المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تمكين المرأة من مواقع صنع القرار


د.سكينة بوراوي
28-02-2006, 09:02 AM
تواصل منطقي مع حركات الإصلاح العربي والاجتهاد الإسلامي

لقد جاء مقال سمو الأمير جامعا لمختلف القضايا فارتأيت التعمق في زاوية من زواياه وهي المتعلقة بمشاركة المرأة في صنع القرار انطلاقا من مقاربات يمكن أن تساهم في إثراء الحوار وأسئلة تكمن محاولة الإجابة عنها من الوقوف على الواقع الذي آتى على جوانبه سمو الأمير....
ولعل من أبرز الإشكاليات المتعلقة بأوضاع المرأة العربية اليوم تتمثل في تحديد مدى مشاركتها في صنع القرار في الفضاءين الخاص والعام وإقناع محيطيها الضيق والواسع بضرورة اضطلاعها بدور "قرار" خدمة للأهداف التنموية لكل مؤسسة ابتداء بالمؤسسة الأسرية وانتهاء بمؤسسات الشأن العام....

بداية تتبادر للذهن أسئلة طبيعية بديهية : كيف نتعرف على دور النساء في صنع القرار؟ ما هي أشكال المقاربة؟ ما هي دواعي تمكين المرأة من مواقع صنع القرار؟ عن أي تمكين نتحدّث؟ و ما الذي يجب فعله لخلق الظروف المواتية لتمكين المرأة ؟

و لكن قبل كل شيء لنتفق على زاوية المقاربة التي سنعتمدها. أي الأمرين أجدى : دراسة ما يظهر على السطح من مناصب القرار التي تحتلها المرأة العربية أم أن الذي يهّمنا بالدرجة الأولى هو رصد سيرورة و ديناميكية صنعها للقرار؟

إن المتأمل في أوضاع منطقتنا العربية اليوم، في علاقة بإشكالية المرأة وصنع القرار، يتبين ما يلي :

• تشهد المنطقة العربية كباقي مناطق العالم حركة تحولات اجتماعية و ثقافية و اقتصادية وسياسية حثيثة خاصة مع دخول المنطقة العربية بأكملها في مسار العولمة.

• في هذا الإطار لا يمكن فهم إشكالية المرأة وصنع القرار خارج إشكالية صنع القرار بشكل عام.

• إن المقاربات الإحصائية التي نستعملها لقياس درجة مشاركة المرأة في صنع القرار لا بد أن تغتني بمؤشرات إضافية ترشدنا إلى ترابط واقعنا المحلي بالواقع الشامل المعولم الذي نعيش فيه.

• نحن محتاجون لمقارنات في موضوع المرأة و صنع القرار مع دول العالم الأخرى حتى المتقدمة. مثلا، سؤال : لماذا لا تتمكن المرأة اليابانية من صنع القرار السياسي
والإداري و حتى الأسري برغم توفر كل ظروف التقدم و التنمية؟

• في هذا المجال أيضا نحن محتاجون إضافة للعمل الإحصائي إلى مقاربات نوعية تستطيع أن تكشف لنا مجالات و أشكال و ظروف ولادة الإبداع النسائي في مجال صنع القرار.

وكم هي عديدة هذه الإبداعات و متنوعة، عفوية
ومنظمة، تخص النخبة المتعلمة وجمهور النساء غير المتعلمات. و قد يفاجئنا إبداع المرأة العربية حيث لا ننتظره أبدا. ولكنه في كل الحالات يفتح أمامنا باب التغيير على المستقبل.

* و نحن محتاجون أيضا لمقاربة العالم العربي في تنوعه و تعدده. فتجارب أقطاره مختلفة باختلاف السياقات. و إننا نلاحظ ديناميكيات جديدة و فاعلة لحركة المرأة العربية حيث تتاح الفرصة أمامها: في المجالات الاقتصادية و الثقافية و السياسية. إن قصص النجاح النسائية كثيرة و لا بد من بحثها و إبرازها.

إن تمكين المرأة العربية من مواقع القرار ليس هبة و لا اختيارا و لا تهديدا خارجيا. هو ديناميكية ضرورية تقع الآن فعليا و تفرزها ما يعترض المجتمعات العربية من تحديات.

و هي ديناميكية تحصل الآن فعلا بأشكال مختلفة رغم الصعوبات الهائلة التي تعيقها.

و المهمة المطروحة الآن أمامنا أمام الفاعلين الحكوميين و غير الحكوميين العرب هو في توفير أحسن الظروف، و وضع البرامج و مشاريع العمل لتنمو هذه الديناميكية بشكل أفضل.

فهل لا يزال مسموحا اليوم ووفقا لما نعيشه من تغيرات وتحديات ووقائع، البحث عن مبررات لتفادي التغيير في حين أن المبررات الدافعة له كثيرة و متنوعة؟

فتمكين المرأة من مواقع القرار هو إنصاف لدورها وانجازاتها لأن ما يظهر على السطح من مؤشرات تصف نسب احتلال المرأة لمواقع القرار في المؤسسات العمومية المختلفة ( مثل الهيئات الحكومية و التشريعية و القضائية و باقي المؤسسات) لا تعكس كما يجب الأدوار الفعلية التي تلعبها المرأة فعليا داخل أسرتها و محيطها الاجتماعي لمجابهة ظروف المعيشة الصعبة أو أقصى الأوضاع مثل الاحتلال ( مثل المرأة الفلسطينية).

