المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشورى تستفيد من التقاليد النيابية والأعراف البرلمانية


سعود فهد الخالدي
10-04-2006, 04:03 PM
في ورقة قدمها لمؤتمر الفكر العربي بالقاهرة :

الشيخ ابن جبير : المجلس مؤسساتية لإشراك المواطن في إدارة سياسات وطنه
الشورى تستفيد من التقاليد النيابية والأعراف البرلمانية

جدد معالي رئيس مجلس الشورى الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد تأكيده على أهمية المجلس في صورته الجديدة باعتباره صيغة مؤسساتية لإشراك المواطن بشكل مباشر في إدارة سياسات وطنه والتخطيط لهذه السياسات.

واستعرض معاليه في ورقة قدمها للمؤتمر الأول للفكر العربي الذي عقد بالقاهرة خلال الفترة 21-23 شعبان الماضي تحت عنوان "الشورى والديمقراطية رؤية عصرية وتجربة المملكة" مراحل تطور الشورى في المملكة ومهامه وآليات عمله وأبعاد اختيار أعضائه.
وارجع الشيخ ابن حميد حرص المملكة على تفصيل أعمال المجلس إلى ذلك البناء العقدي الذي قامت عليه واحتضانها للحرمين الشريفين وكونها متنزلا للوحي ومبعث الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقارن رئيس مجلس الشورى في ورقته بين الشورى والديمقراطية معتبرا أن كل نظام منهما يمثل استقلالا تاما له أسسه ومبادئه وآليات تنفيذه بالإضافة إلى مواطن اتفاق واختلاف.
وخلص معاليه إلى القول بأن مجلس الشورى السعودي مستفيد استفادة تامة من التقاليد النيابية والأعراف البرلمانية والممارسات التنظيمية والإجرائية وهو لا يقدم المشورة المجردة لولي الأمر فقط ، وإنما يدرس الأنظمة واللوائح والاتفاقيات ، وتقرير الأداء الحكومي ويناقش خطط الدولة ويتخذ في ذلك قرارات متكاملة ومستوفاة على نحو ما يجري في المجلس البرلمانية.

وفيما يلي نص الورقة :
الشورى والديمقراطية ، "رؤية عصرية" وتجربة المملكة العربية السعودية

مقدمة :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد :
فيكاد يجمع كتاب العصر ، ومثقفوه وساسته في شرق العالم وغربه على أن مفتاح التقدم وسبيل التنمية هو الديمقراطية.
ومما لا شك فيه أن في دول العالم الثالث على الخصوص أزمة في بعض أنظمة الحكم والسياسة والدول المتقدمة تلقي بالأئمة على الدول النامية منطلقة من مفهوم يرى أن غياب الديمقراطية في هذه الدول ، وعدم الإصلاح الدستوري ، وشيوع الفساد السياسي والاقتصادي ، والخلل الثقافي تشكل في مجموعها البيئة الطبيعية للإرهاب إلى الحد إلى الحد الذي اعتبرت معه هذه النظرة أن الأنظمة الحاكمة مسؤولة عن تفريغ ذلك الإرهاب ، وهي مقولة شائعة لها بريقها إن لم يكن لها قبولها في بعض الأوساط.
كما أن الاستقرار السياسي مرهون باتساع دائرة المشاركة مع تمثيل القوى كافة في المجتمعات السوية ، بحيث تصبح انعكاسا أمينا للشارع بكل طبقاته وفئاته وانتماءاته.
فإن كان هذا صحيحا ، فهل صحيح أو دقيق أن الدول المتقدمة ذات القيادة والصدارة جادة في جميع الأحوال على مساعدة هذه الدول النامية التعيسة في أن تنهض وتستقر وتتقدم.
إن المشاهد في كثير من الأحوال أن المصالح والأطماع التي تبني عليها السياسات ، وترسم على ضوئها الاستراتيجيات حسب القاعدة الشهيرة التي تقول : لا يوجد صداقات دائمة ، ولا عداوات دائمة ، ولكن هناك مصالح دائمة" ، والقاعدة الشهيرة الأخرى : (الغاية تبرر الوسيلة).
بل إن كثيرا من الدول التي تعلن أنها قلعة الحريات ، وملاذ الديمقراطيات ، وحامية حقوق الإنسان ، هي بذاتها التي تنتهك هذه الشعارات الجميلة على درجات متفاوتة فيما بينها في هذا الإنهاك ، فلقد دعمت أنظمة فردية ، وحكومات دكتاتورية ، بل غذت انقلابات دموية ، يرسم ذلك ساستها منطلقة من مراكز البحث ومؤسسات العلم ، ومعاهد الدراسات الاستراتيجية فيها.
ذلك هو الكيل بمكيالين ، تدعم ديمقراطيات حيناً ، وتغمض العين عن ديكتاتوريات أحياناً ، إنها المصالح وحدها والتي بناء عليها يتم رفع الشعارات وتوظيف المبادئ عند اللزوم
ومع الأسف أنه طال بالناس زمن حتى رأوا نظما أكثرت فيها الهيئات ، وتعددت المؤسسات ، وتكاثرت التوصيات والقرارات ، ولكن كان ذلك تجسيدا في كثير من الأحوال والتقلبات للنفاق العام ، وهو أن المصالح العليا ، لم يطمئن العالم إلى أنظمة ثابتة وأصول مستقرة ، باسم الديمقراطية ، وباسم الحرية ، أجيز الاستبداد في الفساد ، وباسم التطوير والتجديد والتقدم ، فتح الباب واسعا لصور من الانحلال الأخلاقي استبداد باسم الديمقراطية ، وفساد باسم الحرية ، وقهر الشعوب باسم حقوق الإنسان ، يرضى عن أقوام ، ويجرم آخرون ، تزيف الحقائق ، ويشوه التاريخ في حرية منفلتة ، وعدالة مضطربة ، بل تدرجت الأيام حتى نزعت الأغطية والأقنعة غطاء بعد غطاء وقناعاً بعد قناع ، فسادت المظالم ، وتكونت صور من العدوان ، واستبعدت الشعوب الضعيفة ، وعبث بمواردها ومع الأسف أن ذلك يأتي بقرارات ومؤتمرات ، وتحت شعرا الديمقراطية ، وحماية حقوق الإنسان.

