو على قارعة اهتماماتنا الاستهلاكية وانشغالاتنا الفنية والإعلامية والإعلانية.

السؤال 3:
يزعم سقراط أن العلم لا يعلم بل يكشف عن طريق الحوار كيف نسهم في دعم ثقافة السؤال والحوار عند أبنائنا بحيث نبتعد بهم عن كل أساليب التلقين والحشو إلى الرياضة الذهنية التي تعتمد على التحليل والنقد والمثاقفة .
عندما تكون الثقافة السائدة ثقافة تقليدية لا يمكن لها آن تفرز أساليب تربوية قائمة على الحوار والتبادل، وثقافتنا لا تزال تقليدية ولا تزال مليئة بعلل التوقيف والتعطيل والحذر من الاستقلال الفكري، كيف يمكن لهذه الثقافة أن تنتج عقلا محاورا، وكيف يمكنها أن تعلم الأجيال الجديدة الحوار وهي لا تتقن فن السماع بعد.
لا يمكن لثقافة الحوار أن تقوم بمعزل عن قابلية السماع، ولذلك يبدو لي عسيرا أي إنجاز بنيوي في هذا الإطار حاليا. وان كانت مؤشرات هامة تدل على الأقل على أن فهما جديدا يلوح في الأفق، فالحوار بدأ يشيع في مجتمعاتنا الآن، ربما بسبب الإعلام وربما تكون هذه أهم مأثرة للإعلام المعاصر الذي نفذ على أعماق نفوسنا وفكرنا ومجتمعاتنا. وخاصة الشعارات الرنانة والطنانة التي ترفعها الوسائل الإعلامية المعاصرة، فهي وإن كانت غير حقيقية فإنها على الأقل تكرس هذه المفاهيم كقيم عليا مستجدة على نحو واسع وجماهيري، ولكن هذه النهضة الإعلامية سرعان ما قضينا عليها بنزوات الرأسمال العربي الأحمق والوضيع والعديم المسؤولية، وخاصة في توجهه الرخيص نحو أعلام استهلاكي رقيع وخليع ومستهتر، مع إعادة إنتاج لقيم التميز والشهرة والنجومية بحيث باتت مرتبطة بالانحلال والخلاعة والاستهتار وفقدان الوجه والهوية. وكذلك في توجهاته الاستهلاكية الأخرى المتمثلة في الاستثمار في مجالات لا تنفع الأمة.
ثقافة الحوار لا تعني الاستهتار وإفساح المجال للرخيص والممجوج بغزو حياتنا، ثقافة الحوار ثقافة إنسانية أصيلة يجب إعادة تأسيسها على كل المستويات شرعيا وفكريا وثقافيا وتربويا واجتماعيا، ثقافة لا تقبل الادعاء، والاهم من كل هذا أن نؤسسها وننميها كثقافة أصيلة، وكسلوك إستراتيجي ودائم، لا كتكتيك مرحلي ينقضي بزوال الضعف‘ بحيث يكون الحوار سلاح المستضعفين فقط.
من المهم أن ننمي ثقافة الحوار مع كل ما يحيط بالطفل حوار مع الأقران حوار مع الأكبر والأصغر حوار مع البشر والكائنات الحية والجماد والطبيعة برمتها، حوار مع التاريخ والجغرافية والعلم والتراث والإبداع، حوار مع الفكر والإنسانية والنبوة، حوار مع الخالق والمخلوقات. هذ1 مفتاح الشخصية المتوازنة والحضارية والتي تصنع التاريخ الحقيقي للشعوب.

