د.سكينة بوراوي
28-02-2006, 08:58 AM
بحكم موقعي كمديرة لمركز المرأة العربية للتدريب والبحوث - كوثر، فإن نقطة الانطلاق الطبيعية لمقال حول الموضوع هي السؤال المزدوج التالي :
0 إلى أي مدى يسهم الإقراض الصغير والمتناهي الصغر في تمكين المرأة؟
0 وما هو الدور المفترض لمركز مثل كوثر، من أجل تحسين فعالية برامج الإقراض الصغير الموجهة للنساء، بحيث تزيد من فرص تمكينهن؟
والإجابة على هذا السؤال تتطلب أولا تناول بعض النقاط الأساسية المتعلقة بالغاية المفترضة لبرامج الإقراض الموجهة للنساء وخصائصها وجدواها، والمتعلقة أيضا بتحديد من هن النساء المعنيات ببرامج الاقراض هذه. وفيما يلي بعض الأفكار والأسئلة التي تقع في صلب موضوعنا، حسب اعتقادي.
أهداف مشاريع الإقراض
ربما يمكن القول إن الغاية النهائية المعلنة لبرامج الإقراض الصغير والمتناهي الصغر هي المساهمة في مكافحة الفقر من خلال توسيع فرص الحصول على الموارد المالية للفئات الأقل حظا، وتمكين فئات جديدة من السكان من الدخول الى سوق العمل والنشاط الاقتصادي وبالتالي الحصول على دخل يسهم في تحسين مستوى معيشة الفرد وأسرته. وعلى الصعيد العام، فإن هذه العملية تساهم في الإنتاج والنمو الاقتصادي وفي التنمية بشكل عام.
وتحت هذه الغاية النهائية، تتدرج مجموعة من الأهداف الوسيطة التي يفترض أن تساعد في بلوغها، ومنها على سبيل المثال:
0 توفير نظام إقراض مواز أو مكمل للفقراء والفئات الأقل دخلا والتي تنقصها الضمانات التي تمكنها من الاقتراض من المصارف،
0 تعويض الممارسة التمييزية ضد المرأة في أنظمة الإقراض العادية،
0 توفير فرص عمل جديدة من خلال الإقراض الهادف إلى إنشاء مشاريع إنتاجية صغيرة ومتوسطة، وخصوصا للنساء والشبان الوافدين حديثا إلى سوق العمل ولا يملكون موارد كافية،
0 المساهمة في مكافحة الفقر، وخصوصا الناتج عن التحولات والإصلاحات الاقتصادية أو عن صدمات أدت إلى توسع البطالة أو الفقر،
0 تحفيز توسع علاقات السوق، ونشر روح المقاولة والمبادرة الفردية، والعمل المستقل الذي تزداد الحاجة إليه في ظل الاتجاهات السائدة لتقليص دور القطاع العام،
0 تمكين المستفيدين، ولا سيما النساء، من خلال زيادة قدراتهم الاقتصادية المباشرة مع افتراض زيادة قدرتهن على المشاركة في اتخاذ القرار على المستويين العام والخاص...الخ.
هذه بعض الأهداف، ويمكن تعزيز القائمة. ولكن ما تجدر الإشارة إليه هو أنه لكل برنامج إقراض في الممارسة الفعلية عددا محددا من هذه الأهداف، لا كلها. وفي ضوئها تتحدد الفئات المستفيدة والأولويات وآليات العمل في البرنامج. والشكل الشائع لهذه البرامج، هو إعطاؤها أولوية لفئات سكانية محددة (نساء، شبان يبحثون عن عمل لأول مرة، مناطق ريفية..)، أو لمجالات أو أنواع محددة من المشاريع (زراعة، خدمات معينة..). أما البرامج ذات الطابع الشامل فهي أقل شيوعا لأسباب كثيرة، أهمها أنها تتطلب توفير موارد كبيرة لكي يكون لها تأثير معقول. وفي خضم هذا الواقع، فإن الترابط بين الأهداف الوسيطة نفسها، آو بين الأهداف الوسيطة والغاية النهائية، تضعف وتتراجع إلى مصاف ثانوي، ولا يبقى في الواجهة إلا الهدف المباشر فقط. وبالتالي يضيع معيار التقييم أو يكاد، وكذلك تغيب المرجعية التنموية العامة، وتزداد أهمية الجوانب الفنية والعملية في النظر إلى هذه البرامج وتختزل جدواها وفعاليتها في الجوانب المحاسبية وسرعة اكتمال دورة الإقراض والتسديد.
من هن النساء المعنيات ببرامج الإقراض؟
لقد تعرض تقرير تنمية المرأة العربية الأول الذي أصدره كوثر عن العولمة أثرها على المشاركة الاقتصادية للمرأة، لاختيارات المرأة في النشاط الاقتصادي. وقد وجد ميلا راجحا لدى النساء العربيات إلى تفضيل العمل المستقر في وظيفة في القطاع العام، ثم القطاع الخاص، على العمل لحسابها الخاص. وإذا كان العمل في المهن الحرة ذات القيمة الاجتماعية المرتفعة لقي بعض القبول، فإن النساء العربيات لا يعتبرن العمل في مشروعات خاصة ضعيفة المردودية من خلال الاقتراض إلا بمثابة خيار أخير تدفعن إليه قسرا عندما لا تكون أمامهن خيارات أخرى.
