المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إدوارد سعيد؛ الثقافة بوصفها صانعةً للتاريخ


د.اسماعيل نوري الربعي
23-01-2006, 06:02 PM
"((ولدت وترعرعت في الغرب حيث أعيش اليوم، ومع أنني أشعر وأنا فيه شعور من هو في بيته، فإنني ظلت كأصلاني من العالم العربي والإسلامي، امرؤا ينتمي في الوقت ذاته إلى الجانب الآخر. ولقد أمكنني هذا الوضع بمعنى ما من أن أعيش على كلا الجانبين، وأن أسعى للتوسط بينهما))". إدوارد سعيد


الفاعل الثقافي

لا يتوقف أمر العناية بكتاب "الثقافة والإمبريالية"، عند الإفراط بالاحتفالية التي تثيرها كم الأفكار والمعالجات اللامعة لتقصّي وتفحّص العلاقة القائمة ما بين طرفي العلاقة، واللتان جعل منهما "سعيد" الأدوات والوسائل من أجل تفكيك عرى العلاقات التي طبعت الظاهرة الكبرى، إلى الحد الذي تكلست فيه عند المقولات المكرورة والتقليدية. ولا يتوقف الأمر عند حدود الجرأة والجدية الطافحة التي تميز هذا الجهد الفكري الباذخ، بقدر ما يكون الانطواء على هذه الحدة العميقة في صلب "الوعي التاريخي". وإذا قيض لنا الوقوف على المعطى التاريخي، فإن الأصل هنا لا يتعلق بالاندراج في ترصّد المعلومات أو سعة الملاحظات والمقارنات والمتابعات التي اجتهد فيها المؤلف. ولا يكون التركيز عند مجال المضامين التي يحتويها الكتاب؛ بل أن السعي يتطلع نحو تقصي نظام الخطاب ومحاولة الوعي بآليته، حيث الأهمية الكامنة في تحليله، والتشكلات التي يمكن الدرس في صلبها.

تكشف بنية الكتاب عن الحدة العميقة التي تترسم معالم العلاقة الثقافية، من دون الوقوع تحت براثن التحقيب الساعية إلى الولوج في متاهات التاريخ التقليدي، أو توجيه العناية نحو الوحدات الكبرى أو الفرعية، أو السقوط في المباشرة التي تفرضها تحديدات وجهة النظر والركون إلى موقع محدد، يتم من خلاله توجيه أدوات الاستقراء في الظاهرة. فالخلاص من المواقف الجاهزة، يمثل السمة الرئيسة في جهد "سعيد" المعرفي حيث التوق الصارم نحو التفحص والبحث العميق نحو لذة الاكتشاف. ولعل التحليل المباشر في الوحدات الفرعية المنضوية في وحدة الكتاب الموضوعية، يكون الإفصاح عن العناية البالغة في دراسة الظاهرة الإمبريالية، من خلال إخضاعها لآليات التغيير الثقافي والذي بقي يعاني الإهمال، باعتبار هيمنة العوامل السياسية والاقتصادية في تفسير الظاهرة.

تبرز أهمية الكتاب في قدرته على الخروج عن فضاء الإخضاع والهيمنة التي تفرضها سطوة القوى. والأمر لا يتعلق بتورخة أو السقوط في دوامة البحث عن السلاسل الزمنية الملازمة للنتاج الإبداعي والروائي الصادر عن الوسيط الثقافي الإمبريالي، بل التطلع هنا يبرز من خلال توجيه الرؤية نحو الاتساع في الوعي التاريخي، باعتبار البحث عن دور الفعل الثقافي في صناعة التاريخ. ولا يتوقف الأمر عند تحديد هذه العلاقة بل يتخطاه نحو البحث في دالة التفاعل، مع الفاعل الثقافي بوصفه مكافئاً للفاعل السياسي والاقتصادي في تصنيع وتهذيب وتشذيب الظاهرة الإمبريالية. وعليه فإن عقدة الكتاب تقوم على الوقوف على الثقافة بوصفها فاعلاً رئيساً في حفز الفعل التاريخي داخل المنظمة الإمبريالية، التي قيض لها أن تبسط حضورها على الواقع بكل قوة.