الشورى في الإسلام :

الشورى تعنى تبادل الرأي بين المتشاورين من أجل استخلاص الصواب من الرأي والأنجح من الحلول والسديد من القرارات.
الشورى مبدأ من مبادئ الشريعة وأصل من أصول الحكم في الإسلام ، يرسم للمجتمع منهاج التضامن ، وسبيل التكامل وأسلوب المشاركة في الرأي ، كما أنها صورة من صور المشاركة في الحكم ، تستمد جذورها من أصول الدين وجذوره.
الشورى : وسيلة تحقيق العدل وتنفيذ الشرع وتحقيق مقاصد الدين وإقامة التوازن بين حقوق الأفراد ، وحقوق الأمة ، والشورى تتبع من عقيدة الأمة وشريعتها التي تسمو على إرادة الجميع ، ترتكز على أصل شرعي ثابت مستقر من مبادئ الشريعة وقواعدها.
والشورى تجسد نظاما من أكبر النظم وأدق الأبنية السياسية الدستورية ، فهي إسلامية اللحمة والسداة.

والشورى مبدأ إسلامي يدخـل في ميادين كثيرة بقدر ما تحمله كلمـة (أمر) من الدلالات في قوله سبحانـه : { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} وقوله عز وشأنه : {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} بما ينتظم الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأسري في الشأن العام والخاص ، وكل ميدان يحتاج فيه إلى استخلاص رأي واستقرار على قرار.

ولعل من لطيف المعاني التكامل في معنى "الأمر" في الآيتين الكريمتين :
الأولى قول الله تعالى عز وجل : {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} ، والثانية قول الله عز وجل : {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} ؛ فالأمر في الأولى : هو حق الله في التشريع والتدبير والتصرف ، والذي لا يجوز أن ينازعه فيه أحد من حلقه ، والأمر في الآية الثانية : ميدان اجتهاد البشر بمقتضى ما منحهم الله وأعطاهم وهداهم.

وفي الإسلام لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه كان غنيا عن مشورتهم بالوحي ، ولكن فعل ذلك ليكون الأسوة للمسلمين من بعده.

والذي يهم البحث هنا الشورى في ميدان الحكم والسياسة ؛ فلقد حرص الإسلام على غرس مبدأ الشورى في الحياة السياسية وشؤون الحكم ، بغية وجود حالة من المراجعة المستمر بين الحكام والمحكوم ، حتى يستوعب القرار السياسي ما لدى الجماهير من وعي وإدراك ، ويكن الحاكم منطلقا من قاعدة الأمة الوسطية ، الشورى وسيلة يمكن من خلالها استجلاء الأمر ، ومعرفة الآراء المتعددة ، ومن ثم التوصل إلى الأصوب والأسلم ، كما تؤدي إلى تآلف المشاعر لدى الرأي العام من خلال استعراض الموضوعات ، وجريان المناقشات حولها ، وتبادل الرأي فيها ، وتكون الشورى سبيلا إلى وحدة الأمة والتأييد لما تتفق عليه الأغلبية.

ولقد دعا الإسلام إلى الشورى وحث على الأخذ بها ، وطبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم بصورة مختلفة ، وطبقها خلفاؤه الراشدون من بعده لكنه لم يضع لها صورة محددة ، ولا إطارا محددا ، بل لم يضع لها نظاما تفصيليا ملزما ، ولكنه ترك ذلك ليجتهد فيه المسلمون تبعا لاختلاف الظروف والأحوال ، وتمدد الوسائل وتنوع الأساليب.

وفي الإسلام لم تحدد بآلية محددة ، ولم تكن له تفاصيل معينة ولكنها تركت لما تقتضيه الظروف وتتطلبه الوقائع ، ومع هذا فإن المناهج الشورية التي قدمت في عهد النبوة ، ثم في عهد الخلافة الراشدة قدمت صورا من النهج السياسي والاجتماعي والأخلاقي والعسكري ، وأصبحت هذه النماذج والصور قاموسا من الحكمة السياسية والحرية الاجتماعية ليسترشد بها الحكام والقادة والولاة وذوو الرأي في تدبير شؤون الأمة ، فكانت جسرا إلى حياة متحضرة مليئة بالعطاء وحسن المشاركة.

وقد جاء الأمر بها في كتاب الله مطلقا عن أي قيد بنوع أو صفة أو هيئة خاصة على حد قول الإمام ابن عقيل الحنبلي : السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وأن لم يضمه الرسول ولا نزل به وحي مما لا يخالف الشرع.

فلم تضع لها الشريعة نظاما خاصا ، ولم تفصل في أحكامها ومبادئها ، ولكنها شورى تعود وتقود إلى تنظيم عادل يحفظ الحقوق. ويبسط العدل ، ويجمع ولا يفرق ويبني ولا يهدم ، ويوصل الحقوق إلى أهلها.

يقول ابن عطية المالي رحمه الله : الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأكام.

ويقول الإمام أبو بكر العربي : الشورى سيرة أولية وسنة نبوية وخصلة عند جميع الأمم مرضية ، ويقول : المشاورة أصل الدين وسنة الله في العالمين وهي حق على عامة الخليقة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أدنى الخلق بعده ، وهي اجتماع على أمر يشير كل واحد برأيه.
يقول علي رضي الله عنه : في الشورى سبع خصال ، استنباط الصواب ، واكتساب الرأي ، والتخلي من السقطة ، والحرز من الملامة ، والنجاة من الندامة ، وألفة القلوب ، واتباع الأثر.
ويقول بعض الحكماء : ما استنبط الصواب بمثل المشورة.

بالشورى تمارس الأمة حقها ، وتعيش شخصيتها ، وتكتب استقلالها ، وتقرر مصيرها ، وتتمنع من الذوبان وتقسم المسؤولية.

الشورى ليست نظاما جامدا ، بل هي حق مقرر للحاكمين والمحكومين وتنظيم استعمال هذا الحق أمر يختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال والظروف والأوضاع.

إن دور الشورى في إدارة حكم الدولة تتجلى من خلال النقاش الموضوعي المفتوح ، وهي الوسيلة لحل المشكلات ودراسة الموضوعات والوصول إلى الحلول الأكثر ملاءمة والمقترحات الأقرب صوابا ورشدا ، من خلال ما يتمتع بها أهل الشورى من أهل الحل والعقد من الديانة والأمانة والعلم والحكمة والخبرة وحسن الرأي والبعد عن الهوى.