هذا الاستخلاص الهام ينطبق أيضا على المراهقين والمراهقات العربيات إلى حد كبير كما بين تقرير كوثر الثاني عن الفتاة العربية المراهقة. وهاتان النتيجتان غير مفاجئتين وتتوافقان مع دراسات قامت بها جهات أخرى، كما أنها تتوافق مع الملاحظة الدقيقة لواقع مجتمعاتنا، وإن كانت ظاهرة عمل النساء في المجتمعات العربية تتوسع بشكل عام، إلا أنها تتسم بالتفاوت الكبير بين بلد وآخر، وبين مجال عمل وآخر، وتتدخل فيه عوامل كثيرة تجعل إمكانية التعميم محفوفة بخطر الوقوع في خطأ التبسيط وإغفال الأسباب الفعلية في حركة هذه الظاهرة. ويمكن إرجاع محدودية العمل المستقل (للرجال والنساء) لأسباب عديدة متفاوتة الأهمية بين بلد وآخر، منها:
0 ضعف ثقافة السوق في البلدان ذات الاقتصاد الدولتي،
0 ضعف مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي،
0 ضعف الادخار الخاص، وقصور نظام الإقراض،
0 وجود تعقيدات إدارية وتشريعية وبيروقراطية تعيق تأسيس عمل خاص وإدارته والانسحاب منه بشكل سهل نسبيا،
0 انخفاض نسبة الأمان والاستقرار في الاقتصاد وفي سوق العمل مما يزيد من المخاطر ويضاعف الآثار السلبية لأي فشل اقتصادي،
0 الأهمية الكبيرة التي لا تزال مجتمعاتنا تعطيها للقيمة الاجتماعية للعمل ضمن المنظومة الثقافية السائدة،
إن الأهمية النسبية لهذه الأسباب تتفاوت بين بلد وآخر. ولكننا نعتقد أن السببين الأخيرين هما السببان المشتركان بين البلدان العربية وهما الأكثر أهمية والأكثر أثرا على فعالية برامج الاقراض، واقراض النساء بشكل خاص.
في هذا السياق، فإن النساء المعنيات بالدرجة الأولى ببرامج الإقراض يتشكلن في ثلاث فئات وهي :
1- الفئة الأولى، هي فئة النساء صاحبات الأعمال من المقتدرات اقتصاديا، ومن ذوات المكانة الاجتماعية المعترف بها.
2- الفئة الثانية، هي فئة النساء المهنيات من المتعلمات والخريجات الجامعيات (طبيبات، مهندسات، أستاذات جامعيات، محاميات...)، وهذا النوع من الأعمال مستقل بطبيعته عموما، والعاملات فيه غالبا لا تشملهن برامج الإقراض في أولوياتهن مثل الفئتين الأخريين.
3- الفئة الثالثة، هي فئة النساء الفقيرات والمهمشات أحيانا في الريف والضواحي والأحياء الفقيرة في المدن. وهي فئة تعمل في مجالات الزراعة والخدمات وإنتاج السلع بأسلوب حرفي، وهي بشكل عام (ما عدا بعض الحالات الخاصة) أنشطة ذات دخل منخفض، وتقع في القطاع غير الرسمي أو غير المهيكل، ولا توفر للنساء العاملات فيها أية ضمانات أو تأمينات اجتماعية أو صحية.
من الناحية العملية إذن، يذهب معظم الإقراض الصغير المخصص للنساء للفئتين الأولى التي تتكون من نساء ينتمين إلى الفئات الوسطى وما فوق، وعددهن قليل نسبيا؛ والثالثة أي النساء الفقيرات والمهمشات اللواتي بقعن مواقع متدنية من سلم النشاطات الاقتصادية واللواتي يشكلن الأكثرية.
وفي واقع الأمر، فإن دوافع لدى هاتين الفئتين تختلف، وكذلك الأثر الاقتصادي والدلالة الاجتماعية لانخراطهن في سوق العمل، وسوف يكون من باب الخطأ إجمالهن ضمن مفهوم واحد. ومن حيث المبدأ، فان النساء العاملات لحسابهن الخاص من الفئة الميسورة نسبيا هن أقرب إلى مفهوم سيدات الأعمال أو المقاولات entrepreneur، وبشكل نسبي.
أما إطلاق هذا المصطلح على الأغلبية من النساء الفقيرات اللاتي يقمن بأعمال مستقلة هامشية أو قليلة الدخل، فانه أمر يفتقد إلى الدقة وقد يدفع إلى استنتاجات خاطئة. وفي الحالتين لا بد من التعامل مع هذا المفهوم بشكل ناقد، بما في ذلك بالنسبة للفئة الأولى أيضا.
سيدات الأعمال والتمكين
إن المقاول entrepreneur ليس مجرد شخص يقوم بعمل دون مضمون اجتماعي وثقافي محدد. فالأمر يتعلق في حقيقة الأمر بفكرة المبادرة الفردية في النشاط الاقتصادي، وبفكرة المخاطرة، وبفكرة بناء مشروع قابل للتوسع ويسير وفق منطق العقلانية الاقتصادية وحساب الجدوى والحوافز. إنه يتضمن بعدا ثقافيا وسلوكيا، وهو مقيم اجتماعيا باعتباره عامل تطوير وتغيير دائم في المجتمع من خلال التجديد الاقتصادي والمبادرة للاستجابة للمتغيرات. وبهذا المعنى فإن له بعدا تمكينيا لأن مردوده الاقتصادي مرتفع، ولأنه يشكل تجسيدا لقيمة ثقافية واجتماعية رفيعة تجعل من صاحب الأعمال عضوا في فئة اجتماعية مقررة في الاقتصاد والمجتمع.