السؤال 4:
تربية المرأة يشير أحدهم إلى أننا وجهنا 80% من جهودنا نحو ظاهرها و20 % إلى عقلها وملكاتها الذهنية ما هي رؤيتكم حول تربية المرأة بعيدا عن أي قراءة تختزلها وفق مفردة جنسية وتقدمها كما حررتها الرسالة الإسلامية جناحا من أجنحة البناء والنهوض ؟
الجندر وفق الرؤية الإسلامية يتباين كثيرا بين تيار وآخر، ولا يمكن حسم هذه المسألة ببساطة، وإذا بسطنا الأمر فهذا يعني أننا ننتصر لأيديولوجيا معينة ولسنا جادين في حل المشكلة العويصة، لقد أصبحت المرأة عبئا على الثقافة الإسلامية في وقت متأخر مع أنها كانت من مميزات الإسلام ومدعاة للتفكير فيه والإيمان به كمدخل لهذا الدين، إن أي ادعاء بأننا نتعامل مع المرأة بعيدا عن التمايز الجنسي هو مجرد ادعاء فارغ، فلا زالت نظرتنا مفعمة بالذكورية المستنبطة من عهد الجواري والغلمان، ولا زلنا نتفاخر بفتات الحقوق التي نتفضل بها عليها، ولا زلنا نؤول النصوص والأحكام بفم جاهلي لا يرى في المرأة أكثر من آلة للمتعة، بل لا زلنا نربي المرأة على أن تكون آلة للمتعة ولفنون الإغراء والاستمتاع السقيم، وإذا فكرنا في وضعها المزري وحاولنا إصلاحه بالادعاء بأننا يجب أن نميل للحداثة دفعناها للتعري والانحلال، أن جوهر الأزمة في ثقافتنا النفاق في أهم القضايا والتحديات، ثمة أمم بأكملها داخل الدائرة الإسلامية مشغولة بالتفنن في اضطهاد المرأة وكتم أنفاسها، ثمة أمم تصرف طاقاتها وأموالها في ضبط هذا الأمر باسم الإسلام، ثمة من يطالب إلى الآن أن لا تخرج المرأة من منزلها إلا مرتين، مرة إلى بيت زوجها، ومرة إلى قبرها! ثمة من لا يزال مصرا على توجيه المرأة أن تلتزم جحرها كأعلى قيمة يمكنها أن تقوم بها، وثمة من لا يزال يعلمها من الصغر كيف تكون نعلا لزوجها.
مع الأسف نحن جعلنا ولاء المرأة للرجل أكثر أهمية من ولائها لربها، ولذلك أصبحت الأخلاق رهنا بالسلطة والهيمنة، لا بوازع داخلي ومراقبة للخالق، وهذا ما يجعل أكثر البيئات التزاما تتعرض لهزات ماحقة لا تختلف عما تتعرض لها البيئات المفتوحة.
تربية المرأة مدخل هام إلى بناء شخصيتها المستقبلية، علينا أن نقدم المرأة على أنها لا تتخلف عن الرجال في صفوف الصلاة لعلة فيها بالضرورة، بل من المرجح أن يكون هذا لعلة في ذهنية الرجل الاختزالية والمائلة باضطراد جهة النزوات والشهوات. لذلك لا يضيرها أن يكون الرجل أمامها وهي تتعبد خالقها، بينما يشك كثيرا بخشوع الرجل وأمامه امرأة تصلي!
الثقافة التي تراقب حركات وسكنات الأنثى منذ أن تكون رضيعة إلى تصبح جدة ثقافة مريضة، الثقافة التي تحصي عليها أنفاسها ودقات قلبها ثقافة غبية لا تمت لدين عظيم كانت له حضارات. هذا الجندر القميء لا يمت للشريعة بصلة، فالجندر الإسلامي جندر بيولوجي تكويني، وليس جندرا أخلاقيا، ولا تمايز في الثواب أو العقاب بين ذكر وأنثى إنما التمايز يكون في فوارق أخرى لا علاقة للاختلاف الجنسي بها، فعقوبة الزناة لا تختلف بين رجل وامرأة بين شاب وفتاة، ولكنها تختلف بين كون المرء عزبا أو متزوجا.
لذلك فإن مراجعة ثقافتنا التقليدية في تنشئة البنين والبنات تحتاج إلى مراجعة شاملة، ويجب إلا تترك للتقليد الأجوف الذي ما زال يصر على اضطهاد المرأة.