الشورى في الإسلام عنصر من عناصر الشخصية الإيمانية فقد جاء التوجيه من المعهد المكي ، وهو صورة من صور الاستجابة لله عز وجل : {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ..} ، والشورى وإبداء الرأي يقوم على الإيمان والإخلاص وحب الناس والصدق في طاعة ولاة الأمور ، ولا تقوم على كذب وغش وخداع ، أو إكراه ورشوة ، فالحكم أمانة ، والشورى أمانة ، والرأي أمانة ، كل ذلك لا يقيمه على وجه إلا الإيمان والإخلاص.

بين الشورى والديمقراطية :
هناك أسئلة تدور حين نتحدث عن الشورى والديمقراطية ، منها : ما هي العلاقة بين الشورى والديمقراطية ؟ هل هي علاقة توافق أو علاقة تضاد ؟
في نظر الباحث لا يبدو من المستحسن إيراد مثل هذه الأسئلة ، ذلك أن كل نظام منها يمثل استقلالا تاما له أسسه ومبادئه وآليات تنفيذه ، ووجود مواطن اتفاق أو مواطن اختلاف ، لا يعنى أن ذلك يرسم العلاقة بينهما بتوافق أو تضاد.

الشورى : صورة من صور المشاركة في الحكم ، تستمد جذورها من أصول الدين وجذوره ، وهي من أهم المبادئ الشرعية التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام ، بل أن بعض الباحثين يرى أن الشورى هي النظام السياسي ذاته ، وليس واحدا من مبادئه ، أو قاعدة من قواعده ، نظرا لما يترتب على الشورى في المنظور الإسلامي من بيان العلاقة بين الحاكم وأهل الشورى ، والتزام الدولة بالقواعد المشروعة.

أما الديمقراطية : فنظام سياسي اجتماعي غربي النشأة ، عرفه الغرب من الحقبة اليونانية ، ودخل عليه تطوير في الحضارة المعاصرة ، كما أنها تنظم العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة من منطلق مبدأ المساواة بين المواطنين ، ومنع حق المشاركة في صنع التشريعات ، وسن القوانين التي تنظم الحياة العامة وفق مبدأ أن الشعب مصدر السلطات ، فالسلطة في النظام الديمقراطي هي للشعب بواسطة الشعب.

في الشورى حق التشريع لله وحده ؛ فالشريعة من عند الله وليست من صنع البشر ولا من ابتكارهم ، بل هي وحي منزل من عند الله وعلى الرغم من وضوح ذلك وجلائه في عقيدة المسلم ومعايشته واقعا وتطبيقا ، إلا أن الشريعة ذاتها أعطت للإنسان مساحة يجتهد فيها – وهي مساحة واسعة – تلكم هي سلطة الاجتهاد في مجالين : الاجتهاد فيما لا نص فيه ، والاجتهاد في فهم دلالة النص فيما تحتمل فيه تلك الدلالة الاجتهاد ، وهي مساحة واسعة كذلك ، وهو اجتهاد في ذات الوقت له ضوابطه كما أن له أهله المختصين.

وكما أن له سلطة الاجتهاد ، كذلك له مساحة واسعة في سياسة الحكم وإدارة شؤون الناس ، واحترام الرأي العام ، والرقابة العامة والقضاء ، كلها ميادين للاجتهاد ، فكل ما أدى فيها إلى الصلاح ، وحقق المصلحة ، فهو مشروع مطلوب من غير حصر في نظام محدد.

وفي الديمقراطية : تجعل السلطة في التشريع للشعب والأمة ، أما في الممارسة والواقع ، فالسلطة للمجالس البرلمانية ، وقد تكون للحزب ذي الأغلبية البرلمانية.