ولكن في حالة سيدات الأعمال في مجتمعاتنا العربية، فإن الدوافع للاقتراض وتأسيس عمل خاص تتراوح بين ما يشبه الوصف السابق (أي البحث عن تحقيق الذات وتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي من خلال المشروع الاقتصادي)، وبين أسباب أخرى مختلفة تماما. ويمكن أن نجد بين الدوافع الأخرى حالات تتفاوت بين تأسيس عمل خاص للخروج من المنزل وتلافي الملل، إلى التشاوف الاجتماعي والبحث عن مكانة معينة "برستيج" وتأسيس جماعة عصرية متشابهة الاهتمامات، إلى التجاوب مع تشجيع صادر عن جهات دولية أو حكومية بغرض تقديم صورة مختلفة عن وضع المرأة والظهور بمظهر المستجيب مع تطورات العصر، إلى مجرد الاستجابة لعرض القروض في السوق إذ طالما هذا العرض متوفر في سوق المشاريع الإنمائي فهو يولد طلبا عليه دون أن يكون بالضرورة ناجما عن حاجة فعلية لدى المستفيد الذي يكون لسان حاله : "طالما أن هناك مشاريع قروض متوفرة فلما لا أستفيد منها، فليس هناك خسارة في أي حال، وقد أستطيع تحسين وضعي".
هذا لجهة الدوافع، أما لجهة التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء المتقرضات، فمما لا شك فيه أن تمكين النساء من الاقتراض وتأسيس عمل خاص بهن، له بالتأكيد مفاعيل ايجابية لجهة تحسين وضع المرأة وتعزيز قدرتها على ادارة حياتها الخاصة والمشاركة الاكثر فعالية في حياة الأسرة والمجتمع. فالموارد المالية والاقتصادية التي تتاح لها، والخبرة الإدارية والحياتية التي تكتسبها خلال العمل تسهم في تطوير قدراتها وشخصيتها وتوسيع آفاقها وخبراتها، وهو أمر يزيد من ثقتها بنفسها ويحسن موقعها. ولكن هذا الوصف يصح وينطبق بشكل عام، وهو لا يؤدي بشكل تلقائي إلى تمكين المرأة تمكينا حقيقيا بحيث يؤدي إلى تصحيح الخلل الكبير في التوازن في الدائرتين العامة والخاصة. إن تحول قدرة المرأة على إنشاء مشروعها الخاص إلى تحول محسوس في مكانتها الاجتماعية وفي الثقافة السائدة يكون له اثر على تقليص الفجوة القائمة بين النساء والرجال في المجتمع وفي والاسرة، يتطلب توفر شروط اخرى ذات طابع تشريعي واجتماعي وثقافي وارادة سياسية مستقرة، وهذه كلها أمور غير تلقائية كما أشرنا، وغير متاحة بالضرورة. ولا يقلل من أهمية ذلك وجود حالات فردية من الانتقال من النشاط الاقتصادي إلى التمكين المتكامل، إلا أن العوامل التي أدت إلى ذلك قد تكون كثيرة ومتعددة، كما أن أي بحث يجب ان يأخذ بعين الاعتبار دراسة الظاهرة في اتجاهها العام بالدرجة الأولى، وتوظيف دراسة الحالات الفردية من اجل فهم افضل لآليات الانتقال الناجح هذا، لا استخدام حالات النجاح الفردي لتعطيل البحث المعمق في أسباب بقائه نجاحا فرديا في وضع عام اقل إيجابية.
لذا فان الفكرة التي ندافع عنها هنا، هي ضرورة النظر بشكل متكامل إلى دور الإقراض بالنسبة إلى تمكين النساء سيدات الأعمال، وضرورة أن لا يجري إغفال أن الأمر يتعلق بإيجاد بيئة اجتماعية وثقافية وسياسية وتشريعية تساهم في إجراء تحول قيمي وسلوكي وعملي في المجتمع يسهل التحول من الانخراط في النشاط الاقتصادي إلي التمكين الشامل للنساء والرجال أيضا.
تمكين النساء الفقيرات من خلال الإقراض
إن التأثير الإيجابي العام للاقتراض على تمكين المرأة هو أكثر صعوبة في حالة النساء الفقيرات المهمشات. فمن جهة أولى العمل الذي تتمكن النساء من إطلاقه من خلال الاقتراض غالبا ما يكون ذو دخل متواضع، وفي قطاعات هامشية، ويتطلب جهدا كبيرا، كما أنه ليس مترافقا مع اي شكل من اشكال الحماية الاجتماعية. وإذا أردنا استخدام مفهوم "العمل اللائق" الذي تعتمده منظمة العمل الدولية، والذي يفترض أن يترافق العمل مع مردود اقتصادي ومالي مقبول ومع توفر الضمانات الأساسية واحترام حقوق العاملين، فإنه يصعب القول إن هذا المهفوم ينطبق على بعض أنواع العمل والمشاريع التي تمول من خلال القروض الصغيرة والصغيرة جدا المخصصة للنساء الفقيرات.