طريقة التفاعل

من أجل الوقوف على ملامح الكشف داخل بنية النص، ينبغي توجيه العناية نحو تقصّي انتظام الخطاب ومحاولة الإفلات من هيمنة تحليل المضمون التي فرضت بحضورها على مجمل القراءات المتعلقة بالوعي التاريخي. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية التنبه إلى نظام اليقين الذي يفرض بحضوره على مستوى النصوص المبثوثة داخل الكتاب، حيث يسعى نحو الكشف عن ملامح العلاقة القائمة ما بين الأفكار الرئيسة الداخلية والنظام العام والشامل "الكلياني" الذي يبحث فيه المؤلف. فالأمر لا يتوجه نحو ترصّد وثيقة قابلة للعرض أو حتى التفحص النقدي، باعتبار العناية بدلالة الخطاب أو الأفكار العامة التي تمهد لظهور خطاب ما، كأن يكون أدبياً أم سياسياً، أو حتى اقتصادي. بل أن الغاية تترسم الممارسة الخطابية الخاضعة لقواعد وأسس بحثاً عن الجوهري الكامن فيه. ومن هذا المعطى الفكري. قيض لسعيد الإمساك بشرط البحث المعرفي داخل الخطاب الثقافي والعمل على تحليله من خلال الولوج في دراسة شكل أدبي بعينه ممثلاً "بالرواية"، والعمل على التقصي في مجال اللغة وطريقة التفاعل مع الموضوعات التي ميزت جهد المبدعين "الروائيين". والإمساك بلحظة إنشاء الخطاب والنظام الذي يكشف معنى العبارات في إطار الظرف المحيط بصدوريتها.
إنه البحث في الاستغراق الغربي من أجل توجيه الجهود نحو السيطرة على الأقوام النائية المحملة بعبء الإنشاء المستند إلى التخلف – التأخر. وهو التمثيل المستغرق في التوصيف لهذا الآخر، وتحميله عبء الأفكار التي عنت على هذا الغرب المتقدم، بإزاء مجتمعات بدائية لا تملك من الحضور سوى الفتات المقيت، وعليه فإنها يجب أن تكون خاضعة لفكرة السيطرة من خلال ممارسة جميع أشكال القوة والإكراه والقسر. ومن هذا التوسيع لمجال الفوارق والاستغراق في إنشاء الفواصل، ذات التعيينات الحضارية. يكون الاصطناع للجهاز المفاهيمي، حيث التطلع نحو إنشاء صورة لعقل الآخر، وتوظيبه في نطاق شديد المحدودية.

التنميط الذي استغرق فيه الذات الغربي، باعتبار توسيع مفهوم السيادة باعتبار الفاصل الحضاري، لم يكن يقيه من ظهور المقاومة المباشرة، والتي لم تتوقف عند مجال الاستجابة العسكرية، بل تخطته لتشمل المزيد من أشكال المقاومة على صعيد الثقافة، حيث التطلع نحو التمسك بالهوية الوطنية ورموزها المختلفة، والعمل على إحياء العوامل الداخلية، باعتبار توجيه الاستجابة بفاعلية تكون بقدر حجم المثير والتحدي الذي فرضته حركة المستعمر الزاحف من أقاليم ما وراء البحار. وإذا كان الإصرار على تأجيج حدة التباين الذي لجأ إليه المستعمر، إن كان على صعيد الذات والآخر، أو محاولة توسيع حدة الفواصل داخل المجتمعات التي تم التخطيط لإخضاعها. فإن المقاومة بقيت تعيش المخاضات المتنوعة والأطوار المختلفة.