الشورى مأمور بها شرعا ، ومحكومة بالشرع ، وتربط به صلاح الدين والدنيا ، وسعادة الدنيا والآخرة ، فالصلاح الدنيوي له بعد ديني يتمثل في المعيار الديني لهذا الصلاح.
والديمقراطية يقتصر نظرها في حدود صلاح دنيا الإنسان ، وبالمقاييس الدنيوية بل بالمادية أيضا.
السلطة في الشورى مقيدة بعدم خروجها عن النصوص الشرعية ، كما أن مجالها محصور فيما لا نص فيه ، أو في دلالة النص إذا كانت غير قطعية ، وإذا وجد النص قطعي الدلالة فإن مجال الشورى حينئذ يكون في الوسائل التنفيذية والتطبيقات في اللوائح والقرارات ، وما شابهها.
وفي ذلك يجب أن تكون التشريعات متفقة مع مبادئ الشريعة.
أما سلطات المجلس النيابي في الديمقراطية فيمكن القول أنها مطلقة وإن كانت مقيدة بالدستور لكن الدستور نفسه قابل للتغير.
الحقوق الحريات العامة في الشورى تختلف عنها في الديمقراطية من جهتين :
1ـ في الشورى تتحول الحقوق والحريات إلى واجبات اجتماعية ودينية ، وتأخذ طابع (الوظيفة الاجتماعية) المرتبطة بتحقيق المقاصد الشرعية ، وبتوازن يحقق مصلحة الفرد والجماعة دون طغيان أحد الجانبين على الآخر ، وحتى إذا قصر المواطنون بأداء هذه الوظائف.
أما في الديمقراطية ؛ فلا تزال تأخذ في ذلك موقفا لا يخلو من الشطط فهي تغالي في تغليب الجانب الفردي.
2ـ هذه الحريات والحقوق مقيدة بضوابط من الشريعة نفسها ، أما في الديمقراطية فهذه الحقوق مطلقة لا يحدها إلا ضوابط عدم الإضرار بالغير أو القانون ، ولكن القانون نفسه يتغير.
الشورى مرتبط بقيم أخلاقية نابعة من الدين نفسه ، ولذلك فهي ثابتة غير خاضعة لتقلبات الميول والرغبات ، ومن ثم فهي تضبط تصرفات الأمة وتحكم رغباتها ، بينما لا توجد مثل هذه القيم الثابتة في الديمقراطية بل هي قيم نسبية تتحكم فيها رغبات وميول الأكثرية ، ومتغيرات الظروف وتقلبات الزمن.
ولهذا كان تسلط أمة على أخرى مقبولا أو له ما يبرره في ظل الأنظمة الديمقراطية بينما تهدف القيم الإسلامية إلى تغليب النظر في الإنسانية الشاملة وإلغاء الإطار الأناني المحدود في فكرة الدولة القومية ذات السيادة المطلقة ، وإبراز الجوانب الإنجابية فيها ، والإسلام ليس ضد القوميات بإطلاق ولكنه ضد القوميات المتسلطة.
وأما الجوانب الإيجابية المميزة لكل قومية عن الأخرى ، والتي تتيح تجسيدا للحضارة الإنسانية ، فهو أمر صحي ومرغوب فيه كالفروق القائمة بين أفراد البشر فالقومية في الإسلام تتخذ مسارا أوسع في إنسانية من التصور السائد في الفقه السياسي المعاصر.
من هذه المقارنات يمكن القول أن الديمقراطية ليست نقيضا للشورى ، كما أنها ليست مثلها فلكل مبادئه وأسسه وقواعده ، وميدان الاجتهاد في الشورى يمكنه من الاستفادة من الجديد المنافع ولو كان وافدا أجنبيا ، وهو في ذات الوقت لا يقبل الوافد دونما نظر واجتهاد وانسجام مع أحوال الإسلام وقواعده.
والشورى مصطلح إسلامي يحمل معناه الخاص المستقل ، كالمصطلحات الإسلامية الأخرى من : الصلاة والزكاة والجهاد ؛ فهي تفسر بمقتضى الشرع ، ولا داعي لمقارنتها بغيرها من المبادئ ، وعند المقارنة قد يوجد نوع من الالتقاء في بعض المبادئ والنظم في بعض الصور والجزيئات والوسائل والمظاهر ، وهذا أمر مقبول ومألوف في كل المصطلحات ، ولكنها لا تقضي على خصوصية كل نظام واستقلالية ولا تعني دخول بعضها في بعض.
ليس العبرة بالمبادئ المجردة ، أو التنظيرات المحلقة ، والمثاليات التي لا واقع لها ، بل إن كل ما حقق العدل ورفع الظلم ، ونشر العلم بكل ألوانه ، وحقوقه النظرية والتطبيقية ، وكفل الحريات ، وحفظ الحقوق والحياة الكريمة ، ومستوى العيش المقبول غير مقبول وصحيح.

العولمة والديمقراطية :
لا أظن متحدثا عن الديمقراطية وأثرها ، والمعايير في تطبيقها ، يمكن أن يتجاوز مسألة هي إحدى مفرزاتها ، ولكن قد تتفوق عليها في تأثيرها ويصدق عليها : "أن تلد الأمة ربتها" ، تلكم هي العولمة ، والذي يناسب هنا الإشارة إلى ما يقتضيه فكر العولمة من تداعيات ، ونتائج تسمح بالتدخل في الشؤون الداخلية باسم القانون الدولي بذريعة الدفاع عن حقوق الإنسان أحيانا ، أو حماية للديمقراطية حينا آخر ، بل ثمة ذرائع أخرى من دعوى حماية الأقليات ، بل حتى باسم الحفاظ على البينة ، وهي ذرائع باعثها الحقيقي المصالح ، وليس المبادئ هو توظيف للمبادئ لخدمة أهداف معينة ، قبل أن يكون تحقيقا لغايات إنسانية عليا.
وبذلك تصبح العولمة غير مقبولة حيت ترى أنه لا يوجد سوى مسار واحد لتطور البشرية وصلاحها ، وهو المسار الغربي وحده ، وأن مواقف الشعوب كلها يجب أن تحدد في إطار هذا المسار ، فلا يكون تطور ، ولا تقدم صحيح ، ولا معترف به إلا إذا كان على هذا المسار ، ومرتسما خطاه ، وهو متخلف ومتأخر إذا كانت درجة التشابه أقل ، وبهذا فإن العولمة بحق التغيير تلغي كل الاختلافات بين الدول والمجتمعات والبشر ، وستكون غير مقبولة إذا كانت تقدم على محو الشخصية الإنسانية ، والخاصة للشعوب ، أو تلغي تاريخها وقيمها وتجاربها ، وهي غير مقبولة أيضا إذا كانت تعني ، أو تؤدي إلى التخلي عن القيم والتاريخ والثقافة ، فضلا عن الدين والمعتقد.
وهنا لابد من الإشارة إلى أنه لا يجوز بأي حال إلغاء الإرث الحضاري لأي أمة ، ولا القيم الاجتماعية السائدة ما دامت قيما صحيحة ، وهي لا ريب يجب أن تكون مقبولة ومحترمة مادام أنها تحقق العدل ، وتحفظ الحق ، وتحمي الكرامة ، وتعترف بكل مطالبات المجتمع ، وتمنع الظلم والفساد.
إن دول العالم تقف وراء تاريخ عظيم ، وقيم كبرى فالحفاظ على هذه القيم والاعتزاز بالتميز التاريخي حق لا يجوز أن يستهان به أو أن يسمح الاستهانة به ، بل إن هذا التاريخ والثقافة والإرث هو أساس الإبداع الذي لا يصدر إلا من بيئة خاصة وثقافة متميزة.
والقول بالخصوصية والتميز ، وحق الاعتزاز بالتاريخ لا يعني الجحود والتنطر للجديد وإنكار الآخر وافتعال السدود والحواجز عن قبول الوافد النافع ، فالتميز والخصوصية ليست هي الرضا بالجهل والفقر والمرض والعقم التاريخي ، والقعود عن الحركة والاستسلام للتقاليد البالية.
والخلاصة أن فكر العولمة من خلال هذا المنظور ، بل من خلال النوع من الممارسة هو فكر انتقالي تحكمي يؤول إلى مناقضته بالديمقراطية في غاياتها وأهدافها بل ومبادئها.