من ناحية أخرى، فإن الإطار الاجتماعية والثقافي، ومواقع وطرق اتخاذ القرار والتحكم بموارد الأسرة غالبا من هي في صالح الرجال. وبالتالي فإن عمل المرأة لا يؤدي بالضرورة إلى تمكينها بقدر ما يعتبر من قبل الأسرة ورجالها مصدر دخل إضافي، وهو أمر مفيد دون شك، ولكنه لا يؤدي إلى تمكين المرأة لا في أسرتها ولا في مجتمعها إلا إذا توفرت شروط أخرى لا علاقة لها بالعمل مباشرة. ففي غياب هذه الشروط، وفي ظل عدم توزيع الأعباء المنزلية على أفراد الأسرة الرجال خصوصا، فإن عمل المرأة يصبح عبئا إضافيا يضاف إلى عبء العمل المنزلي الذي يبقى على عاتق المرأة العاملة، أو قد يتحول جزء منه إلى إحدى البنات في الأسرة. كما أن مدخول العمل يوضع بتصرف الأسرة مع عدم التأكد من قدرة المرأة على التأثير بفعالية كبيرة على كيفية استخدامه. إضافة إلى أن الدخل، أصلا، هو دخل منخفض ويخصص للغذاء ومتطلبات تجديد العمل، مع احتمال اقتطاع جزء متفاوت منه من قبل الزوج أو الأب.
إذا ربطنا هذا التحليل بما سبق ذكره من تراتبية خيارات النساء الفقيرات، فعلينا أن نتوقع أن النساء لا ينظرن إلى الاقتراض والعمل في مشروع مستقل كوسيلة لتحقيق الذات والتمكين، بل إنه أمر لا يتم بخيارهن أحيانا كثيرة، بل هو نشاط قسري تفرضه ظروف المعيشة الصعبة. ولكن من ناحية أخرى، يجب لفت الانتباه إلى أن المفاعيل التمكينية للاقتراض والعمل المنتج، قد يكون لها طابع موضوعي بغض النظر عن كونها كانت ضمن دوافع المرأة نفسها عندما لجأت إلى الاقتراض وبدأت العمل. وبالتالي فإن التمكين قد يحصل وإن بشكل جزئي ونسبي بغض النظر عن وعي ذلك من قبل النساء الفقيرات. ويجب أن لا نغفل أن هذا الأمر قد يتجلى بشكل غير واع وغير مقصود في احتمال حصول توترات داخل الأسرة بين الزوج والزوجة العاملة، أو بين الأهل والابنة العاملة.
ما العمل إذن؟
إن ما سبق أن ذكرناه من ملاحظات واستنتاجات مستند إلى دراسات متفرقة وتعليقات وأوراق عمل عديدة ذات علاقة بالاقراض الصغير والمتناهي الصغر. ولكن لا يسعنا الزعم بأنها استنتاجات دقيقة مستخلصة من دراسات تقويمية معمقة وشاملة لبرامج الإقراض. فنحن أحيانا نجد دراسات وأراء تميل إلى نقد هذه التجربة وتعتبر أن مفاعيلها التنموية وأثرها الملموس على مكافحة الفقر هو موضع تشكيك. في المقابل، سوف نجد أراء أخرى ترى أنها تحقق نجاحات كبيرة. لذلك فنحن نعتقد بوجوب القيام بدراسات معمقة وناقدة لتقييم أثر برامج الإقراض على مكافحة الفقر والتنمية على تمكين النساء، مع التأكيد على ضرورة أن تجري هذه الدراسات جهات ذات كفاءة ومحايدة وغير مرتبطة بمؤسسات الإقراض.
وفي ما يلي بعض الاقتراحات التي نعتقد أن من شأنها أن تساعد في تحسين أداء برامج الإقراض:
1- إن فعالية برامج الإقراض تكون محدودة إذا كانت برنامجا معزولا عن تدخلات أخرى. لذلك نقترح أن تعطي أهمية اكبر لدمج برامج الإقراض مع تدخلات تنموية أخرى. وما نقصده يتجاوز الربط بين تقديم القرض والتدريب وإنشاء حاضنات الأعمال..الخ، فهذه التدخلات هامة جدا وضرورية وهي تزيد من احتمالات نجاح المشروع وتمكن النساء المقترضات لجهة تطوير قدراتهن على إدارة مشروعهن وتحسن فرص نجاحه من الناحية المالية والاقتصادية، ولكننا نقصد أن يجري الربط بين برامج الإقراض لفئة سكانية معينة أو لمنطقة معينة مع برامج تنمية موجهة لهذه الفئات أو المناطق، بحيث يساعد هذا الترافق بين التدخلات في تحسين شروط نجاحها المشترك.
2- تشجيع النساء المقترضات عن إطلاق مبادرات لتبادل المساعدة وتعظيم إمكانيات النجاح. على سبيل المثال نقترح قيام نوع من التوأمة بين النساء سيدات الأعمال من الفئة الأولى مع نساء مقترضات اللواتي ينتمين إلى الفئات الفقيرة والمهمشة. ومن شأن مثل هذه المبادرات أن تعزز رابطة التضامن على أساس اجتماعي، بحيث تساعد النساء ذوات القدرات الاقتصادية والثقافية الأكبر النساء الفقيرات، وتقديم الدعم والخبرة التي تساعد على بناء قدراتهن على طريق الاستقلال وإنضاج مشروعهن على طريق الاستقلال والاستغناء عن الدعم.
3- بالنسبة إلى كوثر، نعتقد أن بإمكانه القيام بدور على هذا الصعيد، يتمثل أولا في مراجعة دليل التدريب الذي أعده كوثر والموجه للنساء الراغبات في إنشاء مشاريع، وتطويره في ضوء التجربة والخبرات، ووضعه في تصرف الراغبين. كما أن بإمكان كوثر، كونه ليس مؤسسة إقراض، أن يقوم بدور في تطوير العلاقة والتنسيق مع الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، للفت نظرهم إلى ضرورة لحظ البعد المتصل بإيجاد بيئة مساعدة على التمكين الشامل للمرأة وعدم الاقتصار على الأبعاد الفنية فقط.
كما أنه يمكن له القيام بدراسة تقييمية لبرامج الإقراض الموجهة للنساء، يستثمر نتائجها القائمون على هذه البرامج من أجل تحسينها.