الاندراج في الفضاء الغربي

على الرغم من الإقرار الشديد الوضوح الذي يضعه سعيد، حول الأهمية الحاسمة للسرد، في ترسيم معالم قراءته لواقع الممارسة الثقافية التي صدرت عن الغرب الإمبريالي. والتوكيد الضافي على ((أن القصص تغدو الوسيلة التي تستخدمها الشعوب المستعمرة لتأكيد هويتها الخاصة ووجود تاريخها الخاص"))إلا أنه يبقى خاضعاً لاستثارة الاستجابة الأحادية، ذات المصدرية الغربية. فنظام التسمية للشكل الأدبي "الرواية" التي يجعل منها أداة الاستقراء، تأتي في تنويعات متتالية على نمط؛(( رواية، قصص، سرد، أدب، مرويات)). حيث النظير اللفظي يبقى مندرجاً في الفضاء الثقافي الغربي، هذا بحساب العيش والشعور الذي عاش في كنفه سعيد. فيما يكون الخوض في موضوعة المقاومة والمعارضة واقعاً تحت إسار ذات الفضاء، حيث البحث عن سمات التأثير الفني والوقوف عند الشكل الروائي باعتباره نتاجاً غربياً محضاً، بحساب الترصد في النتاج الثقافي الصادر عن الأصلانيين، بل أن التحدي الثقافي الذي يترصده من قبل الشعوب الخاضعة للسيطرة، إنما تنبع من واقع المنجز الخاضع للشكل المعياري الذي رسمه الغربي، ليكون الالتحام مع العالم، والاستنطاق في مجال التعريف بالذات.

إذا كان التوصيف قد استغرق في المواجهة الثقافية، انطلاقاً من ترصد ملامح ظهور بعض الأصوات الغربية الجريئة، والتي تحملت وزر اتهام الذات، باعتبار اقتراب البشاعة والعمل على مواجهة الذات، فإن الأمر يبقى دائراً في فلك الإشارات المبتسرة إلى واقع روح المقاومة والانتفاضات التي شملت المزيد من المناطق التي تعرضت للسيطرة الاستعمارية، لكن الإنشاء يكون موغلاً بالتوصيفات ذات النزوع المهيمن، والتي يكون الإنشاء فيها وقد اتخذ توصيفات من نوع؛ "((الاندفاع، الكراهيات، الرجل الأبيض")) حيث يكون التطلع نحو إلى ترسيم معالم الموقف الصادر عن المقاومة المنظمة. ولعل الملفت في الأمر يكمن في التركيز على مجال الاستجابة الصادرة عن المجتمعات التي تعرضت للهيمنة، والتي استمدت المزيد من معالم مقاومتها وأدوات المواجهة، من خلال النهل من ثقافة الغازي، الذي وجد نفسه وقد أفلت زمام التوجيه من يديه، باعتبار التفاعل الثقافي، الذي لا يمكن التكهن بالعواقب وليس النتائج التي تنجم عنه.

تراث الحرية الغربي، الذي تشرعنه المسوغات الثقافية، يجعل من سعيد واقعاً في تداخلات الخذلان والفقد حول دقة الحس التاريخي بالواقعات وطريقة تمثلاتها، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالمواجهة المباشرة بين المجتمع الخاضع الذي راح يستمد موجهات المقاومة فيه من خلال استدعائه للمؤثر الغربي المستند إلى فكرة الحرية. إلا أنه من جانب آخر يعمد إلى المسارعة وبابتسار ملفت للإشارة إلى تراث المقاومة الذي تحمله الثقافات الأصلانية بإزاء القوى الإمبريالية، لكن القاسم المشترك الذي يعمل على استحضاره وسط هذا التشابك يقوم على "((الأرضية المشتركة التي توفرها الثقافية))".


إعادة الترميم

من واقع الترصّد للهجنة الثقافية، والتي تكون بمثابة النتاج عن حالة التوكيدات الصادرة عن الذات تحت وازع ردة الفعل بإزاء الآخر. بل أن الاستغراق في ترسيم معالم التاريخي على حساب التاريخ، حتى ليكون الأمر وقد خرج عن مساره المأمول حيث التطلع نحو توكيد التجربة الإنسانية وإمكانية القدرة على التفاعل والتطور. ولعل الانغماس في الفعل المجزوء الخالي من ميكانزمات الفعل والغايات الكبرى فيه، يجعل من الغربيين –الامبرياليين، في موقع شديد الرجحان بامتلاك التاريخ، إلى الحد الذي تكون جهود النتاج الثقافي الصادرة من قبل الأصلانيين، إن كان على مستوى التنقيح أو محاولة التعامل مع نصوص ذائعة الصيت، إنما تكون واقعة في إسار التأثير السياسي والثقافي لهذا الآخر، الذي تتبدى لمساته في الكشف. ولا يقف الأمر عند هذا المجال، بل يتخطاه نحو مجال تدشين الخيال، إلى الحد الذي تكون فيه نتاجات وإبداعات الأصلاني .