الشورى في المملكة العربية السعودية :
إن الناظر والمتأمل يعلم أن تجربة مجلس الشورى في بلادي تدور حول أحاديث هامسة ومعلنة من قبل المهتمين بالشأن العام لا سيما الممارسات البرلمانية ، ومن المؤكد أن المجلس لا يسلم من الانتقادات والملاحظات ، ولاسيما من بعض الذين لا يدركون طبيعة أعمال المجلس ، ولا فلسفته ، ولا نظامه ولا قواعد العمل التي تحكمه في لجانه وهيئاته وجلساته.
ومجلس الشورى السعودي تجربة من إحدى التجارب في العالم الحديث لها مالها وعليها ما عليها ، ومن المؤكد أن لها أصولها وجذورها ومبادئها النظرية والتنظيرية والتي ليست نابعة من فراغ ، وليست وليدة اجتهادات حديثة الولادة ، أو قصيرة الزمن ، وهذا ما سوف تلقى عليه الأضواء باختصار غير مخل بإذن الله وبسط غير ممل بحول الله.

الشورى في السعودية في صورتها الجديدة صيغة مؤسساتية لإشراك المواطن بشكل مباشر في إدارة سياسات وطنه ، والتخطيط لهذه السياسات ، ومتابعة أداء المؤسسات ، ففي مجلس الشورى تحقق تعددية الرأي ، والحرية في الطرح ، والنقد البناء ، وارتباط للموضوعات المطروحة بالأمة ، والمجتمع والواقع ، أنظمة وقضايا ، صراحة في الطرح ، وقوة في العرض بأدب رفيع ، وألفاظ منتقاة وموضوعية في النقاش ، واستهداف المصلحة العليا للوطن.

مرت الشورى بمجلسها ، وممارساتها في المملكة العربية السعودية بالعديد من المراحل والتطورات منذ أن استتب الأمر للملك عبدالعزيز – رحمه الله – وتوحدت البلاد حتى تعاقبت مراحل تشكيل مجلس الشورى خلال الفترة من 1340-1351هـ) الموافق (1924-1932م) قد تم خلال هذه الفترة تكوين أربعة مجالس ابتداء بالمجلس الأهلي عام 1343هـ/1924م ، وانتهاء بمجلس الشورى الذي كونه وفقا لنظام مجلس الشورى الذي صدر عام 1346هـ/1927م) ، وحدد سلطته التشريعية ، وقد مارس هذا المجلس صلاحياته وسلطاته ، فأصدر خلال دوراته السابقة الـ (51) دورة (9453) قرارا ، عقد خلالها (6222) جلسة ، أصدر مجموعة من الأنظمة تزيد عن (170) نظاما كثير منها لا يزال ساريا حتى الآن في كافة شؤون المجتمع والدولة ، من الشؤون الدينية والقضائية والسياسية والاجتماعية والإدارية والصحية والعسكرية والأمنية والتعليمية والثقافية وشؤون الخدمة المدنية والمواصلات والزراعة وشؤون الحج والأوقاف والمراقبة العامة ، ومن هذه الأنظمة : نظام الحكم ، ونظام مجلس الشورى ، ونظام الانتخابات ، وأنظمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونظام جباية أموال الدولة ، وتنظيم الموازنات.

وفي عام 1412هـ/1992م صدر النظام الجديد لمجلس الشورى وهو يمثل نقلة تطويرية للمجلس تتواكب مع المستجدات ، وتطلعات القيادة والمواطنين وهناك مجهود متكامل بذل في وضع قواعد عمل المجلس واللجان التي تضم كافة التفاصيل الإجرائية والتنظيمية للمجلس بشمولية في المواضيع المطروحة بما ينظم كافة نشاطات الدولة ومطالب المجتمع.
الشورى بمجلسها برزت كإجراء مقتن لرئاسته ومبادئه وقواعده ، ونظامه يفتح له أبواب الإسهام بفاعلية لقد أتاح بنظامه وتكوينه أن يكون هناك بصورة رسمية أعضاء متفرغين لدراسة متطلبات الوطن والدولة في الدين والاقتصاد والاجتماع والسياسة والتنظيم والرقابة ، وتلمس هموم المواطن واحتياجاته واتخاذ القرارات المدروسة في آلية شورية برلمانية من خلال المداولات والمحاورات واللجان المتخصصة.