د. سكينة بوراوي
مديرة مركز "كوثر"
0 إلى أي مدى يسهم الإقراض الصغير والمتناهي الصغر في تمكين المرأة؟
0 وما هو الدور المفترض لمركز مثل كوثر، من أجل تحسين فعالية برامج الإقراض الصغير الموجهة للنساء، بحيث تزيد من فرص تمكينهن؟
والإجابة على هذا السؤال تتطلب أولا تناول بعض النقاط الأساسية المتعلقة بالغاية المفترضة لبرامج الإقراض الموجهة للنساء وخصائصها وجدواها، والمتعلقة أيضا بتحديد من هن النساء المعنيات ببرامج الاقراض هذه. وفيما يلي بعض الأفكار والأسئلة التي تقع في صلب موضوعنا، حسب اعتقادي.
أهداف مشاريع الإقراض
ربما يمكن القول إن الغاية النهائية المعلنة لبرامج الإقراض الصغير والمتناهي الصغر هي المساهمة في مكافحة الفقر من خلال توسيع فرص الحصول على الموارد المالية للفئات الأقل حظا، وتمكين فئات جديدة من السكان من الدخول الى سوق العمل والنشاط الاقتصادي وبالتالي الحصول على دخل يسهم في تحسين مستوى معيشة الفرد وأسرته. وعلى الصعيد العام، فإن هذه العملية تساهم في الإنتاج والنمو الاقتصادي وفي التنمية بشكل عام.
وتحت هذه الغاية النهائية، تتدرج مجموعة من الأهداف الوسيطة التي يفترض أن تساعد في بلوغها، ومنها على سبيل المثال:
0 توفير نظام إقراض مواز أو مكمل للفقراء والفئات الأقل دخلا والتي تنقصها الضمانات التي تمكنها من الاقتراض من المصارف،
0 تعويض الممارسة التمييزية ضد المرأة في أنظمة الإقراض العادية،
0 توفير فرص عمل جديدة من خلال الإقراض الهادف إلى إنشاء مشاريع إنتاجية صغيرة ومتوسطة، وخصوصا للنساء والشبان الوافدين حديثا إلى سوق العمل ولا يملكون موارد كافية،
0 المساهمة في مكافحة الفقر، وخصوصا الناتج عن التحولات والإصلاحات الاقتصادية أو عن صدمات أدت إلى توسع البطالة أو الفقر،
0 تحفيز توسع علاقات السوق، ونشر روح المقاولة والمبادرة الفردية، والعمل المستقل الذي تزداد الحاجة إليه في ظل الاتجاهات السائدة لتقليص دور القطاع العام،
0 تمكين المستفيدين، ولا سيما النساء، من خلال زيادة قدراتهم الاقتصادية المباشرة مع افتراض زيادة قدرتهن على المشاركة في اتخاذ القرار على المستويين العام والخاص...الخ.
هذه بعض الأهداف، ويمكن تعزيز القائمة. ولكن ما تجدر الإشارة إليه هو أنه لكل برنامج إقراض في الممارسة الفعلية عددا محددا من هذه الأهداف، لا كلها. وفي ضوئها تتحدد الفئات المستفيدة والأولويات وآليات العمل في البرنامج. والشكل الشائع لهذه البرامج، هو إعطاؤها أولوية لفئات سكانية محددة (نساء، شبان يبحثون عن عمل لأول مرة، مناطق ريفية..)، أو لمجالات أو أنواع محددة من المشاريع (زراعة، خدمات معينة..). أما البرامج ذات الطابع الشامل فهي أقل شيوعا لأسباب كثيرة، أهمها أنها تتطلب توفير موارد كبيرة لكي يكون لها تأثير معقول. وفي خضم هذا الواقع، فإن الترابط بين الأهداف الوسيطة نفسها، آو بين الأهداف الوسيطة والغاية النهائية، تضعف وتتراجع إلى مصاف ثانوي، ولا يبقى في الواجهة إلا الهدف المباشر فقط. وبالتالي يضيع معيار التقييم أو يكاد، وكذلك تغيب المرجعية التنموية العامة، وتزداد أهمية الجوانب الفنية والعملية في النظر إلى هذه البرامج وتختزل جدواها وفعاليتها في الجوانب المحاسبية وسرعة اكتمال دورة الإقراض والتسديد.
من هن النساء المعنيات ببرامج الإقراض؟
لقد تعرض تقرير تنمية المرأة العربية الأول الذي أصدره كوثر عن العولمة أثرها على المشاركة الاقتصادية للمرأة، لاختيارات المرأة في النشاط الاقتصادي. وقد وجد ميلا راجحا لدى النساء العربيات إلى تفضيل العمل المستقر في وظيفة في القطاع العام، ثم القطاع الخاص، على العمل لحسابها الخاص. وإذا كان العمل في المهن الحرة ذات القيمة الاجتماعية المرتفعة لقي بعض القبول، فإن النساء العربيات لا يعتبرن العمل في مشروعات خاصة ضعيفة المردودية من خلال الاقتراض إلا بمثابة خيار أخير تدفعن إليه قسرا عندما لا تكون أمامهن خيارات أخرى.