كما أن تمكين المرأة من مواقع القرار هو نتيجة طبيعية لما حققته من تقدم. فقد تحقق تطور إيجابي في مجال تعليم المرأة العربية في كافة ميادين العلوم وما زال يتوجب فعل الكثير.
و تمكين المرأة هو تواصل منطقي مع حركات الإصلاح العربي و الاجتهاد الإسلامي . فالمجتمعات الإسلامية ليست عائقا أمام نفاذ المرأة إلى أعلى مناصب القرار السياسي مثل ما حصل في باكستان و بنغلاديش و أندونيسيا.

وخلافا لما لا نتوانى عن ترديده، تمكين المرأة هو تعزيز لقدرات المجتمع العربي و ليس تهديدا له. فتمكين المرأة هو ضرورة اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و سياسية. ليس ترفا. ليس قرارا ثانويا. ليس عملا يمكن تأجيله. ليس كبش فداء يمكن تقديمه لتهدئة الخواطر و تحقيق المكاسب السياسية

- اقتصاديا يوفر إمكانيات جديدة في ظروف اشتداد الحاجة لكل الطاقات لرفع تحديات العولمة الاقتصادية

- أسريا يساهم في توفير مداخيل جديدة للأسرة و سد الحاجيات وبالتالي تحقيق التوازن العائلي

- اجتماعيا ينوع من القدرات الإبداعية لمواجهة المشاكل الجديدة : قضايا الشباب و العنف الاجتماعي ...

- ثقافيا يساهم في نقل صورة حضارية مشرقة في واقع دولي يتسم بصراع الحضارات
والتهجم على الحضارة العربية الإسلامية...

- سياسيا ينقل فعل الحكم العربي إلى دائرة مشاركة أوسع....

ثم إن ما يجب فعله لخلق ظروف مواتية لتمكين المرأة يعد في متناولنا بدأ بالإمكانيات المادية التي يمكن رصدها وصولا إلى التنفيذ وتقصي الأثر. فتوفير المعطيات و البيانات بات حاجة استراتيجية لا مفر منها لا باعتبارها آلية من آليات رصد الفجوة القائمة في مجتمعاتنا بين الرجل والمرأة فحسب، بل مؤشرا على تقدمنا ورغبتنا الحقيقية في التغيير.

إن المعطيات و قواعد البيانات و المعلومات المتوفرة عن قضايا النوع الاجتماعي و صنع القرار في المنطقة العربية نادرة و قليلة بحيث لا تمكننا من فهم حقيقة الوضع و لا تعطينا مادة كافية لتغذية سياسات إيجابية تهدف إلى تعزيز قدرات المرأة في مجال صنع القرار.

كما أن التكثيف من العمل البحثي لتجاوز هذه النقيصة كالقيام دراسة تفصيلية موسعة عربية مقارنة لمشاركة المرأة في صنع القرار قادرة على كشف الآليات الداخلية و الشروط الموضوعية التي تساهم في إنتاج و إعادة إنتاج الأدوار الحالية لكل من المرأة و الرجل، تساعدنا على رسم ملامح شعوبنا المستقبلية. ثم إن التوثيق للتجارب الناجحة ومنهجتها بشكل يمكن من الاستفادة منها في وضع البرامج والاستراتيجيات...

كما يخول لنا إصلاح المنظومتين التربوية و القانونية تحقيق التحول من تنمية المرأة إلى تنمية النوع الاجتماعي يرتبط بالنظر في المنظومة التربوية
و المنظومة الحقوقية حيث تنظم حياة الرجال و النساء.

و في هذا الإطار يتوجب علينا القيام بربط استراتيجي بين حقوق المرأة و حقوق الإنسان فلا يمكن النهوض بهذه دون النهوض بتلك.

وأختم بضرورة العمل على تطوير مشاركة المرأة في مؤسسات المجتمع المدني.

ويكفي هنا الاستشهاد بقول "فرّارو" المترشحة لنيابة رئاسة الولايات المتحدة سنة 1984 " نحن لا نحتاج إلى فئة قليلة من النساء لوضع معالم التاريخ بقدر ما نحتاج إلى جمهرة غفيرة منهن لنرسم معالم السياسة".

في النهاية، لم تكن جداتنا وهن يصنعن القرار يوميا، رغم ما كان يعترضهن من عوائق هائلة، في قضايا الأسرة و الحقل و حتى الشأن العام يفكرن في نظريات و مناهج الوصول إلى مراكز القرار، و اليوم و نحن في مستوى وضع و تدارس هذه النظريات و المناهج يجب أن لا ننسى أن الحصول على مواقع القرار هو عمل و ممارسة يومية و متواصلة والتزام من جميع الأطراف.

د. سكينة بوراوي
مديرة مركز "كوثر"