برز في النظام الجديد الوظيفتان الأساسيتان :
ـ الأولى : الدور التنظيمي (التشريعي).
ـ الثانية : الدور الرقابي.
وسوف نتحدث بإيجاز عن هذين الدورين مع بعض الوظائف والمهام التي يمارسها المجلس مما تقتضيه طبيعته ، وما يستهدفه تطويره.
أولا : الدور التنظيمي (التشريعي) :
ويمكن تلخيص الدور التنظيمي للمجلس من خلال الأمور الآتية :
1ـ الأنظمة واللوائح.
يقوم المجلس حيالها بالأمور التالية :
أ ـ مراجعة مشروعات الأنظمة قبل اتخاذ إجراءات إصدارها فيبدي المجلس رأيه فيها ويدخل ما يراه من تعديل ، بل له أن يقرر مدى ملائمة إصدار النظام من عدمه ، وأي نتيجة يتوصل إليها يصدر فيها قرارا (المادة رقم 15).
ب ـ دراسة تطوير الأنظمة النافذة واقتراح تعدليها (المادة رقم 23).
ج ـ اقتراح إصدار مشروعات أنظمة جديدة (المادة رقم 23).
د ـ تفسير الأنظمة (المادة رقم (15).
2ـ المعاهدات والاتفاقيات الدولية : (المادة رقم 15).
3ـ عقود الامتياز : إذا رأت الحكومة منح حق الامتياز لأي شخص (طبيعي أو عضوي) فإن المجلس يتولى دراسة هذا الامتياز والنظر في المصادقة عليه أو رفضه (المادة رقم 15).
ثانيا : الدور الرقابي :
يقوم المجلس بمراقبة الأداء الحكومي من خلال ميادين عدة منها :
1ـ إبداء الرأي في السياسات العامة للدولة ، وقد جاءت هذه الصلاحيات بصيغة عامة مطلقة مما يمنح المجلس مجالا أرحب لإبداء الرأي في هذا الميدان.
2ـ مناقشة الخطط التنموية وإقرارها حيث يناقش المجلس.
الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الواردة من وزارة التخطيط ثم إقرارها أو اقتراح ما يراه من تعديل ، ومعلوم أن خطة التنمية مشروع وطني شامل يتضمن الأهداف الاجتماعية والاقتصادية ، والمدى الزمني لتحقيقها كما يتضمن البرامج والوسائل والسياسات اللازمة لتحقيق تلك الأهداف.
3ـ متابعة تنفيذ الخطط سنويا :
وهو دور متمم للدور الذي سبق معتمدا في ذلك على عدة آليات ، منها ما يتم حين استعراض البيانات السنوية للوزارات ، والمصالح الحكومية ومناقشتها ، وكذلك الخطة السنوية لوزارة التخطيط نفسها.
4ـ مناقشة المجلس من خلال ذلك بالاطلاع على الأداء الحكومي في كافة مناقشاته ، سواء فيما يتعلق بالقوى البشرية وأداء الموظفين أو قيما يتعلق بالصرف المالي والميزانيات ، وقد يتطلب النظر استدعاء المسؤولين في الوزارة أو المصلحة لمزيد من الاستفسارات والأسئلة ، واستدعاء المسؤول قد يكون من قبل المجلس أو من لجانه المتخصصة.
5ـ استدعاء المسؤولين الحكوميين :
للمجلس الحق في طلب حضور أي مسؤول حكومي وتوجيه الاستيضاحات والأسئلة التي يرى المجلس أهمية توجيهها ، ويكون استدعاء المسؤولين من قناتين في المجلس :
إحداهما : المجلس في جلسته العامة.
والثانية : من قبل اللجان المتخصصة.
حينما يتخذ القرار في المجلس يرفع لرئيس مجلس الوزراء ، ثم يعرض الموضوع على مجلس الوزراء ، فإن اتفقت القرارات أخذ طريقه للتنفيذ ، وإن اختلف اتخذ الملك ما يراه.
وفي هذه الحالة من المعلوم أن ما يتخذه الملك سوف يكون منطلقا من دراسة ومشارات ، وبناء على مرئيات المجلسين ، وغيرهم من مستشاري الملك ورجال دولته بما يحقق مصلحة البلاد والعباد.
على أنه ثمة آلية أخرى يتخذها الملك في حالة عدم اتفاق المجلسين وهو أن يرجع الملك الموضوع إلى مجلس الشورى أو أن الملك يجمع المجلسين ليتوصلا إلى رأي مشترك.
وإذا رجع الموضوع إلى مجلس الشورى فللمجلس أن يعيد دراسة ما اعترض عليه مجلس الوزراء ، وله أن يصر على رأيه ، أو يقبل التعديل المقترح كما حصل في نظام المؤسسات الصحفية.
وهكذا فإن المجلس يمثل ركيزة أساسية في العملية التطويرية في الشأن السياسي والتنظيمي وصناعة القرار ، كما يلعب دورا واضحا في صياغة القرارات السياسية ، وصناعتها إضافة إلى تميزه بحرية الرأي ، والتعبير والصراحة والموضوعية والنقاش وغياب التكتلات والانتماءات الحزبية وتغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية مع ما يتوفر من منافع عمل ودي وتآلف بين الأعضاء.
كما أن التزام المجلس بمصادر التشريع الإسلامي في اعتماد القرارات والتوصيات من عوامل قوة المجلس ، وهو يتخذ قراراته بالأغلبية كما يشرك الجهات الحكومية في نقاشاته مما يولد جواً من التقارب والتفاهم بل التعاون.
وإن تخصصات الأعضاء واهتماماتهم وتنوع معارفهم ومشاركتهم أعطت المجلس نوعاً من التكامل في بناء المجلس الوظيفي والعلمي.
عليه فإنه يمكن أن نعرف الشورى المطبقة والممارسة في المجلس بأنها ؛ إصدار قرار في موضوع معين بعد تبادل الآراء والمداولة والاستماع إلى وجهات النظر من أعضاء المجلس بما يتلاءم مع أصول الشريعة ولا يعارضها.
ففي المجلس إيجابيات كثيرة وخطوات متطورة ونقلات متقدمة ، المجلس يستمد شرعيته من أسس الشريعة الإسلامية ، كما أنه يستجيب إلى التقاليد الحسنة والأعراف الصحيحة في المجتمع ؛ فهي نابعة من الدين الحنيف ومن الواقع الاجتماعي.
نظرة في أعضاء مجلس الشورى :
فيما يخص مجلس الشورى السعودي فإنه لا توجد انتماءات لغير الدين والوطن ، ولهذا لا ترى مزايدات من أجل أشخاص أو فئات أو أي شكل من أشكال الانتماء ، فمجلس الشورى السعودي : صورة تطبيقية لفلسفة مبدأ إسلامي ، وليس هو الصورة الوحيدة للشورى الإسلامية.
كما أن التشكيل النوعي لأعضاء المجلس الغني بكافة التخصصات الثرية لمناقشة المواضيع المطروحة ذات مهنية عالية بمنهاج معين ، يُنضج الموضوع المدروس دراسة تتسم بالأسلوب العلمي الجيد وتناقش بحيادية تامة.