هذا الاستخلاص الهام ينطبق أيضا على المراهقين والمراهقات العربيات إلى حد كبير كما بين تقرير كوثر الثاني عن الفتاة العربية المراهقة. وهاتان النتيجتان غير مفاجئتين وتتوافقان مع دراسات قامت بها جهات أخرى، كما أنها تتوافق مع الملاحظة الدقيقة لواقع مجتمعاتنا، وإن كانت ظاهرة عمل النساء في المجتمعات العربية تتوسع بشكل عام، إلا أنها تتسم بالتفاوت الكبير بين بلد وآخر، وبين مجال عمل وآخر، وتتدخل فيه عوامل كثيرة تجعل إمكانية التعميم محفوفة بخطر الوقوع في خطأ التبسيط وإغفال الأسباب الفعلية في حركة هذه الظاهرة. ويمكن إرجاع محدودية العمل المستقل (للرجال والنساء) لأسباب عديدة متفاوتة الأهمية بين بلد وآخر، منها:
0 ضعف ثقافة السوق في البلدان ذات الاقتصاد الدولتي،
0 ضعف مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي،
0 ضعف الادخار الخاص، وقصور نظام الإقراض،
0 وجود تعقيدات إدارية وتشريعية وبيروقراطية تعيق تأسيس عمل خاص وإدارته والانسحاب منه بشكل سهل نسبيا،
0 انخفاض نسبة الأمان والاستقرار في الاقتصاد وفي سوق العمل مما يزيد من المخاطر ويضاعف الآثار السلبية لأي فشل اقتصادي،
0 الأهمية الكبيرة التي لا تزال مجتمعاتنا تعطيها للقيمة الاجتماعية للعمل ضمن المنظومة الثقافية السائدة،
إن الأهمية النسبية لهذه الأسباب تتفاوت بين بلد وآخر. ولكننا نعتقد أن السببين الأخيرين هما السببان المشتركان بين البلدان العربية وهما الأكثر أهمية والأكثر أثرا على فعالية برامج الاقراض، واقراض النساء بشكل خاص.
في هذا السياق، فإن النساء المعنيات بالدرجة الأولى ببرامج الإقراض يتشكلن في ثلاث فئات وهي :
1- الفئة الأولى، هي فئة النساء صاحبات الأعمال من المقتدرات اقتصاديا، ومن ذوات المكانة الاجتماعية المعترف بها.
2- الفئة الثانية، هي فئة النساء المهنيات من المتعلمات والخريجات الجامعيات (طبيبات، مهندسات، أستاذات جامعيات، محاميات...)، وهذا النوع من الأعمال مستقل بطبيعته عموما، والعاملات فيه غالبا لا تشملهن برامج الإقراض في أولوياتهن مثل الفئتين الأخريين.
3- الفئة الثالثة، هي فئة النساء الفقيرات والمهمشات أحيانا في الريف والضواحي والأحياء الفقيرة في المدن. وهي فئة تعمل في مجالات الزراعة والخدمات وإنتاج السلع بأسلوب حرفي، وهي بشكل عام (ما عدا بعض الحالات الخاصة) أنشطة ذات دخل منخفض، وتقع في القطاع غير الرسمي أو غير المهيكل، ولا توفر للنساء العاملات فيها أية ضمانات أو تأمينات اجتماعية أو صحية.
من الناحية العملية إذن، يذهب معظم الإقراض الصغير المخصص للنساء للفئتين الأولى التي تتكون من نساء ينتمين إلى الفئات الوسطى وما فوق، وعددهن قليل نسبيا؛ والثالثة أي النساء الفقيرات والمهمشات اللواتي بقعن مواقع متدنية من سلم النشاطات الاقتصادية واللواتي يشكلن الأكثرية.
وفي واقع الأمر، فإن دوافع لدى هاتين الفئتين تختلف، وكذلك الأثر الاقتصادي والدلالة الاجتماعية لانخراطهن في سوق العمل، وسوف يكون من باب الخطأ إجمالهن ضمن مفهوم واحد. ومن حيث المبدأ، فان النساء العاملات لحسابهن الخاص من الفئة الميسورة نسبيا هن أقرب إلى مفهوم سيدات الأعمال أو المقاولات entrepreneur، وبشكل نسبي.
أما إطلاق هذا المصطلح على الأغلبية من النساء الفقيرات اللاتي يقمن بأعمال مستقلة هامشية أو قليلة الدخل، فانه أمر يفتقد إلى الدقة وقد يدفع إلى استنتاجات خاطئة. وفي الحالتين لا بد من التعامل مع هذا المفهوم بشكل ناقد، بما في ذلك بالنسبة للفئة الأولى أيضا.
سيدات الأعمال والتمكين
إن المقاول entrepreneur ليس مجرد شخص يقوم بعمل دون مضمون اجتماعي وثقافي محدد. فالأمر يتعلق في حقيقة الأمر بفكرة المبادرة الفردية في النشاط الاقتصادي، وبفكرة المخاطرة، وبفكرة بناء مشروع قابل للتوسع ويسير وفق منطق العقلانية الاقتصادية وحساب الجدوى والحوافز. إنه يتضمن بعدا ثقافيا وسلوكيا، وهو مقيم اجتماعيا باعتباره عامل تطوير وتغيير دائم في المجتمع من خلال التجديد الاقتصادي والمبادرة للاستجابة للمتغيرات. وبهذا المعنى فإن له بعدا تمكينيا لأن مردوده الاقتصادي مرتفع، ولأنه يشكل تجسيدا لقيمة ثقافية واجتماعية رفيعة تجعل من صاحب الأعمال عضوا في فئة اجتماعية مقررة في الاقتصاد والمجتمع.
ولكن في حالة سيدات الأعمال في مجتمعاتنا العربية، فإن الدوافع للاقتراض وتأسيس عمل خاص تتراوح بين ما يشبه الوصف السابق (أي البحث عن تحقيق الذات وتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي من خلال المشروع الاقتصادي)، وبين أسباب أخرى مختلفة تماما. ويمكن أن نجد بين الدوافع الأخرى حالات تتفاوت بين تأسيس عمل خاص للخروج من المنزل وتلافي الملل، إلى التشاوف الاجتماعي والبحث عن مكانة معينة "برستيج" وتأسيس جماعة عصرية متشابهة الاهتمامات، إلى التجاوب مع تشجيع صادر عن جهات دولية أو حكومية بغرض تقديم صورة مختلفة عن وضع المرأة والظهور بمظهر المستجيب مع تطورات العصر، إلى مجرد الاستجابة لعرض القروض في السوق إذ طالما هذا العرض متوفر في سوق المشاريع الإنمائي فهو يولد طلبا عليه دون أن يكون بالضرورة ناجما عن حاجة فعلية لدى المستفيد الذي يكون لسان حاله : "طالما أن هناك مشاريع قروض متوفرة فلما لا أستفيد منها، فليس هناك خسارة في أي حال، وقد أستطيع تحسين وضعي".
هذا لجهة الدوافع، أما لجهة التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء المتقرضات، فمما لا شك فيه أن تمكين النساء من الاقتراض وتأسيس عمل خاص بهن، له بالتأكيد مفاعيل ايجابية لجهة تحسين وضع المرأة وتعزيز قدرتها على ادارة حياتها الخاصة والمشاركة الاكثر فعالية في حياة الأسرة والمجتمع. فالموارد المالية والاقتصادية التي تتاح لها، والخبرة الإدارية والحياتية التي تكتسبها خلال العمل تسهم في تطوير قدراتها وشخصيتها وتوسيع آفاقها وخبراتها، وهو أمر يزيد من ثقتها بنفسها ويحسن موقعها. ولكن هذا الوصف يصح وينطبق بشكل عام، وهو لا يؤدي بشكل تلقائي إلى تمكين المرأة تمكينا حقيقيا بحيث يؤدي إلى تصحيح الخلل الكبير في التوازن في الدائرتين العامة والخاصة. إن تحول قدرة المرأة على إنشاء مشروعها الخاص إلى تحول محسوس في مكانتها الاجتماعية وفي الثقافة السائدة يكون له اثر على تقليص الفجوة القائمة بين النساء والرجال في المجتمع وفي والاسرة، يتطلب توفر شروط اخرى ذات طابع تشريعي واجتماعي وثقافي وارادة سياسية مستقرة، وهذه كلها أمور غير تلقائية كما أشرنا، وغير متاحة بالضرورة. ولا يقلل من أهمية ذلك وجود حالات فردية من الانتقال من النشاط الاقتصادي إلى التمكين المتكامل، إلا أن العوامل التي أدت إلى ذلك قد تكون كثيرة ومتعددة، كما أن أي بحث يجب ان يأخذ بعين الاعتبار دراسة الظاهرة في اتجاهها العام بالدرجة الأولى، وتوظيف دراسة الحالات الفردية من اجل فهم افضل لآليات الانتقال الناجح هذا، لا استخدام حالات النجاح الفردي لتعطيل البحث المعمق في أسباب بقائه نجاحا فرديا في وضع عام اقل إيجابية.
لذا فان الفكرة التي ندافع عنها هنا، هي ضرورة النظر بشكل متكامل إلى دور الإقراض بالنسبة إلى تمكين النساء سيدات الأعمال، وضرورة أن لا يجري إغفال أن الأمر يتعلق بإيجاد بيئة اجتماعية وثقافية وسياسية وتشريعية تساهم في إجراء تحول قيمي وسلوكي وعملي في المجتمع يسهل التحول من الانخراط في النشاط الاقتصادي إلي التمكين الشامل للنساء والرجال أيضا.
تمكين النساء الفقيرات من خلال الإقراض
إن التأثير الإيجابي العام للاقتراض على تمكين المرأة هو أكثر صعوبة في حالة النساء الفقيرات المهمشات. فمن جهة أولى العمل الذي تتمكن النساء من إطلاقه من خلال الاقتراض غالبا ما يكون ذو دخل متواضع، وفي قطاعات هامشية، ويتطلب جهدا كبيرا، كما أنه ليس مترافقا مع اي شكل من اشكال الحماية الاجتماعية. وإذا أردنا استخدام مفهوم "العمل اللائق" الذي تعتمده منظمة العمل الدولية، والذي يفترض أن يترافق العمل مع مردود اقتصادي ومالي مقبول ومع توفر الضمانات الأساسية واحترام حقوق العاملين، فإنه يصعب القول إن هذا المهفوم ينطبق على بعض أنواع العمل والمشاريع التي تمول من خلال القروض الصغيرة والصغيرة جدا المخصصة للنساء الفقيرات.
من ناحية أخرى، فإن الإطار الاجتماعية والثقافي، ومواقع وطرق اتخاذ القرار والتحكم بموارد الأسرة غالبا من هي في صالح الرجال. وبالتالي فإن عمل المرأة لا يؤدي بالضرورة إلى تمكينها بقدر ما يعتبر من قبل الأسرة ورجالها مصدر دخل إضافي، وهو أمر مفيد دون شك، ولكنه لا يؤدي إلى تمكين المرأة لا في أسرتها ولا في مجتمعها إلا إذا توفرت شروط أخرى لا علاقة لها بالعمل مباشرة. ففي غياب هذه الشروط، وفي ظل عدم توزيع الأعباء المنزلية على أفراد الأسرة الرجال خصوصا، فإن عمل المرأة يصبح عبئا إضافيا يضاف إلى عبء العمل المنزلي الذي يبقى على عاتق المرأة العاملة، أو قد يتحول جزء منه إلى إحدى البنات في الأسرة. كما أن مدخول العمل يوضع بتصرف الأسرة مع عدم التأكد من قدرة المرأة على التأثير بفعالية كبيرة على كيفية استخدامه. إضافة إلى أن الدخل، أصلا، هو دخل منخفض ويخصص للغذاء ومتطلبات تجديد العمل، مع احتمال اقتطاع جزء متفاوت منه من قبل الزوج أو الأب.