إن الاختيار يبرز عدة أبعاد :
ـ البعد العلمي الثقافي : إذ يضم المجلس مجموعة من المؤهلين علميا في مجالات مختلفة وتخصصات متعددة حصلوا عليها من مختلف دول العالم ، وبالتالي فهم يسهمون ويثرون كل نقاش يدور داخل المجلس ولجانه.
ـ العبد الاجتماعي : فقد روعي في عملية اختيار الأعضاء أن يكونوا من وسط اجتماعي جيد ، قادر على التفاعل مع قضايا مجتمعة ، ويملك الوعي الكافي الذي يؤهله لأن ينقل هذا الحس الاجتماعي ليكون عضوا فاعلا.
ـ البعد المهني : بالإضافة إلى البعد العلمي والثقافي ، وهو مهني فثمة بعد مهني آخر يتمثل فيما يزخر به القطاع الخاص بكل خبراته ومناشطه ففي المجلس مجموعة من منسوبي هذا القطاع من رجال أعمال وأربا مهن.
ـ البعد الجغرافي / إذ يمثل أعضاء المجلس مناطق المملكة ، ومحافظاتها ومدنها مما يعطي دراية تامة بالخلفيات والمتطلبات التي تمثل أبرز الاهتمامات التي تغطي احتياجات المواطن في أرجاء البلاد كافة.
إن المستوى التعليمي الذي يتمتع به الأعضاء يلفت النظر ، فمنهم (64%) يحملون مؤهل الدكتوراه و (14%) ماجستير و (21%) بكالوريوس. منهم (80%) من حملة الدكتوراه والماجستير من جامعات غربية ، والبقية من السعودية ومصر.
ويمكن القول أن الدولة اختارت صفوة من رجالها ، ونخبة من أبنائها ليحتلوا مواقعهم ومقاعدهم في مجلس الشورى ، وتحت قبته صانعة القرارات.
إن المراقب والمحلل لعملية التعيين والاختيار لأعضاء المجلس يدرك أن مجموعة المجلس قد اختيرت بدقة وعناية وفهم صفوة من الرجال كما أن لهذه الخلفيات من الثراء العلمي والخبرة العلمية ، والتنوع المميز في الاهتمامات والمتابعات ما يرسخ كذلك الشرعية والهوية الوطنية ، والاستقرار الدستوري.
ومن المعلوم أن الوظيفة الأساسية للمجالس الشورية والبرلمانية ذات فرعين رئيسين هما : سن الأنظمة والقوانين.
والثانية : الرقابة على الأداء الحكومي ، وتأتي وظائف وإن كانت ليست في درجة الوظيفة الرئيسية ولكنها عامل مساعد ينبغي إلقاء الضوء عليه ، لأهميته في تبين مدى أداء المجلس لمهامه ، ذلكم هو : أن محور الارتكاز في هذه المجالس ، هو مقدرة الأعضاء العلمية والنظرية والفكرية ، ومدى توظيفهم لخبراتهم وإدراكهم لواقع الحياة ، إنهم في أدائهم الناجح يمثلون الحياة الكبرى التي تنهل من الفكر ، والعلوم التقنية والتجارية والاجتماعية والتفاعل مع الواقع المعاش.
ذلك كله يتم من خلال المداولات والمناقشات والحوارات بعد جمع للمعلومات من خلال قواعد معلوماتية نظرية وتطبيقية.
ومجلس الشورى يوظف هذه المهمة توظيفا مناسبا من خلال ما يمثله أعضاؤه من تخصصات علمية وتأهيل أكاديمي وخبرات عملية واختصاصات وقدرات.
ويمكن القول أن هذه الحوارات والمناقشات يمكن أن تمثل فيما تمثل ندوات فكرية وموائد علمية تنمي المعرفة ، وتزكي الخبرة ، وتزيد في الإحساس بالمسئولية الوطنية.
فالمجلس بصورته الجديدة وهيئته المطورة يمثل نقلة كبيرة وقفزة لا يمكن لمراقب أن يتجاهلها ، والمزيد من الإصلاح ، ويعبر عن ذلك في مظهرين :
الأول : صدور النظام المتكامل لمجلس الشورى ، والذي يوضح مهامه ووظائفه ودوره في سلطات الدولة.
الثاني : تعيين أعضائه بالنظر المتأمل لخلفيتهم العلمية والعملية والاجتماعية والفكرية.
خاتمــة :
المملكة العربية السعودية هي ارض الحرمين الشريفين ، ومتنزل الوحي ومبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، ومهبط الرسالة ، وهي راعية المقدسات ، وكل ذلك يجسد البناء العقدي الذي هي عليه ، وما يجب أن تكون عليه من الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
مجلس الشورى السعودي مستفيد استفادة تامة من التقاليد النيابية والأعراف البرلمانية والممارسة التنظيمية والإجرائية.
قد يظن بعض الناس أن مجلس الشورى مجلس استشاري يقدم المشورة المجردة لولي الأمر ، وهذا قصور في فهم طبيعة مجلس الشورى ففي الواقع أن مجلس الشورى يدرس الأنظمة واللوائح والاتفاقيات وتقارير الأداء الحكومي ، ويناقش خطط الدولة ، وفي كل ذلك يتخذ قرارات متكاملة ومستوفاة ومدروسة على نحو ما يجري في المجالس البرلمانية المشابهة.
وبعبارة معاصرة هو يقدم المشورة ، ولكنه يقدمها بصيغة قرار له آليته التي يصدر بها والقنوات التي يصبح قانونا ساريا في البلاد.
وقد يكون من الملائم الإشارة هنا أنه ليس من الضرورة ، ولا من نشدان الكمال أن يكون ما عليه البرلمانات الأخرى هي الهدف والقدوة ، ويكفي في أي نظام أن يحقق العدالة ، ويتخذ القرار المناسب ، ويسلك الوسائل المناسبة في الدراسة والنقاش من خلال لجان متخصصة أو خاصة ولقاءات لكل من تعنيهم الدراسة ويتأثرون بالقرار.
ويوجد في بعض المجالس والممارسات صور من اللغط واللجج ، وحرية تقود في بعض ممارساتها إلى الفوضى حتى أصبحت في بعضها عبئا بدلا من أن تكون عونا ، وأضحت عوامل تثبيط وتأخير لمسيرة التنمية لم تخدم وطنها بل تظل سنين في جدل عقيم.
قد تنشأ مؤسسات نيابية ، وتنشأ برلمانات وطنية ، ولكن في مناخ لا تشيع فيه ثقافة الحوار ، ولا تعرف أطرافه معنى الحوار ، ولا قيمة الرأي ، ولا حق التقيد الهادف ففي هذه الحالة تكون الأمة أمام مسخ مشوه.
إذاً فالعبرة ليست في هيكل تنظيمي بعينه ، أو تجارب مستوردة بذاتها ، ولكن الغاية تكمن فيها يحقق العدل ، ويحفظ الحق ويحمي الفرد والجماعة.
الديمقراطية يراد منها أن تكون رؤية متكاملة ومنظومة مترابطة ، وهي وسيلة وليست غاية ، وسيلة لتحقيق العدالة وحماية الحرية ، وحفظ الحقوق للفرد والجماعة ، وإقرار الحكم العادل النزيه ، ووسيلة أيضا لتعديل مسار حركات الشعوب وتطلعات الجماهير وآمل الدول.
خلاصة بأعمال المجلس واللجان في دورتيه الأولى والثانية :
1ـ لجنة العرائض ورد إليها (630) موضوعا ، درس منها (540) موضوعا.
2ـ عدد اجتماعات المجلس في دورته الأولى (144) جلسة أصدر خلالها (136) قرارا.
3ـ عدد اجتماعات المجلس في دورته الثانية (296) جلسة أصدر خلالها (275) قرارا.
4ـ عدد اجتماعات اللجان في الدورة الأولى (723) اجتماعا درس خلالها (792) موضوعا.
5ـ عدد اجتماعات اللجان في الدورة الثانية (1023) اجتماعا درس خلالها (963) موضوعا.
6ـ الاتفاقيات والمعاهدات عددها في الدورة الأولى (58) ، وفي الدورة الثانية (74).
7ـ الأنظمة واللوائح عددها في الدورة الأولى (67) ، وفي الدورة الثانية (78).
هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،
د. صالح بن عبدالله بن حميد
رئيس مجلس الشورى
وكان قد ألقى معالي الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد كلمة في افتتاح المؤتمر الأول لمؤسسة الفكر العربي قال فيها :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسل الله نبينا محمد وإخوانه من النبيين والمرسلين ، وعلى الآل والصحب أجمعين ـ ومن اتبعهم بإحسان وبعد :
وأشكر لمؤسسة الفكر العربي هذه الدعوة للمشاركة في هذا المنتدى الفكري الكبير وفي مؤتمرها الأول ، كما أقدر نبل الغاية التي تنادي إليها القائمون على هذه المؤسسة الوليدة.
ونظرا لمحدودية الوقت لهذه الكلمة فاسمحوا لي بهذه الكلمات المجلي والإشارات العابرة والتي أرجو أن تكون نفاذة.
أيها الحفل الكريم : غاية هذه المؤسسة الوليدة جمع شمل الأمة وبناؤها ، بل إنقاذها مما هي فيه من ضعف وتري ، كما توجهت إلى ذلك أهدافها.
إنها مؤسسة فكرية ، والفكر فيما يبدو لي هو مجموع ما يبني الأمة وما ينظم عناصر تكوينها ويشكل أركان بنائها ومقوماتها.
كذلك فإن البداية الصحيحة تكون ولاشك بوحدة الهدف في الفكر.
وعليه فإن من حق كل من ينتسب إلى الفكر وأهل الفكر أن يدل أمته على الرشد ، وأن يكون صادقا في قصده ، ناصحا في طرحه أسلوبا وغاية.
إن أول أهداف هذه المؤسسة ما عبرت عنه بقولها :
"تنمية الاعتزاز بثوابت الأمة وقيمها وهويتها"
إن المأمول من هذه المؤسسة الفكرية العزيزة ومن كل ما يتطلع ويتصدر ويتصدى للنهوض بالأمة أن يبدأ من حيث انتهى الآخرون ، بل يجب أن يستفيد من تجارب الآخرين ، ولا سيما الجهود المشابهة في المنطقة والتي مع الأسف لم تحقق النجاحات المنشودة ، والدليل على ذلك هذه الأوضاع المتردية في كثرة الطروحات وتعدد المنابر.
إن من المطلوب تحديد المقصود بثوابت الأمة وقيمها وهويتها تحديدا يمنع الجدل ويرفع الخلاف ، وكل مصلح وكل ناصح يحتاج إلى وقفة شجاعة في مصارحة النفس وتشخيص الداء.
إن من المؤكد أن أبرز عوامل جمع الأمة – أي أمة – ووسائل ربطها واجتماعها الدين واللغة والتاريخ. أما أمة العرب فقبل الدين لم تكن شيئا مذكورا ، ها هم الأوربيون يتحدون رغم اختلافهم على تفصيلات كثيرة من أبرزها اللغة والقومية.
لابد من وقفة مراجعة ، ولاسيما في هذا الظرف الذي تكشف لنا فيه عيوب كثيرة وعقيمة في كثير من طروحاتنا.
إن أقرب تحليل لذلك أنه الفشل الذريع للسياسات العربية ، وحتى لا أطيل أحب أن أنبه إلى وضعين في المنطقة لا يمكن إغفالهما أو تجاهلهما ، بل هما في تقديري أقرب الطرق للتحليل الصادق لأوضاعنا :
أحدهما : أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي وضعت العرب ودينهم في مرمى السهام ، بل لقد أصابتهم في أكثر من مقتل ، لم تكن السهام موجهة إلا إلى الدين اتهم العرب في دينهم ، واتهموا في مناهجهم ، وزعموا أن كل ما أصاب العالم من بلاء هو من هذا المنهج وهذا الدين ، وما تكلموا عن العرب في جنسهم ولا في قوميتهم ، بل بدأ الحال وكأن العالم يكتشف الإسلام لأول مرة ، بل وصل الحد من الاتهام والتجريح والهجوم إلى أن نالوا من نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم واتهموه بالعنف والإرهاب وقطع الطريق ، وكل هذه الاتهامات صدرت من شخصيات دينية يمينية متطرفة.
الموضوع الثاني : قضيتنا المقضة للمضاجع قضيتنا الكبرى فلسطين العزيزة ، لقد أقصيت منذ زمن بعيد مع الأسف عن محيطها الإسلامي وإطارها الديني ، فكانت الخسائر والنكبات ، وهي الآن تكاد تقصى عن محيطها العربي لتنفرد أمريكا وإسرائيل بجميع خيوط القضية إن صح التعبير.
إن على هذه المؤسسات الجديدة – وهي مؤسسة جعلت الفكر أصل بنائها وحاملا اسمها – أن تغوص في قضايا الأمة بعمق وأن تنظر في الأسس والمبادئ وسنن الله الكونية ، ولا تحكم أو تؤصل من خلال الضعف الحالي ، فإن الضعيف يقوى والقوي يضعف ، ولكن الحق لا يتغير والمبادئ لا تتبدل ، والباطل يبقى باطلا ولو حمته الدبابات والمدرعات ، فالقوة العسكرية قد تغير الأنظمة ، ولكنها لا تغير الأمم ولا الحقائق ، بل ولا تغير الفكر { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } .
وختاما أذكر بآيتين كريمتين ترسم لأمة العرب شرفها ، وتوضح لها طريقها وتقول لها أين السبيل ؟
الأولى : قول الله عز وجل : { لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } .
أما الثانية : فقول الله عز وجل : {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،