إذا ربطنا هذا التحليل بما سبق ذكره من تراتبية خيارات النساء الفقيرات، فعلينا أن نتوقع أن النساء لا ينظرن إلى الاقتراض والعمل في مشروع مستقل كوسيلة لتحقيق الذات والتمكين، بل إنه أمر لا يتم بخيارهن أحيانا كثيرة، بل هو نشاط قسري تفرضه ظروف المعيشة الصعبة. ولكن من ناحية أخرى، يجب لفت الانتباه إلى أن المفاعيل التمكينية للاقتراض والعمل المنتج، قد يكون لها طابع موضوعي بغض النظر عن كونها كانت ضمن دوافع المرأة نفسها عندما لجأت إلى الاقتراض وبدأت العمل. وبالتالي فإن التمكين قد يحصل وإن بشكل جزئي ونسبي بغض النظر عن وعي ذلك من قبل النساء الفقيرات. ويجب أن لا نغفل أن هذا الأمر قد يتجلى بشكل غير واع وغير مقصود في احتمال حصول توترات داخل الأسرة بين الزوج والزوجة العاملة، أو بين الأهل والابنة العاملة.
ما العمل إذن؟
إن ما سبق أن ذكرناه من ملاحظات واستنتاجات مستند إلى دراسات متفرقة وتعليقات وأوراق عمل عديدة ذات علاقة بالاقراض الصغير والمتناهي الصغر. ولكن لا يسعنا الزعم بأنها استنتاجات دقيقة مستخلصة من دراسات تقويمية معمقة وشاملة لبرامج الإقراض. فنحن أحيانا نجد دراسات وأراء تميل إلى نقد هذه التجربة وتعتبر أن مفاعيلها التنموية وأثرها الملموس على مكافحة الفقر هو موضع تشكيك. في المقابل، سوف نجد أراء أخرى ترى أنها تحقق نجاحات كبيرة. لذلك فنحن نعتقد بوجوب القيام بدراسات معمقة وناقدة لتقييم أثر برامج الإقراض على مكافحة الفقر والتنمية على تمكين النساء، مع التأكيد على ضرورة أن تجري هذه الدراسات جهات ذات كفاءة ومحايدة وغير مرتبطة بمؤسسات الإقراض.
وفي ما يلي بعض الاقتراحات التي نعتقد أن من شأنها أن تساعد في تحسين أداء برامج الإقراض:
1- إن فعالية برامج الإقراض تكون محدودة إذا كانت برنامجا معزولا عن تدخلات أخرى. لذلك نقترح أن تعطي أهمية اكبر لدمج برامج الإقراض مع تدخلات تنموية أخرى. وما نقصده يتجاوز الربط بين تقديم القرض والتدريب وإنشاء حاضنات الأعمال..الخ، فهذه التدخلات هامة جدا وضرورية وهي تزيد من احتمالات نجاح المشروع وتمكن النساء المقترضات لجهة تطوير قدراتهن على إدارة مشروعهن وتحسن فرص نجاحه من الناحية المالية والاقتصادية، ولكننا نقصد أن يجري الربط بين برامج الإقراض لفئة سكانية معينة أو لمنطقة معينة مع برامج تنمية موجهة لهذه الفئات أو المناطق، بحيث يساعد هذا الترافق بين التدخلات في تحسين شروط نجاحها المشترك.
2- تشجيع النساء المقترضات عن إطلاق مبادرات لتبادل المساعدة وتعظيم إمكانيات النجاح. على سبيل المثال نقترح قيام نوع من التوأمة بين النساء سيدات الأعمال من الفئة الأولى مع نساء مقترضات اللواتي ينتمين إلى الفئات الفقيرة والمهمشة. ومن شأن مثل هذه المبادرات أن تعزز رابطة التضامن على أساس اجتماعي، بحيث تساعد النساء ذوات القدرات الاقتصادية والثقافية الأكبر النساء الفقيرات، وتقديم الدعم والخبرة التي تساعد على بناء قدراتهن على طريق الاستقلال وإنضاج مشروعهن على طريق الاستقلال والاستغناء عن الدعم.
3- بالنسبة إلى كوثر، نعتقد أن بإمكانه القيام بدور على هذا الصعيد، يتمثل أولا في مراجعة دليل التدريب الذي أعده كوثر والموجه للنساء الراغبات في إنشاء مشاريع، وتطويره في ضوء التجربة والخبرات، ووضعه في تصرف الراغبين. كما أن بإمكان كوثر، كونه ليس مؤسسة إقراض، أن يقوم بدور في تطوير العلاقة والتنسيق مع الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، للفت نظرهم إلى ضرورة لحظ البعد المتصل بإيجاد بيئة مساعدة على التمكين الشامل للمرأة وعدم الاقتصار على الأبعاد الفنية فقط.
كما أنه يمكن له القيام بدراسة تقييمية لبرامج الإقراض الموجهة للنساء، يستثمر نتائجها القائمون على هذه البرامج من أجل تحسينها.
د. سكينة بوراوي
مديرة مركز "كوثر"